قال مقاتل بن سليمان: فانطلقوا حتى وجدوها عند امرأة اسمها: نوريا بنت رام، فاستاموا بها، فقالوا لموسى: إنها لا تباع إلا بملء مَسْكها ذهبًا. قال موسى: لا تظلموا، انطلقوا، اشتروها بما عَزَّ وهان. فاشتروها بملء مَسْكها ذهبًا، فذبحوها، فقالوا لموسى: قد ذبحناها. قال: خذوا منها عضوًا، فاضربوا به القتيل. فضربوا القتيل بفَخِذ البقرة اليمنى، فقام القتيل وأَوْداجه تَشْخَب دمًا، فقال: قتلني فلان وفلان. يعني: ابْنَيْ عمه، ثم وقع ميتًا، فأُخِذا، فقُتِلا، فذلك قوله سبحانه: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها﴾ فاختلفتم في قتلها، فقال أهل هذه القرية الأخرى: أنتم قتلتموه. وقال الآخرون: أنتم قتلتموه. فذلك قوله سبحانه: ﴿والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿كذلك﴾ يقول: هكذا ﴿يحي الله الموتى ويريكم آياته﴾ فكان ذلك من آياته وعجائبه؛ ﴿لعلكم﴾ يقول: لكي ﴿تعقلون﴾ فتعتبروا في البعث. وإنما فعل الله ذلك بهم لأنه كان في بني إسرائيل من يشك في البعث، فأراد الله عز وجل أن يُعْلِمَهم أنه قادر على أن يبعث الموتى، وذلك قوله سبحانه: ﴿لعلكم تعقلون﴾ فتعتبروا في البعث
قال مقاتل بن سليمان:... فقالوا: نحن لم نقتله، ولكن كذب علينا. فلما كذبوا المقتول ضرب الله لهم مثلًا، وذلك قوله سبحانه: ﴿ثم قست قلوبكم﴾ في الشدة فلم تطمئن، يعني: تلين، حتى كذبتم المقتول
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿من بعد ذلك﴾ يعني: من بعد حياة المقتول، ﴿فهي كالحجارة﴾ فشَبَّه قلوبهم حين لم تَلِن بالحجارة في الشدة، ثم عذر الحجارة وعاب قلوبهم، فقال: ﴿فهي كالحجارة﴾ في القسوة، ﴿أو أشد قسوة﴾
قال مقاتل بن سليمان: ثم عذر الحجارة وعاب قلوبهم، فقال: ﴿فهي كالحجارة﴾ في القسوة، ﴿أو أشد قسوة﴾. ثم قال: ﴿وإن من الحجارة﴾ ما هي ألين من قلوبهم، فمنها ﴿لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما﴾ يعني ما ﴿يشقق﴾ يعني: يَتَصَدَّع ﴿فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط﴾ يقول: من بعض الحجارة الذي يهبط من أعلاه، فهؤلاء جميعًا ﴿من خشية الله﴾ يفعلون ذلك، وبنو إسرائيل لا يخشون الله، ولا تَرِقُّ قلوبهم كفعل الحجارة، ولا يُقْبِلُون إلى طاعة ربهم. ثم وعدهم فقال عز وجل: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾ من المعاصي
قال مقاتل بن سليمان: ﴿أفتطمعون﴾ أي: النبي ﷺ وحده ﴿أن يؤمنوا لكم﴾ أن يصدقوا قولك يا محمد، يعني: يهود المدينة، ﴿وقد كان فريق منهم﴾ على عهد موسى عليه السلام ﴿يسمعون كلام الله﴾ وذلك أنّ السبعين الذين اختارهم موسى حين قالوا: أرِنا الله جَهْرَة. فعاقبهم الله عز وجل، وأماتهم عقوبة، وبقي موسى وحده يبكي، فلما أحياهم الله سبحانه قالوا: قد علمنا الآن أنك لم ترَ ربك، ولكن سمعت صوته؛ فأَسْمِعْنا صوته. قال موسى: أمّا هذا فعسى. قال موسى: يا ربِّ، إنّ عبادك هؤلاء بني إسرائيل يحبون أن يسمعوا كلامك. فقال: مَن أحبَّ منهم أن يسمع كلامي فليعتزل النساء ثلاثة أيام، وليغتسل يوم الثالث، وليلبس ثيابًا جددًا، ثم ليأتي الجبل، فأُسْمِعُه كلامي. ففعلوا ذلك، ثم انطلقوا مع موسى إلى الجبل، فقال لهم موسى: إذا رأيتم السحابة قد غشيت، ورأيتم فيها نورًا، وسمعتم فيها صوتًا، فاسجدوا لربكم، وانظروا ما يأمركم به، فافعلوا. قالوا: نعم. فصعد موسى عليه السلام الجبل، فجاءت الغمامة، فحالت بينهم وبين موسى، ورأوا النورَ، وسمعوا صوتًا كصوت الصُّور -وهو البُوق-، فسجدوا، وسمعوه وهو يقول: إني أنّا ربكم، لا إله إلا أنا، الحي القيوم، وأنا الذي أخرجتكم من أرض مصر بيد رقيقة وذراع شديد؛ فلا تعبدوا إلهًا غيري، ولا تشركوا بي شيئًا، ولا تجعلوا لي شبهًا، فإنكم لن تروني، ولكن تسمعون كلامي. فلَمّا أن سمعوا الكلام ذهبت أرواحُهم مِن هَوْل ما سمعوا، ثم أفاقوا وهم سجود. فقالوا لموسى عليه السلام: إنّا لا نُطيق أن نسمع كلام ربنا، فكن بيننا وبين ربنا، فليقل لك، وقل أنت لنا. قال موسى: يا ربِّ، إنّ بني إسرائيل لم يطيقوا أن يسمعوا كلامك؛ فقل لي، وأقل لهم. قال الله عز وجل: نِعْمَ ما رأوا. فجعل الله عز وجل يأمر موسى، ثم يخبرهم موسى، ويقولون: سمعنا ربَّنا، وأطعنا. فلما فرغ من أمره ونهيه ارتفعت السحابة، وذهب الصوت، فرفع القوم رءوسهم، ورجعوا إلى قومهم. قيل لهم: ماذا أمركم به ربكم ونهاكم عنه؟ فقال بعضهم: أمرنا بكذا وكذا، ونهانا عن كذا وكذا. وقال آخرون: وأَتْبَعَ في آخر قوله: إن لم تستطيعوا ترك ما نهاكم عنه فافعلوا ما تستطيعون. فذلك قوله سبحانه: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم﴾ يعني: طائفة من بني إسرائيل ﴿يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه﴾