علَّق ابنُ عطية (٦/٥٢) على قول ابن عباس من طريق علي، ومجاهد، وقتادة، وابن جريج، بقوله: «وهذا قول حسن، وكأن السَّمِيِّ بمعنى: المُسامِي والمُضاهِي؛ فهو مِن السّمو، وهذا القول يحسن في هذه الآية، ولا يحسن فيما تقدم في ذكر يحيى عليه السلام»
لم يذكر ابنُ جرير (٢٤/٥٩٢-٥٩٣) غير قول وكيع، وقتادة، وابن عباس أنّ القارعة: هي القيامة. وقد ذكر ذلك ابنُ عطية (٨/٦٧٧)، وزاد قولًا آخر، فقال: «وقال قوم من المتأوّلين: القارعة: صيحة النفخة في الصور؛ لأنها تَقرع الأسماع، وفي ضمن ذلك القلوب»
ذكر ابنُ عطية (١/٥٨٣) أنّ قول ابن زيد في معنى قول ابن عباس وابن جبير ومَن قال بقولهم، ولكنَّه شذَّ في تسمية العقد بالمواعدة، وانتَقَدَه مستندًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «وذلك قَلِقٌ؛ لأنّ العقد متى وقع وإنّ تُكُتِّم به فإنّما هو في عزم العُقْدَة». وبيَّن أن مكِّيًّا حكى عنه أنه قال: الآية منسوخة بقوله: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح﴾
قال ابنُ عطية (٢/٤٦٦): «قال: ﴿ما﴾، ولم يقل:«مَن»؛ لأنّه لم يُرِد تعيينَ مَن يعقل، وإنما أراد النوعَ الذي هو الطيِّبُ مِن جهة التَّحْلِيل، فكأنه قال: فانكحوا الطيبَ». وبنحوه قال ابنُ جرير (٦/٣٧٠)، وكذا ابن تيمية (٢/١٩٧). وذكر ابنُ عطيِّةَ أنّ بعض الناس حكى أنّ ﴿ما﴾ في هذه الآية ظرفية، أي: ما دُمْتُم تَسْتَحْسِنُون النكاحَ. وانتَقَدَهُ بقوله: «وفي هذا المنزع ضعفٌ»
ذكر ابنُ عطية (٥/٤١) أنّ القول بأنّ يوسف قد رأى كواكب حقيقةً والشمس والقمر، فتأوَّلها يعقوب إخوته وأبويه؛ هو قول الجمهور، وانتقد هذا القول الذي قاله قتادة، والضحاك، وسفيان، وابن زيد، والسدي، وابن جريج بقوله: «وهذا ضعيف». وبيَّن أنّ ابن جرير ترجم بهذا القول، ثم أدخل عن قتادة والضحاك وغيرهما كلامًا مُحْتَمِلًا أن يكون كما ترجم، وأن يكون مثل قول الناس
وجَّه ابنُ عطية (٥/٦٠٢) قول مجاهد بقوله: «كأنه ذهب بها إلى موضع الرِّفاقة، ومنه الرفقة، وهذا كله راجع إلى الرِّفق». وانتقده ابنُ جرير (١٥/٢٥٣) مستندًا إلى اللغة، فقال: «ولست أعرف الارتفاق بمعنى الاجتماع في كلام العرب، وإنما الارتفاق: افتعال؛ إما من المَرفِق، وإما من الرِّفْق». وعلَّق ابن عطية (٥/٦٠٢) على انتقاد ابن جرير بقوله: «والقول بيّن الوَجه»
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قول الله: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنها الأَذَلَّ﴾، قال: كان المنافقون يُسمّون المهاجرين: الجلابيب. وقال: قال ابن أُبيّ: قد أمرتُكم في هؤلاء الجلابيب أمري. قال: هذا بين أمَجَ وعُسْفانَ على الكَدِيدِ، تنازعوا على الماء، وكان المهاجرون قد غَلبوا على الماء. قال: وقال ابن أُبيّ أيضًا: أما -واللهِ- لَئِن رَجَعنا إلى المدينة ليُخرِجنّ الأَعزّ منها الأَذلّ، لقد قلتُ لكم: لا تُنفِقوا عليهم، لو تركتموهم ما وجدوا ما يأكلون، ويَخرجوا ويَهربوا. فأتى عمرُ بن الخطاب إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، ألا تسمع ما يقول ابن أُبيّ؟ قال: «وما ذاك؟». فأَخبَره، وقال: دَعني أضرب عُنُقه، يا رسول الله. قال: «إذًا تَرعَد له أنُفٌ كثيرة بيَثرب». قال عمر: فإن كرهتَ -يا رسول الله- أن يقتله رجل من المهاجرين؛ فمُر به سعد بن معاذ، ومحمد بن مَسْلمة فيقتلانه. فقال رسول الله ﷺ: «إني أكره أن يتحدّث الناس أنّ محمدًا يقتل أصحابه، ادعوا لي عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ». فدعاه، فقال: «ألا ترى ما يقول أبوك؟». قال: وما يقول، بأبي أنت وأمي؟ قال: «يقول: لئن رَجَعنا إلى المدينة ليُخرِجنّ الأَعزّ منها الأَذلّ». فقال: فقد صدَق -واللهِ- يا رسول الله، أنتَ -واللهِ- الأَعزّ وهو الأَذلّ، أما -والله- لقد قدمتَ المدينة -يا رسول الله- وإنّ أهل يثرب ليَعلمون ما بها أحد أبرّ مني، ولئن كان يُرضي الله ورسوله أنْ آتيهما برأسه لآتينّهما به. فقال رسول الله ﷺ: «لا». فلما قدموا المدينة قام عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ على بابها بالسيف لأبيه، ثم قال: أنت القائل: لئن رَجَعنا إلى المدينة ليُخرِجنّ الأَعزّ منها الأَذلّ؟! أما -واللهِ- لتعرفنّ العزّة لك أو لرسول الله، والله، لا يأويكَ ظِلّه، ولا تأويه أبدًا إلا بإذنٍ من الله ورسوله. فقال: يا للخَزْرَج، ابني يمنعني بيتي! يا للخَزْرَج، ابني يمنعني بيتي! فقال: واللهِ، لا تَأويه أبدًا إلا بإذنٍ منه. فاجتمع إليه رجال، فكلّموه، فقال: واللهِ، لا يَدخله إلا بإذنٍ من الله ورسوله. فأتَوا النبيَّ ﷺ، فأَخبَروه، فقال: «اذهبوا إليه، فقولوا له: خلِّه ومسكنَه». فأتَوه، فقال: أما إذ جاء أمر النبي ﷺ فنَعم
اختلف في المراد بمدخل الصدق، والمراد بمُخرج الصدق على أقوال: الأول: أنّ مدخل الصدق: دخوله إلى المدينة حين هاجر إليها. ومخرج صدق: مخرجه من مكة حين هاجر منها. الثاني: أدخلني مدخل صدق إلى الجنة، وأخرجني مخرج صدق من مكة إلى المدينة. الثالث: أدخلني مدخل صدق فيما أرسلتني به من النبوة، وأخرجني منه مخرج صدق. الرابع: أدخلني في الإسلام مدخل صدق، وأخرجني منه مخرج صدق. الخامس: أدخلني مكة آمنًا، وأخرجني منها آمنًا. السادس: أمتني إماتة صدق، وأخرجني من قبري يوم القيامة مخرج صدق. ورجَّح ابنُ جرير (١٥/٥٧-٥٨) مستندًا إلى السياق القول الأول الذي قاله ابن عباس من طريق أبي ظبيان، والحسن من طريق عوف، وقتادة من طريق شيبان، وابن زيد، فقال: «لأن ذلك عقيب قوله: ﴿وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا﴾، وقد دللنا فيما مضى على أنه عنى بذلك: أهل مكة، فإذ كان ذلك عقيب خبر الله عما كان المشركون أرادوا من استفزازهم رسول الله ﷺ ليخرجوه عن مكة، كان بيِّنًا إذ كان الله قد أخرجه منها أنّ قوله: ﴿وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق﴾ أمرٌ منه له بالرغبة إليه في أن يخرجه من البلدة التي همَّ المشركون بإخراجه منها، وأخرجه الله منها مخرج صدق، وأن يدخله البلدة التي نقله الله إليها مدخل صدق». وكذا رجَّحه ابنُ كثير (٩/٦٨)، ولم يذكر مستندًا، وذكر أنه أشهر الأقوال. ورجَّح ابنُ عطية (٥/٥٣٠ ط: دار الكتب العلمية بتصرف) العموم، فقال: «ظاهر هذه الآية والأحسن فيها: أن يكون دعاء في أن يحسّن الله حالته في كل ما يتناول من الأمور، ويحاول من الأسفار والأعمال، وينتظر من تصرف المقادير في الموت والحياة، فهي على أتمِّ عموم، معناها: رَبِّ، أصلح لي وِرْدي في كل الأمور وصدري». ثم ساق الأقوال، ثم قال: «وما قدمت من العموم التام الذي يتناول هذا كله أصوب». وعلَّق على القول الأول بقوله: «وتقدم في هذا التأويل المتأخر في الموضوع، فإنه متقدم في القول؛ لأن الإخراج من مكة هو المتقدم، اللهم، إنّ مكان الدخول والفرار هو الأهم». وظاهر كلام ابن القيم (٢/١٥٠) أنّه نحا إلى العموم أيضًا حيث إنّه ذكر أن ما جاء في القول الأول يخرج مخرج المثال، ثم علَّق بقوله: «فإن هذا المدخل والمخرج من أجلِّ مداخله ومخارجه ﷺ، وإلا فمداخله كلها مداخل صدق، ومخارجه مخارج صدق؛ إذ هي لله، وبالله، وبأمره، ولابتغاء مرضاته»
اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ على أربعة أقوال: الأول: أنها الملائكة التي تُفرّق بين الحق والباطل. والثاني: أنها الرُّسُل الذين يُفرّقون بين الحلال والحرام. والثالث: أنها الرياح. والرابع: أنّ المقصود: القرآن. وذَهَبَ ابنُ جرير (٢٣/٥٨٨) إلى العموم، فقال: «الصواب من القول في ذلك أن يقال: أقسم ربُّنا -جلّ ثناؤه- بالفارقات، وهي الفاصِلات بين الحق والباطل، ولم يخْصُص بذلك منهنَّ بعضًا دون بعض، فذلك قَسَمٌ بكل فارقةٍ بين الحق والباطل؛ مَلكًا كان أو قرآنًا أو غير ذلك». وذَهَبَ ابنُ كثير (١٤/٢٢١) إلى القول الأول، فقال: «قوله تعالى: ﴿فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا﴾، يعني: الملائكة. قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومسروق، ومجاهد، وقتادة، والربيع بن أنس، والسُّدِّيّ، والثوري، ولا خلاف هاهنا؛ فإنها تَنزل بأمر الله على الرُّسُل تُفرّق بين الحق والباطل، والهُدى والغي، والحلال والحرام، وتُلقي إلى الرسل وحيًا فيه إعذار إلى الخَلْق، وإنذار لهم عقاب الله إنْ خالفوا أمره». ولم يذكر مستندًا. وذكر ابنُ القيم (٣/٢٤٥) أنّ أكثر المفسرين على أنها الملائكة؛ ويدل عليه عطف المُلْقيات ذكرًا عليها بالفاء، وهي الملائكة بالاتفاق، وعلى هذا فيكون القَسم بالملائكة التي تَنشُر أجنحتها عند النزول، ففَرّقتْ بين الحق والباطل، فأَلقَت الذِّكر على الرسل إعذارًا وإنذارًا. ثم انتقد القول الثالث لدلالة السياق، فقال: «ومَن جعل النّاشِرات الرياح جعل الفارقات صفة لها، وقال: هي تُفرّق السحاب ههنا وههنا، ولكن يأبى ذلك عطف المُلْقِيات