سورة النساء | الآية ٣٢

عرض السورة
التَّفسير

ﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞ

تفسير المنار
محمد رشيد رضا
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن المنذر
ابن المنذر
تفسير ابن المنذر
ابن المنذر
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
أحكام القرآن
الجصاص
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
النكت والعيون
الماوردي
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير الراغب الأصفهاني
الراغب الأصفهاني
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
أحكام القرآن
ابن العربي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
أحكام القرآن
ابن الفرس
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
جهود القرافي في التفسير
القرافي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الْمِيمِ، وَهُوَ اسْمُ مَكَانٍ مِنَ الْإِدْخَالِ، أَيْ: وَنُدْخِلُكُمْ مَكَانًا كَرِيمًا وَهُوَ الْجَنَّةُ، وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَهُوَ اسْمُ مَكَانٍ مِنَ الدُّخُولِ، أَيْ: نُدْخِلُكُمْ فَتَدْخُلُونَ مَكَانًا كَرِيمًا، وَوَصَفَ الْمَكَانَ بِالْكَرِيمِ ظَنَّ مَنْ لَا يَرْجِعُ فِي الْمَعَانِي إِلَى أُصُولِ اللُّغَةِ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْحُسْنِ تَجَوُّزًا وَلَكِنَّ الْعَرَبَ قَالَتْ: أَرْضٌ كَرِيمَةٌ وَأَرْضٌ مُكَرَّمَةٌ: أَيْ طَيِّبَةٌ جَيِّدَةُ النَّبَاتِ، وَفِي التَّنْزِيلِ: فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦: ٥٧، ٥٨)، وَقَدْ يَكُونُ الْمُدْخَلُ الْكَرِيمُ وَالْمَقَامُ الْكَرِيمُ هُوَ الْمَكَانَ الَّذِي يُكْرَمُ بِهِ مَنْ يَدْخُلُهُ وَيُقِيمُ فِيهِ.
وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي بَيَانِ وَجْهِ اتِّصَالِ الْآيَةِ بِمَا قَبْلَهَا: نَهَى أَوَّلًا عَنْ أَكْلِ النَّاسِ بَعْضُهُمْ أَمْوَالَ بَعْضٍ بِالْبَاطِلِ وَأَوْعَدَ فَاعِلَ ذَلِكَ، وَبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَمَا قَبْلَهُ مِنَ الْمَنَاهِي مَا يُغْفَرُ مِنْهَا وَمَا لَا يُغْفَرُ، ثُمَّ أَرْشَدَنَا بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ إِلَى قَطْعِ عِرْقِ كُلِّ تَعَدٍّ عَلَى الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَهُوَ التَّمَنِّي وَعَدَمِ اسْتِعْمَالِ كُلٍّ لِمَوَاهِبِهِ فِي الْجِدِّ وَالْكَسْبِ وَكُلُّ مَا يَتَمَنَّاهُ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ.
وَقَالَ الْبَقَاعِيُّ فِي ذَلِكَ: وَلَمَّا نَهَى عَنِ الْقَتْلِ، وَعَنِ الْأَكْلِ بِالْبَاطِلِ بِالْفِعْلِ، وَهُمَا مِنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ لِيَصِيرَ الظَّاهِرُ طَاهِرًا عَنِ الْمَعَاصِي الْوَخِيمَةِ نَهَى عَنِ التَّمَنِّي، فَإِنَّ
التَّمَنِّيَ قَدْ يَكُونُ حَسَدًا وَهُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُنَا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ، وَهُوَ حَرَامٌ وَالرِّضَى بِالْحَرَامِ حَرَامٌ، وَالتَّمَنِّي عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَجُرُّ إِلَى الْأَكْلِ، وَالْأَكْلُ يَقُودُ إِلَى الْقَتْلِ، فَإِنَّ مَنْ يَرْتَعُ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، فَإِذَا انْتَهَى عَنْ ذَلِكَ كَانَ بَاطِنُهُ طَاهِرًا عَنِ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ بِحَسَبِ الطَّرِيقَةِ، لِيَكُونَ الْبَاطِنُ مُوَافِقًا لِلظَّاهِرِ، وَيَكُونَ جَامِعًا بَيْنَ الشَّرِيعَةِ وَالطَّرِيقَةِ، فَيَسْهُلَ عَلَيْهِ تَرْكُ مَا نُهِيَ عَنْهُ وَيَرْضَى بِمَا قُسِمَ لَهُ.
