سورة النساء | الآية ١٠

عرض السورة
التَّفسير

ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑ

تفسير المنار
محمد رشيد رضا
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
معاني القرآن
الأخفش
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن المنذر
ابن المنذر
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
أحكام القرآن
الجصاص
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير الراغب الأصفهاني
الراغب الأصفهاني
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
جهود القرافي في التفسير
القرافي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
إِلَّا مُوَافِقًا لِحُكْمِ الشَّرْعِ. وَقَالُوا: سَدَّ قَوْلُهُ يَسِدُّ " بِكَسْرِ السِّينِ " إِذَا كَانَ سَدِيدًا، وَهُوَ يَسِدُّ فِي الْقَوْلِ إِسْدَادًا: يُصِيبُ السَّدَادَ " بِالْفَتْحِ ": وَهُوَ الْقَصْدُ وَالصَّوَابُ وَالِاسْتِقَامَةُ، وَالسِّدَادُ " بِكَسْرٍ ": الْبُلْغَةُ، وَمَا يُسَدُّ بِهِ الشَّيْءُ كَالثَّغْرِ، وَالْقَارُورَةِ. وَقَوْلُهُمْ: " سَدَادٌ مِنْ عَوَزٍ " وَرَدَ بِفَتْحِ السِّينِ وَبِكَسْرِهَا، وَهُوَ الْأَفْصَحُ. وَإِذَا كَانَ السَّدِيدُ
مَأْخُوذًا مِنْ سَدِّ الثَّغْرِ، وَنَحْوِهِ فَالْقَوْلُ السَّدِيدُ: هُوَ الْحُكْمُ الَّذِي تُدْرَأُ بِهِ الْمَفْسَدَةُ، وَتُحْفَظُ الْمَصْلَحَةُ، كَمَا أَنَّ سَدَادَ الثَّغْرِ يَمْنَعُ اسْتِطْرَاقَ شَيْءٍ مِنْهُ يَضُرُّ مَا وَرَاءَهُ.
وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَاصِمٍ (وَسَيُصَلَّوْنَ) بِضَمِّ الْيَاءِ مِنَ الْإِصْلَاءِ، وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا مِنَ الصِّلِيِّ. يُقَالُ: صَلَى اللَّحْمَ صَلْيًا " بِوَزْنٍ رَمَاهُ رَمْيًا " شَوَاهُ. فَإِذَا رَمَاهُ فِي النَّارِ يُرِيدُ إِحْرَاقَهُ يُقَالُ: أَصْلَاهُ إِصْلَاءً، وَصَلَّاهُ تَصْلِيَةً، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ مَعْنَى الثُّلَاثِيِّ، وَالرُّبَاعِيِّ وَاحِدًا، كُلٌّ مِنْهُمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّيْءِ وَفِي الْإِلْقَاءِ لِأَجْلِ الْإِحْرَاقِ، وَالْإِفْسَادِ. وَصَلَّى يَدَهُ بِالنَّارِ: سَخَّنَهَا، وَأَدْفَأَهَا، وَاصْطَلَى: اسْتَدْفَأَ. وَأَصْلَاهُ النَّارَ وَصَلَّاهُ إِيَّاهَا: أَدْخَلَهُ إِيَّاهَا، وَأَصْلَاهُ فِيهَا أَدْخَلَهُ فِيهَا، وَصَلَيْتُ النَّارَ قَاسَيْتُ حَرَّهَا. وَالصَّلَى - بِالْفَتْحِ وَالْقَصْرِ - وَالصِّلَاءُ بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ -: الْوَقُودُ. وَيُطْلَقُ الصِّلَاءُ عَلَى الشِّوَاءِ أَيْ مَا يُشْوَى، قَالَ السَّيِّدَ الْأَلُوسِيُّ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: إِنَّ أَصْلَ الصِّلِيِّ الْقُرْبُ مِنَ النَّارِ، وَقَدِ اسْتُعْمِلَ هُنَا فِي الدُّخُولِ مَجَازًا - اهـ. وَ (السَّعِيرُ) النَّارُ الْمُسْتَعِرَةُ أَيِ الْمُشْتَعِلَةُ، يُقَالُ: سَعَرْتُ النَّارَ سَعْرًا وَسَعَّرْتُهَا تَسْعِيرًا أَشْعَلْتُهَا، قَالَ الرَّازِيُّ: وَالسَّعِيرُ مَعْدُولٌ عَنْ مَسْعُورَةٍ كَمَا عُدِلَ كَفٌّ خَضِيبٌ عَنْ مَخْضُوبَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ: سَعِيرًا لِأَنَّ الْمُرَادَ نَارٌ مِنَ النِّيرَانِ مُبْهَمَةٌ لَا يَعْرِفُ غَايَةَ شِدَّتِهَا إِلَّا اللهُ. اهـ. فَهُوَ يَعْنِي أَنَّ التَّنْكِيرَ لِلتَّهْوِيلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّنْوِيعِ أَيْ يَصْلَوْنَ أَوْ يُصْلِيهِمْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ سَعِيرًا خَاصًّا مِنَ السَّعْرِ لَا يَصْلَاهَا إِلَّا مَنْ هَضَمَ حُقُوقَ الْيَتَامَى، وَأَكَلَ أَمْوَالَهُمْ ظُلْمًا.
