محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٧ من سورة المنافقون في ٩٨ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٢١ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٧ من سورة المنافقون

٩٨ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿هُمُ الّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىَ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللّهِ حَتّىَ يَنفَضّواْ وَلِلّهِ خَزَآئِنُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلََكِنّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره هُمُ الّذِينَ يَقُولُونَ يعني الذين يقولون لأصحابهم لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْد رَسُولِ اللّهِ من أصحابه المهاجرين حتى يَنْفَضّوا يقول : حتى يتفرّقوا عنه.
وقوله : ولِلّهِ خَزَائِنُ السّمَوَاتِ والأْرضِ يقول : ولله جميع ما في السموات والأرض من شيء وبيده مفاتيح خزائن ذلك، لا يقدر أحد أن يعطي أحدا شيئا إلا بمشيته وَلَكِنّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ أن ذلك كذلك، فلذلك يقولون : لا تنفقوا على من عند رسول الله ﷺ حتى ينفضّوا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : هُمُ الّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا على مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ حتى يَنْفَضّوا قال : لا تطعموا محمد وأصحابه حتى تصيبهم مجاعة، فيتركوا نبيهم.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة هُمُ الّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا على مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ حتى يَنْفَضّوا قرأها إلى آخر الآية، وهذا قول عبد الله بن أُبي لأصحابه المنافقين لا تنفقوا على محمد وأصحابه حتى يَدَعوه، فإنكم لولا أنكم تنفقون عليهم لتركوه وَأجلوا عنه.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة هُمُ الّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا على مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ حتى يَنْفَضّوا إن عبد الله بن أُبي ابن سلول قال لأصحابه، لا تنفقوا على من عند رسول الله، فأنكم لو لم تنفقوا عليهم قد انفضوا.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ حتى يَنْفَضّوا يعني الرّفد والمعونة، وليس يعني الزكاة المفروضة والذين قالوا هذا هم المنافقون.
حدثنا الربيع بن سليمان، قال : حدثنا أسد بن موسى، قال : حدثنا يحيى بن أبي زائدة، قال : حدثنا الأعمش عن عمرو بن مُرّة، عن عبد الرحمن بن أبي لَيلى، عن زيد بن أرقم، قال : لما قال ابن أُبي ما قال، أخبرت النبيّ ﷺ، فجاء فحلف، فجعل الناس يقولون لي تأتي رسول الله ﷺ بالكذب ؟ حتى جلستُ في البيت مخافة إذا رأوني قالوا : هذا الذي يكذب، حتى أُنزل : هُمُ الّذِينَ يَقُولُونَ.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال له قومه: لو أتيت النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فاستغفر لك، فجعل يلوي رأسه، فنزلت فيه (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦)﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: سواء يا محمد على هؤلاء المنافقين الذين قيل لهم تعالوا يستغفر لكم ر سول الله (أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ) ذنوبهم (أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) يقول: لن يصفح الله لهم عن ذنوبهم، بل يعاقبهم عليها (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) يقول: إن الله لا يوفِّق للإيمان القوم الكاذبين عليه، الكافرين به، الخارجين عن طاعته.
وقد حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) قال: نزلت هذه الآية بعد الآية التي في سورة التوبة (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) [التوبة: ٨] فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "زيادة على سبعين مرّة، فأنزل الله (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧)﴾
يقول تعالى ذكره (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ) يعني المنافقين الذين يقولون لأصحابهم (لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ) من أصحابه المهاجرين (حَتَّى يَنْفَضُّوا) يقول: حتى يتفرّقوا عنه.
وقوله: (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) يقول: ولله جميع ما في السموات والأرض من شيء وبيده مفاتيح خزائن ذلك، لا يقدر أحد أن يعطي أحدًا شيئًا إلا بمشيئته (وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ) أن ذلك كذلك، فلذلك يقولون: لا تنفقوا على من عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى ينفضوا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا) قال: لا تطعموا محمدًا وأصحابه حتى تصيبهم مجاعة، فيتركوا نبيهم.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا) قرأها إلى آخر الآية، وهذا قول عبد الله بن أُبي لأصحابه المنافقين لا تنفقوا على محمد وأصحابه حتى يدعوه، فإنكم لولا أنكم تنفقون عليهم لتركوه وَأجَلوا عنه.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا) إن عبد الله بن أُبيّ ابن سلول قال لأصحابه، لا تنفقوا على من عند رسول الله، فأنكم لو لم تنفقوا عليهم قد انفضوا.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا) يعني الرَّفد والمعونة، وليس يعني الزكاة المفروضة؛ والذين قالوا هذا هم المنافقون.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
فِي غَايَةِ الضَّعْفِ وَالْخَوَرِ وَالْهَلَعِ وَالْجَزَعِ وَالْجُبْنِ، ولهذا قال تعالى: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ أَيْ كُلَّمَا وَقَعَ أَمْرٌ أَوْ كَائِنَةٌ أَوْ خَوْفٌ يَعْتَقِدُونَ لِجُبْنِهِمْ أَنَّهُ نَازِلٌ بِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً [الْأَحْزَابِ: ١٩] فَهُمْ جَهَامَاتٌ «١» وَصُوَرٌ بِلَا مَعَانِي، وَلِهَذَا قَالَ تعالى:
هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ أَيْ كَيْفَ يُصرَفُونَ عَنِ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالِ.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٢» : حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُدَامَةَ الْجُمَحِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بن بكير بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ لِلْمُنَافِقِينَ عَلَامَاتٍ يُعْرَفُونَ بِهَا: تَحِيَّتُهُمْ لَعْنَةٌ وَطَعَامُهُمْ نُهْبَةٌ وَغَنِيمَتُهُمْ غُلُولٌ وَلَا يَقَرَبُونَ الْمَسَاجِدَ إِلَّا هَجْرًا، وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا دَبْرًا، مُسْتَكْبِرِينَ لَا يَأْلَفُونَ وَلَا يُؤْلَفُونَ، خُشُبٌ بِاللَّيْلِ صخب بالنهار» وقال يزيد بن مرة: سخب بالنهار.

[سورة المنافقون (٦٣) : الآيات ٥ الى ٨]

وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُنَافِقِينَ عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ أَنَّهُمْ وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ أَيْ صَدُّوا وَأَعْرَضُوا عَمَّا قِيلَ لَهُمُ اسْتِكْبَارًا عَنْ ذَلِكَ وَاحْتِقَارًا لِمَا قِيلَ لَهُمْ، وَلِهَذَا قال تعالى: وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ثُمَّ جَازَاهُمْ عَلَى ذلك فقال تعالى:
سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ وَإِيرَادُ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ هُنَالِكَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ قال ابن أبي عمر: وحوّل سُفْيَانُ وَجْهَهُ عَلَى يَمِينِهِ وَنَظَرَ بِعَيْنِهِ شَزْرًا ثم قال: هو هَذَا.
وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّ هَذَا السِّيَاقَ كُلَّهُ نَزَلَ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ كَمَا سَنُورِدُهُ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.
وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ «٣» : وَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة، يعني مرجعه
(١) الجهام: السحاب الذي لا ماء فيه، وهنا بمعنى الذي لا خير فيه.
(٢) المسند ٢/ ٢٩٣.
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٥.
مِنْ أُحُدٍ، وَكَانَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ كَمَا حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ لَهُ مقام يقومه كل جمعة، لا ينكر شوفا لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَمِنْ قَوْمِهِ، وَكَانَ فِيهِمْ شَرِيفًا، إِذَا جَلَسَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ قَامَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، أَكْرَمَكُمُ اللَّهُ بِهِ وَأَعَزَّكُمْ بِهِ فَانْصُرُوهُ وَعَزِّرُوهُ وَاسْمَعُوا لَهُ وأطيعوا، ثم يجلس حَتَّى إِذَا صَنَعَ يَوْمَ أُحُدٍ مَا صَنَعَ، يَعْنِي مَرْجِعَهُ بِثُلُثِ الْجَيْشِ وَرَجَعَ النَّاسُ، قَامَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ، فَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ بِثِيَابِهِ مِنْ نَوَاحِيهِ وَقَالُوا: اجْلِسْ، أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ لَسْتَ لِذَلِكَ بِأَهْلٍ وَقَدْ صَنَعْتَ مَا صَنَعْتَ، فَخَرَجَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَكَأَنَّمَا قُلْتُ بَجْرًا أَنْ قُمْتُ أُشَدِّدُ أَمْرَهُ، فَلَقِيَهُ رِجَالٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِبَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا: وَيْلَكَ مَا لَكَ؟ قَالَ: قُمْتُ أُشَدِّدُ أَمْرَهُ فَوَثَبَ عَلَيَّ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَجْذِبُونَنِي وَيُعَنِّفُونَنِي، لَكَأَنَّمَا قُلْتُ بَجْرًا أَنْ قُمْتُ أُشَدِّدُ أَمْرَهُ.
قَالُوا: وَيْلَكَ ارْجِعْ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَبْتَغِي أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي.
وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَذَلِكَ أَنَّ غُلَامًا مِنْ قَرَابَتِهِ انْطَلَقَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَدَّثَهُ بِحَدِيثٍ عَنْهُ وَأَمْرٍ شَدِيدٍ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هُوَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ وَيَتَبَرَّأُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَقْبَلَتِ الْأَنْصَارُ عَلَى ذَلِكَ الْغُلَامِ فَلَامُوهُ وعَذَمُوهُ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مَا تَسْمَعُونَ، وَقِيلَ لِعَدُوِّ اللَّهِ: لَوْ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يَلْوِي رَأْسَهُ، أَيْ لَسْتُ فَاعِلًا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنِ سَعِيدِ بْنُ جُبَيْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم كان إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا لَمْ يَرْتَحِلْ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ، فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ بَلَغَهُ أَنَّ عبد الله بن أبي ابن سَلُولٍ قَالَ: لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فَارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ آخِرَ النَّهَارِ، وَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: ائْتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَسْتَغْفِرَ لَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ- إِلَى قَوْلِهِ- وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَقَوْلُهُ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، فَإِنَّ عَبْدَ الله بن أبي ابن سَلُولٍ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ خَرَجَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، بَلْ رَجَعَ بِطَائِفَةٍ مِنَ الْجَيْشِ، وَإِنَّمَا الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِ الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ أَنَّ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ، وَهِيَ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ.
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ فِي قِصَّةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقِيمٌ هُنَاكَ اقْتَتَلَ عَلَى الْمَاءِ جَهْجَاهُ بْنُ سَعِيدٍ الْغِفَارِيُّ، وَكَانَ أَجِيرًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَسِنَانُ بْنُ وَبْرٍ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ:
فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ قَالَ: ازْدَحَمَا عَلَى الْمَاءِ فَاقْتَتَلَا، فَقَالَ سِنَانٌ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَقَالَ الْجَهْجَاهُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَنَفَرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَلَمَّا سَمِعَهَا قَالَ: قَدْ ثَاوَرُونَا فِي بِلَادِنَا، وَاللَّهِ مَا مَثَلُنَا وَجَلَابِيبُ قُرَيْشٍ هَذِهِ إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، ثُمَّ أَقْبَلُ
عَلَى مَنْ عِنْدَهُ مِنْ قَوْمِهِ وَقَالَ: هَذَا مَا صَنَعْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ، أَحْلَلْتُمُوهُمْ بِلَادَكُمْ، وَقَاسَمْتُمُوهُمْ أَمْوَالَكُمْ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ كَفَفْتُمْ عَنْهُمْ لَتَحَوَّلُوا عَنْكُمْ من بِلَادِكُمْ إِلَى غَيْرِهَا، فَسَمِعَهَا زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ رضي الله عنه فَذَهَبَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: وهو غليم عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْ عَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ فَلْيَضْرِبْ عنقه، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فَكَيْفَ إِذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ يَا عُمَرُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ، لَا، وَلَكِنْ نَادِ يَا عمر الرَّحِيلِ» فَلَمَّا بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، وَحَلَفَ بِاللَّهِ مَا قَالَ، مَا قَالَ عَلَيْهِ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَكَانَ عِنْدَ قَوْمِهِ بِمَكَانٍ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَسَى أَنْ يَكُونَ هَذَا الْغُلَامُ أَوْهَمَ وَلَمْ يُثْبِتْ مَا قَالَ الرَّجُلُ.
وَرَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُهَجِّرًا فِي سَاعَةٍ كَانَ لَا يَرُوحُ فِيهَا، فلقيه أسيد بن الحضير رضي الله عنه فَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِتَحِيَّةِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ رُحْتَ فِي سَاعَةٍ مُنْكَرَةٍ مَا كُنْتَ تَرُوحُ فِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا بَلَغَكَ مَا قَالَ صَاحِبُكَ ابْنُ أُبَيٍّ؟ زَعَمَ أَنَّهُ إِذَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ سَيُخْرِجُ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ» قَالَ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الْعَزِيزُ وَهُوَ الذَّلِيلُ. ثُمَّ قَالَ: ارفق به يا رسول الله، فو الله لَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِكَ وَإِنَّا لَنَنْظِمُ لَهُ الخرز لنتوّجه، فإنه ليرى أن قد سلبته مُلْكًا، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ حتى أمسوا وليلته حَتَّى أَصْبَحُوا، وَصَدَرَ يَوْمَهُ حَتَّى اشْتَدَّ الضُّحَى ثُمَّ نَزَلَ بِالنَّاسِ لِيَشْغَلَهُمْ عَمَّا كَانَ مِنَ الْحَدِيثِ، فَلَمْ يَأْمَنِ النَّاسُ أَنْ وَجَدُوا مَسَّ الْأَرْضِ فَنَامُوا وَنَزَلَتْ سُورَةُ الْمُنَافِقِينَ «١».
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حدثنا عمر بْنُ دِينَارٍ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ «٢» رَجُلٌ مِنَ المهاجرين رجلا من الأنصار:
فقال الأنصاري: يا للأنصار! وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟ دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ».
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن أبي ابن سَلُولٍ: وَقَدْ فَعَلُوهَا، وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، قَالَ جَابِرٌ: وَكَانَ الْأَنْصَارُ بِالْمَدِينَةِ أَكْثَرَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حِينَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ كَثُرَ الْمُهَاجِرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» «٣» وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْحُمَيْدِيِّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرِهِ عن سفيان به نحوه.
(١) انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٠، ٢٩٢.
(٢) كسع: ضرب.
(٣) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٦٣، باب ٥، وأحمد في المسند ٣/ ٣٩٢، ٣٩٣.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ:
فَحَلَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَلَامَنِي قَوْمِي وَقَالُوا: مَا أَرَدْتَ إِلَى هَذَا؟ قَالَ: فَانْطَلَقْتُ فَنِمْتُ كَئِيبًا حَزِينًا، قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَى نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ عُذْرَكَ وَصَدَّقَكَ» قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا- حَتَّى بَلَغَ- لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ «٢» وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنْ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ عَنْ شُعْبَةَ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَمْرٍو عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عِنْدَهَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ.
[طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ زَيْدٍ] قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٣» رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدم ويحيى بن أبي بكير قالا: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي بُكَيْرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عَمِّي فِي غَزَاةٍ فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبي ابن سَلُولٍ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي فَذَكَرَهُ عَمِّي لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدَّثْتُهُ، فأرسل إلى عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه فحلفوا بالله مَا قَالُوا، فَكَذَّبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَدَّقَهُ فَأَصَابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ، وَجَلَسْتُ فِي الْبَيْتِ فَقَالَ عَمِّي: مَا أَرَدْتَ إِلَّا أَنْ كَذَّبَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَقَتَكَ! قَالَ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قَالَ: فَبَعَثَ إلى رسول الله ﷺ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ».
