محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٤ من سورة البروج في ١٠٨ كتب من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٢٥ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٤ من سورة البروج

١٠٨ كتب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : قُتِلَ أصحَابُ الأُخْدُودِ يقول : لعن أصحاب الأخدود. وكان بعضهم يقول : معنى قوله : قُتِلَ أصحَابُ الأُخْدُودِ خبر من الله عن النار أنها قتلتهم.
وقد اختلف أهل العلم في أصحاب الأخدود من هم ؟ فقال بعضهم : قوم كانوا أهل كتاب من بقايا المجوس. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر عن ابن أبزي، قال : لما رجع المهاجرون من بعض غزواتهم، بلغهم نعي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال بعضهم لبعض : أيّ الأحكام تجري في المجوس، وإنهم ليسوا بأهل كتاب، وليسوا من مشركي العرب، فقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه : قد كانوا أهل كتاب، وقد كانت الخمر أُحلّت لهم، فشربها ملك من ملوكهم، حتى ثمل منها، فتناول أخته فوقع عليها، فلما ذهب عنه السكر قال لها : ويحك فما المخرج مما ابتليتُ به ؟ فقالت : اخطب الناس، فقل : يا أيها الناس إن الله قد أحلّ نكاح الأخوات، فقام خطيبا، فقال : يا أيها الناس إن الله قد أحلّ نكاح الأخوات، فقال الناس : إنا نبرأ إلى الله من هذا القول، ما أتانا به نبيّ، ولا وجدناه في كتاب الله، فرجع إليها نادما، فقال لها : ويحك إن الناس قد أبَوا عليّ أن يقرّوا بذلك، فقالت : ابسط عليهم السّياط، ففعل، فبسط عليهم السياط، فأبَوا أن يقرّوا، فرجع إليها نادما، فقال : إنهم أبَوا أن يقرّوا، فقالت : اخطبهم فإن أبوا فجرّد فيهم السيف، ففعل، فأبى عليه الناس، فقال لها : قد أبى عليّ الناس، فقالت : خدّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقرّ، وإلاّ فاقذفه في النار، ففعل، ثم عرض عليها أهل مملكته، فمن لم يقرّ منهم قذفه في النار، فأنزل الله فيهم : قُتِلَ أصحَابُ الأُخْدُودِ النّارِ ذَاتِ الوَقُودِ إلى أنْ يُؤْمِنُوا باللّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ إنّ الّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ حرّقوهم ثُمّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنّمَ ولَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ فلم يزالوا منذ ذلك يستحلون نكاح الأخوات والبنات والأمهات.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : قُتِلَ أصحَابُ الأُخْدُودِ قال : حدثنا أن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه كان يقول : هم ناس بمذارع اليمن، اقتتل مؤمنوها وكفارها، فظهر مؤمنوها على كفارها، ثم اقتتلوا الثانية، فظهر مؤمنوها على كفارها، ثم أخذ بعضهم على بعض عهدا ومواثيق أن لا يغدر بعضهم ببعض، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أخذا ثم إن رجلاً من المؤمنين قال لهم : هل لكم إلى خير، توقدون نارا ثم تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا، اقتحم النار فاسترحتم منه قال : فأجّجوا نارا وعرضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها صناديدهم، ثم بقيت منهم عجوز كأنها نكصت، فقال لها طفل في حجرها : يا أماه، امضي ولا تنافقي، قصّ الله عليكم نبأهم وحديثهم.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله : قُتِلَ أصحَابُ الأُخْدُودِ قال : يعني القاتلين الذين قتلوهم يوم قتلوا.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : قُتِلَ أصحَابُ الأُخْدُودِ النّارِ ذَاتِ الوَقُودِ قال : هم ناس من بني إسرائيل، خدّوا أخدودا في الأرض، ثم أوقدوا فيها نارا، ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء، فعرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : قُتِلَ أصحَابُ الأُخْدُودِ قال : كان شقوق في الأرض بنَجْران، كانوا يعذّبون فيها الناس.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : قُتِلَ أصحَابُ الأُخْدُودِ يزعمون أن أصحاب الأخدود من بني إسرائيل، أخذوا رجالاً ونساء، فخدّوا لهم أخدودا، ثم أوقدوا فيها النيران، فأقاموا المؤمنين عليها، فقالوا : تكفرون أو نقذفكم في النار.
حدثني محمد بن معمر، قال : ثني حرمي بن عمارة، قال : حدثنا حماد بن سلمة، قال : حدثنا ثابت البُنانيّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلَى، عن صهيب، قال : قال رسول الله ﷺ :«كان فِيمَنْ كانَ قَبْلَكُمْ مَلِكٌ، وكانَ لَهُ ساحِرٌ، فأَتى السّاحِرُ المَلِكَ، فَقالَ : قَدْ كَبِرَتْ سِنّي، وَدَنا أجَلِي، فادْفَعْ لي غُلاما أُعَلّمْهُ السّحْرَ قالَ : فَدَفَعَ إلَيْهِ غُلاما يُعَلّمَهُ السّحْرَ، قالَ : فَكانَ الغُلامُ يَخْتَلِفُ إلى السّاحِرِ، وكانَ بَينَ السّاحِرِ وَبَينَ المَلِكِ رَاهِبٌ قال : فَكانَ الغُلامُ إذَا مَرّ بالرّاهِبِ قَعَدَ إلَيْهِ، فَسَمِعَ مِنْ كَلامِهِ، فأُعْجِبَ بكَلامِهِ، فَكان الغُلامُ إذَا أَتى السّاحِرُ ضَرَبَهُ وَقالَ : ما حَبَسَكَ ؟ وَإذَا أَتى أهْلَه قَعَدَ عِنْدَ الرّاهِبِ يَسْمَعُ كَلامَهُ، فإذَا رَجَعَ إلى أهْلِهِ ضَرَبُوهُ وَقالُوا : ما حَبَسَكَ ؟ فَشَكا ذلك إلى الرّاهِبِ، فَقالَ لَهُ الرّاهِبُ : إذَا قالَ لكَ السّاحِر : ما حَبَسَكَ ؟ قُلْ حَبَسَنِي أهْلِي، وَإذَا قالَ أهْلُكَ : ما حَبَسَكَ ؟ فَقُلْ حَبَسَنِي السّاحِرُ. فَبَيْنَما هُو كَذلكَ إذْ مَرّ في طَرِيقٍ وَإذَا دَابّةٌ عَظِيمَةٌ فِي الطّرِيقِ قَدْ حَبَسَتِ النّاسَ لا تَدَعْهُمْ يَجُوزُونَ فَقالَ الغُلامُ : الآن أعْلَمُ أمْرُ السّاحِرِ أرْضَى عِنْدَ اللّهِ أمْ أمْرُ الرّاهِبِ ؟ قال : فأخَذَ حَجَرا، قال : فَقالَ : اللّهُمّ إنْ كانَ أمْرُ الرّاهِبِ أحَبّ إلَيْكَ مِنْ أمْرِ الساحِرِ فإنّي أرْمي بِحَجَرِي هَذَا فَيَقْتُلَهُ ويَمُرّ النّاسُ. قالَ : فَرَماها فَقَتَلَها، وَجازَ النّاسُ فَبَلَغَ ذلكَ الرّاهِبَ قال : وأتاهُ الغُلام فَقالَ الرّاهِبُ للْغُلامِ : إنّكَ خَيْرٌ مِنّي، وَإن ابْتُلِيتَ فَلا تَدُلّنّ عَليّ قال : وكانَ الغُلامُ، يبرئ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، وَسائِرَ الأدْوَاءِ وكان للْمَلِكِ جَلِيسٌ، قال : فَعَمِيَ قال : فَقِيلَ له : إنّ هاهُنا غُلاما يُبْرِىءُ الأكمَهَ والأبْرَص، وَسائِرَ الأدْوَاءِ، فَلَوْ أتَيْتَهُ ؟ قال : فاتّخَذَ لَهُ هَدَايا قال : ثُمّ أتاهُ فَقالَ : يا غُلامُ إنْ أبْرأتَنِي فَهَذه الهَدَايا كُلّها لَكَ، فَقال : ما أنا بطَبِيبٍ يَشْفِيكَ، وَلَكِنّ اللّهَ يَشْفِي، فإذَا آمَنْتَ دَعَوْتُ اللّهَ أنْ يَشْفِيَكَ قال : فآمَنَ الأعْمَى، فَدَعا اللّهَ فَشَفاهُ، فَقَعَدَ الأعْمَى إلى المَلِكِ كمَا كانَ يَقْعُدُ، فَقالَ لَهُ المَلِكُ : ألَيْسَ كُنْتَ أعْمَى ؟ قالَ : نَعَمْ قال : فَمَنْ شَفاكَ ؟ قال : رَبّي قال : ولَكَ رَبّ غَيرِي ؟ قال : نَعَمْ، رَبّي وَرَبّكَ اللّهُ قال : فأخَذَهُ بالْعَذَابِ فَقالَ : لَتَدُلّنّنِي عَلى مَنْ عَلّمَكَ هَذا، قال : فَدَلّ عَلى الغُلامِ، فَدَعا الغُلامَ فقالَ : ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، قال : فأَبى الغُلامُ قال : فأخَذَهُ بالعَذَابِ قال : فَدَلّ عَلى الرّاهِبِ، فأخَذَ الرّاهِبَ، فَقالَ : ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فأَبى قال : فَوَضَعَ المِنْشارَ عَلى هامَتِهِ فَشَقّهُ حتى بَلَغَ الأرْضَ، قال : وأخَذَ الأعْمَى فَقال : لَترْجِعَنّ أوْ لأَقْتُلَنّكَ قال : فأَبى الأعْمَى، فَوَضَعَ المِنْشارَ عَلى هامَتِهِ، فَشَقّهُ حتى بَلَغَ الأرْضَ، ثُمّ قالَ للْغُلامِ : لَترْجِعَنّ أوْ لأَقْتُلَنّكَ قال : فأَبى قال : فقال : اذْهَبُوا بِهِ حتى تَبْلُغُوا بِهِ ذِرْوَةَ الجَبَلِ، فإنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وَإلاّ فده دهوه، فَلَمّا بَلَغُوا به ذِرْوَةَ الجَبَلِ فَوَقَعُوا فَمَاتُوا كُلّهُمْ. وَجاءَ الغُلامُ يَتَلَمّسُ حتى دَخَلَ عَلى المَلِكِ، فَقال : أيْنَ أصحَابُكَ ؟ قال : كَفانِيهُمُ اللّهُ قال : فاذْهَبُوا بِهِ فاحْمِلُوهُ فِي قُرْقُورٍ، فَتَوَسّطُوا بِهِ الْبَحْرَ، فإنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإلاّ فَغَرّقُوهُ قال : فَذَهَبُوا بِهِ، فَلَمّا تَوَسّطُوا بِهِ البَحْرَ قالَ الغُلامُ : اللّهُمّ اكْفِنِيهِمْ، فانْكَفأَتْ بِهِمُ السّفِينَةُ. وَجاءَ الغُلامُ يَتَلَمّسُ حتى دَخَلَ على المَلِكِ فَقالَ المَلِكُ : أيْنَ أصحَابُكَ ؟ فقال : دَعَوْتُ اللّهَ فَكَفانِيهِمْ، قال : لأَقْتُلَنّكَ، قال : ما أنْتَ بقاتِلي حتى تَصْنَعَ ما آمُرُكَ، قال : فَقال الغُلامُ للْمَلِكِ : اجْمَعِ النّاسَ فِي صَعِيدٍ واحِدٍ، ثُمّ اصْلُبْنِي، ثُمّ خُذْ سَهْما مِنْ كِنانَتي فارْمِني وَقُلْ : باسْمِ رَبّ الغُلامِ، فإِنّكَ سَتَقْتُلُنِي قال : فَجَمَعَ النّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ قال : وَصَلَبَهُ وأخَذَ سَهْما مِنْ كِنانَتهِ، فَوَضَعَهُ فِي كَبِدِ القَوْسِ، ثُمّ رَمى، فَقال : باسْمِ رَبّ الغُلامِ، فَوَقَعَ السّهْمُ فِي صُدْغِ الغُلامِ، فَوَضَعَ يَدَهُ هَكَذَا عَلى صُدْغِهِ، وَماتَ الغُلامُ، فَقالَ النّاسُ : آمَنّا بِرَبّ الغُلامِ، فَقالُوا للْمَلِكِ : ما صَنَعْتَ، الّذِي كُنْتَ تَحْذَرُ قَدْ وَقَعَ، قَدْ آمَنَ النّاسُ، فأمَرَ بأفْوَاهِ السّكَكِ فأُخِذَتْ، وخَدّ الأُخْدُودَ وضَرّمَ فِيهِ النّيرَانَ، وأخَذَهُمْ وَقالَ : إنْ رَجَعُوا وَإلاّ فألْقُوهُمْ فِي النّارِ قال : فَكانُوا يُلْقُونَهُمْ فِي النّارِ قال : فَجاءَتِ امْرأةٌ مَعَها صَبِيّ لَهَا، قالَ : فَلَمّا ذَهَبَتْ تَقْتَحِمُ وَجَدَتْ حَرّ النّارِ، فَنَكَصَتْ، قال : فَقالَ لَهَا صَبِيّها يا أُمّاهُ، امْضِي فإنّكِ عَلى الحَقّ، فاقْتَحَمَتْ فِي النارِ ».
وقال آخرون : بل الذين أحرقتهم النار هم الكفار الذين فَتَنوا المؤمنين. ذكر من قال ذلك :
حُدثت عن عمار، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال : كان أصحاب الأخدود قوما مؤمنين، اعتزلوا الناس في الفترة، وإنّ جَبّارا، من عَبدة الأوثان أرسل إليهم، فعرض عليهم الدخول في دينه، فأبوا، فخدّ أخدودا، وأوقد فيه نارا، ثم خيرهم بين الدخول في دينه، وبين إلقائهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار، على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجّى الله المؤمنين الذين أُلْقُوا في النار من الحريق، بأن قبض أرواحهم، قبل أن تمسهم النار، وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قول الله : فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنّمَ في الآخرة ولَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ في الدنيا.
واختُلف في موضع جواب القسم بقوله : والسّماءِ ذَاتِ البُرُوجِ فقال بعضهم : جوابه : إنّ بَطْشَ رَبّكَ لَشَدِيدٌ. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قا
