قال مقاتل بن سليمان: وذلك أنّ رسول الله ﷺ دخل المسجد الحرام، فإذا أبو جهل يُقَلِّد إلهه الذي يعبده طوقًا مِن ذهب، وقد طيّبه بالمسك، وهو يقول: يا هُبَل، لكلّ شيء سكن، ولكلّ خير جزاء، أما وعِزّتك لَأَسُرَّنَّكَ القابل. وذلك أنه كان وُلد له في تلك السنة ألف من الإبل، وجاءه عِير مِن الشام، فربح عشرة آلاف مثقال مِن الذهب، فجعل ذلك الشكر لهُبل، وهو صنم كان في جوف الكعبة، طوله ثمانية عشر ذراعًا، فقال رسول الله ﷺ: «ويحك، أعطاك إلهك وشكرتَ غيره! أما -واللهِ- إنّ لله فيك نِقمة، فانظر متى تكون. ويحك، يا عمّ، أدعوك إلى الله وحده، فإنه ربّك وربّ آبائك الأولين، وهو خَلقك ورزقك، فإنّ اتبعتني أصبت الدنيا والآخرة». قال له: واللّاتِ والعُزّى وربّ هذه البنية، لئن لم تنته عن مقالتك هذه؛ فإن وجدتُك هاهنا وأنت تعبد غير آلهتنا لأسفعنّك على ناصيتك -يقول: لأُخرجنّك على وجهك-، أليس هؤلاء بناته؟! قال: «وأنى يكون له ولد؟!». فأنزل الله عز وجل: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ والنبي ﷺ يومئذ بالأراك ضُحى
قال مقاتل بن سليمان: ﴿كَلّا﴾ لا يعلم إنْ علّمته، ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ في نِعَم الله عز وجل، يعني: أبا جهل بن هشام، وكان إذا أصاب مالًا أشِر، يعني: بَطر في ثيابه، وفي مراكبه، وفي طعامه وشرابه، فذلك طغيانه، إذا رأى نفسه استغنى وكان مُوسرًا طغى
قال مقاتل بن سليمان: فخوّفه الله الرَّجعة إليه، فقال: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ خوّفه في القيامة في التقديم بعد أن قال: ﴿ورَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾، ثم هدّده فيما بعد بقوله: ﴿كَلّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ [العلق:١٥]، ثم ذكر الناصية فقال: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ [العلق:١٦]
قال مقاتل بن سليمان: ﴿أرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ ذلك أنّ النبي ﷺ فُرضتْ عليه الصلاة بمكة، فقال أبو جهل: لَئِن رأيتُ محمدًا يُصلِّي لَأضربنّ عنقه. فقال الله عز وجل: ﴿أرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾، يعني: النبي ﷺ
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿كَلّا﴾ لا يعلم أنّ الله عز وجل يرى ذلك كلّه، ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ يعني: أبا جهل عن محمد، بالتكذيب والتولي ﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ يقول: لنأخذنّ بالناصية أخذًا شديدًا