يقول تعالى آمراً لهم بتدبر القرآن وناهياً لهم عن الإعراض عنه، وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة، ومخبراً لهم أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب، ولا تعارض لأنه تنزيل من حكيم حميد فهو حق من حق، ولهذا قال تعالى :﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن ﴾، ثم قال :﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله ﴾ أي لو كان مفتعلاً مختلقاً، كما يقوله من يقول من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم لوجدوا فيه اختلافاً، أي اضطراباً وتضاداً كثيراً، أي وهذا سالم من الاختلاف فهو من عند الله، كما قال تعالى مخبراً عن الراسخين في العلم حيث قالوا :﴿ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ﴾ [ آل عمران : ٧ ] أي محكمة ومتشابهه حق، فلهذا ردوا المتشابه إلى المحكم فاهتدوا، والذين في قلوبهم زيغ ردوا المحكم إلى المتشابه فغووا، ولهذا مدح تعالى الراسخين وذم الزائغين. قال الإمام أحمد عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده قال : خرج رسول الله ﷺ ذات يوم والناس يتكلمون في القدر فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال لهم :« ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض، بهذا هلك من كان قبلكم »، وعن عبد الله بن عمرو قال : هجّرت إلى رسول الله ﷺ يوماً، فإنّا لجلوس إذا اختلف اثنان في آية فارتفعت أصواتهما فقال :« إنما هلكت الأمم قبلكم باختلافهم في الكتاب ».
وقوله تعالى :﴿ وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمن أَوِ الخوف أَذَاعُواْ بِهِ ﴾ إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة، وقد قال مسلم في مقدمة صحيحه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال :« كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع » وفي الصحيح :« من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين » ولنذكر هاهنا حديث عمر بن الخطاب المتفق على صحته حين بلغه أن رسول الله ﷺ طلق نساءه فجاء من منزله حتى دخل المسجد فوجد الناس يقولون ذلك فلم يصبر حتى استأذن على النبي ﷺ فاستفهمه، أطلقت نساءك؟ فقال :« لا » فقلت : الله أكبر وذكر الحديث بطوله. وعن مسلم فقلت : أطلقتهن فقال :« لا »، فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي : لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه، ونزلت هذه الآية :﴿ وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمن أَوِ الخوف أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾، فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر، ومعنى يستنبطونه أي يستخرجونه من معادنه، يقال : استنبط الرجل العين إذا حفرها واستخرجها من قعورها، وقوله :﴿ لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ قال ابن عباس : يعني المؤمنين، وقال قتادة ﴿ لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ يعني : كلكم واستشهد من نصر هذا القول بقول الطرماح في مدح يزيد بن المهلب :

أشم، نديّ، كثير النوادي قليل المثالب، والقادحة
يعني لا مثالب له ولا قادحة فيه.


الصفحة التالية
Icon