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى جل ثناؤه وتق٢٤-٣٣١دست أسماؤه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥)﴾.
قال أبو جعفر رحمه الله: قوله: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ) أقسم الله جلّ ثناؤه بالسماء ذات البروج.
واختلف أهل التأويل في معنى البروج في هذا الموضع، فقال بعضهم: عُنِي بذلك: والسماء ذات القصور. قالوا: والبروج: القصور.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ) قال ابن عباس: قصور في السماء، قال غيره: بل هي الكواكب.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (الْبُرُوجِ) يزعمون أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب.
وقال آخرون: عُنِي بذلك: والسماء ذات النجوم، وقالوا: نجومها: بروجها.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: (ذَاتِ الْبُرُوجِ) قال: البروج: النجوم.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ) قال: النجوم.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ) وبروجها: نجومها.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: والسماء ذات الرمل والماء.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني الحسن بن قزعة، قال: ثنا حصين بن نمير، عن سفيان بن حسين، في قوله: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ) قال: ذات الرمل والماء.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: معنى ذلك: والسماء ذات منازل الشمس والقمر، وذلك أن البروج جمع برج، وهي منازل تتخذ عالية عن الأرض مرتفعة، ومن ذلك قول الله: (وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) هي منازل مرتفعة عالية في السماء، وهي اثنا عشر برجًا، فمسير القمر في كلّ برج منها يومان وثلث، فذلك ثمانية وعشرون منزلا ثم يستسرّ ليلتين، ومسير الشمس في كلّ برج منها شهر.
وقوله: (وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ) يقول تعالى ذكره: وأقسم باليوم الذي وعدته عبادي لفصل القضاء بينهم، وذلك يوم القيامة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن نمير وإسحاق الرازي، عن موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ".
قال: ثنا وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، مثله.
حدثنا يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا يونس، قال: أنبأني عمار، قال: قال أبو هريرة: "الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ". قال يونس، وكذلك الحسن.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ) يعني: يوم القيامة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: (وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ) قال: القيامة.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: (الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ) يوم القيامة.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن يونس بن عبيد، عن عمار بن أبي عمار، مولى بني هاشم، عن أبي هريرة (وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ) يوم القيامة.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ".
حدثنا محمد بن عوف، قال: ثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، قال: ثني أبي، قال: ثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعريّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " (الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ) يوم القيامة".
وقوله: (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: وأقسم بشاهد، قالوا: وهو يوم الجمعة، ومشهود قالوا: وهو يوم عرفة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يعقوب قال: أخبرنا ابن علية، قال: أخبرنا يونس، قال: أنبأني عمار، قال: قال أبو هريرة: الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة؛ قال يونس، وكذلك قال الحسن.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت حارثة بن مضرِّب، يحدّث عن عليّ رضى الله عنه أنه قال في هذه الآية (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) قال: يوم الجمعة، ويوم عرفة.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) قال: الشاهد يوم الجمعة،
والمشهود: يوم عرفة؛ ويقال: الشاهد: الإنسان، والمشهود: يوم القيامة.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) : يومان عظيمان من أيام الدنيا، كنا نحدّث أن الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) قال: الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ رضي الله عنه: (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (وَشَاهِدٍ) يوم الجمعة، (وَمَشْهُودٍ) : يوم عرفة.
حدثنا أبو كريب، قال ثنا وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" وَشاَهِدٍ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَمَشْهُودٍ: يَوْمُ عَرَفَةَ".
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن نمير وإسحاق الرازي، عن موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الْمَشْهُودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ".
حدثنا سهل بن موسى، قال: ثنا ابن أبي فديك، عن ابن حرملة، عن سعيد أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ سَيدَ الأيَّامِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ الْشَّاهِدُ، وَالْمَشْهُودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ".
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن موسى بن عبيد، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "الْمَشْهُودُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالْشَّاهِدُ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللهَ بِخَيْرٍ إلا اسْتَجَابَ لَهُ، وَلا يَسْتَعِيذُهُ مِنْ شَرٍّ إلا أعَاذَهُ".
حدثني محمد بن عوف، قال: ثنا محمد بن إسماعيل، قال: ثني أبي، قال: ثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري، قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الشَّاهِدَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَإنَّ الْمَشْهُودَ يَوْمُ عَرَفَةَ، فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ خِيَرةُ اللهِ لَنَا".
حدثني سعيد بن الربيع الرازي، قال: ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب، قال: سيد الأيام يوم الجمعة، وهو شاهد.
وقال آخرون: الشاهد: محمد، والمشهود: يوم القيامة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن شعبة، عن عليّ بن زيد، عن يوسف المكيّ، عن ابن عباس قال: الشاهد: محمد، والمشهود: يوم القيامة، ثم قرأ (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ).
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن شباك، قال: سأل رجل الحسن بن عليّ، عن (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) قال: سألتَ أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت ابن عمر وابن الزبير، فقالا يوم الذبح ويوم الجمعة؛ قال: لا ولكن الشاهد: محمد، ثم قرأ: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا) والمشهود: يوم القيامة، ثم قرأ: (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ).
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جابر، عن أبي الضحى، عن الحسن بن عليّ، قال: الشاهد: محمد، والمشهود: يوم القيامة.
حدثني سعيد بن الربيع، قال: ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن حَرْملة، عن سعيد بن المسيب: (وَمَشْهُودٍ) : يوم القيامة.
وقال آخرون: الشاهد: الإنسان، والمشهود: يوم القيامة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عبيد المحاربيّ، قال: ثنا أسباط، عن عبد الملك، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) قال: الشاهد: ابن آدم، والمشهود يوم القيامة.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (وشاهد ومشهود) قال: الإنسان، وقوله:
(ومشهود) قال: يوم القيامة.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، قال: الشاهد: الإنسان، والمشهود: يوم القيامة.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن خالد الحذّاء، عن عكرِمة، في قوله: (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) قال: شاهد: ابن آدم، ومشهود: يوم القيامة.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وَشاَهِدٍ) يعني الإنسان (وَمَشْهُودٍ) يوم القيامة، قال الله: (وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ).
وقال آخرون: الشاهد: محمد، والمشهود: يوم الجمعة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرِمة، في قوله: (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) قال: الشاهد: محمد، والمشهود: يوم الجمعة، فذلك قوله: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا).
وقال آخرون: الشاهد: الله، والمشهود: يوم القيامة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: (وَشَاهِدٍ) يقول الله: (وَمَشْهُودٍ) يقول: يوم القيامة.
وقال آخرون: الشاهد: يوم الأضحى، والمشهود: يوم الجمعة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن شباك، قال: سأل رجل الحسن بن عليّ، عن (َشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) قال: سألت أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت ابن عمر وابن الزبير، فقالا يوم الذبح، ويوم الجمعة.
وقال آخرون: الشاهد: يوم الأضحى، والمشهود، يوم عَرَفة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن
مجاهد، عن ابن عباس: (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) قال: الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة.
وقال آخرون: المشهود: يوم الجمعة، وَرَوَوْا ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* ذكر الرواية بذلك:
حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثني عمي عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أيمن، عن عبادة بن نسيّ، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَكْثِرُوا عَليَّ الصَّلاةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُ يَوْمٌ مَشْهُودٌ تَشْهَدُهُ الْمَلائِكَةُ".
والصواب من القول في ذلك عندنا: أن يقال: إن الله أقسم بشاهد شهد، ومشهود شهد، ولم يخبرنا مع إقسامه بذلك أيّ شاهد وأيّ مشهود أراد، وكلّ الذي ذكرنا أن العلماء قالوا: هو المعنيّ مما يستحقّ أن يُقال له: (َشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ).
وقوله: (قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ) يقول: لعن أصحاب الأخدود. وكان بعضهم يقول: معنى قوله: (قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ) خبر من الله عن النار أنها قتلتهم.
وقد اختلف أهل العلم في أصحاب الأخدود؛ من هم؟ فقال بعضهم: قوم كانوا أهل كتاب من بقايا المجوس.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر عن ابن أبزي، قال: لما رجع المهاجرون من بعض غزواتهم، بلغهم نعي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال بعضهم لبعض: أيّ الأحكام تجري في المجوس، وإنهم ليسوا بأهل كتاب، وليسوا من مشركي العرب، فقال عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه: قد كانوا أهل كتاب، وقد كانت الخمر أُحلَّت لهم، فشربها ملك من ملوكهم حتى ثمل منها، فتناول أخته فوقع عليها، فلما ذهب عنه السكر قال لها: ويحك، فما المخرج مما ابتليتُ به؟ فقالت: اخطب الناس، فقل: يأُّيها الناس إن الله قد أحلّ نكاح الأخوات، فقام خطيبًا، فقال: يأيُّها الناس إن الله قد أحلّ نكاح الأخوات، فقال الناس: إنا نبرأ
إلى الله من هذا القول، ما أتانا به نبيٌّ، ولا وجدناه في كتاب الله، فرجع إليها نادمًا، فقال لها: ويحك، إن الناس قد أبوا عليّ أن يقرّوا بذلك، فقالت: ابسط عليهم السِّياط، ففعل، فبسط عليهم السياط، فأبَوا أن يقرّوا، فرجع إليها نادمًا، فقال: إنهم أبوا أن يقرّوا، فقالت: اخطبهم، فإن أبوا فجرّد فيهم السيف، ففعل، فأبى عليه الناس، فقال لها: قد أبى عليّ الناس، فقالت: خدّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك، فمن أقرّ، وإلا فاقذفه في النار، ففعل، ثم عرض عليها أهل مملكته، فمن لم يقرّ منهم قذفه في النار، فأنزل الله فيهم: (قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ) إلى (أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) حرّقوهم (ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) فلم يزالوا منذ ذلك يستحلون نكاح الأخوات والبنات والأمهات.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ) قال: حُدِّثنا أنّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه كان يقول: هم ناس بمذارع اليمن، اقتتل مؤمنوها وكفارها، فظهر مؤمنوها على كفارها، ثم اقتتلوا الثانية، فظهر مؤمنوها على كفارها ثم أخذ بعضهم على بعض عهدًا ومواثيق أن لا يغدر بعضهم ببعض، فغدر بهم الكفار فأخذوهم أخذًا، ثم إن رجلا من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى خير، توقدون نارًا ثم تعرضوننا عليها، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومن لا اقتحم النار، فاسترحتم منه، قال: فأجَّجوا نارًا وعُرِضوا عليها، فجعلوا يقتحمونها صناديدهم، ثم بقيت منهم عجوز كأنها نكصت، فقال لها طفل في حجرها: يا أماه امضي ولا تنافقي. قصّ الله عليكم نبأهم وحديثهم.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: (قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ) قال: يعني القاتلين الذين قتلوهم يوم قتلوا.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ) قال: هم ناس من بني إسرائيل خدّوا أخدودًا في الأرض، ثم أوقدوا فيها نارًا، ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالا ونساء، فعُرِضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني
الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ) قال: كان شقوق في الأرض بنَجْرَان كانوا يعذّبون فيها الناس.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ) يزعمون أن أصحاب الأخدود من بني إسرائيل، أخذوا رجالا ونساء، فخدّوا لهم أخدودًا، ثم أوقدوا فيها النيران، فأقاموا المؤمنين عليها، فقالوا: تكفرون أو نقذفكم في النار.
حدثني محمد بن معمر، قال: ثني حرمي بن عمارة، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: ثنا ثابت البُنانيّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مَلِكٌ، وَكَانَ لَهُ ساحِرٌ، فَأَتَى السَّاحِرُ الْمَلِكَ فَقَالَ: قَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَدَنَا أجَلِي، فَادْفَعْ لِي غُلامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ "، قال: " فَدَفَعَ إلَيْهِ غُلامًا يُعَلِّمُهُ السِّحْرَ "، قَالَ: " فَكَانَ الغُلامُ يَخْتَلِفُ إلى السَّاحِرِ، وكَانَ بَيْنَ السَّاحِرِ وَبَيْنَ المَلِكِ رَاهِبٌ "، قال: " فَكَانَ الغُلامُ إذَا مَرَّ بالرَّاهِبِ قَعَدَ إلَيْهِ فَسَمِعَ مِنْ كَلامِهِ، فَأُعْجِبَ بِكَلامِهِ، فَكَانَ الغُلامُ إذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ وَقَالَ: مَا حَبَسَكَ؟ وَإذَا أَتَى أَهْلَهُ قَعَدَ عِنْدَ الرَّاهِبِ يَسْمَعُ كَلامَهُ، فَإذَا رَجَعَ إلى أَهْلِهِ ضَرَبُوهُ وَقَالُوا: مَا حَبَسَكَ؟ فَشَكَا ذَلِكَ إلَى الرَّاهِبِ فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: إذَا قَالَ لَكَ السَّاحِرُ: مَا حَبَسَكَ؟ قُلْ حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإذَا قَالَ أَهْلُكَ: مَا حَبَسَكَ؟ فَقُلْ حَبَسَنِي السَّاحِرُ. فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ مَرَّ في طَرِيقٍ وَإذَا دَابَّةٌ عَظِيمَةٌ فِي الطَّرِيقِ قَدْ حَبَسَتِ النَّاسَ لا تَدَعُهُمْ يَجُوزُونَ، فَقَالَ الْغُلامُ: الآنَ أَعْلَمُ: أَمْرُ السَّاحِرِ أَرْضَى عِنْدَ اللهِ أَمْ أَمْرُ الرَّاهِبِ؟ قَالَ: فَأَخَذَ حَجَرًا "، قَالَ: فَقَالَ: " اللَّهُمْ إنْ كَانَ أمْرُ الرَّاهِبِ أحَبَّ إلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ، فَإنِّي أَرْمِي بِحَجَرِي هَذَا فَيَقْتُلَهُ وَيَمُرُّ النَّاسُ، قَالَ: فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا، وَجَازَ النَّاسُ؛ فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّاهِبَ "، قَالَ: وَأَتَاهُ الْغُلامُ فَقَالَ الرَّاهِبُ لِلْغُلامِ: إنَّكَ خَيْرٌ مِنِّي، وَإنِ ابْتُلِيتَ فَلا تَدُلَّنَّ عَلَيَّ "؛ قَالَ: " وَكَانَ الْغُلامُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ وَسَائِرَ الأدوَاءِ، وَكَانَ لِلْمَلِكِ جَلِيسٌ، قَالَ: فَعَمِيَ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: إنَّ هَاهُنَا غُلامًا يُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ وَسَائِرَ الأدْوَاءِ فَلَوْ أَتَيْتَهُ؟ قَالَ: " فَاتَّخَذَ لَهُ هَدَايا "؛ قَالَ: " ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: يَا غُلامُ، إنْ أَبْرَأْتَنِي فَهَذِهِ الهَدَايَا كُلُّهَا لَكَ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِطَبِيبٍ يشْفِيكَ، وَلَكِنَّ اللهَ يَشْفِي، فَإذَا آمَنْتَ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يَشْفِيَكَ "، قَالَ: " فَآمَنَ
الأعْمَى، فَدَعَا اللهَ فَشَفَاهُ، فَقَعَدَ الأعْمَى إلى الْمَلِكِ كَمَا كَانَ يَقْعُدُ، فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: أَلَيْسَ كُنْتَ أَعْمَى؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَنْ شَفَاكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: وَلَكَ رَبٌّ غَيرِي؟ قَالَ: نَعَمْ رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ "، قَالَ: " فَأَخَدَهُ بِالْعَذَابِ فَقَالَ: لَتَدُلَّنِي عَلَى مَنْ عَلَّمَكَ هَذَا "، قَالَ: " فَدَلَّ عَلَى الغلامِ، فَدَعَا الغُلامَ فَقَالَ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ "، قَالَ: " فَأَبَى الْغُلامُ "؛ قَالَ: فَأَخَذَهُ بِالْعَذَابِ "، قَالَ: " فَدَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ، فَأَخَذَ الرَّاهِبَ فَقَالَ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكِ فَأَبَى "، قَالَ: " فَوَضَعَ المِنْشَارَ عَلَى هَامَتِهِ فَشَقَّهُ حَتّى بَلَغَ الأرْضَ "، قَالَ: " وَأَخَذَ الأعْمَى فَقَالَ: لَتَرْجِعَنَّ أوْ لأقْتُلَنَّكَ "، قَالَ: " فَأَبَى الأعْمَى، فَوَضَعَ المِنْشَارَ عَلَى هَامَتِهِ فَشَقَّهُ حَتّى بَلَغَ الأرْضَ، ثُمَّ قَالَ لِلْغُلامِ: لَتَرْجِعَنَّ أوْ لأقْتُلَنَّكَ "، قال: " فَأَبَى "، قَالَ: " فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ حَتَّى تَبْلُغُوا بِهِ ذِرْوَةَ الْجَبَلِ، فَإنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وَإلا فَدَهْدِهُوهُ، فَلَمَّا بَلَغُوا بِه ذِرْوَةَ الْجَبَلِ فَوَقَعُوا فَمَاتُوا كُلُّهُمْ. وَجَاءَ الغُلامُ يَتَلَمَّسُ حَتّى دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: أَيْنَ أصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهمُ اللهُ. قَالَ: فَاذْهَبُوا بِهِ فَاحْمِلُوهُ فِي قُرْقُورٍ فَتَوَسَّطُوا بِهِ البَحْرَ، فَإنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإلا فَغَرِّقُوهُ " قال: " فَذَهَبُوا بِهِ، فَلَمَّا تَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ قَالَ الْغُلامُ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ. وَجَاءَ الغُلامُ يَتَلَمَّسُ حَتّى دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ المَلِكُ: أَيْنَ أصْحَابُكَ؟ قَالَ: دَعَوْتُ اللهَ فَكَفَانِِيهمْ، قَالَ: لأقْتُلَنَّكَ، قَالَ: مَا أَنْتَ بِقَاتِلِي حَتّى تَصْنَعَ مَا آمُرُكَ "، قَالَ: " فَقَالَ الْغُلامُ لِلْمَلِكِ: اجْمَعِ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اصْلُبْنِي، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي فَارْمِنِي وَقُلْ: باسْمِ رَبِّ الْغُلامِ فَإِنَّكَ سَتَقْتُلُنِي "، قَالَ: " فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ "، قَالَ: " وَصَلَبَهُ وَأَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فَوَضَعَهُ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ ثُمَّ رَمَى، فَقَالَ: باسْمِ رَبِّ الغُلامِ، فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِ الْغُلامِ، فَوَضَعَ يَدَهُ هَكَذَا عَلَى صُدْغِهِ وَمَاتَ الْغُلامُ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ، فَقَالُوا للْمَلِكِ: مَا صَنَعْتَ، الَّذي كُنْتَ تَحْذَرُ قَدْ وَقَعَ، قَدْ آمَنَ النَّاسُ، فَأَمَرَ بِأَفْوَاهِ السِّكَكِ فَأُخِذَتْ، وَخَدَّ الأخْدُودَ وضَرَّمَ فِيهِ النِّيرَانَ، وَأَخَذَهُمْ وَقَالَ: إنْ رَجَعُوا وَإلا فَأَلْقُوهُمْ فِي النَّارِ "، قَالَ: " فَكَانُوا يُلْقُونَهُمْ فِي النَّارِ "، قَالَ: " فَجَاءتِ امْرأةٌ مَعَها صَبِيٌّ لَهَا "، قَالَ: " فَلَمَّا ذَهَبَتْ تَقْتَحِمُ وَجَدَتْ حَرَّ النَّارِ، فَنَكَصَتْ "، قَالَ: " فَقَالَ لَهَا صَبِيُّهَا يا أُمَّاهُ امْضِي فَإنَّكِ عَلَى الْحَقِّ، فَاقْتَحَمَتْ فِي النَّارِ".
وقال آخرون: بل الذين أحرقتهم النار هم الكفار الذين فتنوا المؤمنين.
* ذكر من قال ذلك:
