الفتاوى

من طرق التعامل مع القرآن
بالنسبة للقرآن الكريم ماذا يفعل المسلم بالقرآن الكريم ؟ هل يحفظه أم يعمل به ؟ أم يفعل كما كان الصحابة رضوان الله عليهم يفعلون بعمل بعشر آيات ويحفظها ويفهمها ثم يكمل هكذا مع باقي القرآن ؟ وإذا كان التدبر ، والعمل بعشر آيات فهمهن هو الأفضل ، وهو ما أعلم أنه الأفضل ؟ وهل هناك كتاب أو مادة للتدبر والعمل تنصحوننا به ؟ وما رأيكم بدورة الأترجة للتفسير ؟ وأيضا ما رأيكم في دورة "أساسيات تدبر القرآن الكريم " للمهندس محمد عبد الرؤوف عاشور ؟ وكذلك كتاب "القرآن تدبر وعمل ؟

الإجابة

الحمد لله

أولًا :

ينبغي على المؤمن أن يتعلق بكتاب الله تعالى تلاوة وعملًا ، والتلاوة لها حقيقة ، وهي : الاتباع ، والعمل ، قال "ابن القيم" : " وحقيقةُ التلاوةِ هي التلاوةُ المطلقةُ التَّامَّةُ ، وهي تلاوةُ اللفظِ والمعنى ؛ فتلاوةُ اللفظِ جزءُ مُسمى التلاوةِ المُطلقةِ ، وحقيقةُ اللفظِ إنما هي الاتباعُ ، يقال : اتلُ أثر فلانِ ، وتلوتُ أثرهُ، وقفوتُهُ وقصصتُهُ، بمعنى تَبعتُهُ ، ومنه قولُه تعالى :   وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا  الشمس/ 1-2 ، أي : تَبعَها في طلوع بعد غَيبتها ، ويُقال : جاءَ القومُ يتلو بعضهم بعضًا ، أي : يتبع ، ويُسمَّى تالي الكلام تاليًا ، لأنَّهُ يُتبِعُ بعضَ الحروف بعضًا ، لا يُخرجُها جُملةً واحدةً ، بل يُتبِعُ بعضها بعضًا مُرتبةً ، كُلَّما انقضى حرفٌ أو كلمةٌ أتبعهُ بحرفِ آخرَ وكلمةِ أُخرى ، وهذه التّلاوةُ وسيلةٌ وطريقٌ .

والمقصودُ التِّلاوةُ الحقيقيةُ ، وهي تلاوَةُ المعنى واتِّباعُهُ ؛ تصديقًا بخبرهِ وائتمارًا بأمرهِ ، وانتهاءَ عن نهيهِ ، وائتمامًا به ، حيثُما قادكَ انقدتَ معه ، فتلاوةُ القُرآنِ تتناولُ تلاوةَ لفظهِ ومعناهُ ، وتلاوةُ المعنى أشرفُ من مجرَّد تلاوةِ اللفظِ ، وأهلُها هم أهلُ القرآن الذين لهم الثناءُ في الدنيا والآخرة ، فإنهم أهلُ تلاوةٍ ومتابعةٍ حقًّا " ، انتهى من " مفتاح دار السعادة" (1/ 202).

إن "القرآن كالتمرة كلما زدتها مضغا أعطتك حلاوة ، والقرآن يحلو كلما كررته ، ولذا ينبغي عليك أن تزيد تكراره ، فإن عجائبه لا تنقضي ، ولا يخلق على كثرة الرد .

ليس للتدبر دروب وعرة ، ولا مسالك موحشة ، ﻷن الله يسر القرآن للناس يأخذ كل منهم بمقدار استعداده ، لكن أحدا لا يجالس القرآن إلا خرج منه بشيء ، ولا تزال تخرج بالشيء تلو الشيء حتى تقف على ما يدهش اﻷلباب ، ويأخذ بالنفوس .

افهم المعنى ، وكرر اﻵية ، ولا تستعجل ، بل ازدد في الفهم ، وابحث بصدق عن دواء دائك ، وشفاء نفسك = فإنك لاقيه .

وآفة كثير من الناس انشغالهم بالحديث حول التدبر عن التدبر نفسه ، فانشغلوا بالوسيلة عن الغاية ، وببنيات الطريق عن واضحاته ، أقبل على القرآن متأملًا ، وباحثًا عن مرادك ، وتلمسه   تجده " ، انتهى  من "الدليل إلى القرآن" (106).