وَقَالَ الْقَفَّالُ: لَمَّا نَهَى اللهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَقَتْلِ الْأَنْفُسِ عَقَّبَهُ بِالنَّهْيِ عَمَّا يُؤَدِّي إِلَيْهِ مِنَ الطَّمَعِ فِي أَمْوَالِهِمْ.
وَرُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: إِحْدَاهَا عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَتْ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: يَا رَسُولَ اللهِ، تَغْزُو الرِّجَالُ وَلَا نَغْزُو، وَإِنَّمَا لَنَا نِصْفُ الْمِيرَاثِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى الْآيَةَ، وَالثَّانِيَةُ: عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ النِّسَاءَ سَأَلْنَ الْجِهَادَ، فَقُلْنَ: وَدِدْنَا أَنَّ اللهَ جَعَلَ لَنَا الْغَزْوَ فَنُصِيبَ مِنَ الْأَجْرِ مَا يُصِيبُ الرِّجَالُ، فَنَزَلَتْ، وَالثَّالِثَةُ: عَنْ قَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ قَالَا: لَمَّا نَزَلَ
— 47 —
قَوْلُهُ تَعَالَى: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (٤: ١١)، قَالَ الرِّجَالُ: إِنَّا لَنَرْجُو أَنْ نُفَضَّلَ عَلَى النِّسَاءِ بِحَسَنَاتِنَا كَمَا فُضِّلْنَا عَلَيْهِنَّ فِي الْمِيرَاثِ فَيَكُونَ أَجْرُنَا عَلَى الضِّعْفِ مِنْ أَجْرِ النِّسَاءِ، وَقَالَتِ النِّسَاءُ: إِنَّا لَنَرْجُو أَنْ يَكُونَ الْوِزْرُ عَلَيْنَا نِصْفَ مَا عَلَى الرِّجَالِ فِي الْآخِرَةِ كَمَا لَنَا الْمِيرَاثُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ نَصِيبِهِمْ فِي الدُّنْيَا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ، ذَكَرَ الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثَ الْوَاحِدِيُّ وَالسُّيُوطِيُّ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ، وَهِيَ لَا تَتَّفِقُ اتِّفَاقًا بَيِّنًا مَعَ الْمَأْثُورِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ فِي تَفْسِيرِ التَّمَنِّي بِالْحَسَدِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِيهَا: لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: لَيْتَ مَا أُعْطِيَ فُلَانٌ مِنَ الْمَالِ وَالنِّعْمَةِ وَالْمَرْأَةِ الْحَسْنَاءِ كَانَ عِنْدِي، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ حَسَدًا، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: اللهُمَّ أَعْطِنِي مِثْلَهُ.
الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: سَبَبُ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ الْحَيْرَةُ فِي فَهْمِ الْآيَةِ وَمَعْنَاهَا ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى كَلَّفَ كُلًّا مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَعْمَالًا فَمَا كَانَ خاصًّا بِالرِّجَالِ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ أَجْرِهِ لَا يُشَارِكُهُمْ فِيهِ النِّسَاءُ، وَمَا كَانَ خَاصًّا بِالنِّسَاءِ لَهُنَّ نَصِيبٌ مِنْ أَجْرِهِ لَا يُشَارِكُهُنَّ
فِيهِ الرِّجَالُ، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَمَنَّى مَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْآخَرِ، وَجَعَلَ الْخِطَابَ عَامًّا لِلْفَرِيقَيْنِ مَعَ أَنَّ الرِّجَالَ لَمْ يَتَمَنَّوْا أَنْ يَكُونُوا نِسَاءً وَلَا أَنْ يَعْمَلُوا عَمَلَ النِّسَاءِ، وَهُوَ الْوِلَادَةُ وَتَرْبِيَةُ الْأَوْلَادِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ، وَإِنَّمَا كَانَ النِّسَاءُ هُنَّ اللَّوَاتِي تَمَنَّيْنَ عَمَلَ الرِّجَالِ، وَأَيُّ عَمَلِ الرِّجَالِ تَمَنَّيْنَ؟ تَمَنَّيْنَ أَخَصَّ أَعْمَالِ الرُّجُولِيَّةِ وَهُوَ حِمَايَةُ الذِّمَارِ، وَالدِّفَاعُ عَنِ الْحَقِّ بِالْقُوَّةِ، فَفِي هَذَا التَّعْبِيرِ عِنَايَةٌ بِالنِّسَاءِ، وَتَلَطُّفٌ بِهِنَّ وَهُوَ مَوْضِعٌ لِلرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ لِضَعْفِهِنَّ وَإِخْلَاصِهِنَّ فِيمَ تَمَنَّيْنَ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَلَّا يَظْهَرَ ذَلِكَ التَّمَنِّي النَّاشِئُ عَنِ الْحَيَاةِ الْمِلِّيَّةِ الشَّرِيفَةِ، فَإِنَّ تَمَنِّيَ مِثْلِ هَذَا الْعَمَلِ غَرِيبٌ مِنَ النِّسَاءِ جِدًّا ; وَسَبَبُهُ أَنَّ الْأُمَّةَ فِي عُنْفُوَانِ حَيَاتِهَا يَكُونُ النِّسَاءُ وَالْأَطْفَالُ فِيهَا مُشْتَرِكِينَ مَعَ الرِّجَالِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ وَفِي آثَارِهَا، وَإِنَّهَا لَتَسْرِي فِيهَا سَرَيَانًا عَجِيبًا وَمَنْ عَرَفَ تَارِيخَ الْإِسْلَامِ وَنَهْضَةَ الْعَرَبِ بِهِ وَسِيرَةَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ فِي زَمَنِهِ يَرَى أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَسِرْنَ مَعَ الرِّجَالِ فِي كُلِّ مَنْقَبَةٍ وَكُلِّ عَمَلٍ، فَقَدْ كُنَّ يَأْتِينَ وَيُبَايِعْنَ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ تِلْكَ الْمُبَايَعَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي (سُورَةِ الْمُمْتَحَنَةِ)، كَمَا كَانَ يُبَايِعُهُ الرِّجَالُ، وَكُنَّ يَنْفِرْنَ مَعَهُمْ إِذَا نَفَرُوا لِلْقِتَالِ، يَخْدُمْنَ الْجَرْحَى وَيَأْتِينَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ، فَأَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْتَصَّ النِّسَاءُ بِأَعْمَالِ الْبُيُوتِ، وَالرِّجَالُ بِالْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ الَّتِي فِي خَارِجِهَا لِيُتْقِنَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَمَلَهُ، وَيَقُومَ بِهِ كَمَا يَجِبُ مَعَ الْإِخْلَاصِ لَهُ، وَتَنْكِيرُ لَفْظِ نَصِيبٌ، لِإِفَادَةِ أَنْ لَيْسَ كُلُّ مَا يَعْمَلُهُ الْعَامِلُ يُؤْجَرُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْأَجْرُ عَلَى مَا عُمِلَ بِالْإِخْلَاصِ، أَيْ: فَفِي الْكَلَامِ حَثٌّ ضِمْنِيٌّ عَلَيْهِ ـ وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ، أَيْ: لِيَسْأَلْهُ كُلٌّ مِنْكُمُ الْإِعَانَةَ وَالْقُوَّةَ عَلَى مَا نِيطَ بِهِ؛ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنَّ يَتَمَنَّى مَا نِيطَ بِالْآخَرِ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا النَّهْيِ تَمَنِّي كُلِّ مَا هُوَ مِنَ الْأُمُورِ الْخِلْقِيَّةِ كَالْجَمَالِ وَالْعَقْلِ إِذْ لَا فَائِدَةَ فِي تَمَنِّيهَا لِمَنْ لَمْ يُعْطَهَا، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ مَا يَقَعُ تَحْتَ قُدْرَةِ الْإِنْسَانِ مِنَ الْأُمُورِ الْكَسْبِيَّةِ إِذْ يُحْمَدُ مِنَ النَّاسِ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى مَا نَالَ الْآخَرُ وَيَتَمَنَّى لِنَفَسِهِ مِثْلَهُ وَخَيْرًا مِنْهُ بِالسَّعْيِ وَالْجِدِّ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: وَجِّهُوا
— 48 —
أَنْظَارَكُمْ إِلَى مَا يَقَعُ تَحْتَ كَسْبِكُمْ وَلَا تُوَجِّهُوهَا إِلَى مَا لَيْسَ فِي اسْتِطَاعَتِكُمْ؛ فَإِنَّمَا الْفَضْلُ بِالْأَعْمَالِ الْكَسْبِيَّةِ فَلَا تَتَمَنَّوْا شَيْئًا بِغَيْرِ كَسْبِكُمْ وَعَمَلِكُمْ اهـ.