حُدثت عن عمار، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: كان أصحاب الأخدود قومًا مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وإن جبارًا من عَبَدَة الأوثان أرسل إليهم، فعرض عليهم الدخول في دينه، فأبوا، فخدّ أخدودًا، وأوقد فيه نارًا، ثم خيرهم بين الدخول في دينه، وبين إلقائهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار، على الرجوع عن دينهم، فألقوا في النار، فنجَّى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق، بأن قبض أرواحهم قبل أن تمسهم النار، وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم، فذلك قول الله: (فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ) في الآخرة (وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) في الدنيا.
واختُلف في موضع جواب القسم بقوله: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ) فقال بعضهم: جوابه: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ)
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: وقع القسم هاهنا (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ). وقال بعض نحويي البصرة: موضع قسمها - والله أعلم - على (قتل أصحاب الأخدود)، أضمر اللام كما قال: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا... قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) يريد: إن شاء الله لقد أفلح من زكَّاها، فألقى اللام، وإن شئت قلت على التقديم، كأنه قال: قتل أصحاب الأخدود، والسماء ذات البروج.
وقال بعض نحويي الكوفة: يقال في التفسير: إن جواب القسم في قوله: (قُتِلَ) كما كان قسم (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) في قوله: (قَدْ أَفْلَحَ) هذا في التفسير، قالوا: ولم نجد العرب تدع القسم بغير لام يستقبل بها أو "لا" أو "إن" أو "ما"، فإن يكن ذلك كذلك، فكأنه مما ترك فيه الجواب، ثم استؤنف موضع الجواب بالخبر، كما قيل: " يأَيُّهَا الإنسان " في كثير من الكلام.
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: جواب القسم في ذلك متروك، والخبر مستأنف؛ لأن علامة جواب القسم لا تحذفها العرب من الكلام إذا أجابته.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله :﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ﴾ أي : لعن أصحاب الأخدود، وجمعه : أخاديد، وهي الحفر في الأرض، وهذا خبر عن قوم من الكفار عَمَدوا إلى من عندهم من المؤمنين بالله، عز وجل، فقهروهم وأرادوهم أن يرجعوا عن دينهم، فأبوا عليهم، فحفروا لهم في الأرض أخدُودًا وأججوا فيه نار، وأعدوا لها وقودًا يسعرونها به، ثم أرادوهم فلم يقبلوا منهم، فقذفوهم فيها ؛
ولهذا قال تعالى :﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ أي : مشاهدون لما يفعل بأولئك المؤمنين.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
وقيل : إن المقسم عليه قوله ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ وهذا دعاء عليهم بالهلاك.
و ﴿الأخدود﴾ الحفر التي تحفر في الأرض.
وكان أصحاب الأخدود هؤلاء قومًا كافرين، ولديهم قوم مؤمنون، فراودوهم للدخول(١)  في دينهم، فامتنع المؤمنون من ذلك، فشق الكافرون أخدودًا [ في الأرض ]، وقذفوا فيها النار، وقعدوا حولها، وفتنوا المؤمنين، وعرضوهم عليها، فمن استجاب لهم أطلقوه، ومن استمر على الإيمان قذفوه في النار، وهذا في غاية المحاربة لله ولحزبه المؤمنين، ولهذا لعنهم الله وأهلكهم وتوعدهم فقال :﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾
١ - في ب: على الدخول..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١ - ٢٢} ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ * إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ * بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾.
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ أي: [ذات] المنازل المشتملة على منازل الشمس والقمر، والكواكب المنتظمة في سيرها، على أكمل ترتيب ونظام دال على كمال قدرة الله تعالى ورحمته، وسعة علمه وحكمته.
﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ وهو يوم القيامة، الذي وعد الله الخلق أن يجمعهم فيه، ويضم فيه أولهم وآخرهم، وقاصيهم ودانيهم، الذي لا يمكن أن يتغير، ولا يخلف الله الميعاد.
﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ وشمل هذا كل من اتصف بهذا الوصف أي: مبصر ومبصر، وحاضر ومحضور، وراء ومرئي.
والمقسم عليه، ما تضمنه هذا القسم من آيات الله الباهرة، وحكمه الظاهرة، ورحمته الواسعة.
وقيل: إن المقسم عليه قوله ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ﴾ وهذا دعاء عليهم بالهلاك.
و ﴿الأخدود﴾ الحفر التي تحفر في الأرض.
وكان أصحاب الأخدود هؤلاء قومًا كافرين، ولديهم قوم مؤمنون، فراودوهم للدخول (١) في دينهم، فامتنع المؤمنون من ذلك، فشق الكافرون أخدودًا [في الأرض]، وقذفوا فيها النار، وقعدوا حولها، وفتنوا المؤمنين، وعرضوهم عليها، فمن استجاب لهم أطلقوه، ومن استمر على الإيمان قذفوه في النار، وهذا في غاية المحاربة لله ولحزبه المؤمنين، ولهذا لعنهم الله وأهلكهم وتوعدهم فقال: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ﴾ ثم فسر الأخدود بقوله: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ وهذا من أعظم ما يكون من التجبر وقساوة القلب، لأنهم جمعوا بين الكفر بآيات الله ومعاندتها، ومحاربة أهلها وتعذيبهم بهذا العذاب، الذي تنفطر منه القلوب، وحضورهم إياهم عند إلقائهم فيها، والحال أنهم ما نقموا من المؤمنين إلا خصلة (٢) يمدحون عليها، وبها سعادتهم، وهي أنهم كانوا يؤمنون بالله العزيز الحميد أي: الذي له العزة التي قهر بها كل شيء، وهو حميد في أقواله وأوصافه وأفعاله.
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ خلقًا وعبيدًا، يتصرف فيهم تصرف المالك بملكه (٣)، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ علمًا وسمعًا وبصرًا، أفلا خاف هؤلاء المتمردون على الله، أن يبطش بهم العزيز المقتدر، أو ما علموا أنهم جميعهم مماليك لله (٤)، ليس لأحد على أحد سلطة، من دون إذن المالك؟ أو خفي عليهم أن الله محيط بأعمالهم، مجاز لهم على فعالهم (٥) ؟ كلا إن الكافر في غرور، والظالم في جهل وعمى (٦) عن سواء السبيل.
ثم وعدهم، وأوعدهم، وعرض عليهم التوبة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ أي: العذاب الشديد المحرق.
قال الحسن رحمه الله: انظروا إلى هذا الكرم والجود، هم قتلوا أولياءه -[٩١٩]- وأهل طاعته، وهو يدعوهم إلى التوبة.
ولما ذكر عقوبة الظالمين، ذكر ثواب المؤمنين، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بقلوبهم ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بجوارحهم ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ الذي حصل به الفوز (٧) برضا الله ودار كرامته.
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ أي: إن عقوبته لأهل الجرائم والذنوب العظام [لقوية] شديدة، وهو بالمرصاد للظالمين كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾
﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ أي: هو المنفرد بإبداء الخلق وإعادته، فلا مشارك له في ذلك (٨)، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾ الذي يغفر الذنوب جميعها لمن تاب، ويعفو عن السيئات لمن استغفره وأناب.
﴿الْوَدُودُ﴾ الذي يحبه أحبابه محبة لا يشبهها شيء فكما أنه لا يشابهه شيء في صفات الجلال والجمال، والمعاني والأفعال، فمحبته في قلوب خواص خلقه، التابعة لذلك، لا يشبهها شيء من أنواع المحاب، ولهذا كانت محبته أصل العبودية، وهي المحبة التي تتقدم جميع المحاب وتغلبها، وإن لم يكن غيرها تبعًا لها، كانت عذابًا على أهلها، وهو تعالى الودود، الواد لأحبابه، كما قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ والمودة هي المحبة الصافية، وفي هذا سر لطيف، حيث قرن ﴿الودود﴾ بالغفور، ليدل ذلك على أن أهل الذنوب إذا تابوا إلى الله وأنابوا، غفر لهم ذنوبهم وأحبهم، فلا يقال: بل تغفر ذنوبهم، ولا يرجع إليهم الود، كما قاله بعض الغالطين.
بل الله أفرح بتوبة عبده حين يتوب، من رجل له راحلة، عليها طعامه وشرابه وما يصلحه، فأضلها في أرض فلاة مهلكة، فأيس منها، فاضطجع في ظل شجرة ينتظر الموت، فبينما هو على تلك الحال، إذا راحلته على رأسه، فأخذ بخطامها، فالله أعظم فرحًا بتوبة العبد من هذا براحلته، وهذا أعظم فرح يقدر.
فلله الحمد والثناء، وصفو الوداد، ما أعظم بره، وأكثر خيره، وأغزر إحسانه، وأوسع امتنانه"
﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ أي: صاحب العرش العظيم، الذي من عظمته، أنه وسع السماوات والأرض والكرسي، فهي بالنسبة إلى العرش كحلقة ملقاة في فلاة، بالنسبة لسائر الأرض، وخص الله العرش بالذكر، لعظمته، ولأنه أخص المخلوقات بالقرب منه تعالى، وهذا على قراءة الجر، يكون ﴿المجيد﴾ نعتا للعرش، وأما على قراءة الرفع، فإن المجيد نعت لله (٩)، والمجد سعة الأوصاف وعظمتها.
﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ أي: مهما أراد شيئًا فعله، إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون، وليس أحد فعالا لما يريد إلا الله.
فإن المخلوقات، ولو أرادت شيئًا، فإنه لا بد لإرادتها من معاون وممانع، والله لا معاون لإرادته، ولا ممانع له مما أراد.
ثم ذكر من أفعاله الدالة على صدق ما جاءت به رسله، فقال: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُود﴾ وكيف كذبوا المرسلين، فجعلهم الله من المهلكين.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾ أي: لا يزالون مستمرين على التكذيب والعناد، لا تنفع فيهم الآيات، ولا تجدي لديهم العظات.
﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أي: قد أحاط بهم علمًا وقدرة، كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ ففيه الوعيد الشديد للكافرين، من عقوبة من هم في قبضته، وتحت تدبيره.
﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ أي: وسيع المعاني عظيمها، كثير الخير والعلم.
﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ من التغيير والزيادة والنقص، ومحفوظ من الشياطين، وهو: اللوح المحفوظ الذي قد أثبت الله فيه كل شيء.
وهذا يدل على جلالة القرآن وجزالته، ورفعة قدره عند الله تعالى، والله أعلم.
تم تفسير السورة.
(١) في ب: على الدخول.
(٢) في ب: حالة.
(٣) في ب: يتصرف فيهم بما يشاء.
(٤) في ب: أفلا خاف هؤلاء المتمردون عليه أن يأخذهم العزيز المقتدر، أو ما علموا كلهم أنهم مماليك لله.
(٥) في ب: مجازيهم عليها.
(٦) في ب: والجاهل في عمى وضلال.
(٧) في ب: حصل لهم الفوز.
(٨) في ب: فلا يشاركه في ذلك مشارك.
(٩) في ب: فإنه يكون نعتًا لله.
تفسير سورة الطارق
وهي مكية
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠٨ كتب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني — أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
قُتِلَ
لُعِنَ، وَعُذِّبَ، وَهَلَكَ.
أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ
الَّذِينَ شَقُّوا فِي الأَرْضِ شَقًّا عَظِيمًا؛ لِإِحْرَاقِ المُؤْمِنِينَ.

