عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- قوله: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾، قال: أرادوا العِير. قال: ودخل رسول الله ﷺ المدينة في شهر ربيع الأول، فأغار كُرْزُ بن جابر الفِهْرِيُّ يريد سَرْحَ المدينة، حَتّى بلغ الصَّفْراء، فبلغ النبي ﷺ، فركب في أثره، فسبقه كُرْزُ بن جابر، فرجع النبي ﷺ، فأقام سَنَتَه. ثم إنّ أبا سفيان أقبل من الشام في عِيرٍ لقريش، حتى إذا كان قريبًا من بدر، نزل جبريل على النبي ﷺ، فأوحى إليه: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾، فنَفَر النبي ﷺ بجميع المسلمين، وهم يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، منهم سبعون ومائتان من الأنصار، وسائرهم من المهاجرين. وبلغ أبا سفيان الخبر وهو بالبطم، فبعث إلى جميع قريش وهم بمكة، فنفرت قريش وغضبت
عن عبد الله بن عباس، وعروة بن الزبير-من طريق الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، ويزيد بن رومان- قال: لما سَمِع رسول الله - ﷺ - بأبي سفيان مُقْبِلًا من الشام، ندَب المسلمين إليهم، وقال: «هذه عِيرُ قريش، فيها أموالهم، فاخرُجوا إليها، لعلَّ الله يُنَفِّلُكموها». فانتدَب الناس، فخفَّ بعضُهم، وثقُلَ بعضُهم، وذلك أنهم لم يظُنُّوا أن رسول الله - ﷺ - يَلقى حربًا، وكان أبو سفيان حينَ دنا من الحجاز يَتَحَسَّسُ الأخبار، ويسألُ من لَقِيَ من الرُّكْبان؛ تخوُّفًا عن أمرِ الناس، حتى أصاب خبرًا من بعضِ الرُّكْبان أنّ محمدًا قد استنفَر لك أصحابَه. فحذِر عند ذلك، فاستأجَر ضَمْضَمَ بن عمرو الغِفاري، فبعَثه إلى مكة، وأمَره أن يأتيَ قريشًا، فيستنفِرَهم إلى أموالهم، ويخبرَهم أنّ محمدًا - ﷺ - قد عرَض لها في أصحابه، فخرج سريعًا إلى مكة، وخرج رسول الله - ﷺ - حتى بلغ واديًا يقال له: ذَفِرانُ. فأتاه الخبرُ عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عن عيرهم، فاستشار النبي - ﷺ - الناس، فقام أبو بكر فقال فأَحْسَن، ثم قام عمر فقال فأَحْسَن، ثم المقداد بن عمرو، فقال: يا رسول الله، امضِ لما أمَرَك الله، فنحن معك، والله لا نقولُ لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى:اذهبْ أنت وربُّك فقاتِلا، إنا هاهنا قاعدون. ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتِلا، إنا معكم مقاتلون، فوالذي بعَثك بالحقِّ، لئن سِرْتَ بنا إلى بَرْكِ الغِمادِ لجالَدْنا معك مَن دونَه حتى تبلُغه. فقال له رسول الله - ﷺ - خيرًا، ودعا له، وقال له سعد بن معاذ: لو استعرضتَ بنا هذا البحرَ فخضْتَه لخضنا معَك ما تخلَّف منا رجلٌ واحد، وما نكرَهُ أن تلقى بنا عدوَّنا غدًا، إنا لصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ في اللقاء، لعل الله يُريك منّا ما تَقَرُّ به عينُك، فسِرْ بنا على بركة الله. فسُرَّ رسول الله - ﷺ - بقول سعدٍ، ونشَّطه ذلك، ثم قال: «سيروا، وأبشِروا، فإن الله قد وعَدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظرُ إلى مصارعِ القوم»
