قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ وذلك أنّ يوسف بن ذي نواس من أهل نجران كان حفر خَدًّا، وأوقد فيه النار، فمَن تَكلّم منهم بالتوحيد أحرقه بالنار، وذلك أنه كان قد آمن مِن قومه ثمانون رجلًا وتسع نسوة، فأمرهم أن يرتَدُّوا عن الإسلام، فأبَوْا، فأخبرهم أنه سيُعذّبهم بالنار، فَرَضُوا لأمر الله عز وجل، فأحرقهم كلَّهم، فلم يزل يُلقي واحدًا بعد واحد في النار، حتى مرَّت امرأةٌ ومعها صبي لها صغير يرضع، فلما نظرت المرأة إلى ولدها أشفقتْ عليه، فرجعتْ، فعَرضوا عليها أن تكفر، فأبتْ، فضربوها حتى رجعتْ، فلم تزل ترجع مرة، وتُشفق مرة، حتى تَكلّم الصبيُّ فقال لها: يا أُمّاه، إنّ بين يديك نارًا لا تُطفأ أبدًا. فلما سمعتْ قولَ الطفل أحضرتْ حتى ألقتْ نفسها في النار، فجعل الله عز وجل أرواحهم في الجنة، وأوحى الله -تبارك وتعالى- إلى نبيّه محمد ﷺ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ يوسف بن ذي نواس وأصحابه
قال مقاتل بن سليمان: ثم يتعجّب مِن سوء صنيعهم، فقال: ﴿وما نَقَمُوا مِنهُمْ﴾ وأي رِيبة رأوا منهم؟! ما عذَّبهم ﴿إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ﴾ في نِقمته ﴿الحَمِيدِ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾. نظيرها في سورة ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ [١٣] يقول: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ يعني: يُحْرقون. ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ من ذلك ﴿فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهُمْ عَذابُ الحَرِيقِ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ وشهِدوا أن لا إله إلا الله فهو الصالحات، نظيرها حين قال الله عز وجل: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، فهو الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. يقول: يصعد ذلك إليه كلّه بشهادة أن لا إله إلا الله، ولولا هذا ما ارتفع لابن آدم عمل أبدًا. ثم قال: ﴿لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾ البساتين تجري من تحتها الأنهار، وهي العيون، خالدين فيها ما دامت الجنة فهم دائمون أبدًا، ثم قال: ﴿ذلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ هذا النجاء الكبير، مَن زُحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد نجا نجاءً عظيمًا
قال مقاتل بن سليمان: ثم رجع إلى قَسمه الذي كان أقسم في أول السورة، فقال: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ إنّ عذاب ربك لشديد؛ إذا غَضِب بَطَش، وإذا بَطَش أهْلَكَ
قال مقاتل بن سليمان: ثم عظّم الرّبُّ عز وجل نفسَه، فقال: ﴿إنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾، يقول: بدأ خَلْقَ النفس مِن نُطفةٍ ميِّتةٍ، ويُحييه، ثم يعيده يوم القيامة مِن ذلك التراب
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿وهُوَ الغَفُورُ﴾ للذُّنوب الكبائر لِمَن تاب منها، ﴿الوَدُودُ﴾ الشكور للعمل الصالح القليل إذا رضوه. يقول: أشكر العمل اليسير حتى أضاعفه للواحد عشرة فصاعدًا