سورة الأعراف | الآية ١٦٥

عرض السورة
التَّفسير

ﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷ

صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
المنَاسَبَة: لا تزال الآيات الكريمة تتحدث عن قصة موسى عليه السلام مع بني إِسرائيل - وما أغدق الله عليهم من النعم، وما قابلوها به من الجحود والعصيان، وقد ذكرت الآيات قصة ﴿أَصْحَابَ القرية﴾ [يس: ١٣] واعتداءهم يوم السبت بالاصطياد فيه وكيف أن الله تعالى مسخهم قردة، وفي ذكل عبرة للمعتبرين.
اللغَة: ﴿أَسِفاً﴾ الأسف: شهدة الحزن أو الغضب يقال هو أسِفٌ وأسيف ﴿ابن أُمَّ﴾ أصلها ابن أمي وهي استعطاف ولين ﴿تُشْمِتْ﴾ الشماتة: السرور بما يصيب الإنسان من مكروه وفي الحديث «وأعوذ بك ن شماتة الأعدء» ; لرَّجْفَةُ} الزلزلة الشديدة ﴿هُدْنَآ﴾ تبنا يقال: هاد يهودُ إِذا تاب ورجع فهو هائد قال الشاعر: إني امرؤٌ مما جنيتُ هائد ﴿إِصْرَهُمْ﴾ التكاليف الشاقة وأصل الإِصر الثقل الذي يأصر صاحبه عن الحِرَاك ﴿الأغلال﴾ جمع غُل وهو ما يوضع في العنق أو اليد من الحديد ﴿عَزَّرُوهُ﴾ وقّروه ونصروه ﴿أَسْبَاطاً﴾ جمع سبط وهو ولد الولد أو ولد البنت ثم أطلق على كل قبيلة من بني إِسرائيل ﴿تَأَذَّنَ﴾ آذن من الإِيذانُ بمعنى الإِعلام ﴿يَسُومُهُمْ﴾ يذيقهم ﴿خَلَفَ﴾ بسكون اللام من يخلف غيره بالسوء والشر وأمّا بفتح اللام فهو يخلف غيره بالخير ومنه قولهم: «جعلك الله خير خلف لخير سلف»
التفِسير: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً﴾ أي ولما رجع وسى من المناجاة ﴿غَضْبَانَ﴾ مما فعلوه من عبادة العجل ﴿أَسِفاً﴾ أي شديد الحزن ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بعدي﴾
— 439 —
أي بئس ما فعلتموه بعد غيبتي حيث عبدتم العجل ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ أي أعجلتم عن أمر ربكم وهو انتظار موسى حتى يرجع من الطور؟ والاستفهام للإِنكار ﴿وَأَلْقَى الألواح وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ أي طرح الألواح لما عراه من شدة الغضب، وفرط الضجر غضباً لله من عبادة العجل، وأخذ بشعر رأس أخيه هارون يجره إليه ظناً منه أنه قصَّر في كفهم عن ذلك وكان عليه السلام شديد الغضب لله سبحانه قال ابن عباس: لّما عاين قومه وقد عكفوا على العجل ألقى الألواح فكسرها غضباً لله وأخذ برأس أخيه يجره إليه ﴿قَالَ ابن أُمَّ إِنَّ القوم استضعفوني وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي﴾ أي قال هارون يا ابن أمي - وهو نداء استعطاف وترفق - إن القوم استذلوني وقهروني وقاربوا قتلي حين نهيتهم عن ذلك فأنا لم أقصر في نصحهم ﴿فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعدآء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ القوم الظالمين﴾ أي لا تُسئْ إليَّ حتى يُسرَّ الأعداء بي ويشمتوا بإهانتك إليَّ ولا تجعلني في عداد الظالمين بالمؤاخذة أو النسبة إلى التقصير قال مجاهد: ﴿الظالمين﴾ أي الذين عبدوا العجل ﴿قَالَ رَبِّ اغفر لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين﴾ لما تحقق لموسى براءة ساحة هارون عليه السلام من التقصير طلب عند ذلك المغفرة له ولأخيه فقال ﴿اغفر لِي وَلأَخِي﴾ الآية قال الزمخشري: استغفر لنفسه مما فرط منه إلى أخيه، ولأخيه مما عسى أن يكون فرط منه في حين الخلافة، وطلب ألاّ يتفرقا عن رحمته، ولا تزال منتظمة لهما في الدنيا والآخرة ﴿إِنَّ الذين اتخذوا العجل سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الحياة الدنيا﴾ أي إن الذين عبدوا العجل - ذكر البقر - واتخذوه إلهاً سيصيبهم غضب شديد من الرحمن، وينالهم في الدنيا الذل والهوان قال ابن كثير: أما الغضب الذي نال بني إسرائيل فهو أن الله تعالى لم يقبل لهم توبة حتى قتلَ بعضُهم بعضاً، وأما الذلة فأعقبهم ذلك ذلاً وصَغَاراً في الحياة الدنيا ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المفترين﴾ أي كما جازينا هؤلاء بإِحلال الغضب والإِذلال كذلك نجزي كل من افترى الكذب على الله قال سفيان بن عُيينة: كلُّ صاحب بدعة ذليل ﴿والذين عَمِلُواْ السيئات ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وآمنوا﴾ أي عملوا القبائح والمعاصي ثم تابوا ورجعوا إلى الله من بعد اقترافها وداموا على إيمانهم وأخلصوا فيه ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي إنَّ ربك يا محمد من بعد تلك التوبة لغفور لذنوبهم رحيم بهم قال الألوسي: وفي الآية إعلامٌ بأنَّ الذنوب وإن جلّتْ وعظمت فإن عفو الله تعالى وكرمه أعظم وأجلُّ، وما ألطف قول أبي نواس غفر الله تعالى له:
يا ربِّ إنْ عَظُمتْ ذنوبي كثرةًفلقد علمتُ بأنَّ عفوكَ أعظمُ
إن كانَ لا يَرْجوكَ إلا محسنٌفبمنْ يلوذُ ويستجيرُ المجرمُ
﴿وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب﴾ أي سكن غضب موسى على أخيه وقومه ﴿أَخَذَ الألواح﴾ أي ألواح التوراة التي كان ألقاها ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ أي وفيما نُسخ فيها وكُتب هداية للحق
— 440 —
ورحمة للخلق بإرشادهم إلى ما فيه سعادة الدارين ﴿لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أي هذه الرحمة للذين يخافون الله ويخشون عقابه على معاصيه ﴿واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا﴾ أي اختار موسى من قومه سبعين رجلاً ممن لم يعبدوا العجل للوقت الذي وعده ربه الإِتيان للاعتذار عن عبادة العجل ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرجفة﴾ أي فلما رجف بهم الجبل وصعقوا ﴿قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ أي قال موسى على وجه التضرع والإِستسلام لأمر الله: لو شئت يا ربِّ أن تهلكنا قبل ذلك لفعلتَ فإِنَّ عبيدك وتحت قهرك وأنت تفعل ما تشاء ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ﴾ ؟ أي أتهلكنا وسائر بني إسرائيل بما فعل هؤلاء السفهاء السبعون في قولهم: ﴿أَرِنَا الله جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] ؟ والاستفهام استفهام استعطاف وتذلل فكأنه يقول: لا تعذبنا يا ألله بذنوب غيرنا قال الطبري في رواية السدي: إن الله أمر موسى عليه السلام أن يأتيه في ناسٍ من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موعداً فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً على عينه ثم ذهب بهم ليعتذروا فلما أتوا ذلك المكان قالوا: لن نؤمن لك يا موسى حتى نرى الله جهرة، فإِنك قد كلمته فأرناه فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتُهم وقد أهلكتَ خيارهم لو شيئت أهلكتَهم من قبل وإياي «أقول: إذا كان هذا قول الأخيار من بني إسرائيل فكيف حال الأشرار منهم؟ نعوذ بالله من خبق اليهود ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ﴾ أي ما هذه الفتنة التي حدثت لهم إلا محنتك وابتلاؤك تمتحن بها عبادك ﴿تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ﴾ أي تضل بهذه المحمة من تشاء إضلاله وتهدي من تشاء هدايته ﴿أَنتَ وَلِيُّنَا فاغفر لَنَا وارحمنا﴾ أي أنت يا رب متولي أمورنا وناصرنا وحافظنا فاغفر لنا ما قارفناه من المعاصي وارحمنا برحمتك الواسعة الشاملة ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الغافرين﴾ أي أنت خير من صفح وستر، تغفر السيئة وتبدلها بالحسنة ﴿واكتب لَنَا فِي هذه الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة﴾ هذا من جملة دعاء موسى عليه السلام أي حقّقْ وأثبتْ لنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ﴿إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ﴾ أي تبنا ورجعنا إليك من جميع ذنوبنا ﴿قَالَ عذابي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي قال تعالى أما عذابي فأصيب به من أشاء من عبادي وأما رحمتي فقد عمَّتْ خلقي كهلم قال أبو السعود: وفي نسبة الإصابة إلى العذاب بصيغة المضارع ونسبة السعة إلى الرحمة بصبغة الماضي إيذانٌ بأن الرحمة مقتضى الذات، وأما العذاب فبمقتضى معاصي العباد ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزكاة والذين هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي سأجعل هذه الرحمة خاصة في الآخرة بالذين يتقون الكفر والمعاصي ويعطون زكاة أموالهم ويصدّقون بجميع الكتب والأنبياء ﴿الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي﴾ أي هؤلاء الذين تنالهم الرحمة هم الذين يتبعون محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ النبيَّ العربي الأمي أي الذي لا يقرأ ولا يكتب قال البيضاوي: وإنما سمّاه رسولاً بالإِضافة إلى الله تعالى، ونبياً بالإضافة إلى العباد ﴿الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل﴾ أي الذي يجدون نعته وصفته في التوراة والإِنجيل قال ابن كثير: هذه صفة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في كتب الأنبياء، بشروا أممهم
— 441 —
ببعثته وأمروهم بمتابعته، ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم ﴿يَأْمُرُهُم بالمعروف وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المنكر﴾ أي لا يأمر إلا بكل شيء مستحسن ولا ينهي إلا عن كل شيء قبيح ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبآئث﴾ أي يحل لهم ما حرّم عليهم من الأشياء الطيبة بشؤم ظلمهم ويُحرّم عليهم ما يستخبث من نحو الدم والميتة ولحم الخنزير ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأغلال التي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي يخفف عنهم ما كلفوه من التكاليف الشاقة التي تشبه الأغلال كقتل النفس في التوبة وقطع موضع النجاسة من الثوب والقصاص من القاتل عمداً كان القتل أو خطأً وشبه ذلك ﴿فالذين آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ أي فالذين صدقوا بمحمد وعظّموه ووقّره ونصروا دينه ﴿واتبعوا النور الذي أُنزِلَ مَعَهُ﴾ أي واتبعوا قرآنه المنير وشرعه المجيد ﴿أولئك هُمُ المفلحون﴾ أي هم الفائزون بالسعادة السرمدية ﴿قُلْ ياأيها الناس إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ هذا بيان لعموم رسالته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لجميع الخلق أي قل يا محمد للناس إني رسولٌ من عند الله إلى جميع أهل الأرض ﴿الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ أي المالك لجميع الكائنات ﴿لا إله إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي لا ربَّ ولا معبود سواه فهو الإِله القادر على الإِحياء والإِفناء ﴿فَآمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ أي صدّقوا بآيات الله وصدقوا برسوله المبعوث إلى جميع خلقه ﴿النبي الأمي الذي يُؤْمِنُ بالله وَكَلِمَاتِهِ﴾ أي آمنوا بالنبي الأمي صاحب المعجزات الذي لا يقرأ ولا يكتب المصدق بالكتب التي أنزلها الله عليه وعلى غيره من الأنبياء ﴿واتبعوه لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي اسلكوا طريقة واقتفوا أثره رجاء اهتدائهم إلى المطلوب ﴿وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ أي ومن بنى إسرائيل جماعة مستقيمون على شريعة الله يهدون الناس بكلمة الحق لا يجورون قال الزمخشري: لما ذكر تعالى الذين تزلزلوا منهم من الدين وارتابوا حتى أقدموا على العظيمتين: عبادة العجل، وطلب رؤية الله، ذكر أن منهم أمة موقنين ثابتين يهدون الناس بكلمة الحق ويدلونهم ويرشدونهم على الاستقامة ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثنتي عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً﴾ أي وفرقنا بني إسرائيل فجعلناهم قبائل شتّى اثنتي عشرة قبيلة من اثني عشر ولداً من أولاد يعقوب قال أبو حيان: أي فرقناهم وميّزناهم أسباطاً ليرجع أمر كل سبط أي» قبيلة «إلى