يقول تعالى مجيباً لموسى في قوله :﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ ﴾ الآية، ﴿ قَالَ عذابي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أي أفعل ما أشاء وأحكم ما أريد، ولي الحكمة والعدل في كل ذلك سبحانه لا إله إلا هو، وقوله تعالى :﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ آية عظيمة الشمول والعموم، كقوله تعالى إخباراً عن حملة العرش ومن حوله إنهم يقولون :﴿ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً ﴾ [ غافر : ٧ ]. عن جندب بن عبد الله البجلي قال : جاء أعرابي فأناخ راحلته، ثم عقلها ثم صلى خلف رسول الله ﷺ فلما صلى رسول الله ﷺ أتى راحلته، فأطلق عقالها، ثم ركبها، ثم نادى : اللهم ارحمني ومحمداً ولا تشرك في رحمتنا أحداً، فقال رسول الله ﷺ :« أتقولون هذا أضل أم بعيره، ألم تسمعوا ما قال؟ » قالوا : بلى، قال :« لقد حظرت رحمة واسعة، إن الله عزَّ وجلَّ خلق مائة رحمة، فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق جنها وإنسها وبهائمها، وأخّر عنده تسعاً وتسعين رحمة، أتقولون هو أضل أم بعيره » ؟ رواه أحمد وأبو داود؛ وقال الإمام أحمد أيضاً عن سلمان عن النبي ﷺ قال :« إن لله عزَّ وجلَّ مائة رحمة، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق، وبها تعطف الوحوش على أولادها، وأخّر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة » عن أبي سعيد قال، قال رسول الله ﷺ :« لله مائة رحمة فقسم منها جزءاً واحداً بين الخلق، به يتراحم الناس والوحش والطير » وقوله :﴿ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ الآية، يعني فسأوجب حصول رحمتي منه مني وإحساناً إليهم، كما قال تعالى :﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة ﴾ [ الأنعام : ٥٤ ]، وقوله :﴿ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ أي سأجعلها للمتصفين بهذه الصفات وهم أمة ومحمد ﷺ :( الذين يتقون ) أي الشرك والعظائم من الذنوب، قوله :﴿ وَيُؤْتُونَ الزكاة ﴾ قيل : زكاة النفوس، وقيل : الأموال، ويحتمل أن تكون عامة لهما، فإن الآية مكية ﴿ والذين هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ أي يصدقون.


الصفحة التالية
Icon