إعراب الآية ٤ من سورة البروج

من كتاب: إعراب القرآن

٨٥ شرح إعراب سورة البروج

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة البروج (٨٥) : آية ١]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١)
وَالسَّماءِ خفض بواو القسم ذاتِ الْبُرُوجِ نعت للسماء، واختلف النحويون في جواب القسم فمنهم من قال: هو محذوف، ومنهم من قال: التقدير لقتل أصحاب الأخدود وحذفت اللام، ومنهم من قال: الجواب إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)، وقال أبو حاتم: التقدير قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج. قال أبو جعفر: وهذا غلط بيّن وقد أجمع النحويون على أنه لا يجوز والله قام زيد بمعنى قام زيد والله وأصل هذا في العربية أنّ القسم إذا ابتدئ به لم يجز أن يلغى ولا ينوى به التأخير، وإذا توسّط أو تأخّر جاز أن يلغى، وفيها جواب خامس أن يكون التقدير وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [الآية: ١٠] وما اعترض بينهما معطوف وتوطئة للقسم قال محمد بن يزيد: واعلم أن القسم قد يؤكد بما يصدّق الخبر قبل ذكر المقسم عليه ثم يذكر ما يقع عليه القسم فمن ذلك وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) ثم ذكر قصّة أصحاب الأخدود، وإنما وقع القسم على قوله إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢).

[سورة البروج (٨٥) : الآيات ٢ الى ٣]

وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣)
وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) واو عطف لا واو قسم، وكذا وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قال أبو جعفر: قد ذكرنا معناه، وقد قيل: لا يخلو الناس يوم القيامة من شاهد ومشهود فالمعنى وربّ الناس.

[سورة البروج (٨٥) : الآيات ٤ الى ٥]

قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥)
النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) خفض على بدل الاشتمال. وفيه تقديران: أحدهما نارها والألف واللام عوض من المضمر، والآخر النار التي فيها، وهذا بدل الاشتمال. وفي معنى قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) قولان: أحدهما أنهم المؤمنون قتلهم الكفار، والآخر أنهم الكفار، ويكون معنى قتلوا أو لعنوا أو أهلكوا. وأجاز «النحويون» قتل أصحاب
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٥ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٢٢ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العَوفيّ- في قوله: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾، قال: هم ناس مِن بني إسرائيل خَدُّوا أخدودًا في الأرض، ثم أوقدوا فيه نارًا، ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالًا ونساء، فعُرضوا عليها. وزعموا: أنه دانيال وأصحابه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٢٧٢.
٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قال: الأخدود: شَقٌّ بنجران، كانوا يُعَذِّبون الناس فيه١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٧١٨ بنحوه، وأخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٢٧٣، والفريابي -كما في تغليق التعليق ٤‏/‏٣٦٤، وفتح الباري ٨‏/‏٦٩٨-. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٣
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾، قال: يزعمون أنّ أصحاب الأخدود من بني إسرائيل، أخذوا رجالًا ونساء، فخَدُّوا لهم أخدودًا، ثم أوقدوا فيها النيران، فأقاموا المؤمنين عليها، فقالوا: تكفرون، أو نقذفكم في النار١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٢٧٣. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر بنحوه، وزاد في آخره: فاختاروا النار على الكفر، فأُلقُوا فيها.
٤
عن عكرمة مولى ابن عباس، ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾، قال: كانوا من النَّبَط١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن جرير، وابن المنذر.
٥
عن الحسن البصري، قال: كان بعضُ الجبابرة خَدَّ أخدودًا في الأرض، وجعل فيها النيران، وعرض المؤمنين على ذلك، فمَن تابعه على كُفره خلّى عنه، ومَن أبىَ ألقاه في تلك النار، فجعل يُلقي، حتى أتى على امرأةٍ ومعها بُنَيٌّ لها صغير، وكانت اتَّقَتِ النارَ، فكلّمها الصبيُّ، فقال: يا أُمَّهْ، قَعِي ولا تُنافقي. فأُلقيتْ في النار، واللهِ، ما كانت إلا نقطة مِن نار حتى أفضَوا إلى رحمة الله. قال: الحسن: قال رسول الله ﷺ: «فما ذكرتُ أصحاب الأخدود إلا تعوّذتُ بالله مِن جَهد البلاء»١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٥‏/‏١١٤-١١٥- بنحوه. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٦
عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق محمد بن إسحاق بن يسار-: أنّ رجلًا كان بقي على دين عيسى عليه السلام، فرجع إلى نجران، فدعاهم، فأجابوه، فسار إليه ذو نواس اليهودي بجنود من حِمْيَر، وخيَّرهم بين النار واليهودية، فأبَوا عليه، فخَدَّ لهم الأخاديد، وأحرق اثني عشر ألفًا١
التخريج
  1. ١أخرجه الثعلبي ١٠‏/‏١٧٠، والبغوي ٨‏/‏٣٨٤-٣٨٥.
٧
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾، قال: يعني: القاتلين الذين قتلوهم يوم قُتلوا١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٣‏/‏٤١٢، وابن جرير ٢٤‏/‏٢٧٢.
٨
عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، قال: كانت الأخدودُ زمان تُبَّع١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن عساكر.
٩
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: كان أصحاب الأخدود قومًا مؤمنين، اعتزلوا الناس في الفترة، وإنّ جبارًا مِن عَبَدة الأوثان أرسل إليهم، فعرض عليهم الدخول في دينه، فأبَوا، فخَدَّ أخدودًا، وأوقد فيه نارًا، ثم خَيَّرهم بين الدخول في دينه، وبين إلقائهم في النار، فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم، فأُلقوا في النار، فنجّى الله المؤمنين الذين أُلقوا في النار من الحريق بأن قَبض أرواحهم قبل أن تمسّهم النار، وخَرجت النار إلى مَن على شفير الأخدود مِن الكفار فأحرقتهم، فذلك قول الله: ﴿فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ في الآخرة، ﴿ولَهُمْ عَذابُ الحَرِيقِ﴾ في الدنيا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٢٧٦.
١٠
قال محمد بن السّائِب الكلبي: هم نصارى أهل نجران، وذلك أنّ مَلِكًا بنجران أخذ بها قومًا مؤمنين، فخَدَّ لهم في الأرض سبعة أخاديد، طول كلّ أخدود أربعون ذراعًا، وعرضه اثنا عشر ذراعًا، ثم طرح فيها النِّفط والحطب، ثم عرضهم عليها، فمَن أبى قذفه في النار، فبدأ برجل يُقال له: عمرو بن زيد، فسأله ملكهم، فقال له: مَن علّمك هذا؟ يعني: التوحيد، فأبى أن يُخبره، فأتى المَلِك الذي علّمه التوحيد، فقال: أيّها المَلِك، أنا علّمته. واسمه: عبد الله بن شمر، فقذفه في النار، ثم عرض على النار واحدًا بعد واحد، حتى إذا أراد أن يتبع بقيّة المؤمنين، فصنع ملكهم صنمًا مِن ذهب، ثم أمّر على كلِّ عشرة مِن المؤمنين رجلًا يقول لهم: إذا سمعتم صوت المزامير فاسجدوا للصنم، فمَن لم يسجد ألقوه في النار. فلما سمعت النصارى بذلك سجدوا للصنم، وأمّا المؤمنون فأبَوا، فخَدَّ لهم، وألقاهم فيها، فارتفعت النار فوقهم اثنا عشر ذِراعًا١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١٠‏/‏١٦٩-١٧٠.
١١
قال محمد بن السّائِب الكلبي: كان أصحاب الأخدود سبعين ألفًا١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١٠‏/‏١٧٠.
١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ وذلك أنّ يوسف بن ذي نواس من أهل نجران كان حفر خَدًّا، وأوقد فيه النار، فمَن تَكلّم منهم بالتوحيد أحرقه بالنار، وذلك أنه كان قد آمن مِن قومه ثمانون رجلًا وتسع نسوة، فأمرهم أن يرتَدُّوا عن الإسلام، فأبَوْا، فأخبرهم أنه سيُعذّبهم بالنار، فَرَضُوا لأمر الله عز وجل، فأحرقهم كلَّهم، فلم يزل يُلقي واحدًا بعد واحد في النار، حتى مرَّت امرأةٌ ومعها صبي لها صغير يرضع، فلما نظرت المرأة إلى ولدها أشفقتْ عليه، فرجعتْ، فعَرضوا عليها أن تكفر، فأبتْ، فضربوها حتى رجعتْ، فلم تزل ترجع مرة، وتُشفق مرة، حتى تَكلّم الصبيُّ فقال لها: يا أُمّاه، إنّ بين يديك نارًا لا تُطفأ أبدًا. فلما سمعتْ قولَ الطفل أحضرتْ حتى ألقتْ نفسها في النار، فجعل الله عز وجل أرواحهم في الجنة، وأوحى الله -تبارك وتعالى- إلى نبيّه محمد ﷺ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ يوسف بن ذي نواس وأصحابه١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٦٤٧-٦٤٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلف في الذين أحرقتهم النار مَن هم؟ على قولين: الأول: قوم كانوا أهل كتاب من بقايا المجوس. الثاني: أنّ النار أحرقت الكفار الذين فَتنوا المؤمنين بإلقائهم في النار. ورجَّح ابنُ جرير (٢٤/٢٧٧) -مستندًا إلى دلالة العقل- القول الثاني، وعلَّل ذلك بأنّ «الله أخبر أنّ لهم عذاب الحريق مع عذاب جهنم، ولو لم يكونوا أُحْرِقوا في الدنيا لم يكن لقوله: ﴿ولَهُمْ عَذابُ الحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠] معنًى مفهوم، مع إخباره أنّ لهم عذاب جهنم؛ لأنّ عذاب جهنم هو عذاب الحريق مع سائر أنواع عذابها في الآخرة». وذكر ابنُ عطية (٨/٥٧٨) أنه رأى «في بعض الكتب أنّ أصحاب الأخدود هو مُحرِّق، وأنه الذي حرق من بني تميم المائة». ثم علَّق عليه بقوله: «ويعترض هذا القول بقوله تعالى: ﴿وهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج:٧]، فينفصل عن هذا الاعتراض بأنّ هذا الكلام مُنقَطِع مِن قصة أصْحاب الأخدود، وأنّ المراد بقوله تعالى: ﴿وهُمْ﴾ قريش الذين كانوا يفتنون الناس المؤمنين والمؤمنات».
١٣
قال مقاتل: كانت الأخاديدُ ثلاثةً: واحدة بنجران باليمن، والأخرى بالشام، والأخرى بفارس، حرّقوا بالنار، أمّا التي بالشام فهو بطيانوس بن بليس الرومي، أمّا التي بفارس فهو بخت نصر، وأمّا التي بأرض العرب فهو يوسف بن ذي نواس، فأمّا التي بفارس والشام فلم يُنزل الله سبحانه فيهما قرآنًا، وأنزل في التي كانت بنجران، وذلك أنّ رجلين مُسلِمَيْن ممّن يقرؤون الإنجيل أحدهما بأرض تِهامة والآخر بنجران اليمن، فأجّر أحدُهما نفسَه في عمل يعمله، وجعل يقرأ الإنجيل، فرأتْ بنتُ المستأجر النورَ يُضيء في قراءة الإنجيل، فذكرتْ ذلك لأبيها، فرمقه حتى رآه، فسأله، فلم يُخبره، فلم يزل به حتى أخبره بالدين والإسلام، فتابَعه هو وسبعة وثمانون إنسانًا مِن رجل وامرأة، وهذا بعد ما رُفِع عيسى إلى السماء، فسمع ذلك يوسف بن ذي نواس بن شراحيل بن تُبّع بن اليشرح الحِمْيَري، فخَدَّ لهم في الأرض، فأوَقد فيها، فعرضهم على الكفر، فمَن أبى منهم أن يكفر قذفه في النار، ومَن رجع عن دين عيسى لم يُقذَف في النار، وإنّ امرأة جاءت ومعها ولد لها صغير لا يَتكلّم، فلما قامتْ على شفير الخندق نظرتْ إلى ابنها، فرجعتْ عن النار، فضُرِبتْ حتى تقدّمتْ، فلم تزل كذلك ثلاث مرات، فلما كانت في الثالثة ذهبتْ ترجع، فقال لها ابنها: يا أُمّاه، إني أرى أمامك نارًا لا تُطفأ. فلما سمعت ابنَها يقول ذلك قَذَفا جميعًا أنفسَهما في النار، فجعلها الله وابنها في الجنة، فقذف في النار في يوم واحد سبعة وسبعون إنسانًا١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١٠‏/‏١٧٠، وتفسير البغوي ٨‏/‏٣٨٦-٣٨٧.
١٤
قال عبد الله بن عباس: ﴿قُتِلَ﴾ لُعن، كلّ شيء في القرآن ﴿قُتل﴾ فهو لُعن١٢
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١٠‏/‏١٦٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّه ابنُ عطية (٨/٥٧٨) قول ابن عباس أنّ ﴿قُتِل﴾: معناه: لُعِن بقوله: «وهذا تفسير بالمعنى».
١٥
عن صُهيب، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلّى العصر همس، فقيل له: إنك -يا رسول الله- إذا صلَّيتَ العصر همستَ؟ فقال: «إنّ نبيًّا مِن الأنبياء كان أُعجِب بأُمّته، فقال: مَن يقوم لهؤلاء؟! فأوحى الله إليه أن خَيِّرهم بين أنْ أنتقم منهم، وبين أن أُسلّط عليهم عدوّهم. فاختاروا النّقمة، فسلَّط عليهم الموت، فمات منهم في يوم سبعون ألفًا». قال: وكان إذا حدّث بهذا الحديث حدّث بهذا الحديث الآخر، قال: «كان مَلِك من الملوك، وكان لذلك المَلِك كاهن يَكهَن له، فقال له ذلك الكاهن: انظروا لي غلامًا فَهِمًا -أو قال: فَطِنًا- لَقِنًا، فأُعلّمه علمي هذا، فإني أخاف أنْ أموت فينقطع منكم هذا العلم، ولا يكون فيكم مَن يعلمه». قال: «فنظروا له على ما وصف، فأمروه أن يُحضِر ذلك الكاهن، وأن يختلف إليه، فجعل الغلام يختلف إليه، وكان على طريق الغلام راهبٌ في صومعةٍ، فجعل الغلام يسأل ذلك الراهب كلما مَرَّ به، فلم يزل به حتى أخبره، فقال: إنما أعبد الله. فجعل الغلام يمكث عند الراهب، ويُبطئ على الكاهن، فأرسل الكاهن إلى أهل الغلام: إنه لا يكاد يحضرني. فأخبر الغلام الراهب بذلك، فقال له الراهب: إذا قال لك: أين كنتَ؟ فقُل: عند أهلي. وإذا قال لك أهلك: أين كنتَ؟ فأخبِرهم أنك كنت عند الكاهن. فبينما الغلام على ذلك إذ مَرَّ بجماعةٍ من الناس كثيرةٍ قد حبستهم دابةٌ، يقال: كانت أسدًا، فأخذ الغلام حَجَرًا، فقال: اللهم، إن كان ما يقول الراهب حقًّا فأسألك أنْ أقتل هذه الدابة، وإن كان ما يقول الكاهن حقًّا فأسألك ألا أقتلَها. ثم رمى، فقَتل الدابة، فقال الناس: مَن قتلها؟ فقالوا: الغلام. ففزع الناس، وقالوا: قد عَلِم هذا الغلامُ عِلْمًا لم يعلمه أحد. فسمع أعمى، فجاءه، فقال له: إنْ أنتَ رددتَ بصري فلك كذا وكذا. فقال الغلام: لا أريد منك هذا، ولكن أرأيتَ إن رجع عليك بصرُك أتؤمن بالذي ردّه عليك؟ قال: نعم. فدعا الله فردّ عليه بصره، فآمن الأعمى، فبلغ المَلِكَ أمرُهم، فبعث إليهم، فأتى بهم، فقال: لَأقتلنَّ كلَّ واحد منكم قِتلةً لا أقتل بها صاحبه. فأمر بالراهب والرجل الذي كان أعمى، فوضع المنشار على مَفرق أحدهما فقتله، وقتل الآخر بقِتلةٍ أخرى، ثم أمر بالغلام، فقال: انطلِقوا به إلى جبل كذا وكذا، فألقُوه مِن رأسه. فانطلَقوا به إلى ذلك الجبل، فلما انتهَوا به إلى ذلك المكان الذي أرادوا أن يلقوه منه جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل، ويتَردَّون حتى لم يبق منهم إلى الغلام، ثم رجع الغلام، فأَمر به المَلِك أن ينطَلِقوا به إلى البحر فيُلقوه فيه، فانطُلِق به إلى البحر، فغَرَّق الله الذين كانوا معه، وأنجاه الله، فقال الغلام للمَلِك: إنّك لا تقتلني حتى تصلبني وترميني وتقول إذا رميتني: بسم الله ربّ الغلام. فأَمر به، فصُلِب، ثم رماه، وقال: بسم الله ربّ الغلام. فوضع الغلام يدَه على صُدْغه حين رُمِي ثم مات، فقال الناس: لقد علم هذا الغلام علمًا ما علمه أحد، فإنّا نؤمن بربِّ هذا الغلام. فقيل للملك: أجزِعتَ أنْ خالفك ثلاثةٌ؟ فهذا العالم كلّهم قد خالفوك!». قال: «فخَدّ أخدودًا، ثم ألقى فيها الحطب والنار، ثم جمع الناس، فقال: مَن رجع عن دينه تركناه، ومَن لم يرجع ألقيناه في هذه النار. فجعل يلقيهم في تلك الأخدود». فقال: «يقول الله: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ حتى بلغ: ﴿العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾». فأمّا الغلام فإنه دُفن، ثم أُخرج، فيُذكر أنه أُخرج في زمن عمر بن الخطاب وأصبعه على صُدْغه كما وضعها حين قُتل١
التخريج
  1. ١أخرجه الترمذي ٥‏/‏٥٣٠-٥٣٣ (٣٦٣٣، ٣٦٣٤)، وعبد الرزاق ٣‏/‏٤١٣-٤١٥ (٣٥٦٨). قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، وقال ابن كثير في تفسيره ٨‏/‏٣٦٨: «وهذا السياق ليس فيه صراحة أنّ سياق هذه القصة من كلام النبي ﷺ، قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: فيحتمل أن يكون من كلام صُهيب الرومي؛ فإنه كان عنده علم من أخبار النصارى».
١٦
عن صُهيب، أنّ رسول الله ﷺ قال: «كان مَلِكٌ مِمّن كان قبلكم، وكان له ساحِر، فلمّا كَبِر الساحر قال لِلمَلِك: إنِّي قد كَبِرتْ سِنِّي، وحضر أجلي، فادفع إلَيَّ غلامًا لِأعلّمَه السحر. فدفع إليه غلامًا، فكان يعلّمه السحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب، فأتى الغلامُ على الراهب، فسمع مِن كلامه، فأعجبه نحوُه وكلامُه، فكان إذا أتى على الساحر ضربَه، وقال: ما حبسك؟ فإذا أتى أهله جلس عند الراهب، فيُبطئ، فإذا أتى أهلَه ضربوه، وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا أراد الساحر أن يضربك فقُل: حبسني أهلي. وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك إذ أتى ذات يوم على دابة فظيعة عظيمة، قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا، فقال الغلام: اليوم أعلم أمْر الراهب أحبّ إلى الله أم أمْر الساحر؟ فأخذ حجرًا، فقال: اللهم إنْ كان أمْر الراهب أحبّ إليك وأرضى لك مِن أمْر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس. ورماها، فقتلها، ومضى الناس، فأخبَر الراهبَ بذلك، فقال: أي بني، أنتَ أفضل مني، وإنك سَتُبتلى، فإن ابتُليتَ فلا تدل علَيَّ. وكان الغلام يُبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم، وكان جليسٌ للمَلِك فعَمِي، فسمع به، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال له: اشفني ولك ما ههنا أجمع. فقال: ما أشفي أنا أحدًا، إنما يشفي الله، فإنْ آمنتَ باللهِ دعوتُ الله فشفاك. فآمن، فدعا الله له فشفاه، ثم أتى المَلِك فجلس منه نحو ما كان يجلس، فقال له المَلِك: يا فلان، مَن ردَّ عليك بصرك؟ قال: ربي. قال: أنا! قال: لا. قال: أوَلك ربٌّ غيري؟ قال: نعم. فلم يزل به يُعذّبه حتى دل على الغلام، فبعث إليه المَلِك، فقال: أي بني، قد بلغ مِن سحرك أن تُبرئ الأكمه والأبرص وهذه الأدواء؟! قال: ما أشفي أنا أحدًا، ما يشفي غير الله. قال: أنا! قال: لا. قال: وإنّ لك ربًّا غيري؟ قال: نعم، ربي وربّك الله. فأخذه أيضًا بالعذاب، فلم يزل به حتى دلَّ على الراهب. فأُتي بالراهب، فقال له: ارجِع عن دينك. فأبى، فوضع المنشار في مَفرِق رأسه حتى وقع شِقّاه إلى الأرض، وقال للأعمى: ارجع عن دينك. فأبى، فوضع المنشار في مَفرِق رأسه، حتى وقع شِقّاه إلى الأرض، وقال للغلام: ارجع عن دينك. فأبى، فبعث به مع نفرٍ إلى جبل كذا وكذا، وقال: إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه، وإلا فدهدِهوه١ من فوقه. فذهبوا به، فلما علَوا به الجبل قال: اللهم، اكفنيهم بما شئت. فرجف بهم الجبل، فتدهدهوا أجمعين، وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك، فقال: ما فعل أصحابُك؟ قال: كفانيهم الله. فبعث به مع نفرٍ في قُرْقُور٢، فقال: إذا لجَجتم٣ به البحر فإن رجع عن دينه، وإلا فغرِّقوه. فلجَّجوا به البحر، فقال الغلام: اللهم، اكفنيهم بما شئت. فغرقوا أجمعين، وجاء الغلام يتلمَّس حتى دخل على المَلِك، فقال: ما فعل أصحابُك؟ قال: كفانيهم الله. ثم قال للمَلِك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، فإنْ أنتَ فعلتَ ما آمرك به قتلتني، وإلا فإنك لن تستطيع قتلي. قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد، ثم تصلبني على جذع، وتأخذ سهمًا مِن كنانتي، ثم قُل: بسم الله ربّ الغلام. فإنك إذا فعلتَ ذلك قتلتني. ففعل، ووضع السهم في كبد القوس، ثم رماه، وقال: بسم الله ربّ الغلام. فوقع السهم في صُدْغه، فوضع الغلام يده على موضع السهم، ومات، فقال الناس: آمنّا بربّ الغلام. فقيل للمَلِك: أرأيت ما كنت تحذر؟ فقد -واللهِ- نزل بك هذا مِن الناس كلّهم! فأمر بأفواه السِّكك فخُدَّتْ فيها الأخدود، وأضْرِمتْ فيها النيران، وقال: مَن رجع عن دينه فدَعُوه، وإلا فأقحِموه فيها. فكانوا يتقارعون فيها ويتدافعون، فجاءت امرأةٌ بابن لها صغير، فكأنها تقاعستْ أن تقع في النار، فقال الصبي: يا أُمَّه، اصبري؛ فإنّكِ على الحق»٤
التخريج
  1. ١دهدهوه: دحرجوه. اللسان (دهده).
  2. ٢القرقور: السفينة الصغيرة، وقيل: الكبيرة. صحيح مسلم بشرح النووي ١٨‏/‏١٣١، وينظر: النهاية (قرقر).
  3. ٣لجج القوم: إذا دخلوا في اللّجة، ولجة البحر: معظمه، وحيث لا يدرك قعره. اللسان (لجج).
  4. ٤أخرجه مسلم ٤‏/‏٢٢٩٩-٢٣٠٠ (٣٠٠٥)، وابن جرير ٢٤‏/‏٢٧٣-٢٧٦ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن مردويه.
١٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء- قال: كان بنجران مَلِكٌ من ملوك حِمْيَر يُقال له: يوسف ذو نواس بن شرحبيل، في الفترة قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة، وكان في بلاده غلام يُقال له: عبد الله بن تامر، وكان أبوه قد سلّمه إلى مُعلِّم يُعلّمه السحر، فكره ذلك الغلامُ، ولم يجد بُدًّا مِن طاعة أبيه، فجعل يختلف إلى المُعلّم، وكان في طريقه راهب حَسن القراءة حَسن الصوت، فأعجبه ذلك، -وذكر قريبًا مِن معنى حديث صُهيب- إلى أن قال الغلام للمَلِك: إنّك لا تقدر على قتلي إلا أن تفعل ما أقول لك، قال: فكيف أقتلك؟ قال: تجمع أهل مملكتك وأنتَ على سريرك، فترميني بسهم باسم إلهي. ففعل الملك ذلك، فقتله، فقال الناس: لا إله إلا الله، عبد الله بن تامر لا دين إلا دينه. فغضب الملك، وأغلق باب المدينة، وأخذ أفواه السِّكك، وخد أخدودًا، وملأه نارًا، ثم عرضهم رجلًا رجلًا؛ فمَن رجع عن الإسلام تركه، ومَن قال: ديني دين عبد الله بن تامر. ألقاه في الأخدود، فأحرقه، وكان في مملكته امرأة أسلمتْ فيمن أسلم، ولها أولاد ثلاث أحدهم رضيع، فقال لها المَلِك: ارجعي عن دينكِ، وإلا ألقيتُكِ وأولادكِ في النار، فأبَتْ، فأخذ ابنها الأكبر، فألقاه في النار، ثم قال لها: ارجعي عن دينكِ. فأبَتْ، فألقى الثاني في النار، ثم قال لها: ارجعي. فأبَتْ، فأخذوا الصبيَّ منها ليلقوه في النار، فهَمَّت المرأة بالرجوع، فقال الصبي: يا أُمّاه، لا ترجعي عن الإسلام؛ فإنكِ على الحق، ولا بأس عليك. فأُلقي الصبي في النار، وأُلقيتْ أُمّه على أثره١
التخريج
  1. ١أخرجه البغوي ٨‏/‏٣٨٥.
١٨
عن علي بن أبي طالب -من طريق الحسن- في قوله: ﴿أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾، قال: هم الحبشة١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.
١٩
عن علي بن أبي طالب -من طريق عبد الله بن نُجَيٍّ- قال: كان نبيُّ أصحابِ الأخدود حبشيًّا١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٢٠
عن عبد الله بن نُجَيٍّ، قال: شهدتُ عليًّا، وأتاه أسْقُف نجران، فسأله عن أصحاب الأخدود، فقصّ عليه القصة، فقال عليٌّ: أنا أعلم بهم منك، بُعث نبيٌّ مِن الحبشة إلى قومه. ثم قرأ عليٌّ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ مِنهُمْ مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهُمْ مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:٧٨]. فدعاهم، فتابعه الناس، فقاتلهم، فقُتل أصحابه، وأُخِذ، فأُوثِق، فانفلتَ، فأنس إليه رجال -يقول: اجتمع إليه رجال-، فقاتلهم، فقُتلوا، وأُخِذ فأُوثق، فخَدُّوا أخدودًا في الأرض، وجعلوا فيه النيران، فجعلوا يَعرضون الناس، فمَن تبع النبيَّ رُمي به فيها، ومَن تابعهم تُرِك، وجاءت امرأة في آخر مَن جاء، معها صبي لها، فجزعتْ، فقال الصبي: يا أُمَّهْ، اطمري١، ولا تماري. فوقعتْ٢
التخريج
  1. ١طمر يطمِر طمرًا وطمورًا وطمرانًا: وثب. وقيل: الوثوب إلى أسفل. اللسان (طمر).
  2. ٢عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٢١
عن علي بن أبي طالب -من طريق قتادة- في قوله: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾: هم أناس بمذارع١ اليمن؛ اقتتل مؤمنوهم وكفّارهم، فظهر مؤمنوهم على كفّارهم، ثم أخذ بعضهم على بعض عهودًا ومواثيق لا يغدر بعضهم ببعض، فغدر بهم الكفار، فأخذوهم، ثم إنّ رجلًا من المؤمنين قال: هل لكم إلى خير؟ تُوقدون نارًا، ثم تعرضوننا عليها، فمَن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون، ومَن لا اقتحم، فاسترَحْتُم منه. فأجَّجُوا لهم نارًا، وعرضوهم عليها، فجعلوا يقتحمونها، حتى بقيتْ عجوز فكأنها تلكَّأَت، فقال لها طفل في حِجرها: امضي، ولا تُنافقي. فقصَّ الله عليكم نبأهم وحديثهم، فقال: ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ إذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ﴾ قال: يعني بذلك: المؤمنين، ﴿وهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ يعني بذلك: الكفار٢
التخريج
  1. ١هي القرى القريبة من الأنصار، وقيل: هي قرى بين الريف والبر. النهاية (ذرع).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٢٧١-٢٧٢ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٢٢
عن ابن أبْزى، قال: لَمّا رجع المهاجرون مِن بعض غزواتهم بلغهم نَعْيُ عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فقال بعضهم لبعض: أي الأحكام تجري في المجوس، وإنهم ليسوا بأهل كتاب، وليسوا مِن مشركي العرب؟ فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قد كانوا أهل كتاب، وقد كانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها مَلِكٌ مِن ملوكهم حتى ثمل منها، فتناول أخته، فوقع عليها، فلما ذهب عنه السُّكر قال لها: ويحكِ، فما المخرج مما ابتُليتُ به؟ فقالتْ: اخطب الناس. فقُل: يا أيها الناس، إنّ الله قد أحلّ نكاح الأخوات. فقام خطيبًا، فقال: يا أيها الناس، إنّ الله قد أحلّ نكاح الأخوات. فقال الناس: إنّا نبرأ إلى الله مِن هذا القول؛ ما أتانا به نبيٌّ، ولا وجدناه في كتاب الله. فرجع إليها نادمًا، فقال لها: ويحكِ، إن الناس قد أبَوا علي أن يُقرّوا بذلك. فقالت: ابسط عليهم السِّياط. ففعل، فبسَط عليهم السِّياط، فأبَوْا أن يُقرّوا له، فرجع إليها نادمًا، فقال: إنهم قد أبَوْا أن يُقرّوا. فقالتْ: اخطبهم، فإن أبَوا فجَرِّد فيهم السيف. ففعل، فأبى عليه الناس، فقال لها: قد أبى عليّ الناس. فقالت: خُدّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك؛ فمَن أقرّ، وإلا فاقذفه في النار. ففعل، ثم عرض عليها أهل مملكته، فمَن لم يُقرّ منهم قذفه في النار؛ فأنزل الله فيهم: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ إلى: ﴿أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾، ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ حرقوهم، ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهُمْ عَذابُ الحَرِيقِ﴾ فلم يزالوا منذ ذلك يستحلّون نكاح الأخوات والبنات والأمهات١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد بن حميد -كما في تخريج أحاديث الكشاف ٤‏/‏١٨٣-، وابن جرير ٢٤‏/‏٢٧٠-٢٧١. وفي تفسير البغوي ٨‏/‏٣٨٥-٣٨٦ بنحوه عن ابن أبزى، وسعيد بن جُبَير.

