يخبر تعالى أنهم أهل لأن يعذبهم، ولكن لم يوقع ذلك بهم لبركة مقام الرسول ﷺ بين أظهرهم، ولهذا لما خرج من بين أظهرهم أوقع الله بهم بأسه يوم بدر فقتل صناديدهم، وأسر سراتهم، وأرشدهم تعالى إلى الاستغفار من الذنوب التي هم متلبسون بها من الشرك والفساد، قال قتادة والسدي : لم يكن القوم يستغفرون ولو كانوا يستغفرون ما عذبوا. قال ابن جرير عن عكرمة والحسن البصري قالا، قال في الأنفال :﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [ الأنفال : ٣٣ ] فنسختها الآية التي تليها ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله ﴾ إلى قوله :﴿ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ فقاتلوا بمكة فأصابهم فيها الجوع والضر، وقال ابن أبي حاتم عن ابن عباس :﴿ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [ الأنفال : ٣٣ ]، ثم استثنى أهل الشرك فقال :﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام ﴾، وقوله :﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام وَمَا كانوا أَوْلِيَآءَهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ المتقون ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي وكيف لا يعذبهم وهم يصدون عن المسجد الحرام أي الذي بمكة، يصدون المؤمنين الذين هم أهله عن الصلاة فيه والطواف به، ولهذا قال :﴿ وَمَا كانوا أَوْلِيَآءَهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ المتقون ﴾ أي هم ليسوا أهل المسجد الحرام وإنما أهله النبي ﷺ وأصحابه، كما قال تعالى :﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ على أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النار هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر وَأَقَامَ الصلاة وآتى الزكاة وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله فعسى أولئك أَن يَكُونُواْ مِنَ المهتدين ﴾ [ التوبة : ١٧-١٨ ]، وقال تعالى :﴿ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله وَكُفْرٌ بِهِ والمسجد الحرام وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ الله ﴾ [ البقرة : ٢١٧ ] الآية. وقال الحافظ ابن مردويه في تفسير هذه الآية عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :« سئل رسول الله ﷺ من أولياؤك؟ قال :» كل تقي «، وتلا رسول الله ﷺ ﴿ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ المتقون ﴾. وقال الحاكم في مستدركه. جمع رسول الله ﷺ قريشاً فقال :» هل فيكم من غيركم « فقالوا : فينا ابن أختنا وفينا حليفنا وفينا مولانا، فقال :» حليفنا منا وابن أختنا منا ومولانا إن أوليائي منكم المتقون «.
وقال عروة والسدي في قوله تعالى :﴿ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ المتقون ﴾ قال : هم محمد ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم، وقال مجاهد : هم المجاهدون من كانوا حيث كانوا، ثم ذكر تعالى ما كانوا يعتمدونه عند المسجد الحرام وما كانوا يعاملونه به، فقال :﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً ﴾ المكاء هو الصفير، وزاد مجاهد : وكانوا يدخلون أصابعهم في أفواههم.


الصفحة التالية
Icon