رئيسة ليخفَّ أمرهم على موسى لئلا يتحاسدوا فيقع الهرج، ولهذا فجّر لهم اثنتي عشرة عيناً لئلا يتنازعوا ويقتتلوا على الماء، وجعل لكل سبطٍ نقيباً ليرجعوا في أمورهم إليه ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى إِذِ استسقاه قَوْمُهُ﴾ أي حين استولى عليهم العطش في التيه ﴿أَنِ اضرب بِّعَصَاكَ الحجر﴾ أي أوحينا إليه أن يضرب الحجر بعصاه فضربه ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾ أي انفجرت من الحجر اثنتا عشرة عيناً من الماء بعدد الأسباط ﴿فانبجست مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ أي قد عرف كل سبطٍ وجماعة منهم عينهم الخاصة بهم قال الطبري: لا يدخل سبطٌ على غيره في شربه ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغمام﴾ أي جعلنا الغمام يكنّهم من حر الشمس ويقيهم من أذاها قال الألوسي: وكان الظلُّ يسير بسيرهم ويسكن بإقامتهم ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ المن والسلوى﴾ أي وأكرمناهم بطعام شهي هو ﴿المن﴾ وهي شيء حلوٌ ينزل على الشجر
— 442 —
يجمعونه ويأكلونه و ﴿والسلوى﴾ وهو طائر لذيذ اللحم يسمى السُمَّاني كلُّ ذلك من إفضال الله وإنعامه عليهم دون جهدٍ منهم ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي وقلنا لهم كلوا من هذا الشيء الطيب اللذيذ الذي رزقناكم إياه ﴿وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ في الكلام محذوف تقديره: فكفروا بهذه النعم الجليلة وما ظلمونا بذلك ولكنْ ظلموا أنفسهم حيث عرّضوها بالكفر لعذاب الله ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسكنوا هذه القرية وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ أي واذكر لهم حين قلنا لأسلافهم اسكنوا بيت المقدس وكلوا من مطاعمها وثمارها من أي جهة ومن أي مكان شتئم منها ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ أي وقولوا حين دخولكم: يا ألله حُطَّ عنا ذنوبنا ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خطيائاتكم﴾ أي نمح عنكم جميع الذنوب التي سلفت منكم ﴿سَنَزِيدُ المحسنين﴾ أي وسنزيد من أحسن عمله بامتثال أمر الله وطاعته فوقَ الغفران دخولَ الجنان ﴿فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ﴾ أي غيَّر الظالمون منهم أمر الله بقولهم كلاماً لا يليق حيث قالوا بدل ﴿حِطَّةٌ﴾ حنظة في شعيرة وبدل أن يدخلوا ساجدين خشوعاً لله دخلوا يزحفون على أستاهم،» أدبارهم «سخرية واستهزاء بأوامر الله ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ السمآء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ﴾ أي فأرسلنا عليهم عذاباً من السماء بسبب ظلمهم وعدوانهم المستمر سابقاً ولاحقاً قال أبو السعود: والمراد بالعذاب» الطاعون «روي أنه مات منهم في ساعة واحدة أربعة وعشرون ألفاً ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية التي كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر﴾ أي واسأل يا محمد اليهود عن أخبار أسلافهم وعن أمر القرية التي كانت بقرب البحر وعلى شاطئه ماذا حلَّ بهم لما عصوا أمر الله واصطادوا يوم السبت؟ ألم يمسخهم الله قردة وخنازير؟ قال ابن كثير: وهذه القرية هي (أيلة) وهي على شاطئ بحر القلزم ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السبت﴾ أي يتجاوزون حدّ الله فيه وهو اصطيادهم يوم السبت ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً﴾ أي حين كانت الحيتان» الأسماك «تأتيهم يوم السبت - وقد حُرّم عليهم الصيدُ فيه - كثيرةً ظاهرةً على وجه الماء ﴿وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ﴾ أي وفي غير يوم السبت وهي سائر الأيام لا تأتيهم بل تغيب عنهم وتختفي ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي مثل ذلك البلاء العجيب نختبرهم ونمتحنهم بإظهار السمك لهم على وجه الماء في