آثار متعلقة بالآية

٣ أقوال
١
عن عوف، قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذكر أصحاب الأخدود تعوّذ بالله مِن جَهد البلاء١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣‏/‏٢٢٧، عن عوف، عن الحسن مرسلًا.
٢
عن عبد الله بن أبي بكر -من طريق محمد بن إسحاق-: أنّ خربة احتُفرتْ في زمن عمر بن الخطاب، فوجدوا عبد الله بن التامر واضِعًا يده على ضربة في رأسه، إذا أميطتْ يده عنها انبعثت دمًا، وإذا تُرِكَت ارتدّت مكانها، وفي يده خاتم مِن حديد فيه: ربي الله، فبلغ ذلك عمر، فكتب أنْ أعيدوا عليه الذي وجدتم عليه١
التخريج
  1. ١أخرجه البغوي ٨‏/‏٣٨٥.
٣
عن سلمة بن كُهيل، قال: ذَكروا أصحابَ الأخدود عند عليٍّ، فقال: أما إنّ فيكم مثلهم، فلا تكونُنَّ أعجزَ مِن قوم١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
التفسير بالمأثور لسورة البروج كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٤ من سورة البروج

٧ وقفات في هذه الآية

  • (قُتِلَ أَصحابُ الْأُخدودِ ) قُتِل : هنا ليس من القتل الذي هو إزهاق الروح و إنما هو من اللعن والمعنى ( لُعن أصحاب الأخدود ) "تصحيح_التفسير".

    — عبدالمحسن المطيري

  • "قتل أصحاب الأخدود" لا تتهاون بالدعاء على قتلة المسلمين ومعذبيهم كالباطنية ، فقد افتتح الله خبر من حرق المؤمنين بالدعاء عليهم اللهم عليك بهم.

    — عبدالله بلقاسم

  • جيل يتدبر سورة البروج الآية 4

    — عبدالرحمن السبهان

  • القتل علي الحقيقة ليس لمن أحرق في الأخدود ؛ فإن استشهادهم حياة وخلود , ولكنه للجناة المستكبرين , الذين لعنوا وطردوا من رحمة الله العظيم .

    — مصحف تدبر المفصل

  • إن الله يعلم هول ما قاسيتم أيها المؤمنون , ولن يَتِرَكُم عملكم وجهادكم , وسيكافئكم علي صبركم وثباتكم , فلا تهنوا وتحزنوا .

    — مصحف تدبر المفصل

  • برنامج لمسات بيانية (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) البروج) يقولون أن قُتل في القرآن تعني اللعنة فهل هذا صحيح؟ إذا كان هذا صحيحاً فما الفرق بين القتل واللعنة في الآية (مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) الأحزاب)؟ (د.فاضل السامرائي) هو دعاء عليهم باللعن والقتل والعذاب. هذا معنى (قُتل) مثل (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الذاريات) (قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) عبس) بمعنى عذّبه الله أشد العذاب. ليس هو معنى القتل الموجود الآن (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ (154) البقرة) (أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ (144) آل عمران) (بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ (9) التكوير) ليس هذا المعنى وإنما دعاء عليهم بالعذاب والقتل والهلاك. * هل (النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5)) بَدَل؟ نعم بدل.

    — فاضل السامرائي

  • قوله تعالى: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) هو جواب القَسَم، بحذف اللام أو بحذفها مع " قد " إن جعل خبراً، فإن جعل دعاءً فجوابُ القسم " إنَّ الذِينَ فتَنوا " أو " إنَ بَطْشَ رَبِّكَ لشَديدٌ " أو هو محذوفٌ لتبعثنَّ.

    — كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

ترجمات معاني الآية ٤ من سورة البروج

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(4) Destroyed [i.e., cursed] were the companions of the trench[1895]
[1895]- Or "May they be destroyed" or "cursed." The "companions of the trench" (or ditch) were agents of a tyrannical king who refused to allow his people to believe in Allāh. Their evil deed in obedience to their ruler earned for them the curse of Allāh (subḥānahu wa taʿālā).
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال