يقول تعالى مخاطباً عبده ورسوله محمداً ﷺ باسم الرسالة، وآمراً بإبلاغ جميع ما أرسله الله به، وقد امتثل عليه أفضل الصلاة والسلام ذلك وقام به أتم القيام، قال البخاري عند تفسير هذه الآية عن عائشة رضي الله عنها قالت : من حدثك أن محمداً كتم شيئاً مما أنزل الله عليه فقد كذب، وهو يقول :﴿ ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ الآية، وفي الصحيحين عنها أيضاً أنها قالت : لو كان محمد ﷺ كاتماً شيئاً من القرآن لكتم هذه الآية :﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ﴾ [ الأحزاب : ٣٧ ]. وقال ابن أبي حاتم عن هارون بن عنترة عن أبيه قال : كنت عند ابن عباس فجاء رجل فقال له : إن ناساً يأتونا فيخبرونا أن عندكم شيئاً لم يبده رسول الله ﷺ للناس، فقال ابن عباس : ألم تعلم أن الله تعالى قال :﴿ ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾، والله ما ورَّثنا رسول الله ﷺ سوداء في بيضاء. وهذا إسناد جيد. وفي صحيح البخاري عن وهب بن عبد الله السوائي قال : قلت لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال : لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلاّ فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن، وما في هذه الصحيفة. قلت : وما في هذه الصحيفة؟ قال : العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر.
وقال البخاري، قال الزهري : من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم، وقد شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحو من أربعين ألفاً، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يومئذٍ :« » أيها الناس إنكم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟ « قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكسها إليهم، ويقول :» اللهم هل بلغت «!؟ ».
وقوله تعالى :﴿ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ يعني وإن لم تؤد إلى الناس ما أرسلتك به فما بلغت رسالته قال ابن عباس :﴿ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ : يعني إن كتمت آية مما أنزل إليك من ربك لم تبلغ رسالته، وعن مجاهد قال : لما نزلت :﴿ ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ قال : يا رب كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون علي؟ فنزلت :﴿ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ وقوله تعالى :﴿ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس ﴾ أي بلغ أنت رسالتي وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك على أعدائك ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك.