قال مقاتل بن سليمان: ﴿كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ يقول: كمَثَل الحمار يَحمِل كتابًا لا يدري ما فيه، كذلك اليهود حين لم يَعمَلوا بما في التوراة، فضَرب الله تعالى لهم مثلًا، فقال: ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ يعني: القرآن، ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي﴾ إلى دينه من الضّلالة ﴿القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ في عِلْمه
قال مقاتل بن سليمان: قوله تعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا﴾ وذلك أنّ النبي ﷺ كتب إلى يهود المدينة يدعوهم إلى دينه الإسلام، فكتب يهود المدينة إلى يهود خيبر: إنّ محمدًا يزعم أنه نبي، وإنه يدعونا وإياكم إلى دينه، فإن كنتم تريدون مُتابعته فاكتبوا إلينا ببيان ذلك، وإلا فأنتم ونحن على أمر واحد؛ لا نؤمن بمحمد، ولا نَتّبعه. فغَضِبت يهود خيبر، فكتبوا إلى يهود المدينة كتابًا قبيحًا، وكتبوا أنّ إبراهيم كان صِدِّيقًا نبيًّا، وكان من بعد إبراهيم إسحاق صِدِّيقًا نبيًّا، وكان من بعد إسحاق يعقوب صِدِّيقًا نبيًّا، وولد يعقوب اثنا عشر، فوُلد لكلّ رجل منهم أُمّة من الناس، ثم كان مِن بعدهم موسى، ومن بعد موسى عُزَير، فكان موسى يقرأ التوراة من الألواح، وكان عُزَير يقرؤها ظاهرًا، ولولا أنه كان ولدًا لله ونبيّه وصَفيّه لم يُعطه ذلك، فنحن وأنتم من سِبطه، وسِبط مَن اتخذه الله خليلًا، ومن سِبط مَن كلّمه الله تكليمًا، فنحن أحقّ بالنبوة والرسالة من محمد ﷺ، ومتى كان الأنبياء من جزائر العرب؟! ما سمعنا بنبيٍّ قطّ كان مِن العرب إلا هذا الرجل الذي تزعمون، على أنّا نجد ذِكره في التوراة، فإن تبعتموه صَغَرَكُم ووَضَعَكُم، فنحن أبناء الله وأحبّاؤه. فقال الله تعالى للنبي ﷺ: ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا﴾ لليهود ﴿إنْ زَعَمْتُمْ﴾ يعني: إذا زعمتم ﴿أنَّكُمْ أوْلِياءُ لِلَّهِ﴾ في الآخرة ﴿مِن دُونِ النّاسِ﴾ وأحبّاؤه؛ ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ بأنكم أولياؤه وأحبّاؤه، وأنّ الله ليس بمعذّبكم
قال مقاتل بن سليمان: ثم أخبر عنهم، فقال: ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ من ذنوبهم وتكذيبهم بِاللَّه ورسوله، ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ يعني: اليهود
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ﴾ يعني: تَكرهونه ﴿فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ لا محالة، ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ في الآخرة ﴿إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ يعني: عالم كلّ غيب، وشاهِد كل نجوى، ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ﴾ يقول: إذا نُودي إلى الصلاة، والـ﴿من﴾ هاهنا صِلة ﴿مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ يعني: إذا جلس الإمام على المنبر
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ مِن يوم الجُمُعة ﴿فانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ فهذه رخصةٌ بعد النهي، وأحلّ لهم ابتغاء الرّزق بعد الصلاة؛ فمَن شاء خَرج إلى تجارة، ومَن شاء لم يفعل، فذلك قوله: ﴿وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