وانظر الجواب رقم : (137288) ففيه مزيد تفصيل .

ثانيًا :

هل يحفظه أم يعمل به أم يفعل كما كان الصحابة ؟

إننا نخشى أن يكون هذا السؤال: مجرد إشكالية نظرية، مخادعة !!

فليس هناك تعارض بين حفظ القرآن، والعمل به كما كان الصحابة يفعلون؟

فمتى كان الحفظ مانعا من العمل؟ ومتى كان العمل شاغلا عن الحفظ ؟

إن أعظم ما يتسعان به على حفظ القرآن: أن تعمل به..

وأعظم ما يعين على العمل بالقرآن أن تحفظه ...

وهكذا، فلتكن عناية: أن يحفظ "حدود القرآن" ، و"حروفه" معا؛ فبهذا تنال بركة القرآن، ويعظم خيره في قلب العبد، وعيشه كله.

وإلا؛ فثمة فرق بين حال نزول القرآن، مفرقا، منجما، في أول الأمر، يحفظه الصحابة على هينة من أمرهم، ويتدبرونه، ويتعلمون معانيه، وحروفه...

وبين حال من تلاهم من السلف الصالحين، فما نعلم أن أحدا قد استشكل هذا الأمر بعد، أو رأى الحفظ معارضا للعمل، أو طرح السؤال بين الخيارين؛ فإنهما جناحان، يتكاملان، ويتعاضدان على حمل العبد في سيره إلى رب العالمين: أن يحفظ الحروف، ويرعى الحدود.

ثم، يستكثر العامل من كل باب منهما، بحسب ما أعطاه الله، ووفقه له.

فمن كان ميسرا للعلم، أوتي حفظا حسنا، وفي سن مواتية: استكثر من الحفظ والضبط، ثم انشغل بعد بتعلم أحكامه، وفقهه، وتفسيره، وتدبره...

ومن لم يُعط ذلك، ولم يُرزق القلب الواعي الذي يعينه على حفظ الحروف، فلتكن همته باب العمل، والاستكثار منه، والدخول على رب العالمين منه، عسى أن يفتح له فيه.

وفي السن الصغيرة: يستكثر العبد من الحفظ ما وسعه، وما شاء الله له؛ فما زال الناس يقولون: إن الحفظ في الصغر، كالنقش في الحجر...

وانظر للفائدة: جواب السؤال رقم :(301925) ، ورقم :(20803) ،  ورقم :(7966) .

ولا يكن ذلك مانعا له من العمل، بقدر ما وسعه جهده، وبلغه علمه وفهمه...

قال الله تعالى:   أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ   الرعد/17 .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

" وكذلك يضرب الله الأمثال للوحي الذي أنزله حياة للقلوب، ونورا لها ؛ بالماء الذي ينزله من السماء، حياة للأرض، وبالنار التي يحصل بها النور.

وهذا كما في قوله تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ .

فشبه العلم بالماء المنزل من السماء؛ لأن به حياة القلوب، كما أن بالماء حياة الأبدان، وشبه القلوب بالأودية، لأنها محل العلم، كما أن الأودية محل الماء؛ فقلب يسع علما كثيرا ، وواد يسع ماء كثيرا، وقلب يسع علما قليلا ، وواد يسع ماء قليلا .

وأخبر تعالى أنه يعلو على السيل من الزبد ، بسبب مخالطة الماء ، وأنه يذهب جفاء أي: يُرمى به، ويُجْفى. والذي ينفع الناس يمكث في الأرض ويستقر .

وكذلك القلوب: تخالطها الشهوات والشبهات فإذا، ترابى فيها الحق ، ثارت فيها تلك الشهوات والشبهات ، ثم تذهب جفاء ، ويستقر فيها الإيمان والقرآن الذي ينفع صاحبه والناس .

وقال: ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فهذا المثل الآخر ، وهو الناري ؛ فالأول للحياة ، والثاني للضياء. " انتهى، من "مجموع الفتاوى" (19/94-95).

وينظر للفائدة جواب السؤال رقم : (240606) ، ورقم : (111963) .