بالفاء عليها». وعلق على القول الثاني بقوله: «ومَن قال: هي جماعات الرُّسُل، فإنْ أراد الرُّسُل من الملائكة فظاهر، وإنْ أراد الرُّسُل من البشر فقد تقدم بيان ضعف هذا القول». وعلق على القول الرابع بقوله: «مَن قال: الفارقات: أي: القرآن يُفرّق بين الحق والباطل، فقوله يلتئم مع كون النّاشِرات الملائكة أكثر من التئامه إذا قيل: إنها الرياح». وقال ابنُ القيم (٣/٢٤٥): «ويظهر -والله أعلم بما أراد من كلامه- أنّ القَسم في هذه الآية وقع على النوعين؛ الرياح والملائكة، ووجه المناسبة: أنّ حياة الأرض والنبات وأبدان الحيوان بالرياح فإنها من روح الله، وقد جعلها الله تعالى نشورًا، وحياة القلوب والأرواح بالملائكة، فبهَذيْن النوعين يحصل نوعا الحياة، ولهذا -والله أعلم- فَصل أحد النوعين من الآخر بالواو، وجعل ما هو تابع لكل نوع بعده بالفاء»
ذَهَبَ ابن جرير (٢/٥٠٦-٥٠٨ بتصرف) إلى أنّ الكلمات التي ابتُلي بها إبراهيم عليه السلام تشمل جميع ما ذُكِرَ؛ لدلالةِ سيرةِ إبراهيم عليه السلام، وشهادةِ أقوالِ السّلفِ بذلك، ولم يَرِد دليلٌ قاطع بتعيين شيء منها بعينه دون شيء، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا أن يُقال: إنّ الله عز وجل أخبر عباده أنّه اختبر إبراهيم خليله بكلمات أوحاهُنَّ إليه، وأمره أن يعمل بهن فأتمهن، وجائزٌ أن تكون تلك الكلمات جميعَ ما ذكره من ذكرنا قوله في تأويل الكلمات، وجائز أن تكون بعضه؛ لأن إبراهيم -صلوات الله عليه- قد كان امْتُحِنَ فيما بَلَغَنا بكل ذلك، فعَمِل به، وقام فيه بطاعة الله وأَمْرِه الواجب عليه فيه، وإذ كان ذلك كذلك فغيرُ جائز لأحد أن يقول: عنى الله بالكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم شيئًا من ذلك بعينه دون شيء، ولا عنى به كل ذلك، إلا بحجة يجب التسليم لها؛ من خبر عن الرسول ﷺ، أو إجماع من الحجة، ولم يصح في شيء من ذلك خبر عن الرسول بنقل الواحد، ولا بنقل الجماعة التي يجب التسليم لِما نقلته». ثم جوَّز ابنُ جرير (٢/٥٠٨) قولَ مَن قال: إنّ الله عز وجل ابتلى إبراهيم عليه السلام بقوله: ﴿إني جاعلك للناس إمامًا﴾، وبمناسك الحج. لدلالة النّظائر القرآنيّة، فقال: «ولو قال قائل في ذلك: إنّ الذي قاله مجاهد، وأبو صالح، والربيع بن أنس أوْلى بالصواب من القول الذي قاله غيرهم؛ كان مذهبًا؛ لأن قوله: ﴿إني جاعلك للناس إماما﴾، وقوله: ﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين﴾ وسائر الآيات التي هي نظير ذلك كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلي بهن إبراهيم». وذَهَبَ ابنُ كثير (٢/٥٥) إلى ما ذهب إليه ابن جرير من ترجيح العموم، واسْتَدْرَكَ عليه ترجيحَه قول مجاهد ومَن وافقه؛ لمخالفته السياق، فقال: «الذي قاله أوَّلًا مِن أنّ الكلمات تشمل جميع ما ذُكِرَ أقوى مِن هذا الذي جوَّزه من قول مجاهد ومَن قال مثله؛ لأنّ السياق يعطي غير ما قالوه»