ثُمَّ قَالَ أَحْمَدُ «٤» أَيْضًا: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سَفَرٍ فَأَصَابَ النَّاسَ شِدَّةٌ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لِأَصْحَابِهِ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ، وَقَالَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَسَأَلَهُ، فَاجْتَهَدَ يَمِينَهُ مَا فَعَلَ فَقَالُوا: كَذَبَ زَيْدٌ يا رسول الله، فوقع في نفسي مما قالوا فأنزل اللَّهُ تَصْدِيقِي إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قَالَ وَدَعَاهُمْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَسْتَغْفِرَ لهم فلووا رؤوسهم.
(١) المسند ٤/ ٣٦٨، ٣٦٩.
(٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٦٣، باب ٧، والترمذي في تفسير سورة ٦٣، باب ٣.
(٣) المسند ٤/ ٣٧٣.
(٤) المسند ٤/ ٣٧٣.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ قَالَ كَانُوا رِجَالًا أَجْمَلَ شَيْءٍ «١»، وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ زُهَيْرٍ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعِيِّ الْهَمْدَانِيِّ الْكُوفِيِّ عَنْ زَيْدٍ بِهِ.
[طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ زَيْدٍ] قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ «٢» : حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عن السدي عن أبي سعيد الْأَزْدِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ مَعَنَا أُنَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ، فَكُنَّا نبتدر الماء وكان الأعراب يسبقوننا إليه فسبق أعرابي أصحابه ليملأ الْحَوْضَ وَيَجْعَلُ حَوْلَهُ حِجَارَةً وَيَجْعَلُ النَّطْعَ عَلَيْهِ حَتَّى يَجِيءَ أَصْحَابُهُ، قَالَ: فَأَتَى رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ الْأَعْرَابِيَّ فَأَرْخَى زِمَامَ نَاقَتِهِ لِتَشْرَبَ، فَأَبَى أَنْ يَدَعَهُ فَانْتَزَعَ حَجَرًا فَفَاضَ الْمَاءُ، فَرَفَعَ الأعرابي خشبته فَضَرَبَ بِهَا رَأْسَ الْأَنْصَارِيِّ فَشَجَّهُ، فَأَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ فَأَخْبَرَهُ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ثُمَّ قَالَ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ، يَعْنِي الْأَعْرَابَ، وَكَانُوا يَحْضُرُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الطَّعَامِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَصْحَابِهِ: إِذَا انْفَضُّوا مِنْ عِنْدِ مُحَمَّدٍ فَائْتُوا محمدا بالطعام فليأكل هو ومن معه، ثم قال لأصحابه: لئن رَجَعْتُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيُخْرِجِ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ.
قال زيد وأنا ردف عمي، قال فسمعت عبد الله بن أبي يقول ما قال، فَأَخْبَرْتُ عَمِّي فَانْطَلَقَ فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَلَفَ وَجَحَدَ، قَالَ فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم وكذبني، قال فَجَاءَ إِلَيَّ عَمِّي فَقَالَ مَا أَرَدْتَ إِلَّا أَنَّ مَقَتَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم وكذبك والمسلمون، قال فَوَقَعَ عَلَيَّ مِنَ الْغَمِّ مَا لَمْ يَقَعْ على أحد قط، قال فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، وَقَدْ خَفَقْتُ بِرَأْسِي مِنَ الْهَمِّ، إِذْ أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَكَ أُذُنِي وَضَحِكَ فِي وَجْهِي، فَمَا كَانَ يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا الْخُلْدَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَحِقَنِي وَقَالَ: مَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
قُلْتُ: مَا قال شيئا إلا أنه عَرَكَ أُذُنِي وَضَحِكَ فِي وَجْهِي، فَقَالَ: أَبْشِرْ ثُمَّ لَحِقَنِي عُمَرُ فَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ قَوْلِي لِأَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا أَنْ أَصْبَحْنَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَةَ الْمُنَافِقِينَ.
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى بِهِ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ سُورَةُ الْمُنَافِقِينَ إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ- حَتَّى بَلَغَ- هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا
- حَتَّى بَلَغَ- لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ.
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأُسُودِ عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي الْمَغَازِي، وَكَذَا ذَكَرَ
(١) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٦٣، باب ١، ٢، ٣، ومسلم في المنافقين حديث ١.
(٢) كتاب التفسير، تفسير سورة ٦٣، باب ١. [.....]
مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي مَغَازِيهِ أَيْضًا هَذِهِ الْقِصَّةَ بِهَذَا السِّيَاقِ، وَلَكِنْ جَعَلَا الَّذِي بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَامُ عبد الله بن أبي ابن سَلُولٍ إِنَّمَا هُوَ أَوْسُ بْنُ أَرْقَمَ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَلَعَلَّهُ مُبَلِّغٌ آخَرُ أَوْ تَصْحِيفٌ مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عزيز الأيلي، حدثني سَلَامَةُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَعَمْرَو بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا غَزْوَةَ الْمُرَيْسِيعِ، وَهِيَ الَّتِي هَدَمَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا مَنَاةَ الطَّاغِيَةَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ قَفَا الْمُشَلَّلِ وَبَيْنَ الْبَحْرِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَكَسَرَ مَنَاةَ، فَاقْتَتَلَ رَجُلَانِ فِي غَزْوَةِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْآخَرُ مَنْ بَهْزٍ، وَهُمْ حُلَفَاءُ الْأَنْصَارِ، فَاسْتَعْلَى الرَّجُلُ الَّذِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى الْبَهْزِيِّ فَقَالَ الْبَهْزِيُّ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، فَنَصَرَهُ رِجَالٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، فَنَصَرَهُ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى كَانَ بَيْنَ أُولَئِكَ الرِّجَالِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالرِّجَالِ مِنَ الْأَنْصَارِ شَيْءٌ مِنَ الْقِتَالِ، ثُمَّ حُجِزَ بَيْنَهُمْ فَانْكَفَأَ كُلُّ مُنَافِقٍ أَوْ رَجُلٍ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ فَقَالَ: قَدْ كُنْتَ تُرْجَى وَتَدْفَعُ فَأَصْبَحْتَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، قَدْ تَنَاصَرَتْ عَلَيْنَا الْجَلَابِيبُ وَكَانُوا يَدْعُونَ كُلَّ حَدِيثِ هِجْرَةٍ الْجَلَابِيبَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَدُوُّ اللَّهِ: والله لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ.
قَالَ مَالِكُ بْنُ الدَّخْشُمِ وَكَانَ من المنافقين: ألم أَقُلْ لَكُمْ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا، فَسَمِعَ بِذَلِكَ عُمَرُ بن الخطاب فأقبل يمشي حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي قَدْ أَفْتَنَ النَّاسَ أَضْرِبْ عُنُقَهُ، يُرِيدُ عُمَرُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ: «أَوَ قَاتِلُهُ أَنْتَ إِنْ أَمَرْتُكَ بِقَتْلِهِ؟» قَالَ عُمَرُ: نَعَمْ وَاللَّهِ لَئِنْ أَمَرْتَنِي بِقَتْلِهِ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اجْلِسْ» فَأَقْبَلَ أُسَيْدُ بْنُ حضير وَهُوَ أَحَدُ الْأَنْصَارِ ثُمَّ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي قَدْ أَفْتَنَ الناس أَضْرِبَ عُنُقُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَ قَاتِلُهُ أَنْتَ إِنْ أَمَرْتُكَ بِقَتْلِهِ؟» قَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ لَئِنْ أَمَرْتَنِي بِقَتْلِهِ لَأَضْرِبَنَّ بِالسَّيْفِ تَحْتَ قُرْطِ أُذُنَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اجْلِسْ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «آذِنُوا بِالرَّحِيلِ» فَهَجَّرَ بِالنَّاسِ فَسَارَ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ وَالْغَدَ حَتَّى مَتَعَ النَّهَارُ، ثُمَّ نَزَلَ ثُمَّ هَجَّرَ بِالنَّاسِ مثلها حتى صبح بِالْمَدِينَةِ فِي ثَلَاثٍ سَارَهَا مِنْ قَفَا الْمُشَلَّلِ.
فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ أَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ فَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيْ عُمَرُ أَكُنْتَ قَاتِلَهُ لَوْ أَمَرْتُكَ بِقَتْلِهِ؟» قَالَ عُمَرُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللَّهِ لَوْ قَتَلْتَهُ يَوْمَئِذٍ لَأَرْغَمْتَ أُنُوفَ رِجَالٍ لَوْ أَمَرْتُهُمُ الْيَوْمَ بِقَتْلِهِ امْتَثَلُوهُ، فَيَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنِّي قَدْ وَقَعْتُ عَلَى أَصْحَابِي فَأَقْتُلُهُمْ صَبْرًا» وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ٧-٨ } ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
وهذا من شدة عداوتهم للنبي ﷺ، والمسلمين، لما رأوا اجتماع أصحابه وائتلافهم، ومسارعتهم في مرضاة الرسول ﷺ، قالوا بزعمهم الفاسد :
﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ فإنهم - بزعمهم - لولا أموال المنافقين ونفقاتهم عليهم، لما اجتمعوا في نصرة دين الله، وهذا من أعجب العجب، أن يدعى هؤلاء المنافقون الذين هم أحرص الناس على خذلان الدين، وأذية المسلمين، مثل هذه الدعوى، التي لا تروج إلا على من لا علم له بحقائق الأمور(١)  ولهذا قال الله ردًا لقولهم :﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فيؤتي الرزق من يشاء، ويمنعه من يشاء، وييسر الأسباب لمن يشاء، ويعسرها على من يشاء، ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ فلذلك قالوا تلك المقالة، التي مضمونها أن خزائن الرزق في أيديهم، وتحت مشيئتهم.
١ - في ب: بالحقائق..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٧-٨} ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾.
وهذا من شدة عداوتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، والمسلمين، لما رأوا اجتماع أصحابه وائتلافهم، ومسارعتهم في مرضاة الرسول صلى الله عليه وسلم، قالوا بزعمهم الفاسد:
﴿لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ فإنهم - بزعمهم - لولا أموال المنافقين ونفقاتهم عليهم، لما اجتمعوا في نصرة دين الله، وهذا من أعجب العجب، أن يدعى هؤلاء المنافقون الذين هم أحرص الناس على خذلان الدين، وأذية المسلمين، مثل هذه الدعوى، التي لا تروج إلا على من لا علم له بحقائق الأمور (١) ولهذا قال الله ردًا لقولهم: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ فيؤتي الرزق من يشاء، ويمنعه من يشاء، وييسر الأسباب لمن يشاء، ويعسرها على من يشاء، ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ فلذلك قالوا تلك المقالة، التي مضمونها أن خزائن الرزق في أيديهم، وتحت مشيئتهم.
﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ﴾ وذلك في غزوة المريسيع، حين صار بين بعض المهاجرين والأنصار، بعض كلام كدر الخواطر، ظهر حينئذ نفاق المنافقين، وأظهروا ما في نفوسهم (٢).
وقال كبيرهم، عبد الله بن أبي بن سلول: ما مثلنا ومثل هؤلاء -يعني المهاجرين- إلا كما قال القائل: " غذ كلبك يأكلك " (٣)
وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ﴾ بزعمه أنه هو وإخوانه من المنافقين الأعزون، وأن رسول الله ومن معه (٤) هم الأذلون، والأمر بعكس ما قال هذا المنافق، فلهذا قال [تعالى:] ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فهم الأعزاء، والمنافقون وإخوانهم من الكفار [هم] الأذلاء. ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [ذلك] فلذلك زعموا أنهم الأعزاء، اغترارًا بما هم عليه من الباطل، ثم قال تعالى:
(١) في ب: بالحقائق.
(٢) في ب: وتبين ما في قلوبهم.
(٣) في ب: سمن كلبك.
(٤) في ب: ومن اتبعه.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩٨ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني تفسير النسائي — النسائي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني — أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
يَنفَضُّوا
يَتَفَرَّقُوا عَنْهُ.