الْمَعْنَى أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُوَرِّثُونَ الْبَنَاتِ، وَلَا الصِّغَارَ الذُّكُورَ حَتَّى يُدْرِكُوا، فَمَاتَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَوْسُ بْنُ ثَابِتٍ، وَتَرَكَ ابْنَتَيْنِ، وَابْنًا صَغِيرًا، فَجَاءَ ابْنَا عَمِّهِ خَالِدٌ، وَعُرْفُطَةُ - وَهُمَا عَصَبَتُهُ - فَأَخَذَا مِيرَاثَهُ كُلَّهُ فَأَتَتِ امْرَأَتُهُ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ فَنَزَلَتْ " لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي لُبَابِ النُّقُولِ. وَطَرِيقُ الْكَلْبِيِّ
عَنْ أَبِي صَالِحٍ هِيَ أَوْهَى الطُّرُقِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَضْعَفُهَا، وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي أُمِّ كُجَّةَ، وَابْنَةِ كُجَّةَ، وَثَعْلَبَةَ، وَأَوْسِ بْنِ سُوَيْدٍ، وَهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ، كَانَ أَحَدُهُمْ
— 323 —
زَوْجَهَا، وَالْآخَرُ عَمَّ وَلَدِهَا. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، تُوُفِّيَ زَوْجِي، وَتَرَكَنِي وَابْنَتَهُ فَلَمْ نُوَرَّثْ، فَقَالَ عَمُّ وَلَدِهَا: يَا رَسُولَ اللهِ لَا تَرْكَبُ فَرَسًا، وَلَا تَحْمِلُ كَلًّا، وَلَا تَنْكِئُ عَدُوًّا، يُكْسَبُ عَلَيْهَا، وَلَا تَكْتَسِبُ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ. وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَابْنِ زَيْدٍ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي إِبْطَالِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ مِنْ عَدَمِ تَوْرِيثِ النِّسَاءِ، زَادَ ابْنُ زَيْدٍ: وَلَا الصِّغَارِ - لَمْ يَذْكُرُوا وَاقِعَةً مُعَيَّنَةً.
الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ جَدِيدٌ، وَهُوَ انْصِرَافٌ عَنِ الْمَوْضُوعِ قَبْلَهُ، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى - بَعْدَ ثَلَاثِ آيَاتٍ: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إلخ. يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي شَأْنِ الْيَتَامَى لَا يَزَالُ مُتَّصِلًا، فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ التَّفْصِيلَ فِي حُرْمَةِ أَكْلِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى، وَأَمَرَ بِإِعْطَائِهِمْ أَمْوَالَهُمْ إِذَا رَشَدُوا، ذَكَرَ أَنَّ الْمَالَ الْمَوْرُوثَ الَّذِي يَحْفَظُهُ الْأَوْلِيَاءُ لِلْيَتَامَى يَشْتَرِكُ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ خِلَافًا لِمَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ عَدَمِ تَوْرِيثِ النِّسَاءِ، فَهَذَا تَفْصِيلٌ آخَرُ فِي الْمَالِ نَفْسِهِ بَعْدَ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ فِي الْإِعْطَاءِ وَوَقْتِهِ، وَشَرْطِهِ. وَمَالُ الْيَتَامَى إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَغْلَبِ مِنَ الْوَالِدَيْنِ، وَالْأَقْرَبِينَ. فَمَعْنَى الْآيَةِ: إِذَا كَانَ لِلْيَتَامَى مَالٌ مِمَّا تَرَكَهُ لَهَا الْوَالِدَانِ، وَالْأَقْرَبُونَ فَهُمْ فِيهِ عَلَى الْفَرِيضَةِ لَا فَرْقَ فِي شَرِكَةِ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ فِيهِ بَيْنَ الْقَلِيلِ، وَالْكَثِيرِ، وَلِهَذَا كَرَّرَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَعَنَى بِقَوْلِهِ: نَصِيبًا مَفْرُوضًا أَنَّهُ حَقٌّ مُعَيَّنٌ مَقْطُوعٌ بِهِ لَا مُحَابَاةَ فِيهِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْقُصَهُمْ مِنْهُ شَيْئًا.
وَأَقُولُ - زِيَادَةً فِي إِيضَاحِ رَأْيِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ -: إِنَّ الْأَوَامِرَ وَالنَّوَاهِيَ فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ كَانَتْ فِي إِبْطَالِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ هَضْمِ حَقِّ الضَّعِيفَيْنِ الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ، وَبَيَانِ حُقُوقِ الْيَتَامَى، وَالزَّوْجَاتِ، وَمَنْعِ ظُلْمِهِنَّ، فَمَنَعَ فِيهَا أَكْلَ أَمْوَالِ الْيَتَامَى بِضَمِّهَا إِلَى أَمْوَالِ الْأَوْلِيَاءِ، أَوْ بِالِاسْتِبْدَالِ الَّذِي يُؤْخَذُ فِيهِ جِيِّدُ الْيَتِيمِ وَيُعْطَى رَدِيئًا بَدَلَهُ، وَمَنَعَ أَكْلَ مُهُورِ النِّسَاءِ، أَوْ عَضْلَهُنَّ لِلتَّمَتُّعِ بِأَمْوَالِهِنَّ، أَوْ تَزْوِيجَهُنَّ بِغَيْرِ مَهْرٍ، أَوْ الِاسْتِكْثَارَ مِنْهُنَّ لِأَكْلِ أَمْوَالِهِنَّ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ ظُلْمِهِنَّ - فَكَمَا حَرَّمَ هَذَا كُلَّهُ فِيمَا تَقَدَّمَ حَرَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَنْعَ تَوْرِيثِ الْمَرْأَةِ وَالصَّغِيرِ - فَالْكَلَامُ لَا يَزَالُ فِي حُقُوقِ الْيَتَامَى، وَالنِّسَاءِ وَمَنْعِ
الظُّلْمِ الَّذِي كَانَ يُصِيبُ كُلًّا مِنْهُمَا. وَذُكِرَ بِلَفْظِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِيهِ عَامٌّ.
وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ أَنَّ قَوْلَهُ: مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ، وَقَوْلُهُ: نَصِيبًا مَنْصُوبٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ بِمَعْنَى أَعْنِي نَصِيبًا مَفْرُوضًا، أَوْ عَلَى الْمَصْدَرِ الْمُؤَكَّدِ كَقَوْلِهِ: فَرِيضَةً مِنَ اللهِ كَأَنَّهُ قَالَ قِسْمَةً مَفْرُوضَةً. كَذَا فِي الْكَشَّافِ، وَجَوَّزَ غَيْرُهُ انْتِصَابَهُ عَلَى الْحَالِ.
ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا أَيْ إِذَا حَضَرَ قِسْمَةَ التَّرِكَةِ - الَّتِي يَتْرُكُهَا الْمُوَرِّثُ لِوَرَثَتِهِ، أَوْ قِسْمَةَ أَمْوَالِ الْيَتَامَى عِنْدَ الرُّشْدِ أَوِ الْوَصِيَّةِ - أَحَدٌ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى لِلْوَارِثِينَ، أَوِ الْمُوصَى لَهُمْ، وَمِنَ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ فَانْفَحُوهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الرِّزْقِ الَّذِي أَصَابَكُمْ مِنْ غَيْرِ كَدٍّ وَلَا كَدْحٍ، وَقُولُوا
— 324 —
لَهُمْ قَوْلًا حَسَنًا تَعْرِفُهُ النُّفُوسُ الْأَبِيَّةُ وَتَسْتَحْسِنُهُ وَلَا تُنْكِرُهُ الْأَذْوَاقُ السَّلِيمَةُ وَلَا تَمُجُّهُ، وَالْمُرَادُ بِذَوِي الْقُرْبِ - الَّذِينَ يَحْضُرُونَ قِسْمَةَ الْوَرَثَةِ - مَنْ لَا يَرِثُ مِنْهُمْ، وَقَرِيبُ الْوَارِثِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا، فَالْأَخُ مِنَ الْأَبِ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى لِأَخِ الْمَيِّتِ الشَّقِيقِ وَهُوَ لَا يَرِثُ، وَكَذَلِكَ الْعَمُّ وَالْخَالُ وَالْعَمَّةُ وَالْخَالَةُ يُعَدُّونَ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى لِلْوَارِثِ الَّذِي لَا يَرِثُونَ مَعَهُ، وَقَدْ يَسْرِي إِلَى نُفُوسِهِمُ الْحَسَدُ فَيَنْبَغِي التَّوَدُّدُ إِلَيْهِمْ، وَاسْتِمَالَتُهُمْ بِإِعْطَائِهِمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْمَوْرُوثِ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِمْ، وَلَوْ بِصِفَةِ الْهِبَةِ، أَوِ الْهَدِيَّةِ، أَوْ إِعْدَادِ طَعَامٍ لَهُمْ يَوْمَ الْقِسْمَةِ، وَذَلِكَ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَشُكْرِ النِّعَمِ. وَوَجْهُ إِعْطَاءِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ ظَاهِرٌ.
الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: الْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: فَارْزُقُوهُمْ لِأَرْبَابِ الْمَالِ الَّذِينَ يُقَسَّمُ عَلَيْهِمْ، وَإِذَا كَانَتِ الْقِسْمَةُ بَيْنَ الْيَتَامَى الَّذِينَ رَشَدُوا كَانَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَعِظَهُمْ وَيُرْشِدَهُمْ إِلَى مَا يَنْبَغِي فِي هَذِهِ الْحَالِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَالِهِ إِلَّا بِإِذْنِ أَرْبَابِ الْمَالِ. وَالْأَدَبُ الَّذِي يُرْشِدُ إِلَيْهِ الْكِتَابُ فِي هَذَا الْمَقَامِ: هُوَ اعْتِبَارُ أَنَّ هَذَا الْمَالَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللهُ إِلَى الْوَارِثِينَ عَفْوًا بِغَيْرِ كَسْبٍ مِنْهُمْ، وَلَا سَعْيٍ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَبْخَلُوا بِهِ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى، وَالْيَتَامَى، وَالْمَسَاكِينِ مِنْ أُمَّتِهِمْ، وَيَتْرُكُوهُمْ يَذْهَبُونَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ مُضْطَرِبِي النَّفْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ الْحِرْمَانُ مَدْعَاةَ حَسَدِهِ لِلْوَارِثِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْمَعْرُوفِ: فَهُوَ مَا تَطِيبُ بِهِ نُفُوسُ هَؤُلَاءِ الْمُحْتَاجِينَ عِنْدَمَا يَأْخُذُونَ مَا يُفَاضُ
عَلَيْهِمْ حَتَّى لَا يَثْقُلَ عَلَى عَزِيزِ النَّفْسِ مِنْهُمْ مَا يَأْخُذُهُ، وَيَرْضَى الطَّامِعُ فِي أَكْثَرِ مِمَّا أُعْطِيَ بِمَا أُعْطِيَ، فَإِنَّ مِنَ الْفُقَرَاءِ مَنْ يُظْهِرُ اسْتِقْلَالَ مَا نَالَهُ، وَاسْتِكْثَارَ مَا نَالَ سِوَاهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُلَاطَفَ مِثْلُ هَذَا، وَلَا يُغْلَظَ لَهُ فِي الْقَوْلِ.
