زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ﴾ أي : لعنوا. والأخدود : شق يشق في الأرض، والجمع : أخاديد. وهؤلاء قوم حفروا حفائر في الأرض وأوقدوا فيها النار، وألقوا فيها من لم يكفر.
واختلف العلماء فيهم على ستة أقوال :
أحدها : أنه ملك كان له ساحر فبعث إليه غلاما يعلمه السحر، وكان الغلام يمر على راهب، فأعجبه أمره، فتبعه، فعلم به الملك، فأمره أن يرجع عن دينه، فقال : لا أفعل، فاجتهد الملك في إهلاكه، فلم يقدر، فقال الغلام : لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. اجمع الناس في صعيد واحد، واصلبني على جذع، وارمني بسهم من كنانتي، وقل بسم الله رب الغلام، ففعل، فمات الغلام، فقال الناس : آمنا برب الغلام، فخدّ الأخاديد، وأضرم فيها النار، وقال : من لم يرجع عن دينه فاقحموه فيها، ففعلوا، وهذا مختصر الحديث، وفيه طول، وقد ذكرته في " المغني " و " الحدائق " بطوله من حديث صهيب عن رسول الله ﷺ.
والثاني : أن ملكا من الملوك سكر، فوقع على أخته، فلما أفاق قال لها :
ويحك : كيف المخرج ؟ فقالت له : اجمع أهل مملكتك فأخبرهم أن الله عز وجل قد أحل نكاح الأخوات، فإذا ذهب هذا في الناس وتناسوه، خطبتهم فحرمته. ففعل ذلك، فأبوا أن يقبلوا ذلك منه، فبسط فيهم السوط، ثم جرد السيف، فأبوا، فخدّ لهم أخدودا، وأوقد فيه النار، وقذف من أبى قبول ذلك، قاله علي بن أبي طالب.
والثالث : أنهم ناس اقتتل مؤمنوهم وكفارهم، فظهر المؤمنون، ثم تعاهدوا أن لا يغدر بعضهم ببعض، فغدر كفارهم، فأخذوهم، فقال له رجل من المؤمنين : أوقدوا نارا، وأعرضوا عليها، فمن تابعكم على دينكم، فذاك الذي تحبون، ومن لم يتبعكم أُقحم النار فاسترحتم منه، ففعلوا، فجعل المسلمون يقتحمونها، ذكره قتادة.
والرابع : أن قوما من المؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، فأرسل إليهم جبار من عبدة الأوثان، فعرض عليهم الدخول في دينه فأبوا، فخدّ لهم أخدودا، وألقاهم فيه، قاله الربيع بن أنس.
والخامس : أن جماعة آمنوا من قوم يوسف بن ذي نواس بعدما رفع عيسى، فخد لهم أخدودا، وأوقد فيه النار، فأحرقهم كلهم، فأنزل الله تعالى :﴿قتل أصحاب الأخدود﴾ وهم : يوسف بن ذي نواس وأصحابه، قاله مقاتل.
والسادس : أنهم قوم كانوا يعبدون صنما، ومعهم قوم يكتمون إيمانهم، فعلموا بهم، فخدوا لهم أخدودا، وقذفوهم فيه، حكاه الزجاج.
واختلفوا في الذين أحرقوا على خمسة أقوال :
أحدها : أنهم كانوا من الحبشة، قاله علي كرم الله وجهه.
والثاني : من بني إسرائيل، قاله ابن عباس.
والثالث : من أهل اليمن، قاله الحسن. وقال الضحاك : كانوا من نصارى اليمن، وذلك قبل مبعث رسول الله ﷺ بأربعين سنة.
والرابع : من أهل نجران، قاله مجاهد.
والخامس : من النبط، قاله عكرمة.
وفي عددهم ثلاثة أقوال :
أحدها : اثنا عشر ألفا، قاله وهب.
والثاني : سبعون ألفا، قاله ابن السائب.
والثالث : ثمانون رجلا، وتسعة نسوة، قاله مقاتل.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى