ينهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن فعل الصلاة في حال السكر، الذي لا يدري معه المصلي ما يقول، وعن قربان محالها - التي هي المساجد - للجنب إلا أن يكون مجتازاً من باب إلى باب من غير مكث؛ وقد كان هذا قبل تحريم الخمر كما دل عليه الحديث الذي ذكرناه في سورة البقرة عند قوله تعالى :﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر ﴾ [ الآية : ٢١٩ ] الآية، فإن رسول الله ﷺ تلاها على عمر فقال :« اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً »، فلما نزلت هذه الآية تلاها عليه، فقال :« اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً »، فكانوا لا يشربون الخمر في أوقات الصلوات حتى نزلت :﴿ ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [ المائدة : ٩٠ ] إلى قوله تعالى :﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾ [ المائدة : ٩١ ] ؟ فقال عمر : انتهينا انتهينا. وفي رواية عن عمر بن الخطاب في قصة تحريم الخمر، فذكر الحديث وفيه : فنزلت الآية التي في النساء ﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ﴾، فكان منادي رسول الله ﷺ إذا قامت الصلاة ينادي : أن لا يقربن الصلاة سكران.
( سبب آخر ) : عن علي بن ابي طالب قال : صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً، فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا، وحضرت فقدموا فلاناً قال فقرأ : قل يا أيها الكافرون ما أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون، فأنزل الله :﴿ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ﴾. وقال العوفي عن ابن عباس في الآية : إن رجالاً كانوا يأتون وهم سكارى قبل أن يحرم الخمر، فقال الله :﴿ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى ﴾ الآية، رواه ابن جرير، وعن قتادة : كانوا يجتنبون السكر عند حضور الصلوات، ثم نسخ بتحريم الخمر، وقال الضحاك : لم يعن بها سكر الخمر، وإنما عنى بها سكر النوم. ثم قال ابن جرير : والصواب أن المراد سكر الشراب، قال : ولم يتوجه النهي إلى السكران الذي لا يفهم الخطاب لأن ذاك في حكم المجنون، وإنما خوطب بالنهي الثَّمِلُ الذي يفهم التكليف، وهذا حاصل ما قاله. وقد ذكره غير واحد من الأصوليين، وهو أن الخطاب يتوجه إلى من يفهم الكلام دون السكران الذي لا يدري ما يقال له، فإن الفهم شرط التكليف، وقد يحتمل أن يكون المراد التعريض بالنيه عن السكر بالكلية لكونهم مأمورين بالصلاة في الخمسة الأوقات من الليل والنهار، فلا يتمكن شارب الخمر من أداء الصلاة في أوقاتها دائماً والله أعلم. وعلى هذا فيكون كقوله تعالى :