قال مقاتل بن سليمان: ﴿فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ إليك في القرآن، ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ يعني: أهواء اليهود ﴿عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ﴾ وهو القرآن
قال مقاتل بن سليمان: ﴿شِرْعَةً﴾ يعني: سنة. ﴿ومِنهاجًا﴾ يعني: طريقًا وسبيلًا، فشريعة أهل التوراة في قتل العمد القصاص ليس لهم عقل ولا دية، والرجم على المحصن والمحصنة إذا زنيا، وشريعة الإنجيل في القتل العمد العفوُ ليس لهم قصاص ولا دية، وشريعتهم فِي الزنا الجلد بلا رجم. وشريعة أمة محمد ﷺ في قتل العمد القصاص والدية والعفو، وشريعتهم فِي الزنا إذا لم يُحصن الجلد، فإذا أُحصن فالرجم
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ﴾ يا أمة محمد ﷺ، وأهل الكتاب ﴿أُمَّةً واحدة﴾ على دين الإسلام وحدها، ﴿ولكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ يعني: يبتليكم ﴿فِي ما آتاكُمْ﴾ يعني: فيما أعطاكم من الكتاب والسنة؛ مَن يُطِع الله عز وجل فيما أمر ونهى، ومَن يعصه
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ يقول: سارعوا في الأعمال الصالحة، يا أمة محمد، فيما ذكر من السبيل والسنة، ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ في الآخرة، أنتم وأهل الكتاب، ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ من الدِّين
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ إليك في الكتاب، يعني: بين اليهود. وذلك أنّ قومًا من رءوس اليهود من أهل النضير اختلفوا، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى محمد، لعلنا نفتِنه ونرده عما هو عليه، فإنّما هو بشر إذن فيستمع. فأتوه، فقالوا له: هل لك أن تحكم لنا على أصحابنا أهل قريظة في أمر الدماء، كما كنا عليه من قبل، فإن فعلت فإنّا نبايعك ونطيعك، وإنّا إذا بايعناك تابعك أهل الكتاب كلهم؛ لأنّا سادتهم وأحبارهم، فنحن نفتنهم ونُزِلهم عما هم عليه حتى يدخلوا في دينك. فأنزل الله عز وجل يُحَذِّر نبيه ﷺ، فقال: ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ يقول: فإن أبَوْا حكمك؛ ﴿فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهُمْ﴾ يعني: أن يعذبهم في الدنيا بالقتل والجلاء من المدينة إلى الشام ﴿ببعض ذنوبهم﴾ يعني: ببعض الدماء التي كانت بينهم من قبل أن يُبعث محمد ﷺ، ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ يعني: رءوس اليهود ﴿لَفاسِقُونَ﴾ يعني: لعاصون حين كرهوا حكمَ النبي ﷺ في أمر الدماء بالحق، فقال كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وكعب بن أسيد للنبي ﷺ: لا نرضى بحكمك
قال مقاتل بن سليمان: قالت بنو قريظة؛ أبو لبابة، وشعبة بن عمرو، ورافع بن حريملة، وشاس بن عمرو للنبي ﷺ: إخواننا بني النضير، كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، ومالك بن الضيف، وغيرهم، أبونا واحد، وديننا واحد، إذا قتل أهل النَّضِير مِنّا قتيلًا أعطونا سبعين وسْقًا من تمر، وإن قتلنا منهم قتيلًا أخذوا منا مائة وأربعين وسْقًا من تمر، وجراحاتنا على أنصاف جراحاتهم، فاقض بيننا وبينهم، يا محمد. فقال رسول الله ﷺ: «إنّ دم القُرَظِيِّ وفاءٌ من دم النضيري، وليس للنضيري على القرظي فضل في الدم، ولا في العقل». قال كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وكعب بن أسيد، وأصحابهم: لا نرضى بقضائك، ولا نطيع أمرك، ولنأخذن بالأمر الأول؛ فإنّك عدونا، وما تَأْلُو أن تَضَعَنا وتَضُرَّنا. وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ يعني: حكمهم الأول، ﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ يقول: فلا أحد أحسن من الله حكمًا ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ وعد الله عز وجل ووعيده
قال مقاتل بن سليمان: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الذي كانوا عليه من الجور من قبل أن يُبعث محمد ﷺ؟! ﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ يقول: فلا أحد أحسن من الله حكمًا ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ بالله عز وجل