قَالَ: وَالْحِكْمَةُ فِي الْأَمْرِ بِقَوْلِ الْمَعْرُوفِ أَنَّ مِنْ عَادَةِ النَّاسِ أَنْ يَتَضَايَقُوا، وَيَتَبَرَّمُوا مِنْ حُضُورِ ذَوِي الْقُرْبَى، وَغَيْرِهِمْ مَجْلِسَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (أَنَّ كَمَا أَنَّ ذَوِي الْقُرْبَى يُحِبُّونَ أَنْ يَحْضُرُوا وَيَعْرِفُوا مَا نَالَ ذَوِي قُرْبَاهُمْ) وَمَنْ كَانَ كَارِهًا لِشَيْءٍ تَظْهَرُ كَرَاهَتُهُ لَهُ فِي فَلَتَاتِ لِسَانِهِ، فَعَلَّمَنَا اللهُ - تَعَالَى - هَذَا الْأَدَبَ فِي الْحَدِيثِ لِنُهَذِّبَ بِهِ هَذِهِ السَّجِيَّةَ الَّتِي تُعَدُّ مِنْ ضَعْفِ الْإِنْسَانِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا [٧٠: ١٩] الْآيَاتِ.
قَالَ: ذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِقَوْلِهِ: فَارْزُقُوهُمْ لِلنَّدْبِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَحُدِّدَ، وَقُدِّرَ كَمَا حُدِّدَتِ الْمَوَارِيثُ، وَلَيْسَ هَذَا بِدَلِيلٍ ; فَقَدْ يَجِبُ الْعَطَاءُ وَيُوكَلُ الْأَمْرُ فِي الْمِقْدَارِ إِلَى الْمُعْطِي. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِنَّهُ لِلْوُجُوبِ، وَهَجَرَهُ النَّاسُ كَمَا هَجَرُوا الْعَمَلَ بِآيَةِ الِاسْتِئْذَانِ عِنْدَ دُخُولِ الْبُيُوتِ. وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمُخْتَارُ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ نَدْبٌ أَوْ مَنْسُوخٌ مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ بِالرَّأْيِ: وَهُوَ أَنْ يَخْتَارَ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ رَأْيًا، وَمَذْهَبًا وَيُحَاوِلَ جَرَّ الْقُرْآنِ إِلَيْهِ، وَتَحْوِيلَهُ إِلَى مُوَافَقَتِهِ بِإِخْرَاجِ الْأَلْفَاظِ عَنْ ظَوَاهِرِ مَعَانِيهَا الْمُتَبَادِرَةِ مِنْهَا، وَإِنَّ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ - تَعَالَى - بِنَا أَنْ فَوَّضَ أَمْرَ مِقْدَارِ مَا نُعْطِيهِ إِلَيْنَا وَجَعَلَهُ مِمَّا يَتَفَاضَلُ فِيهِ الْأَسْخِيَاءُ.
— 325 —
أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ: أَنَّ مَا أُمِرْنَا أَنْ نَرْزُقَهُمْ مِنْهُ عِنْدَ الْقِسْمَةِ هُوَ الْأَعْيَانُ الْمَنْقُولَةُ، وَأَمَّا الْأَرْضُ وَالرَّقِيقُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا يَجِبُ أَنْ يَرْضَخَ مِنْهُ بِشَيْءٍ بَلْ يَكْتَفِي حِينَئِذٍ بِقَوْلِ الْمَعْرُوفِ، أَوْ بِإِطْعَامٍ كَمَا هُوَ رَأْيُ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ فِي الرِّزْقِ هُنَا وَسَيَأْتِي.
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ فَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالضَّحَّاكِ قَالَا: نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمَوَارِيثِ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَكَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَضْعَفِ الرِّوَايَتَيْنِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ وَهِيَ الَّتِي عَلَيْهَا الْجُمْهُورُ، وَمِنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَاخْتَارَهَا ابْنُ جَرِيرٍ. وَصَرَّحَ
مُجَاهِدٌ بِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى أَهْلِ الْمِيرَاثِ مَا طَابَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ حَقًّا وَاجِبًا عَلَيْهِمْ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ: ثَلَاثُ آيَاتٍ مُحْكَمَاتٍ مَدَنِيَّاتٍ تَرَكَهُنَّ النَّاسُ، هَذِهِ الْآيَةُ، وَآيَةُ الِاسْتِئْذَانِ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [٢٤: ٥٨] وَهَذِهِ الْآيَةُ: يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى [٤٩: ١٣] اهـ. وَخَصَّهَا بَعْضُ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ بِقِسْمَةِ الْوَصِيَّةِ لِأُولِي قُرْبَى الْمُوصِي ; وَذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ فَهِمُوا كَمَا فَهِمَ مَنْ قَالَ بِالنَّسْخِ أَنَّ أُولِي الْقُرْبَى هُمُ الْوَارِثُونَ فَلَا مَعْنَى لِلْأَمْرِ بِرِزْقِهِمْ مِنَ التَّرِكَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِنَسْخِ هَذَا الْأَمْرِ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ، وَبَعْضُهُمْ خَصَّهُ بِقِسْمَةِ الْوَصِيَّةِ. وَقَدْ عَلِمْتَ - مِمَّا قَدَّمْنَاهُ - أَنَّهُ يَشْمَلُ قِسْمَةَ التَّرِكَةِ الْمَوْرُوثَةِ، وَقِسْمَةَ أَمْوَالِ الْيَتَامَى عِنْدَ رُشْدِهِمْ، وَقِسْمَةَ الْوَصَايَا، وَهِيَ فِي