أَقُولُ: قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: التَّمَنِّي تَشَهِّي حُصُولِ الْأَمْرِ الْمَرْغُوبِ فِيهِ وَحَدِيثُ
النَّفْسِ بِمَا يَكُونُ وَمَا لَا يَكُونُ: وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: تَمَنَّيْتُ الشَّيْءَ إِذَا قَدَّرْتُهُ وَأَحْبَبْتُ أَنْ يَصِيرَ إِلَيَّ اهـ.
وَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ التَّمَنِّيَ لَا يَدْخُلُ فِي حَدِّ الِاخْتِيَارِ فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُ مُشْكِلًا، وَإِنَّمَا يَظُنُّ هَذَا الظَّنَّ مَنْ يُتْبِعُ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَيُسْلِسُ لِخَوَاطِرِهَا الْعِنَانَ، بَلْ يُلْقِي مِنْ يَدِهِ الْعِنَانَ وَاللِّجَامَ، حَتَّى تَكُونَ الْأَمَانِيُّ مِنْهُ كَالْأَحْلَامِ مِنَ النَّائِمِ لَا يَمْلِكُ دَفْعَهَا إِذَا أَتَتْ، وَلَا رَدَّهَا إِذَا غَرَبَتْ، وَشَأْنُ قُوَى الْإِرَادَةِ غَيْرُ هَذَا، وَلَا يَرْضَى اللهُ تَعَالَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا أَصْحَابَ عَزَائِمَ قَوِيَّةٍ، فَهُوَ يُرْشِدُهُمْ بِهَذَا النَّهْيِ إِلَى تَحْكِيمِ الْإِرَادَةِ فِي خَوَاطِرِهِمُ الَّتِي تَتَحَدَّثُ بِهَا أَنْفُسُهُمْ، لِتَصْرِفَهَا عَنِ الْجَوَلَانِ فِيمَا هُوَ لِغَيْرِهِمْ، كَمَا يَصْرِفُونَ أَجْسَامَهُمْ أَنَّ تَجُولَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِمْ بِدُونِ إِذْنِهِ، وَتَوَجُّهِهَا فِي وَقْتِ الْفَرَاغِ مِنَ الْأَعْمَالِ إِلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ وَأَشْرَفُ كَالتَّفَكُّرِ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَسُنَنِ اللهِ تَعَالَى فِي هَذَا الْخَلْقِ، وَلَا سِيَّمَا سُنَنُهُ فِي حَيَاةِ الْأُمَمِ وَمَوْتِهَا وَقُوَّتِهَا وَضَعْفِهَا، وَتَطْبِيقِ ذَلِكَ عَلَى أُمَّتِهِمْ، وَالتَّفَكُّرِ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَنِسْبَتِهِ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ، وَهُوَ الَّذِي يُخَفِّفُ عَنِ النَّفْسِ مَا تَحْمِلُهُ مِنْ أَثْقَالِ الْحَيَاةِ وَتَكَالِيفِهَا.
الْأَمْرُ كَذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَمَنِّي كُلِّ مُكَلَّفٍ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ غَيْرَهُ عَلَيْهِ يَتَضَمَّنُ مِنَّا يَتَحَقَّقُ بِهِ الِانْتِهَاءُ وَهُوَ أَمْرَانِ: (أَحَدُهُمَا) الْعَمَلُ النَّافِعُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَكُونُ بِهِ الْفَائِدَةُ تَامَّةً مِنَ الْعِنَايَةِ وَالْإِتْقَانِ، وَلَا يَشْغَلُ النَّفْسَ بِالْأَمَانِي وَالتَّشَهِّي كَالْبِطَالَةِ وَالْكَسْرِ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ الْكَسْبَ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ التَّمَنِّي (ثَانِيهِمَا) : تَوْجِيهُ الْفِكْرِ فِي أَوْقَاتِ الِاسْتِرَاحَةِ مِنَ الْعَمَلِ إِلَى مَا يُغَذِّي الْعَقْلَ وَيُزَكِّي النَّفْسَ، وَيَزِيدُ فِي الْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ، وَقَدْ ذَكَّرْنَاكَ بِهِ آنِفًا وَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَى قُوَّةِ الْإِرَادَةِ، وَإِنَّمَا تَقْوَى الْإِرَادَةُ بِاسْتِعْمَالِهَا فِي تَنْفِيذِ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّرْعُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ.