إعراب الآية ٧ من سورة المنافقون

من كتاب: إعراب القرآن

وخشب مثل حمار وحمر أيضا فقد سمع أكمة وأكم وأكم وأجمة وأجم. فأما خشب فقد يجوز أن يكون الأصل فيه خشبا حذفت الضمة لثقلها، ويجوز وهو أجود أن يكون مثل أسد وأسد في المذكر. قال سيبويه ومثل خشبة وخشب بدنة وبدن ومثل مذكّرة وثن ووثن قال: وهي قراءة، وأحسب من تأول على سيبويه، وهي قراءة يعني «كأنّهم خشب» لأن قوله: وهي قراءة تضعيف لها ولكنه يريد فيما يقال: «إن تدعون من دونه إلّا وثنا» فهذه قراءة شاذة تروى عن ابن عباس يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ أي لجبنهم وقلة يقينهم وإنهم يبطنون الكفر كلما نزل الوحي فزعوا أن يكونوا قد فضحوا. هُمُ الْعَدُوُّ لأن ألسنتهم معكم وقلوبهم مع الكفار فهم عين لهم وعدو بمعنى أعداء. فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أي عاقبهم فأهلكهم فصاروا بمنزلة من قتل. أَنَّى يُؤْفَكُونَ أي من أين يصرفون عن الحق بعد ظهور البراهين.