فإن وجد من نفسه همة ، فليحفظ المفصل [(من سورة ق أو الحجرات وحتى ختام المصحف)]، مع فهم ما تيسر له من المعنى ، ولا يتجاوز المفصل حتى يفهم معناه .

وليحذر العبد الناصح لنفسه، أن يصده الشيطان عن حفظ كتاب الله ، والتشرف بأن يكون من حملة القرآن، وأهله الحافظين له، الذين هم القراء، بحجة العمل، أو الاقتصار على عشر آيات، كما كان السلف.

وما روي عن السلف حق، حقيق لا ريب فيه؛ لكن احذر أن يصدك الشيطان عن الحق الذي تقدر عليه، ويلائم حالك، وسنك، بأمر، وحال، لعلك لا تدركه، أو يفوتك ما هو خير لك، وأعظم بركة منه، أو يفوتك من الخير ما أنت قادر عليه، إذا تعلق قلبك بحال، أو عمل: لا تقدر عليه، أو لن يتيسر لك الاستمرار عليه، والثبات، حتى وإن فتح لك فيه المرة، بعد المرة.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

" فالدين الواجب لا بد من تفضيله؛ إذ الفضل يدخل في الوجوب وإذا وجب الدين به دون خلافه فلأن يجب اعتقاد فضله أولى. وأما الدين المستحب فقد لا يشرع اعتقاد فعله إلا في حق من شرع له فعل ذلك المستحب وإلا فمن الناس من يضره إذا سلك سبيلا من سبل السلام الإسلامية أن يرى غيره أفضل منها؛ لأنه يتشوف إلى الأفضل فلا يقدر عليه والمفضول يعرض عنه.

وكما أنه ليس من مصلحته أن يعرف أفضل من طريقته إذا كان يترك طريقته ولا يسلك تلك فليس أيضا من الحق أن يعتقد أن طريقته أفضل من غيرها؛ بل مصلحته أن يسلك تلك الطريقة المفضية به إلى رحمة الله تعالى " . انتهى، من "مجموع الفتاوى" (14/433).

وجماع ذلك: أن تلزم طريق أهل العلم والحفظ في بلدك، فمتى وجدت من مجالس القرآن ما يعتني بحفظ القرآن، وتحفيظه، وتلقينه، فالزمها، وانتفع بها.

ومتى وجدت فيها مجالس لتفسير القرآن، وفهمه، وعلمه، وتدبره: فالزمها، ما أمكنك.

ومتى وجدت المجلسين، وتعارض عندك الجمع بين الأمرين: فساعتها نسمع منك سؤالك، مبنيا على معطيات علمية، واقعية، وننظر معك في الأوفق لك، والأنسب لحالك.

والمأمول من فضل الله، أنك متى استعنت بالله، واستهديته، أن يعنيك، ويفتح لك، ويهديك، ويفتح لك من مجامع الخير، وأبواب الفضل، ما هو أهل له سبحانه.

وقد قال الله تعالى:   وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ   العنكبوت/69 .

ثالثًا :

"دورة الأترجة" من أفضل الدورات الصوتية في تفسير القرآن ، وهي مما ننصح بشدة .

وكذلك ما ذكره الأخ السائل عن "دورة التدبر" ، فقد سمعنا بعضها فألفيناها نافعة  .

وكتاب "القرآن .. تدبر وعمل" من الكتب الجيدة النافعة ، وقد نفع الله بها ، وكتب لها القبول ، وأثنى عليها أهل التخصص .

رابعًا :

من كتب التدبر التي ننصح بها :

1- "القرآن تدبر وعمل"، مركز منهاج، وهو كتاب حافل ومهم .

2- "الطريق إلى القرآن"، إبراهيم السكران .

3- "هذه رسالات القرآن"، د. فريد الأنصاري .

4- "المشوق إلى القرآن"، عمرو الشرقاوي .

5- "الخلاصة في تدبر القرآن"، د. خالد السبت .

6- "ليدبروا آياته .. حصاد سبع سنوات من التدبر "، دار الحضارة .

7- "أول تدبر"، د. نايف الزهراني .

8- "أول مرة أتدبر القرآن"، عادل محمد خليل .

9- "القواعد والأصول وتطبيقات التدبر"، د. خالد السبت .

10- "تدبر القرآن الكريم"، د. عبداللطيف التويجري .

والله أعلم 

Icon