اليوم المحرَّم عليهم صيده وإخفائها عنهم في اليوم الحلال بسبب فسقهم وانتهاكهم حرمات الله قال القرطبي: روي أنها كانت في زمن داود عليه السلام وأن إبليس أوحى إليهم فقال: إنما نُهيتُم عن أخذها يوم السبت فاتخذوا الحياض فكانوا يسوقوا الحيتان إليها يوم الجمعة فتبقى فيها فلا يمكنها الخروج منها لقلة الماء فيأخذونها يوم الأحد ويحتالون في صيدها ﴿وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ قال ابن كثير: يخبر تعالى عن أهل هذه القرية أنهم صاروا إلى ثلاث فرق: فرقة ارتكبت المحظور واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت، وفرقة نهت عن ذلك واعتزلتهم، وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه ولكنها قالت للمنكرة ﴿تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ﴾ أي لم تنهون هؤلاء وقد علمتم أنهم قد هلكوا واستحقوا العقوبة
— 443 —
من الله فلا فائدة في نهيكم إياهم؟ ﴿قَالُواْ مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ أي قال الناهون: إنما نعظهم لنعذر عند الله بقيامنا بواجب النصح والتذكير ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي ينزعون عمَّاهم فيه من الإِجرام قال الطبري: أي لعلهم أن يتقوا الله فينيبوا إلى طاعته ويتوبوا من معصيتهم إيّاه وتعدّيهم الاعتداء في السبت ﴿فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ أي فلما تركوا ما ذكّرهم به صلحاؤهم ترك الناسي للشيء وأعرضوا عن قبول النصيحة إعراضاً كلياً ﴿أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السواء﴾ أي نجينا الناهين عن الفساد في الأرض ﴿وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ أي وأخذنا الظالمين العصاة بعذابٍ شديد وهم الذين ارتكبوا المنكر ﴿بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ أي بسبب فسقهم وعصيانهم لأمر الله ﴿فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ﴾ أي فلما استعصوا وتكبروا عن ترك ما نهو عنه ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ أي مسخناهم إلى قردة الخنازير، والمعنى أنهم عُذبوا أولاً بعذاب شديد فلما لم يرتدعوا وتمادوا في الطغيان مسخوا قردة وخنازير، والحاصل أن أصحاب القرية انقسموا ثلاث فرق: فرقةٌ عصتْ فحلَّ بها العذاب، وفرقة نهت ووعظت فنجاها الله من العذاب، وفرقة اعتزلت فلم تنه ولم تُقارف المعصية وقد سكت عنها القرآن قال ابن عباس: ما أدري ما فعل بالفرقة الساكتة أنجوا أم هلكوا؟ قال عكرمة: فلم أزل به حتى عرّفته أنهم قد نجوا لأنهم كرهوا ما فعله أولئك، فكساني حلة ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القيامة مَن يَسُومُهُمْ سواء العذاب﴾ أي واذكر يا محمد حين أعلم ربك ليسلطنَّ على اليهود إلى قيام الساعة من يذيقهم أسوأ العذاب بسبب عصيانهم ومخالفتهم أمر الله واحتيالهم على المحارم، وقد سلّط الله عليهم بختنصّر فقتلهم وسباهم، وسلّط عليهم النصارى فأذلوهم وضربوا عليهم الجزية، وسلَّط عليهم محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فطهَّر الأرض من رجسهم وأجلاهم عن الجزيرة العربية، وسلّط عليهم أخيراً» هتلر «فاستباح حماهم وكاد أن يبيدهم ويفنيهم بالقتل والتشريد في الأرض، ولا يزال وعد الله بتسليط العذاب عليهم سارياً إلى أن يقتلهم المسلمون في المعركة الفاصلة إن شاء الله ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العقاب وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي سريع العقاب لمن عصاه وغفورٌ رحيم لمن أطاعه ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرض أُمَماً﴾ أي فرّقناهم في البلاد طوائف وفرقاً ففي كل بلدة فرقة منهم، وليس لهم إقليم يملكونه حتى لا تكون لهم شركة، وما اجتمعوا في الأرض المقدسة في هذه الأيام إلا ليذبحوا بأيدي المؤمنين إن شاء الله كما وعد بذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حيث قال:
«لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود..» الحديث أخرجه مسلم ثم بيّن تعالى أنهم ليسوا جميعاً فجاراً بل فيهم الأخيار وفيهم الأشرار فقال ﴿مِّنْهُمُ الصالحون وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك﴾ أي منهم من آمن وهم قلة قليلة ومنهم من انحطّ عن درجة الصلاح بالكفر والفسوق وهم الكثرة الغالبة ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بالحسنات والسيئات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي اختبرناهم بالنعم والنقم والشدة والرخاء لعلهم يرجعون عن الكفر والمعاصي ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الكتاب﴾ قال ابن كثير: أي خلف من بعد ذلك الجيل الذي فيهم الصالح والطالح خلْفٌ آخر لا خير فيهم ورثوا الكتاب
— 444 —
وهو التوراة عن آبائهم ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ أي يأخذون ذلك الشيء الدنيء من حطام الدنيا من حلال وحرامٍ ويقولون متجحين: سيغفر الله لنا ما فعلناه، وهذا اغترار منهم وكذب على الله ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ أي يرجون المغفرة وهم مصرّون على الذنب كلما لاح لهم شيء من حطام الدنيا أخذوه لا يُبالون من حلالٍ كان أو حرام ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَاقُ الكتاب أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق﴾ الاستفهام للتوبيخ والتقريع أي ألم يؤخذ عليهم العهد المؤكد في التوراة أن يقولوا الحق ولا يكذبوا على الله؟ فكيف يزعمون أنه سيغفر لهم مع إصرارهم على المعاصي وأكل الحرام؟ ﴿وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ﴾ في هذا أعظم التوبيخ لهم أي والحال أنهم درسوا ما في الكتاب وعرفوا ما فيه المعرفة التامة من الوعيد على قول الباطل والافتراء على الله ﴿والدار الآخرة خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي والآخرة خير للذين يتقون الله بترك الحرام ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ؟ الاستفهام للإِنكار أي فلا ينزجرون ويعقلون؟ والمراد أنهم لو كانوا عقلاء لما آثروا الفانية على الباقية ﴿والذين يُمَسِّكُونَ بالكتاب وَأَقَامُواْ الصلاة﴾ أي يتمسكون في أمور دينهم بما أنزله الله ويحافظون على أداء الصلاة في أوقاتها ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ المصلحين﴾ أي لا نضيع أجرهم بل نجزيهم على تمسكهم وصلاحهم أفضل وأكرم الجزاء.
البَلاَغَة: ١ - ﴿وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب﴾ شبّه الغضب بإِنسان يرعد ويزبد ويزمجر بصوته آمراً بالانتقام ثم اختفى هذا الصوت وسكت، ففي الكلام «استعارة مكنية» ويا له من تصوير لطيف يستشعر جماله كل ذي طبع سليم وذوقٍ صحيح.
٢ - بين لفظ «تضل» و «تهدي» طباقٌ وكذلك بين لفظ «يحيي» و «يميت».
٣ - ﴿يَأْمُرُهُم بالمعروف وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المنكر وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبآئث﴾ فيه من المحسنات البديعية ما يسمى بالمقابلة، وهي أن يؤتى بمعنيين أو أكثر ثم يؤتى بما يقابلها على الترتيب.
٤ - ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأغلال﴾ استعار الإِصر والأغلال للأحكام والتكاليف الشاقة.
٥ - ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب زيادة في التوبيخ والتأنيب.
فَائِدَة: الخَلَف بفتح اللام من يخلف غيره بالخير، والخَلْف بسكون اللام من يخلف غيره في الشر ومنه قوله تعالى ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصلاة واتبعوا الشهوات فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً﴾ [مريم: ٥٩] وهذه الآية ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الكتاب﴾ والله أعلم.
— 445 —

صفوة التفاسير

محمد علي الصابوني

عرض الكتاب