وَفِي قَوْلِهِ: مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ إِيجَازٌ بَدِيعٌ وَهُوَ يَشْمَلُ مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَ الرِّجَالِ عَلَى بَعْضٍ ; وَمَا فَضَّلَ بَعْضَ النِّسَاءِ عَلَى بَعْضٍ وَمَا فَضَّلَ بِهِ جِنْسَ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ، وَمَا فَضَّلَ بِهِ جِنْسَ النِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْخُصُوصِيَّةَ فَضْلٌ، أَيْ: زِيَادَةٌ فِي صَاحِبِهَا عَلَى غَيْرِهِ، وَمَا فَضَّلَ بِهِ بَعْضَ الرِّجَالِ عَلَى بَعْضِ النِّسَاءِ، وَمَا فَضَّلَ بِهِ بَعْضَ النِّسَاءِ عَلَى بَعْضِ الرِّجَالِ، وَهَذَا الْفَضْلُ أَنْوَاعٌ: (مِنْهَا) : مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْكَسْبُ وَلَا يُنَالُ بِالْعَمَلِ وَالسَّعْيِ، وَلَا يُعَابُ الْمَفْضُولُ فِيهِ بِالتَّقْصِيرِ
وَلَا يُمْدَحُ الْفَاضِلُ فِيهِ بِالْجِدِّ وَالتَّشْمِيرِ، كَاسْتِوَاءِ الْخِلْقَةِ وَقُوَّةِ الْبِنْيَةِ، وَشَرَفِ النَّسَبِ، فَتَمَنِّي أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَزَايَا لَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ سَخَافَةٍ فِي الْعَقْلِ، وَمَهَانَةٍ فِي النَّفْسِ، فَيَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى مُعَالَجَتِهِ بِالْفَضْلِ الْكَسْبِيِّ الَّذِي بِهِ يَكُونُ التَّفَاضُلُ الْحَقِيقِيُّ بَيْنَ النَّاسِ قَبْلَ أَنْ تَسْتَحْوِذَ عَلَيْهِ الْأَمَانِيُّ فَتُنْسِيَهُ رَبَّهُ وَمَا أَرْشَدَهُ إِلَيْهِ مِنْ طُرُقِ الْفَضْلِ، وَتُنْسِيَهُ نَفْسَهُ وَمَا أَوْدَعَتْهُ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ وَالْقُدْرَةِ
— 49 —
عَلَى الْكَسْبِ، ثُمَّ تَحْمِلُهُ آلَامُ تِلْكَ الْأَمَانِيِّ عَلَى الْمَرْكَبِ الصَّعْبِ، وَهُوَ طَاعَةُ الْحَسَدِ بِالْإِيذَاءِ وَالْبَغْيِ، فَيَكُونُ مِنَ الْهَالِكِينَ.
(وَمِنْهَا) مَا يُنَالُ بِالْجِدِّ وَالسَّعْيِ كَالْمَالِ وَالْجَاهِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالنَّهْيِ أَوَّلًا بِالذَّاتِ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ لِبُعْدِهِ عَنِ الْمَعْقُولِ، كَأَنَّ مِنْ شَأْنِهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ، وَلَا يَشْتَغِلُ بِتَمَنِّي هَذَا إِلَّا ضَعِيفُ الْهِمَّةِ سَاقِطُ الْمُرُوءَةِ، جَاهِلٌ بِقَدْرِ اسْتِعْدَادِ الْإِنْسَانِ وَآيَاتِ الْجِدِّ وَالِاسْتِقْلَالِ، وَلَا يَرْضَى اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ هَكَذَا فَهُوَ يُرْشِدُهُ إِلَى عُلُوِّ الْهِمَّةِ وَهُوَ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَيَهْدِيهِ إِلَى الِاعْتِمَادِ عَلَى مَا أُوتِيهِ مِنَ الْقُوَى فِي تَحْصِيلِ كُلِّ مَا يَرْغَبُ فِيهِ، فَالْجَاهُ الْحَقِيقِيُّ إِنَّمَا يُنَالُ بِالْجِدِّ وَالْكَسْبِ كَالْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْمَنَاصِبِ وَعَمَلِ الْمَعْرُوفِ، وَكَذَلِكَ الثَّرْوَةُ الْأَصْلُ فِيهَا أَنْ تُنَالَ بِالْكَسْبِ وَالسَّعْيِ، وَالْمَوْرُوثُ مِنْهَا قَلَّمَا يَثْبُتُ وَيَنْمُو إِلَّا عِنْدَ الْعَامِلِينَ، وَالَّذِينَ يَتَرَبَّوْنَ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ كَأَهْلِ أَمْرِيكَا وَإِنْكِلْتِرَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى الطَّرِيفِ دُونَ التَّلِيدِ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَ الْوَارِثِينَ مِنْهُمْ رَاهَنَ عَلَى كَسْبِ مِقْدَارٍ عَظِيمٍ مِنَ الْمَالِ يُضَاهِي ثَرْوَتَهُ الْمَوْرُوثَةَ بَعْدَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ جَمِيعِ مَا يَمْلِكُ، وَضَرَبَ لِذَلِكَ أَجَلًا غَيْرَ بَعِيدٍ فَمَا حَلَّ الْأَجَلُ إِلَّا وَذَلِكَ الْمِقْدَارُ الْعَظِيمُ فِي يَدِهِ، وَكَانَ خَرَجَ مِنْ مَالِهِ كُلِّهِ حَتَّى ثِيَابِهِ وَابْتَدَأَ عَمَلَهُ الِاسْتِقْلَالِيَّ بِالْخِدْمَةِ فِي الْحَمَّامِ، وَهِمَمُ الرِّجَالِ لَا يَقِفُ أَمَامَهَا شَيْءٌ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ غَافِلُونَ عَنِ اسْتِعْدَادِهِمْ، يَتَّكِلُونَ عَلَى اجْتِنَاءِ ثَمَرَةِ غَيْرِهِمْ، وَلِذَلِكَ نَبَّهَنَا الْفَاطِرُ جَلَّ صُنْعُهُ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ التَّمَنِّي وَالتَّلَهِّي بِالْبَاطِلِ إِلَى الْكَسْبِ وَالْعَمَلِ، الَّذِي يُنَالُ بِهِ كُلُّ أَمَلٍ، فَقَالَ: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ، فَشَرَعَ الْكَسْبَ لِلنِّسَاءِ كَالرِّجَالِ فَأَرْشَدَ كُلًّا مِنْهُمَا إِلَى تَحَرِّي الْفَصْلِ بِالْعَمَلِ دُونَ التَّمَنِّي وَالتَّشَهِّي، وَحِكْمَةُ اخْتِيَارِ صِيغَةِ الِاكْتِسَابِ عَلَى صِيغَةِ الْكَسْبِ أَنَّ صِيغَةَ الِاكْتِسَابِ تَدُلُّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ وَالتَّكَلُّفِ، وَهُوَ اللَّائِقُ فِي مَقَامِ النَّهْيِ عَنِ التَّمَنِّي وَالتَّشَهِّي، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ مَا تَطْلُبُونَ