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين﴾، قال: أقبلَت عِيرُ أهل مكة من الشام، فبلَغ أهلَ المدينة ذلك، فخرجوا ومعهم رسول الله ﷺ يريدُ العِير، فبلغ أهلَ مكة ذلك، فأسرعوا السير إليها لكي لا يغلِبَ عليها رسول الله ﷺ وأصحابُه، فسبَقتِ العيرُ رسول الله ﷺ، وكان الله عز وجل وعَدَهم إحدى الطائفتين، وكانوا أن يلقَوُا العيرَ أحبَّ إليهم، وأيسرَ شوكة، وأخصرَ نفرًا، فلما سبقتِ العير وفاتتْ رسول الله ﷺ سار رسول الله ﷺ بالمسلمين يريدُ القوم، فكَرِه القومُ مسِيرَهم؛ لِشَوْكَة القوم، فنزل النبي ﷺ والمسلمون، بينَهم وبينَ الماء رَمْلَةٌ دِعْصَةٌ، فأصاب المسلمين ضعفٌ شديد، وألقى الشيطانُ في قلوبهم الغيظ، فوسوس بينَهم يوسوسُهم: تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسولُه وقد غلَبَكم المشركون على الماء وأنتم تُصَلُّون مُجْنِبين؟! فأمْطَر الله عليهم مطرًا شديدًا، فشَرِب المسلمون وتَطَهَّروا، فأذهب الله عنهم رِجْزَ الشيطان، وأشفَّ الرملُ من إصابة المطر، ومشى الناس عليه والدواب، فساروا إلى القوم، وأمدَّ الله نبيه ﷺ والمؤمنين بأَلْف من الملائكة، فكان جبريل في خمسِمائة من الملائكة مُجَنِّبةً، وميكائيلُ في خمسِمائة من الملائكة مُجَنِّبةً، وجاء إبليس في جندٍ من الشياطين معه رايتُه، في صورة رجال من بني مُدْلِجٍ، والشيطان في صورة سُراقة بن مالك بن جُعْشُمٍ، فقال الشيطان للمشركين: ﴿لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم﴾ [الأنفال:٤٨]. فلما اصطَفَّ القوم قال أبو جهل: اللهم أوْلانا بالحقِّ فانصُرْه. ورفَع رسول الله ﷺ يدَيه فقال: «يا ربِّ، إن تَهْلِكْ هذه العِصابةُ في الأرض فلن تُعبَدَ في الأرض أبدًا». فقال له جبريل: خذْ قبضةً من التراب فارمِ به وجوههم. فما من المشركين من أحد إلا أصاب عينيه ومَنخِرَيهِ وفمَه من تلك القبضة، فولَّوا مُدْبِرِين، وأقبَل جبريل إلى إبليس، فلما رآه -وكانت يده في يد رجل من المشركين- انتزَع إبليسُ يدَه، ثم ولّى مُدْبِرًا هو وشيعتُه، فقال الرجل: يا سراقة، أتزعُمُ أنّك لنا جارٌ؟! فقال: ﴿إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب﴾ [الأنفال:٤٨]. فذلك حين رأى الملائكة
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: قيل لرسول الله ﷺ حين فرَغ من بدر: عليك العيرَ ليس دونَها شيء. فناداه العباس وهو أسيرٌ في وثاقِه: إنه لا يصلُحُ لك. قال: «ولِمَ؟». قال: لأن الله إنما وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك. قال: «صدقتَ»
عن عبد الله بن عباس، قال: حدثني عمر بن الخطاب، قال: لما كان يومُ بدر نظَر النبي ﷺ إلى أصحابه وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل نبيُّ الله ﷺ القبلة، ثم مدَّ يديه، وجعل يهتِفُ برَبِّه: «اللهمَّ أنجِزْ لي ما وعدتَني، اللهمَّ إن تهلِكْ هذه العِصابة من أهل الإسلام لا تُعبَدْ في الأرض». فما زال يهتِفُ بربِّه مادًّا يدَيه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءَه فألقاه على مَنكِبَيْه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبيَّ الله، كَذاكَ مناشدَتك ربَّك، فإنه سيُنجِزُ لك ما وعَدك. فأنزل الله تعالى: ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾. فلما كان يومئذٍ والتقَوا هزَم الله المشركين، فقُتِل منهم سبعون رجلًا، وأُسِر منهم سبعون رجلًا، واستشار رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر وعليًّا، فقال أبو بكر: يا رسول الله، هؤلاء بنو العمِّ والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخُذَ منهم الفدية، فيكونُ ما أخذنا منهم قوةً لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديَهم فيكونوا لنا عضُدًا. فقال رسول الله ﷺ: «ما ترى يا ابن الخطاب؟». قلتُ: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكِّنَني من فلانٍ -قريبٍ لعمر- فأضربَ عنقَه حتى يعلمَ الله أنه ليس في قلوبنا مودةٌ للمشركين، هؤلاء صناديدُهم وأئمتُهم وقادتُهم. فهَوِي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قلتُ، وأخَذ منهم الفداء. فلما كان من الغد قال عمر: فغدوتُ إلى النبي ﷺ، فإذا هو قاعدٌ وأبو بكر وهما يبكيان، فقلتُ: يا رسول الله، أخبرْني ماذا يُبكيك أنت وصاحبَك؟ فإن وجدتُ بكاءً بكيتُ، وإن لم أجدْ بكاءً تباكيتُ لبكائِكما. قال النبي ﷺ: «الذي عرَض عليَّ أصحابُك من أخذِ الفداء، قد عُرض عَلَيَّ عذابُكم أدنى من هذه الشجرة» لِشَجرة قريبة. وأنزل الله: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ إلى قوله: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم﴾ [الأنفال: ٦٧، ٦٨] من الفِداءِ. ثم أحلَّ لهم الغنائم، فلما كان يومُ أحدٍ من العام المقبل عُوقبوا بما صنَعوا يومَ بدر من أخذِهم الفِداءَ، فقُتل منهم سبعون، وفرَّ أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ، وكُسِرت رَباعِيَتُه، وهُشِّمت البَيْضَةُ على رأسِه، وسال الدَّم على وجهه، فأنزل الله: ﴿أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم﴾ [آل عمران:١٦٥] بأَخْذِكم الفداء. قال ابن عباس:بينما رجلٌ من المسلمين يشتدُّ في أثرِ رجلٍ من المشركين أمامَه إذ سمِع ضربةً بالسوط فوقَه، وصوتُ الفارس يقول: أقدِمْ حَيْزُومُ. إذ نظَر إلى المشرك أمامه فخرَّ مُسْتَلْقِيًا، فنظَر إليه فإذا هو قد خُطِمَ وشُقَّ وجهُه كضربةِ السوط، فاخضرَّ ذلك أجمعُ، فجاء الأنصاريُّ فحدَّث ذلك رسول الله ﷺ، فقال: «صدَقْتَ، ذاك من مَدَدِ السماء الثالثة». فقتَلوا يومئذٍ سبعين، وأسَرُوا سبعين
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- قال: قام النبي ﷺ، فقال: «اللهم ربنا أنزلت علي الكتاب، وأمرتني بالقتال، ووعدتني بالنصر، ولا تخلف الميعاد». فأتاه جبريل عليه السلام، فأنزل الله: ﴿ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين﴾ [آل عمران:١٢٤، ١٢٥]
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- قال: لَمّا اصْطَفَّ القوم قال أبو جهل: اللهم أوْلانا بالحق فانصره. ورفع رسول الله ﷺ يده، فقال: «يا رب، إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدًا»
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: لما حضر القتال ورسول الله ﷺ رافعٌ يديه يسألُ الله النصر، ويقول: «اللهمَّ إن ظهَروا على هذه العصابة ظهَر الشرك، ولا يقومُ لك دينٌ». وأبو بكر يقول: والله لَينصُرَنَّك الله، ولَيُبَيِّضَنَّ وجهَك. فأنزَل الله عز وجل ألفًا من الملائكة مُردفين عندَ أكنافِ العدو، وقال رسول الله ﷺ: «أبشِرْ يا أبا بكر، هذا جبريل مُعْتَجِرٌ بعِمامة صفراء، آخذٌ بعِنان فرسِه بين السماء والأرض، فلما نزَل إلى الأرض تغيَّب عني ساعةً، ثم طلَع على ثَناياهُ النَّقْعُ، يقول: أتاك نصرُ الله إذ دعوتَه»
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة-:... أمدَّ الله نبيَّه ﷺ والمؤمنين بألف من الملائكة، فكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مُجَنِّبةً، وميكائيلُ في خمسمائة من الملائكة مُجَنِّبةً...