التَّرِكَةِ أَظْهَرُ لِاتِّصَالِ الْآيَةِ بِمَا قَبْلَهَا، وَهُوَ فِيمَا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ثُمَّ اخْتَلَفَ الَّذِينَ قَالُوا: هَذِهِ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ، وَأَنَّ الْقِسْمَةَ - أَيِ الرِّزْقَ وَالْعَطَاءَ - لِأُولِي الْقُرْبَى، وَالْيَتَامَى، وَالْمَسَاكِينِ وَاجِبَةٌ عَلَى أَهْلِ الْمِيرَاثِ إِنْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْمِيرَاثِ صَغِيرًا، وَقَسَّمَ عَلَيْهِ الْمِيرَاثَ وَلِيُّ مَالِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ لِوَلِيِّ مَالِهِ أَنْ يُقَسِّمَ مِنْ مَالِهِ وَوَصِيَّتِهِ شَيْئًا ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مِنَ الْمَالِ شَيْئًا، لَكِنَّهُ يَقُولُ لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا. قَالُوا: وَالَّذِي أَمَرَهُ اللهُ بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا هُوَ وَلِيُّ مَالِ الْيَتِيمِ، إِذَا قَسَّمَ مَالَ الْيَتِيمِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شُرَكَاءِ الْيَتِيمِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَلِيَّ مَالِهِ أَحَدُ الْوَرَثَةِ، فَيُعْطِيهِمْ مِنْ نَصِيبِهِ، وَيُعْطِيهِمْ مَنْ يَجُوزُ أَمْرُهُ فِي مَالِهِ مِنْ أَنْصِبَائِهِمْ، قَالُوا: فَأَمَّا مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ فَالَّذِي يُوَلَّى عَلَى مَالِهِ، فَلَا يَجُوزُ لِوَلِيِّ مَالِهِ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِنْهُ شَيْئًا. اهـ. وَسَاقَ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالسُّدِّيِّ، وَكَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: ذَلِكَ وَاجِبٌ فِي أَمْوَالِ الصِّغَارِ، وَالْكِبَارِ لِأُولِي الْقُرْبَى، وَالْيَتَامَى، وَالْمَسَاكِينِ، فَإِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ كِبَارًا تَوَلَّوْا عِنْدَ الْقِسْمَةِ إِعْطَاءَهُمْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا تَوَلَّى ذَلِكَ وَلِيُّ مَالِهِمْ اهـ. وَأَوْرَدَ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَلَكِنَّهُمَا تَأَوَّلَا الرِّزْقَ بِإِطْعَامِ الطَّعَامِ، فَكَانَا عِنْدَ الْقِسْمَةِ يَأْمُرَانِ بِذَبْحِ شَاةٍ، وَصُنْعِ طَعَامٍ لِمَنْ حَضَرَ الْقِسْمَةَ مِمَّنْ ذُكِرَ، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْضُرُونَ فَيُعْطَوْنَ الشَّيْءَ وَالثَّوْبَ الْخَلِقَ.
— 326 —
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ: أَنَّ أَكْثَرَ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ شَيْءٌ فِي الْآيَةِ مِنَ السَّلَفِ أَوْجَبُوا رِزْقَ مَنْ حَضَرَ قِسْمَةَ الْمِيرَاثِ، وَالْوَصِيَّةِ مِمَّنْ ذَكَرَتْهُمُ الْآيَةُ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَهُوَ يَعُمُّ كُلَّ مَا قِيلَ، وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: إِنَّمَا يُرْزَقُونَ مِنْ مَالِ الْكَبِيرِ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ: لَا فَرْقَ بَيْنَ كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ.
ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلِيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: فِي الْآيَةِ وَجْهَانِ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُطَالَبِينَ بِالْقَوْلِ السَّدِيدِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُمُ الْمُطَالَبُونَ بِالْقَوْلِ الْمَعْرُوفِ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فَتَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ مُعَلِّلَةً لِلْأَمْرِ بِالْقَوْلِ الْمَعْرُوفِ فِي تِلْكَ مُتَّصِلَةً بِهَا مُبَاشَرَةً، ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْهَى بَعْضُ حَاضِرِي الْقِسْمَةِ عَنْ رِزْقِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ الَّذِينَ يَحْضُرُونَهَا. وَهَذَا يَكْثُرُ فِي النَّاسِ، وَلَاسِيَّمَا إِذَا كَانَ الْوَرَثَةُ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ الْوُجَهَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَتَحَبَّبُونَ إِلَيْهِمْ بِمَا يُوهِمُ الْغَيْرَةَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، فَإِنَّ اللهَ - تَعَالَى - يُذَكِّرُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَحُولُونَ دُونَ عَمَلِ الْبِرِّ بِأَنْ يَخَافُوا اللهَ أَنْ يَتْرُكُوا بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَرَثَةً ضُعَفَاءَ يَحْتَاجُونَ مَا يَحْتَاجُهُ حَاضِرُو الْقِسْمَةِ وَطَالِبُو الْبِرِّ مِنَ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ فَيُعَامَلُوا بِالْحِرْمَانِ وَالْقَسْوَةِ، فَهُوَ يُرْشِدُهُمْ إِلَى مُعَامَلَةِ هَؤُلَاءِ الضُّعَفَاءِ بِمِثْلِ مَا يُحِبُّونَ أَنْ تُعَامَلَ بِهِ ذُرِّيَّتُهُمْ إِذَا تَرَكُوهُمْ ضِعَافًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْخِطَابَ لِلْأَوْصِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ عَلَى الْيَتَامَى، فَهُوَ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ بِحِفْظِ أَمْوَالِهِمْ، وَحُسْنِ تَرْبِيَتِهِمْ بِابْتِلَائِهِمْ، وَاخْتِبَارِهِمْ بِالْعَمَلِ لِيُعْرَفَ رُشْدُهُمْ أَمَرَهُمْ بِإِحْسَانِ الْقَوْلِ لَهُمْ أَيْضًا ; فَإِنَّ الْيَتِيمَ يَجْرَحُهُ أَقَلُّ قَوْلٍ يُهِينُ وَلَاسِيَّمَا ذِكْرُ أَبِيهِ، وَأُمِّهِ بِسُوءٍ. وَقَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِتَسَاهُلِ النَّاسِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، وَإِنْ كَانُوا عُدُولًا حَافِظِينَ لِلْأَمْوَالِ مُحْسِنِينَ فِي الْمُعَامَلَةِ، فَقَلَّمَا يُوجَدُ يَتِيمٌ فِي بَيْتٍ إِلَّا وَيُمْتَهَنُ وَيُقْهَرُ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ وَذِكْرِ وَالِدَيْهِ بِمَا يَشِينُهُمَا ; وَلِذَلِكَ وَرَدَ التَّأْكِيدُ بِالْوَصِيَّةِ بِالْيَتَامَى فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
أَقُولُ: وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِي الْآيَةِ أَقْوَالٌ أُخَرُ، وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْهَا - لِاخْتِيَارِهِ أَنَّ مَا قَبْلَهَا فِي قِسْمَةِ الْوَصَايَا - أَنَّهَا فِي الَّذِينَ يَحْضُرُونَ مُوصِيًا يُوصِي فِي مَالِهِ، وَيَكُونُ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ، فَاللهُ - تَعَالَى - يَأْمُرُ هَؤُلَاءِ أَنْ يَخَافُوا عَلَى ذُرِّيَّةِ هَذَا الرَّجُلِ مِثْلَ مَا يَخَافُونَ عَلَى ذُرِّيَّتِهِمْ لَوْ تَرَكُوا ذُرِّيَّةً ضِعَافًا فَلَا يَقُولُوا فِي الْوَصِيَّةِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَضُرَّ بِذُرِّيَّةِ الْمُوصِي كَالتَّرْغِيبِ فِي تَكْثِيرِ الْوَصِيَّةِ لِلْغُرَبَاءِ، بَلْ يَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا بِأَنْ يُرَغِّبُوهُ فِيمَا يَرْضَوْنَ مِثْلَهُ لِأَنْفُسِهِمْ،
وَلِذُرِّيَّتِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِثْلَ هَذَا الرَّأْيِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ. وَرُوِيَ عَنْ غَيْرِهِمْ أَنَّ الْآيَةَ فِي وُلَاةِ الْيَتَامَى يَأْمُرُهُمُ اللهُ بِأَنْ يُحْسِنُوا مُعَامَلَتَهُمْ كَمَا يُحِبُّونَ أَنْ يُحْسِنَ النَّاسُ مُعَامَلَةَ ذُرِّيَّتِهِمُ الضِّعَافِ لَوْ تَرَكُوهُمْ وَمَاتُوا عَنْهُمْ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِيهَا: " يَعْنِي بِذَلِكَ الرَّجُلَ يَمُوتُ وَلَهُ أَوْلَادٌ صِغَارٌ ضِعَافٌ يَخَافُ عَلَيْهِمُ الْعَيْلَةَ (أَيِ الْفَقْرَ) وَالضَّيْعَةَ، وَيَخَافُ بَعْدَهُ أَلَّا يُحْسِنَ إِلَيْهِمْ مَنْ يَلِيهِمْ، يَقُولُ: فَإِنْ وَلِيَ مِثْلَ ذُرِّيَّتِهِ ضِعَافًا يَتَامَى فَلْيُحْسِنْ إِلَيْهِمْ، وَلَا يَأْكُلْ أَمْوَالَهُمْ إِسْرَافًا وَبِدَارًا خَشْيَةَ أَنْ يَكْبَرُوا فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يَكْفِيهِمْ أَمْرَ ذُرِّيَّتِهِمْ بَعْدَهُمْ "، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِلْوَجْهِ الثَّانِي مِمَّا قَالَهُ
— 327 —
الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا مَعْنَى الْقَوْلِ السَّدِيدِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُقَالَ كَمَا بَيَّنَ هُنَاكَ.
وَهُنَاكَ قَوْلٌ ثَالِثٌ: هُوَ أَنَّهَا أَمْرٌ لِلْوَرَثَةِ بِحُسْنِ مُعَامَلَةِ مَنْ يَحْضُرُ الْقِسْمَةَ مِنْ ضُعَفَاءِ الْأَقَارِبِ، وَالْيَتَامَى، وَالْمَسَاكِينِ كَمَا يُحِبُّونَ أَنْ يُحْسِنَ النَّاسُ مُعَامَلَةَ ذُرِّيَّتِهِمْ لَوْ كَانُوا مِثْلَهُمْ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَعْنَى الْأَمْرِ بِالتَّقْوَى أَنْ يَتَّقُوا اللهَ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ رِزْقِ هَؤُلَاءِ عِنْدَ الْقِسْمَةِ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ بِالْقَوْلِ الْمَعْرُوفِ مُؤَكِّدًا لِمِثْلِهِ فِي تِلْكَ الْآيَةِ.