مِنَ الْفَضْلِ إِنَّمَا يُنَالُ بِفَضْلِ الْعِنَايَةِ وَالْكُلْفَةِ فِي الْكَسْبِ، لَا بِمَا تُثِيرُهُ الْبِطَالَةُ مِنْ أَمَانِيِّ النَّفْسِ، وَمَا قِيلَ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْكَسْبِ فِي الْخَيْرِ وَالِاكْتِسَابِ فِي الشَّرِّ فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ (٢: ٢٨٦)، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ مَعْنَى الصِّيغَةِ فِي شَيْءٍ وَإِنَّمَا اخْتِيرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الشَّرَّ لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَى الْفِطْرَةِ [رَاجِعْ ١١٨ ج ٢ ط الْهَيْئَةِ الْعَامَّةِ لِلْكِتَابِ]، وَفِي التَّعْبِيرِ بِهِ فِي الْآيَةِ الَّتِي نُفَسِّرُهَا إِرْشَادٌ إِلَى الْمُبَالَغَةِ وَالتَّكَلُّفِ فِي طَلَبِ الزِّيَادَةِ مِنَ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَكُلِّ مَا يَتَفَاضَلُ فِيهِ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ بِشَرْطِ الْتِزَامِ الْحَقِّ، وَإِرْشَادٌ إِلَى اعْتِمَادِ النَّاسِ فِي مَطَالِبِهِمْ وَرَغَائِبِهِمْ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ دُونَ الْكَسَلِ وَالتَّوَاكُلِ، وَاعْتِمَادِ كُلٍّ مِنْهُمْ عَلَى الْآخَرِ، وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مُؤَيِّدَانِ لِذَلِكَ، فَمَا أَجْدَرَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنْ يَكُونُوا قُدْوَةً مَثَلًا لِلْمُسْتَقِلِّينَ، فَالْمُسْلِمُ بِمُقْتَضَى إِسْلَامِهِ يَعْتَمِدُ عَلَى مَوَاهِبِهِ، وَقُوَاهُ فِي كُلِّ مَطَالِبِهِ مَعَ الرَّجَاءِ بِفَضْلِ اللهِ وَتَوْفِيقِهِ ; وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْدَ الْإِرْشَادِ إِلَى الِاكْتِسَابِ: وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ، أَيْ: وَمَهْمَا أَصَبْتُمْ بِالْجِدِّ وَالِاكْتِسَابِ فَلَا يُنْسِيَنَّكُمْ ذَلِكَ حَاجَتَكُمْ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِمَا عَلَيْكُمْ أَنْ تَسْأَلُوهُ مِنْ فَضْلِهِ
— 50 —
الْخَاصِّ الَّذِي لَا يَصِلُ إِلَيْهِ كَسْبُكُمْ، إِمَّا لِجَهْلِكُمْ بِهِ أَوْ بِطَرْقِهِ وَأَسْبَابِهِ، وَإِمَّا لِعَجْزِكُمْ عَنْهُ، كَمَنْ يَجْتَهِدُ فِي الزِّرَاعَةِ أَوِ التِّجَارَةِ فَيُدْلِي إِلَيْهَا بِأَسْبَابِهَا الَّتِي يَنَالُهَا كَسْبُهُ، وَيَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُتِمَّ فَضْلَهُ بِالْمَطَرِ الَّذِي يَنْمُو بِهِ الزَّرْعُ، وَاعْتِدَالِ الرِّيحِ لِيَسْلَمَ الْفُلْكُ، وَهَذَا مِمَّا يَجْهَلُهُ الْإِنْسَانُ وَيَعْجِزُ عَنْهُ.
وَمِنْ هُنَا تَفْهَمُ حِكْمَةَ تَذْيِيلِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا، فَهُوَ الَّذِي عَلَّمَ الْإِنْسَانَ بِالْإِلْهَامِ وَبِآيَاتِهِ فِي الْأَنْفُسِ وَالْآفَاقِ كَيْفَ يَطْلُبُ الْمَنَافِعَ وَالْفَضْلَ، وَكُلَّمَا سَأَلَهُ بِلِسَانِ الْحَالِ وَالِاسْتِعْدَادِ وَالْعَمَلِ زَادَهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَخَزَائِنُ جُودِهِ لَا تَنْفَدُ: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (١٥: ٢١)، وَلَا يَزَالُ الْعَامِلُونَ يَسْتَزِيدُونَهُ وَلَا يَزَالُ يُنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنْ عِلْمِهِ مَا يَفْضُلُونَ بِهِ الْقَاعِدِينَ الْبَطَّالِينَ، وَقَدْ بَلَغَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْفَضْلِ حَدًّا بَعِيدًا جِدًّا ; حَتَّى كَادَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ بَعْضِ الشُّعُوبِ وَبَعْضِهِمُ الْآخَرِ يَكُونُ أَبْعَدَ مِنَ التَّفَاوُتِ بَيْنَ بَعْضِ الْحَيَوَانِ وَبَعْضِ الْإِنْسَانِ.