[سورة المنافقون (٦٣) : آية ٥]

وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ هذا على إعمال الفعل الثاني كما تقول:
أقبل يكلمك زيد فإن أعملت الأول قلت أقبل يكلمك إلى زيد، وتعالوا يستغفر لكم إلى رسول الله لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ يكون للقليل ولوّوا على التكثير. وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ في موضع الحال. وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ أي معرضون عن المصير إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ليستغفر لهم.

[سورة المنافقون (٦٣) : آية ٦]

سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦)
سَواءٌ عَلَيْهِمْ رفع بالابتداء: أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ في موضع الخبر، والمعنى الاستغفار وتركه. لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ لأنهم كفار وإنّما استغفر لهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأن ظاهرهم الإسلام فمعنى استغفاره لهم اللهم اغفر لهم إن كانوا مؤمنين إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ قيل: أي لا يوفّقهم، وقيل: لا يهديهم إلى الثواب والجنّة.

[سورة المنافقون (٦٣) : آية ٧]

هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧)
يَنْفَضُّوا أي يتفرقوا. قال قتادة: الذي قال هذا عبد الله بن أبيّ، قال: لولا أنكم تنفقون عليهم لتركوه وخلّوا عنه. قال أبو الحسن علي بن سليمان: «هم» كناية عنهم وعن من قال بقوله. قال أبو جعفر: وهذا أحسن من قوله من قال «هم» كناية عن واحد. وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي بيده مفاتيح خزائن السماوات والأرض فلا
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٧ من سورة المنافقون

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

[قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآية] [٧].
أخبرنا عبد الرحمن بن عَبْدَان، حدَّثنا محمد بن عبد الله بن محمد الحافظ، حدَّثنا أبو العباس محمد بن أحمد المَحْبُوبِيُّ، حدَّثنا سعيد بن مسعود، حدَّثنا عُبيد الله بن موسى، حدَّثنا إسرائيل، عن أبي سعيد الأزْدِي، عن زيد بن أرقَمَ، قال:
غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان معنا ناسٌ من الأعراب، وكنا نبتدر الماء، وكان الأعراب يسبقونا، فيسبق الأعرابي أصحابه فيملأ الحوض [ويجعل حوله الحجارة]، ويجعل النِّطْعَ عليه حتى يجيءَ أصحابه. فأتى رجل من الأنصار فأرخى زمام ناقته لتشرب، فأبى أنْ يدعَه الأعرابي [فانتزع حجراً ففاض الماء، فرفع الأعرابي] خشبة فضرب بها رأس الأنصاري فشَجَّه، فأتى الأنصاري عبدَ الله بن أبيّ، رأسَ المنافقين، فأخبره - وكان من أصحابه - فغضب عبد الله بن أبيّ ثم قال: لا تنفقوا على مَنْ عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله - يعني الأعراب - ثم قال لأصحابه: إذا رجعتم إلى المدينة فليخرج الأعزُّ منها الأذلَّ. قال زيد بن أرقم: وأنا رِدف عَمِّي، فسمعت عبد الله فأخبرت [عمي فانطلق فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه] رسول الله صلى الله عليه وسلم، [فحلف وجحد واعتذر، فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم] وكذبني، فجاء إِليَّ عَمِّي فقال: ما أردت [إلا] أن مَقَتَكَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وكذَّبك المسلمون. فوقع عليَّ من الغم مالم يقع على أحد قط؛ فبينا أنا أسيرُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذْ أتاني فَعَرَك أذني، وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الدنيا. فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ﴾ حتى بلغ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنْفَضُّوا﴾ حتى بلغ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾.
وقال أهل التفسير وأصحاب السير: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بني الْمصْطَلقِ، فنزل على ماء من مياههم يقال له: المُرَيْسيع، فوردت وَارِدَةُ الناس ومع عمر بن الخطاب أجيرٌ [له] من بني غِفَار يقال له: جَهْجَاه بن سعيد، يقود فرسه، فازدحم جهجاهٌ وسِنَانٌ الْجهني. حليف بني عوف من الخَزْرَج، على الماء فاقتتلا، فصرخ الجُهني: يا معشر الأنصار، وصرخ الغِفِارِيّ: يا معشر المهاجرين [فأعان جَهْجَاهاً رجلٌ من المهاجرين يقال له: جُعَال؛ وكان فقيراً. فقال له عبد الله بن أبيّ: وإنك لهنَاكَ! فقال: وما يمنعني أن أفعل ذلك؟! واشتد لسان جعال علَى عبد الله. فقال عبد الله: والذي يُحلَفُ به لأَذَرَنَّك، ويَهُمُّك غير هذا [شيء؟]. وغضب عبد الله، فقال: والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل: سَمِّنْ كَلْبَك يأْكُلْك، إنا والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، يعني بالأعز نفسه، وبالأذل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم. ثم أقبل على من حضره من قومه، فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحْلَلْتموهم بلادَكم، وقاسَمْتُموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عن جُعال وذَوِيه فَضْلَ الطعام، لم يركبوا رقابَكم، ولأَوْشَكُوا أن يتحولوا عن بلادكم؛ فلا تُنفقوا عليهم حتى يَنْفَضُّوا من حول محمد.
قال زيد بن أرقم - وكان حاضراً ويسمع ذلك، فقال: أنت والله الذليل القليل المبغَّض في قومك، ومحمد في عزٍّ من الرحمن، ومودةٍ من المسلمين؛ والله لا أُحبُّك بعد كلامك هذا.
فقال عبد الله: اسكت، فإنما كنت ألعبُ فمشى زيد بن أرْقَمَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره الخبر، وعنده عمرُ بن الخطاب. فقال: دعني أضرب عنقه يا رسول الله. فقال: إذن ترْعَدُ له أُنُفٌ كبيرة بيَثْرِبَ. فقال عمر: فإن كرهت يا رسول الله أن يقتله رجل من المهاجرين، فمُرْ سعدَ بن عُبادَةَ أو محمدَ بن مسْلَمةَ، أو عُبادة بن بشر - فليقتلوه. فقال: إِذن يتحدثُ الناس أن محمداً يقتل أصحابه.
وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبيّ فأتاه، فقال له: أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني؟ فقال عبد الله: والذي أنزل عليك الكتابَ ما قلتُ شيئاً من هذا قطُّ، وإن زيداً لكاذبٌ.
وكان عبد الله في قومه شريفاً عظيماً؛ فقالَ من حضر من الأنصار: يا رسول الله، شيخُنا وكبيرُنا، لا تُصدِّق عليه كلامَ غلام من غلمان الأنصار عسى أن يكون وهِمَ في حديثه فلم يَحفظْ. فعذره رسول الله.
وفشت الملامةُ في الأنصار لزيد وكذّبوه، وقال له عمه: ما أردتَ إلا أن كذَّبك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ومَقَتُوك. فاستحيىَ زيد بعد ذلك أن يَدْنُوَ من النبي صلى الله عليه وسلم. فلما ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم لَقيَه أُسَيْد بن حُضَير، فقال له: أوَ مَا بلغك ما قال صاحبكم عبدُ الله بن أبيّ؟ قال: وما قال: زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليُخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. قال أُسَيد: فأنت يا رسول الله - والله تُخرجنّهُ إن شئتَ، هو والله الذليلُ، وأنت العزيزُ. ثم قال: يا رسول الله ارِفق به، فوالله لقد جاء الله بك وإن قومه لينظمون له الخَرَزَ ليُتَوِّجُوه؛ وإنه ليرى أنك سلبتَه مُلْكاً.
وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ ما كان من أمر أبيه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أُبيّ لمَا بلغك عنه؛ فإن كنتَ فاعلاً فمرني به، فأنا أحملُ إليك رأسَه! فوالله لقد علمت الخَزْرَجُ ما بها رجلٌ أَبَرَّ بوالدَيْه مني، وأنا أخشى أن تأمر به غيري فيقتلَه فلا تَدَعني نفسي أنظرُ إلى قاتل عبد الله بن أُبي يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل مؤمناً بكافر، فأدخل النار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل نُحسنُ صُحْبتَه ما بقي معنا].
[ولما وافى رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، قال زيد بن أرقم: جلست في البيت لما بي من الهم والحياء، فأنزل الله تعالى سورة المنافقين في تصديقي وتكذيبِ عبد الله فلما نزلتْ أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذُنِ زيد، فقال: يا زيد، إن الله تعالى صدَّقَك وأَوْفَى بأُذُنِكَ وكان عبد الله بن أبي بِقُرْب المدينة، فلما أراد أن يدخلها جاء ابنه عبد الله بن عبد الله حتى أناخ على مجامع طرق المدينة]. فلما أن جاء عبدُ الله بن أُبيّ، قال ابنه: ورَاءك! قال: مالك ويلك؟! قال: لا والله لا تدخلُها أبداً إلا بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولْتعلم اليومَ مَن الأعزُّ مِن الأذَل؟ فشكا عبدُ الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع ابنه، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن خَلِّ عنه حتى يدخل، فقال: أمَا إِذْ جاء أمرُ النبي صلى الله عليه وسلم فنعمْ، فدخل.
فلما نزلت هذه السورة، وبان كَذِبُه - قيل له: يا أبا حُبابٍ، إنه قد نزلت فيك آيٌ شِدَادٌ، فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفرَ لك فَلَوَّى رأسهَ فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ الآية.

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢١ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

نزول الآيتين

١٠ أقوال
١
عن زيد بن أرْقَم -من طريق أبي حمزة- قال: لما قال عبد الله بن أُبيّ ما قال: لا تُنفِقوا على مَن عند رسول الله حتى يَنفَضّوا. وقال: لئن رَجَعنا إلى المدينة ليُخرِجنّ الأَعزّ منها الأَذلّ. سمعتُه، فأتيتُ النَّبِيّ ﷺ، فذكرتُ ذلك له، فلامني ناس من الأنصار، وجاءهم يَحلِف ما قال ذلك، فرجعتُ إلى المنزل، فنِمتُ، فأتاني رسول الله ﷺ، فقال: «إنّ الله صدّقك، وعذرك». فنَزلت هذه الآية: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ الآيتين١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند ٣٢‏/‏٥١ (١٩٢٩٧)، ومن طريقه الطبراني في الكبير ٥‏/‏١٧٧ (٥٠٠٣). رجال إسناده ثقات، رجال الشيخين، سوى أبي حمزة طلحة بن يزيد الأيلي فمن رجال البخاري، وقال عنه ابن حجر في التقريب (٣٠٣٨): «وثّقه النسائي».
٢
عن زيد بن أرْقَم -من طريق ابن أبي ليلى- قال: لما قال ابن أُبيّ ما قال أتيتُ النَّبِيَّ ﷺ، فأَخبَرتُه، فجاء، فحَلف ما قال، فجعل ناس يقولون: جاء رسول الله ﷺ بالكذب. حتى جلستُ في البيت مخافة إذا رَأوني قالوا: هذا الذي يَكذب. حتى أنزل الله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ٥‏/‏١٦٩ (٤٩٧٩)، وابن مردويه -كما في تغليق التعليق لابن حجر ٤‏/‏٣٤١-٣٤٢-، وابن جرير ٢٢‏/‏٦٦٠-٦٦١. وعلقه البخاري ٦‏/‏١٥٣ بصيغة الجزم.
٣
عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: كان بين غلام من الأنصار وغلام من بني غِفار في الطريق كلام، فقال عبد الله بن أُبيّ: هنيئًا لكم بلَوْسٍ١ هنيئًا، جَمعتم سُرّاق الحجيج من مُزَينة وجُهَينة، فغلبوكم على ثماركم! لئن رَجَعنا إلى المدينة ليُخرِجنّ الأَعزّ منها الأَذلّ٢
التخريج
  1. ١واللَّوَس: تتبع الإنسان الحلاوات وغيرها ليأكلها، واللَّوْس: الأكل القليل. التاج (لوس).
  2. ٢عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٤
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق الحكم-: أنّ عبد الله بن أُبيّ بن سَلول كان له ابن يُقال له: حُباب، فسمّاه رسول الله ﷺ: عبد الله، فقال: يا رسول الله، إنّ والدي يؤذي الله ورسوله؛ فذَرْني حتى أقتله. فقال له رسول الله ﷺ: «لا تقتل أباك». ثم جاءه أيضًا، فقال له: يا رسول الله، إنّ والدي يؤذي الله ورسوله؛ فذَرْني حتى أقتله. فقال له رسول الله ﷺ: «لا تقتل أباك». ثم جاءه أيضًا، فقال: يا رسول الله، إنّ والدي يؤذي الله ورسوله؛ فذَرْني أقتله. فقال له رسول الله ﷺ: «لا تقتل أباك». فقال: يا رسول الله، فذَرْني حتى أسقيه مِن وضُوئك؛ لعلّ قلبه أن يَلين. فتوضأ رسول الله ﷺ، وأعطاه، فذهب به إلى أبيه، فسقاه، ثم قال له: هل تدري ما سقيتُك؟ قال له والده: نعم، سَقيتني بول أمك. فقال له ابنه: لا، واللهِ، ولكن سقيتُك وضُوء رسول الله ﷺ. قال عكرمة: وكان عبد الله بن أُبيّ عظيم الشأن فيهم، وفيه أُنزِلت هذه الآية في المنافقين: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾، وهو الذي قال: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنها الأَذَلَّ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد بن حميد -كما في الفتح ٨‏/‏٦٤٨-، والحديث عند ابن جرير ٢٢‏/‏٦٦٢-٦٦٣، وعبد الرزاق (٦٦٢٧). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر. قال الحافظ في الفتح ٨‏/‏٦٥٠: «مرسل عن عكرمة».
٥
عن الحسن البصري -من طريق معمر-: أنّ غلامًا جاء إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، إني سمعتُ عبد الله بن أُبيّ يقول كذا وكذا. قال: «فلعلّكَ غَضِبتَ عليه». قال: لا، واللهِ، يا نبي الله، لقد سمعتُه يقوله. قال: «فلعلّكَ أخطأ سمعكَ». قال: لا، واللهِ، يا نبي الله، لقد سمعتُه يقوله. قال: «فلعلّه شُبّه عليكَ». قال: لا، والله. قال: فأنزل الله تصديقًا للغلام: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنها الأَذَلَّ﴾. فأخذ النبي ﷺ بأُذُن الغلام، فقال: «وفتْ أُذُنك، وفتْ أُذُنك، يا غلام»١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٩٤، وابن جرير ٢٢‏/‏٦٦٥ مرسلًا.
٦
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- قال: اقتتل رجلان؛ أحدهما من جُهَينة، والآخر من غِفار، وكانت جُهَينة حليف الأنصار، فظهر عليه الغِفاري، فقال رجلٌ منهم عظيم النّفاق: عليكم صاحبكم، عليكم صاحبكم، فواللهِ، ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمِّن كلبك يَأكلك، أما -واللهِ- لئن رَجَعنا إلى المدينة لَيُخرِجنّ الأَعزّ منها الأَذلّ. وهم في سفر، فجاء رجلٌ مِمّن سمعه إلى النبي ﷺ، فأَخبَره ذلك، فقال عمر: مُر معاذًا يضرب عُنُقه. فقال: «واللهِ، لا يتحدّث الناس أنّ محمدًا يقتل أصحابه». فنَزلت فيهم: ﴿همُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٩٣، وابن جرير ٢٢‏/‏٦٦٤-٦٦٥.
٧
قال محمد بن السّائِب الكلبي: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ أنها نزلت في عبد الله بن أُبيّ بن سَلول رأس المنافقين أنه قال لقوم كانوا يُنفِقون على بعض مَن كان مع رسول الله ﷺ: لا تُنفِقوا عليهم؛ حتى يَنفَضُّوا عنه١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤‏/‏٣٩٥-.
٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿همُ الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ يعني: عبد الله بن أُبيّ ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ وذلك أنّ النبي ﷺ لما رجع غانمًا من غَزاة بني لِحْيانَ -وهم حيّ من هُذيل- هاجتْ ريح شديدة ليلًا، وضلّتْ ناقة رسول الله ﷺ، فلمّا أصبحوا قالوا للنبي ﷺ: ما هذه الريح؟ قال: «موت رجل مِن رؤوس المنافقين تُوفّي بالمدينة». قالوا: مَن هو؟ قال: «رفاعة بن التابوه». فقال رجل منافق: كيف يزعم محمد أنّه يعلم الغيب ولا يعلم مكان ناقته؟! أفلا يخبره الذي يأتيه بالغيب بمكان ناقته! فقال له رجل: اسكت، فواللهِ، لو أنّ محمدًا يعلم بهذا الزّعم لأُنزل عليه فينا. ثم قام المنافق، فأتى النبيَّ ﷺ، فوجده يحدِّث أصحابه: «أنّ رجلًا من المنافقين شَمتَ بي بأن ضلّتْ ناقتي، قال: كيف يزعم محمد أنه يعلم الغيب؟! أفلا يخبره الذي يأتيه بالغيب بمكان ناقته! لعَمري، لقد كذب، ما أزعم أني أعلم الغيب، ولا أعلمه، ولكن الله تعالى أخبَرني بقوله، وبمكان ناقتي، وهي في الشِّعب، وقد تعلّق زمامها بشجرة». فخرجوا من عنده يَسعَون قِبل الشِّعب، فإذا هي كما قال النبي ﷺ، فجاؤوا بها، والمنافق ينظر، فصدق مكانه، ثم رجع إلى أصحابه، فقال: أُذَكِّركم الله، هل قام أحد منكم من مجلسه؟ أو ذكر حديثي هذا إلى أحد؟. قالوا: لا. قال: أشهد أنّ محمدًا رسول الله، واللهِ، لكأني لم أُسلم إلا يومى هذا. قالوا: وما ذاك؟ قال: وجدتُ النبي ﷺ يُحَدِّث الناس بحديثي الذي ذكرتُ لكم، وأنا أشهد أنّ الله أطلَعه عليه، وأنه لصادق. فسار حتى دنا من المدينة، فتحاور رجلان؛ أحدهما عامريّ، والآخر جُهَنيّ، فأعان عبد الله بن أُبيّ المنافق الجُهَنيّ، وأعان جُعال بن عبد الله بن سعيد العامريّ، وكان جُعال فقيرًا، فقال عبد الله لجعال: وإنك لهناك. فقال: وما يمنعني أنْ أفعل ذلك! فاشتدّ لسان جُعال على عبد الله، فقال عبد الله: مثلي ومثلك كما قال الأول: سمِّن كلبك يَأكلك، والذي يَحلِف به عبد الله، لأَذرَنّك ولهمك غير هذا. قال جُعال: ليس ذلك بيدك، وإنما الرّزق بيد الله تعالى. فرجع عبد الله غضبان، فقال لأصحابه: والله، لو كنتم تَمنعون جُعالًا وأصحابَ جُعال الطعامَ الذي من أجله رَكبوا رِقابكم لأوشكوا أن يَذَروا محمدًا ﷺ، ويَلحَقوا بعشائرهم ومواليهم، لا تُنفِقوا عليهم حتى يَنفَضُّوا -يعني: حتى يَتفرّقوا- من حول محمد ﷺ. ثم قال: لو أنّ جُعالًا أتى محمدًا ﷺ فأَخبَره لصدّقه، وزعم أني ظالم، ولعَمري، إني ظالم إذ جِئنا بمحمد من مكة وقد طرده قومه، فواسيناه بأنفسنا، وجعلناه على رِقابنا، أما -والله- لئن رَجَعنا إلى المدينة ليُخرِجنّ الأَعزّ منها الأَذلّ، ولنَجعلنّ علينا رجلًا مِنّا. يعني: نفسه، يعني بالأَعزّ: نفسه وأصحابه، ويعني بالأَذلّ: النبي ﷺ وأصحابه، فقال زيد بن أرْقَم الأنصاريّ -وهو غلام شاب-: أنتَ -واللهِ- الذليل القصير المُبغَض في قومك، ومحمد ﷺ في عِزٍّ من الرحمن، ومودة من المسلمين، واللهِ، لا أُحبّك بعد هذا الكلام أبدًا. فقال عبد الله: إنما كنتُ ألعب معك. فقام زيد، فأَخبَر النبيَّ ﷺ، فشقّ عليه قول عبد الله بن أُبيّ، وفشا في الناس أنّ النبي ﷺ غَضِب على عبد الله لخبر زيد، فأَرسَل النبيُّ ﷺ إلى عبد الله، فأتاه ومعه رجال من الأنصار يَرفُدونه١ ويَكذِبون عنه. فقال له النبي ﷺ: «أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني عنك؟». قال عبد الله: والذي أنزل عليك الكتاب، ما قلتُ شيئًا من ذلك قطّ، وإنّ زيدًا لَكاذب، وما عملتُ عملًا قطُّ أرجى في نفسي أن يُدخلني اللهُ به الجنةَ مِن غَزاتي هذه معك. وصدّقه الأنصار، وقالوا: يا رسول الله، شيخنا وسيّدنا لا يُصدَّق عليه قول غلام من غلمان الأنصار مشى بكذبٍ ونميمة! فعذَره النبيُّ ﷺ، وفشَت الملامة لزيد في الأنصار، وقالوا: كذَب زيد، وكذّبه النبي ﷺ. وكان زيد يُسايِر النبي ﷺ في المسِير قبل ذلك، فاستحى بعد ذلك أن يَدنُوَ مِن النبي ﷺ، فأنزل الله تعالى تصديق زيد وتكذيب عبد الله، فقال: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا ولِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأَرْضِ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنها الأَذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾. فانطلَق النبي ﷺ يسير ويتخلّل على ناقته حتى أدرك زيدًا، فأخذ بأُذُنه، فَفَركها حتى احمرّ وجهه، فقال لزيد: «أبْشِر؛ فإنّ الله تعالى قد عذَرك، ووقى سمعك، وصدّقك». وقرأ عليه الآيتين وعلى الناس، فعرفوا صِدْق زيد، وكَذِبَ عبد الله٢
التخريج
  1. ١من الرِّفْد: وهو الإعانة. النهاية (رفد).
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٣٣٨-٣٤١.
٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جُبَير- قال: نزلت هذه الآيةُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ في عَسِيفٍ١ لعمر بن الخطاب٢
التخريج
  1. ١العسيف: الأجير. النهاية (عسف).
  2. ٢أخرجه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة ١٠‏/‏٩٥ (٩٢) من طريق ابن مردويه. رجال إسناده ثقات، رجال الشيخين، سوى المثنى بن معاذ العنبري فمِن رجال مسلم، والراوي عنه ابنه معاذ بن المثنى، قال الخطيب في تاريخ بغداد ١٣‏/‏١٣٦: «كان ثقة». والراوي عنه أحمد بن محمد بن زياد، وهو أبو سهل القطان شيخ ابن مردويه، قال الذهبي في المعين في طبقات المحدثين (١٢٥٧): «شيخ».
١٠
عن جابر بن عبد الله -من طريق عمرو بن دينار- قال: كُنّا مع النبيِّ ﷺ في غَزاة -قال سفيان: يرون أنها غزوة بني المُصْطَلِق- فكَسَعَ رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار١، فقال المهاجري: يا للمهاجرين. وقال الأنصاريّ: يا للأنصار. فسمع ذلك النبى ﷺ فقال: «ما بال دعوى الجاهلية؟». قالوا: رجل من المهاجرين كَسَع رجلًا من الأنصار. فقال النبيُّ ﷺ: «دَعُوها؛ فإنها مُنتِنة». فسمع ذلك عبد الله بن أُبيّ فقال: أوَقد فعلوها؟! واللهِ، لئن رَجَعنا إلى المدينة ليُخرِجنّ الأَعزّ منها الأَذلّ. فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ، فقام عمر، فقال: يا رسول الله، دعني أضرب عُنُق هذا المنافق. فقال النبي ﷺ: «دَعْه، لا يتحدّث الناسُ أنّ محمدًا يقتل أصحابه». زاد الترمذي: فقال له ابنه عبد الله: واللهِ، لا تَنقلب حتى تُقرّ أنك الذليل، ورسول الله ﷺ العزيز. ففعل٢
التخريج
  1. ١كسع: ضرب دبره بيده. النهاية (كسع).
  2. ٢أخرجه البخاري ٤‏/‏١٨٣-١٨٤، ٦‏/‏١٥٤ (٤٩٠٥)، ٦‏/‏١٥٤-١٥٥ (٤٩٠٧)، ومسلم ٤‏/‏١٩٩٨ (٢٥٨٤)، والترمذي ٥‏/‏٥٠٧-٥٠٨ (٣٦٠٢)، وابن جرير ٢٢‏/‏٦٦٣.

