يبين تعالى تفصيل ما شرعه مخصصاً لهذه الآمة الشريفة من بين سائر الأمم المتقدمة إحلال الغنائم، والغنيمة هي المال المأخوذ من الكفار بإيجاف الخيل والركاب، والفيء ما أخذ منهم بغير ذلك، كالأموال التي يصالحون عليها أو يتوفون عنها ولا وارث لهم، والجزية والخراج ونحو ذلك؛ هذا مذهب الإمام الشافعي، ومن العلماء من يطلق الفيء على ما تطلق عليه الغنيمة والعكس أيضاً، ﴿ واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ ﴾ توكيد لتخميس كل قليل وكثير حتى الخيط والمخيط، قال الله تعالى :﴿ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة ﴾ [ آل عمران : ١٦١ ] الآية، وقوله :﴿ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ﴾ اختلف المفسرون هاهنا، فقال بعضهم لله نصيب من الخمس يجعل في الكعبة. وقال آخرون : ذكر الله هاهنا استفتاح كلام للتبرك، وسهم لرسوله ﷺ. قال ابن عباس : كان رسول الله ﷺ إذا بعث سرية فغنموا خمَّس الغنيمة، فضرب ذلك الخمس في خمسة، ثم قرأ :﴿ واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ﴾، فأن لله خمسة : مفتاح كلام :﴿ وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض ﴾ [ آل عمران : ١٠٩ ]، فجعل سهم الله وسهم الرسول ﷺ واحداً، ويؤيد هذا ما رواه الحافظ البيهقي بإسناد صحيح عن عبد الله بن شفيق عن رجل قال :« أتيت النبي ﷺ وهو بوادي القرى، وهو يعرض فرساً، فقلت : يا رسول الله ما تقول في الغنيمة؟ فقال :» لله خمسها وأربعة أخماسها للجيش « قلت فما أحد أولى به من أحد؟ قال :» لا ولا السهم تستخرجه من جيبك ليس أنت أحق من أخيك المسلم «.
وقال ابن جرير عن الحسن قال : أوصى الحسن بالخمس من ماله، وقال : ألا أرضى من مالي بما رضي الله لنفسه؛ وعن عطاء قال : خمس الله والرسول واحد يحمل منه ويصنع فيه ما شاء، يعني النبي ﷺ، وهذا أعم وأشمل، وهو أنه ﷺ يتصرف في الخمس الذي جعله الله له بما شاء ويرده في أمته كيف شاء. ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد عن المقدام بن معد يكرب الكندي : أنه جلس مع عبادة بن الصامت وأبي الدرداء والحارث ابن معاوية الكندي رضي الله عنهم، فتذكروا حديث رسول الله ﷺ، فقال أبو الدرداء لعبادة :» يا عبادة كلمات رسول الله ﷺ في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس، فقال عبادة : إن رسول الله ﷺ صلى بهم في غزوة إلى بعير من المغنم، فلما سلم قام رسول الله ﷺ فتناول وبرة بين أنملتيه فقال :« إن هذه من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط، وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلوا، فإن الغلول عار ونار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في السفر والحضر، وجاهدوا في الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة عظيم ينجي الله به من الهم والغم »