أَلَا أُذُنٌ تَسْمَعُ وَعَيْنٌ تُبْصِرُ! ! كَيْفَ يَسْتَوْلِي الْعَدَدُ الْقَلِيلُ مِنْ أَهْلِ الشَّمَالِ الْغَرْبِيِّ
عَلَى أُلُوفِ الْأُلُوفِ مِنْ أَهْلِ الْجَنُوبِ الشَّرْقِيِّ وَيُسَخِّرُونَهُمْ لِخِدْمَتِهِمْ كَمَا يُسَخِّرُونَ غَيْرَهُمْ مِنَ الْحَيَوَانِ؟ ! أَيُنْكِرُ أَصْحَابُ النُّفُوذِ الصُّورِيِّ وَالنُّفُوذِ الْمَعْنَوِيِّ مِنْ أَهْلِ الْجَنُوبِ أَنَّ الْأُمَمَ الَّتِي حَالُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ طَلَبِ فَضْلِ اللهِ بِالْعُلُومِ وَالْفُنُونِ وَالصِّنَاعَاتِ وَالثَّرْوَةِ وَالسِّيَاسَةِ تَارَةً بِاسْمِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الدِّينِ، وَأُخْرَى بِاسْمِ الْعُبُودِيَّةِ لِلْأُمَرَاءِ وَالسَّلَاطِينِ، قَدْ خَرَجَتِ السُّلْطَةُ عَلَيْهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَمَا هَذَا الْقَلِيلُ بِالَّذِي يَبْقَى لَهُمْ، أَيُنْكِرُونَ أَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مِنَ الْمُلْكِ وَالْعِزَّةِ وَالثَّرْوَةِ وَالْعِلْمِ مِثْلُ مَا لِأَهْلِ الشَّمَالِ، أَوَعَيْنُ مَا لِأَهْلِ الشَّمَالِ، أَيَنْسَوْنَ أَنَّهُمْ كَانُوا فَوْقَهُمْ أَيَّامَ كَانُوا هُمْ أَصْحَابَ أَهْلِ الْيَمِينِ، أَيُجِيزُ لَهُمُ الْإِسْلَامُ بَعْدَ ذَلِكَ هَذَا الْفَضْلَ الَّذِي أَصَابُوهُ بِكَسْبِهِمْ أَنْ يُضَيِّعُوهُ، ثُمَّ يُقْنِعُوا أَنْفُسَهُمْ بِالتَّمَنِّي وَالتَّشَهِّي؟ ! فَإِلَى مَتَى هَذَا الْجَهْلُ وَهَذَا الْغُرُورُ؟ !
إِنَّهُمْ حَالُوا بَيْنَ الْأُمَّةِ وَبَيْنَ فَضْلِ اللهِ فِي الدِّينِ كَمَا حَالُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ فَضْلِهِ فِي الدُّنْيَا، فَمَنَعُوا الِاسْتِقْلَالَ فِي فَهْمِ الدِّينِ، وَأَنْ تَطْلُبَهُ بِلِسَانِ حَالِهَا وَاسْتِعْدَادِهَا وَلَوْ سَأَلَتْهُ لَأَعْطَاهَا اللهُ إِيَّاهُ، فَنَسْأَلُهُ أَنْ يَنْصُرَهَا عَلَيْهِمْ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ.
قَدْ قَتَلَ هَذِهِ الْأُمَّةَ الْحَسَدُ وَالتَّمَنِّي، كُلَّمَا ظَهَرَتْ آيَاتُ النُّبُوغِ فِي الْعِلْمِ، أَوِ الْعَمَلِ فِي رَجُلٍ مِنْهَا قَامَ الَّذِينَ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَيَتَمَنَّوْنَ مَا فَضَّلَهُ اللهُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِثْلُ مَوَاهِبِهِ وَكَسْبِهِ، يُبَدِّلُونَ حَسَنَاتِهِ سَيِّئَاتٍ، وَيَبْغُونَهُ الْفِتَنَ وَيَضَعُونَ لَهُ الْعَثَرَاتِ، يَسْتَكْبِرُونَ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْهِ، وَيَحْتَقِرُونَ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ، فَلَا يَرَوْنَهَا أَهْلًا لِأَنْ تُدْرِكَ مَا أَدْرَكَهُ، وَلَكِنَّهُمْ يُصَغِّرُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا اسْتَكْبَرُوهُ فِي قُلُوبِهِمْ وَأَدْمِغَتِهِمْ، وَيُعَظِّمُونَ بِأَقْوَالِهِمْ
— 51 —

تفسير المنار

محمد رشيد رضا

عرض الكتاب