يقول تعالى مخبراً عن الإنسان، أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئاً يذكر لحقارته وضعفه، فقال تعالى :﴿ هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدهر لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً ﴾ ثم بيّن ذلك فقال جل جلاله :﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ ﴾ أي أخلاط، والمشج والمشيج، الشيء المختلط بعضه في بعض، قال ابن عباس : يعني ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل بعد من طور إلى طور، وحال إلى حال، وقال عكرمة ومجاهد : الأمشاج هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة، وقوله تعالى :﴿ نَّبْتَلِيهِ ﴾ أي نختبره كقوله جلَّ جلاله :﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ [ هود : ٧، الملك : ٢ ]، ﴿ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾ أي جعلنا له سمعاً وبصراً يتمكن بهما من الطاعة والمعصية، وقوله جلّ وعلا :﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل ﴾ أي بيناه له ووضحناه وبصرناه به كقوله جلَّ وعلا :﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى ﴾ [ فصلت : ١٧ ]، وكقوله جلّ وعلا :﴿ وَهَدَيْنَاهُ النجدين ﴾ [ البلد : ١٠ ] أي بينا له طريق الخير وطريق الشر، وهذا قول عكرمة ومجاهد والجمهور، وروي عن الضحّاك والسدي ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل ﴾ يعني خروجه من الرحم، وهذا قول غريب، والصحيح المشهور الأول، وقوله تعالى :﴿ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾ منصوب على الحال في الهاء في قوله :﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل ﴾ تقديره : فهو في ذلك ما شقي وإما سعيد، كما جاء في الحديث الصحيح :« كل الناس يغدو فبائع نفسه فموبقها أو معتقها »، وقد تقدم من رواية جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله ﷺ :« لكل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه إما شاكراً وإما كفواً »، وروى الإمام أحمد، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال :« ما من خارج يخرج إلاّ ببابه رايتان : راية بيد ملك، وراية بيد شيطان، فإن خرج لما يحب الله اتبعه الملك برايته، فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته، وإن خرج لما يسخط الله اتبعه الشيطان برايته فلم يزل تحت راية الشيطان حتى يرجع إلى بيته ».


الصفحة التالية
Icon