وَفِيهَا قَوْلٌ رَابِعٌ: وَهُوَ أَنَّهَا أَمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ كَافَّةً أَنْ يَتَبَصَّرُوا فِي أَمْرِ ذُرِّيَّتِهِمْ فَلَا يُسْرِفُوا فِي الْوَصِيَّةِ، فَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يُحِبُّ أَنْ يُوصِيَ بِجَمِيعِ مَالِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْذَنْ لَهُ بِالثُّلُثِ إِلَّا بَعْدَ الْمُرَاجَعَةِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ وَقَالَ: " وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ; لَأَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ " أَيْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ فِي ذُرِّيَّتِهِمْ، وَلْيَقُولُوا فِي تَقْرِيرِ الْوَصِيَّةِ قَوْلًا سَدِيدًا، أَيْ قَرِيبًا مِنَ الْعَدْلِ، وَالْمَصْلَحَةِ، بَعِيدًا مِنَ اسْتِطْرَاقِ الْمَضَرَّةِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَشْمَلَ كُلَّ مَا ذُكِرَ.
وَحَاصِلُ مَعْنَى الْآيَةِ: لِيَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْخَشْيَةِ - أَوْ لِيَخْشَ الْعَاقِبَةَ، أَوِ اللهَ - الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا بَعْدَهُمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا أَنْ يُسِيءَ النَّاسُ مُعَامَلَتَهُمْ وَيُهِينُوهُمْ فَلَا يَقُولُوا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ بِذُرِّيَّةِ أَحَدٍ، بَلْ لِيَقُولُوا قَوْلًا مُحْكَمًا يَسُدُّ مَنَافِذَ الضَّرَرِ فَكَمَا يُدِينُ الْمَرْءُ يُدَانُ.
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا أَيْ ظَالِمِينَ فِي أَكْلِهَا أَوْ أَكْلًا عَلَى سَبِيلِ الظُّلْمِ وَهَضْمِ الْحَقِّ لَا أَكْلًا بِالْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، أَوِ اقْتِرَاضًا، أَوْ تَقْدِيرًا لِأُجْرَةِ الْعَمَلِ كَمَا أَذِنَ اللهُ لِلْفَقِيرِ فِي آيَةٍ سَابِقَةٍ، وَكَمَا أَبَاحَتِ الشَّرِيعَةُ بِدَلَائِلَ
أُخْرَى إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ أَيْ مِلْءَ بُطُونِهِمْ، فَقَدْ شَاعَ هَذَا الِاسْتِعْمَالُ فِي الظَّرْفِيَّةِ كَأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا أَنْ يَكُونَ الْمَظْرُوفُ مَالِئًا لِلظَّرْفِ. وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الْبُطُونِ لِلتَّأْكِيدِ، وَتَمْثِيلِ الْوَاقِعِ بِكَمَالِ هَيْئَتِهِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [٤٨: ١١].
نَارًا أَيْ مَا هُوَ سَبَبٌ لِعَذَابِ النَّارِ أَوْ مَا يُشْبِهُ النَّارَ فِي ضَرَرِهَا، وَرُوِيَ أَنَّ أَفْوَاهَهُمْ تُمْلَأُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَمْرًا، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَآهُمْ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ يُجْعَلُ فِي أَفْوَاهِهِمْ صَخْرٌ مِنْ نَارٍ فَيُقْذَفُ فِي أَجْوَافِهِمْ، أَيْ مُثِّلَ لَهُ عَذَابُهُمْ بِمَا سَيَكُونُ عَلَيْهِ، وَقَدْ جَعَلَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ هَذَا تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ بِجَعْلِ أَكْلِ النَّارِ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا، وَهُوَ إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا صَحَّتِ الرِّوَايَةُ بِجَعْلِ يَأْكُلُونَ لِلِاسْتِقْبَالِ، وَالْمُتَبَادِرُ مِنْهُ أَنَّهُ لِلْحَالِ بِقَرِينَةِ عَطْفِ الْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا وَهُوَ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ وَحُجَّةٌ مَعْنَوِيَّةٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ صَلْيَ السَّعِيرِ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ دُخُولِ النَّارِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ أَكْلُ النَّارِ لِمَنْ يَأْكُلُهَا بَعْدَ دُخُولِهَا، أَيْ دُخُولِ دَارِ الْجَزَاءِ الَّتِي سُمِّيَتْ بِاسْمِهَا ; لِأَنَّ جُلَّ الْعَذَابِ فِيهَا يَكُونُ بِهَا، فَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرُوهُ هُوَ مَعْنَى الْآيَةِ لَكَانَ لَفْظُهَا هَكَذَا: " فَسَيَأْكُلُونَ نَارًا وَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا " فَالْأَكْلُ عَذَابُ بَاطِنِ الْبَدَنِ لِأَنَّ مُعْظَمَ اغْتِيَالِ الْمَالِ يَكُونُ لِلْأَكْلِ، وَالصِّلِيُّ عَذَابُ ظَاهِرِهِ فَهُوَ جَزَاءُ اللِّبَاسِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ. وَلَكِنَّهُ
— 328 —
لَمَّا ذَكَرَ يَأْكُلُونَ غُفْلًا مِنْ عَلَامَةِ الِاسْتِقْبَالِ، وَعَطَفَ عَلَيْهِ " يَصْلَوْنَ " مَقْرُونًا بِالسِّينِ الَّتِي هِيَ عَلَامَةُ الِاسْتِقْبَالِ عُلِمَ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ الْآنَ مَالَا خَيْرَ لَهُمْ فِي أَكْلِهِ ; لِأَنَّهُ فِي قُبْحِهِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْعِقَابِ كَالنَّارِ، أَوْ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِدُخُولِ النَّارِ، ثُمَّ بَيَّنَ مَا يُجْزَوْنَ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ الَّذِي يُشِيرُ إِلَيْهِ الْمَجَازُ فِي أَكْلِ النَّارِ فَقَالَ: وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا وَلَمْ أَرَ أَحَدًا حَقَّقَ هَذَا الْبَحْثَ وَلَيْسَ عِنْدَنَا فِي الْآيَةِ شَيْءٌ عَنِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ.
يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ
— 329 —
أَمَرَ اللهُ - تَعَالَى - فِيمَا قَبْلَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مِنْ أَوَائِلِ السُّورَةِ بِإِعْطَاءِ الْيَتَامَى وَالنِّسَاءِ أَمْوَالَهُمْ إِلَّا مَنْ كَانَ سَفِيهًا لَا يُحْسِنُ تَثْمِيرَ الْمَالِ وَلَا حِفْظَهُ، فَيُثَمِّرُهُ لَهُ الْوَلِيُّ وَيَحْفَظُهُ لَهُ إِلَى أَنْ يَرْشُدَ، وَنَهَى عَنْ أَكْلِ أَمْوَالِهِمْ وَأَبْطَلَ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ مِنْ عَدَمِ تَوْرِيثِهِمْ. فَنَاسَبَ بَعْدَ هَذَا أَنْ يُبَيِّنَ أَحْكَامَ الْمِيرَاثِ وَفَرَائِضِهِ، فَكَانَ بَيَانُهُ فِي هَاتَيْنِ، وَآيَةٌ فِي آخِرِ السُّورَةِ، فَهَذِهِ هِيَ الْفَرَائِضُ الَّتِي جَرَى عَلَيْهَا الْعَمَلُ بَعْدَ نُزُولِهَا فَبَطَلَ بِهَا، وَبِقَوْلِهِ: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ [٨: ٧٥] مَا كَانَ مِنْ نِظَامِ التَّوَارُثِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَفِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ.
أَمَّا الْجَاهِلِيَّةُ فَكَانَتْ أَسْبَابُ الْإِرْثِ عِنْدَهَا ثَلَاثَةً:
أَحَدُهَا: النَّسَبُ، وَهُوَ خَاصٌّ بِالرِّجَالِ الَّذِينَ يَرْكَبُونَ الْخَيْلَ، وَيُقَاتِلُونَ الْأَعْدَاءَ، وَيَأْخُذُونَ الْغَنَائِمَ لَيْسَ لِلضَّعِيفَيْنِ: الطِّفْلِ وَالْمَرْأَةِ مِنْهُ شَيْءٌ.
ثَانِيهَا: التَّبَنِّي، فَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَتَبَنَّى وَلَدَ غَيْرِهِ فَيَرِثُهُ،
وَيَكُونُ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ الصَّحِيحِ، وَقَدْ أَبْطَلَ اللهُ التَّبَنِّيَ بِآيَاتٍ مِنْ سُورَةِ الْأَحْزَابِ، وَنَفَّذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ بِذَلِكَ الْعَمَلِ الشَّاقِّ، وَهُوَ التَّزَوُّجُ بِمُطَلَّقَةِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ الَّذِي كَانَ قَدْ تَبَنَّاهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ.
ثَالِثُهَا: الْحَلِفُ وَالْعَهْدُ، كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: دَمِي دَمُكَ، وَهَدْمِي هَدْمُكَ، وَتَرِثُنِي، وَأَرِثُكَ، وَتَطْلُبُ بِي وَأَطْلُبُ بِكَ. فَإِذَا تَعَاهَدَا عَلَى ذَلِكَ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ كَانَ لِلْحَيِّ مَا اشْتُرِطَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ، وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا لَمْ يَبْطُلْ إِلَّا بِآيَاتِ الْمِيرَاثِ.
وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَقَدْ جَعَلَ التَّوَارُثَ أَوَّلًا بِالْهِجْرَةِ، وَالْمُؤَاخَاةِ، فَكَانَ الْمُهَاجِرُ يَرِثُ الْمُهَاجِرَ الْبَعِيدَ، وَلَا يَرِثُهُ غَيْرُ الْمُهَاجِرِ وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُؤَاخِي بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيَرِثُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَقَدْ نُسِخَ هَذَا، وَذَاكَ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عِنْدَ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ نُزُولِ أَحْكَامِ الْفَرَائِضِ أَنَّ أَسْبَابَ الْإِرْثِ ثَلَاثَةٌ: النَّسَبُ، وَالصِّهْرُ، وَالْوَلَاءُ، وَحِكْمَةُ مَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ظَاهِرَةٌ ; فَإِنَّ ذَوِي الْقُرْبَى، وَالرَّحِمِ لِلْمُسْلِمِينَ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ لِقِلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ مُحْتَاجِينَ إِلَى التَّنَاصُرِ، وَالتَّكَافُلِ بَيْنَهُمْ، وَلَاسِيَّمَا الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ، وَتَرَكَ ذُو الْمَالِ مِنْهُمْ فِيهَا.
وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ، وَالْأَقْرَبِينَ قَدْ نُسِخَتْ أَيْضًا بِآيَاتِ الْمِيرَاثِ، وَلَكِنَّكَ تَرَى أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ الْمُفَصِّلَتَيْنِ لِأَحْكَامِ الْإِرْثِ قَدْ جَعَلَتَا الْوَصِيَّةَ مُقَدَّمَةً عَلَى الْإِرْثِ، وَأَكَّدَتْ ذَلِكَ بِتَكْرَارِهِ عِنْدَ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْفَرَائِضِ فِيهَا، وَتَرَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ، وَالْأَقْرَبِينَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ تَأْكِيدٌ يُنَافِي النَّسْخَ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ - رَاجِعْ تَفْسِيرَ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [٢: ١٨٠] الْآيَاتِ [
— 330 —

تفسير المنار

محمد رشيد رضا

عرض الكتاب