عن عبد الله بن عباس -من طريق الضَّحّاك- أنّ نافع بن الأزرق قال: أخبِرني عن قول الله عز وجل: ﴿جَدُّ رَبِّنا﴾، ما جَدّ ربنا؟ قال: ارتفعتْ عَظمته. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمد ﷺ؟ قال: نعم، أما سمعتَ قول طَرفة بن العبد للنُّعمان بن المنذر: إلى مَلِك يضرب الدّارِعِينَ لَمْ يَنقُصِ الشَّيْبُ منه قَبالا تَرَفَّعْ بِجَدِّكَ إنِّي امرؤٌ سَقَتْنِي الأعادِي سِجالًا سِجالا
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد-: أنّ رجلًا من بني تميم كان جريئًا على الليل والرّمال، وأنه سار ليلة فنَزل في أرضٍ مَجَنّةٍ، فاستوحش، فعقَل راحلته، ثم توسّد ذراعها، وقال: أعوذ بأعزِّ هذا الوادي مِن شَرّ أهله. فأجاره شيخٌ منهم، كان منهم شابٌّ، وكان سيِّدًا في الجنّ، فغَضِب الشاب لَمّا أجاره الشيخ، فأخذ حربة له قد سقاها السُّم ليَنحر بها ناقة الرجل، فتَلقّاه الشيخ دون الناقة، فقال: يا مالكَ بن مهلهلِ بن إيار مهلًا فِدًى لك مِحجري وإزاري عن ناقة الإنسان لا تَعرضْ لها واختر إذا ورَد المها أثواري إني ضمنتُ له سلامة رَحْله فاكفُف يمينك راشدًا عن جاري ولقد أتيتَ إلَيَّ ما لم أحتسب ألّا رعيتَ قرابتي وجواري تَسعى إليه بحرْبة مسمومة أُفٍّ لقُربك يا أبا الغَفّارِ لولا الحياء وأنّ أهلك جيرة لتمزّقتْك بقوة أظفاري. فقال له الفتى: أتريد أن تعلو وتخفضَ ذكرنا في غير مَرْزِيَة أبا العَيزارِ مُتنحّلًا أمرًا لغير فضيلة فارحل فإنّ المجد للمرّارِ مَن كان منكم سيّدًا فيما مضى إنّ الخيار هم بنو الأخيارِ فاقْصِد لقَصْدك يا معيكرُ إنما كان المجير مُهلهل بن دِثارِ. فقال الشيخ: صَدقتَ، كان أبوك سيّدنا وأفضلنا، دعْ عنك هذا الرجل، لا أنازعك بعده أحدًا. فترَكه، فأتى الرجلُ النبيَّ ﷺ، فقصّ عليه القِصَّة، فقال رسول الله ﷺ: «إذا أصاب أحدًا منكم وحْشة، أو نَزل بأرض مَجَنّة؛ فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يُجاوزهنّ بَرٌّ ولا فاجر، مِن شرّ ما يَلج في الأرض وما يَخرج منها، وما يَنزل من السماء وما يَعرج فيها، ومِن فِتن الليل، ومن طوارق النهار، إلا طارقًا يَطْرُق بخير». فأنزل الله في ذلك: ﴿وأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجنّ فَزادُوهُمْ رَهَقًا﴾
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العَوفيّ- في قوله: ﴿وأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجنّ﴾، قال: كان رجال من الإنس يَبيتُ أحدهم بالوادي في الجاهلية، فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي
عن عبد الله بن عباس، قال: كان القوم في الجاهلية إذا نزلوا بالوادي قالوا: نعوذ بسيّد هذا الوادي من شَرّ ما فيه. فلا يكونون بشيء أشدّ ولَعًا منهم بهم، فذلك قوله: ﴿فَزادُوهُمْ رَهَقًا﴾
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن حُسين- في قوله تعالى: ﴿يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾، قال: بينما النبي - ﷺ - جالِسٌ في نفرٍ مِن أصحابه مِن الأنصار؛ إذ رُمي بنجمٍ، فاستَنار، فقال: «ما كنتم تقولون إذا كان مِثل هذا في الجاهلية؟». قالوا: كُنّا نقول: يموت عظيم، ويُولد عظيم. قال: «فإنها لا يُرمى بها لموْت أحد، ولا لحياته، ولكن ربّنا -تبارك وتعالى- إذا قضى أمرًا سبّح حملة العرش، ثم سبّح أهل السماء الذين يَلُونهم، حتى يَبلغ التسبيحُ إلى هذه السماء، ثم يَستخبِر أهلُ السماء السابعة حملة العرش: ماذا قال ربّكم؟ فيُخبِرونهم، ثم يَستخبِر أهلُ كلِّ سماءٍ أهلَ سماء، حتى يَنتهي الخبر إلى هذه السماء، وتُتخطّف الجنّ ويُرمون، فما جاؤوا به على وجهه فهو حقٌّ، ولكنهم يُقدّمون فيه ويَزيدون»، قال معمر، فقلتُ للزُّهريّ: أوَكان يُرمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم. قلتُ: أفرأيتَ قوله: ﴿وأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾. قال: غُلّظتْ وشُدّد أمْرها حين بُعث النبي - ﷺ -
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿وأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾، قال: حُرست السماء حين بُعث النبيُّ ﷺ؛ لكيلا يُسترق السمع، فأَنكرت الشياطين ذلك، فكان كل مَن استمع منهم قُذف
عن عبد الله بن عباس، قال: كانت الجنُّ قبل أن يُبعث النبيُّ ﷺ يَستمعون من السماء، فلما بُعث حُرِسَتْ، فلم يَستطيعوا أن يَستمعوا، فجاؤوا إلى قومهم -يقول: للذين لم يستمعوا-، فقالوا: ﴿وأَنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾ وهم الملائكة، ﴿وشُهُبًا﴾ وهي الكواكب، ﴿وأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ يقول: نجمًا قد أُرصد له يُرمى به. قال: فلمّا رُموا بالنجوم قالوا لقومهم: ﴿وأَنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأَرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبَير- قال: كان الشياطين لهم مقاعد في السماء يَستمعون فيها الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعًا، فأمّا الكلمة فتكون حقًّا، وأمّا ما زادوا فيكون باطلًا، فلما بُعث رسول الله ﷺ مُنعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس -ولم تكن النجوم يُرمى بها قبل ذلك-، فقال لهم: ما هذا الأمر إلا مِن أمْرٍ حَدثَ في الأرض. فبَعث جنوده، فوجدوا رسول الله ﷺ قائمًا يُصلِّي بين جبلي نخلة، فأَتَوه، فأَخبَروه، فقال: هذا الحَدثُ الذي حَدثَ في الأرض