تفسير الآيتين

٤ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية- في قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾، يقول: لا تُطعموا محمدًا وأصحابه حتى تُصيبهم مجاعة فيَتركوا نبيّهم. وفي قوله: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنها الأَذَلَّ﴾، قال: قال ذلك عبد الله بن أُبيّ رأس المنافقين، وأناس معه من المنافقين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٦٦٢. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٢
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾: يعني: الرِّفد والمعونة، وليس يعني: الزَّكاة المفروضة؛ والذين قالوا هذا هم المنافقون١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٦٦٠.
٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾، قال: إنّ عبد الله بن أُبيّ قال لأصحابه: لا تُنفِقوا على مَن عند رسول الله؛ فإنكم لو لم تُنفِقوا عليهم قد انفَضُّوا. وفي قوله: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنها الأَذَلَّ﴾ قال: قد قالها منافقٌ عظيم النّفاق في رجلين اقتتلا؛ أحدهما غِفاريّ، والآخر جُهَني، فظهر الغِفاريّ على الجُهنيّ، وكان بين جُهَينة وبين الأنصار حِلفٌ، فقال رجل من المنافقين، وهو عبد الله بن أُبيّ: يا بني الأَوْس والخَزْرج، عليكم صاحبكم وحليفكم. ثم قال: واللهِ، ما مثَلنا ومَثَل محمد إلا كما قال القائل: سمِّن كلبك يأكلك، واللهِ، لئن رَجَعنا إلى المدينة ليُخرِجنّ الأَعزّ منها الأَذلّ. فسعى بها بعضهم إلى نبي الله ﷺ، فقال عمر: يا نبي الله، مُرْ معاذًا أن يضرب عُنُق هذا المنافق. فقال: «لا يتحدّث الناس أنّ محمدًا يقتل أصحابه». وذُكر لنا: أنه أُكثر على رجلين من المنافقين عنده، فقال: «هل يُصلّي؟». فقال: نعم، ولا خير في صلاته. قال: «نُهيتُ عن المُصلِّين، نُهيتُ عن المُصلِّين، نُهيتُ عن المُصلِّين»١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٩٣، وابن جرير ٢٢‏/‏٦٦٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿هُمُ﴾ يعني: عبد الله ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا ولِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأَرْضِ﴾ يعني: مفاتيح الرزق والمطر والنبات، ﴿ولكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ الخير. ثم قال -يعني: عبد الله-: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنها الأَذَلَّ﴾ يعني: الأمنع منها الأَذلّ، ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فهؤلاء أعزّ من المنافقين، ﴿ولكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٣٣٨-٣٤١.

آثار متعلقة بقصة الآية

٦ أقوال
١
عن عكرمة، قال: لَمّا حضر عبدَ الله بن أُبيّ الموتُ؛ قال ابنُ عباس: فدخل عليه رسول الله ﷺ، فجرى بينهما كلام، فقال له عبد الله بن أُبيّ: قد أفقه ما تقول، ولكن مُنّ عليَّ اليوم وكفِّني بقميصك هذا، وصلِّ عليَّ. قال ابن عباس: فكفّنه رسول الله ﷺ بقميصه، وصلّى عليه، والله أعلم أيّ صلاة كانت، وإنّ محمدًا ﷺ لم يَخدع إنسانًا قط، غير أنه قال يوم الحُدَيبية كلمة حسنة. فسُئِل عكرمة: ما هذه الكلمة؟ قال: قالت له قريش: يا أبا حُباب، إنّا قد مَنعنا محمدًا طواف هذا البيت، ولكنا نأذن لك. فقال: لا، لي في رسول الله أسوة حسنة. قال: فلما بلغوا المدينة أخذ ابنه السيف، ثم قال لوالده: أنت تزعم لئن رَجَعنا إلى المدينة ليُخرِجنّ الأَعزّ منها الأَذلّ! واللهِ، لا تَدخلها حتى يَأذن لك رسول الله ﷺ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢
عن محمد بن سيرين: أنّ رسول الله ﷺ كان مُعسكِرًا، وأنّ رجلًا من قريش كان بينه وبين رجل من الأنصار كلام، حتى اشتدّ الأمر بينهما، فبلغ ذلك عبد الله بن أُبيّ، فخرج فنادى: غَلبني على قومي مَن لا قوم له. فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فأخذ سيفه، ثم خرج عامدًا ليضربه، فذكر هذه الآية: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١]، فرجع حتى دخل على النبيِّ ﷺ، فقال: «مالك، يا عمر؟». قال: العَجب مِن ذلك المنافق! يقول: غَلبني على قومي مَن لا قوم له، واللهِ، لئن رَجَعنا إلى المدينة ليُخرِجنّ الأَعزّ منها الأَذلّ. قال النبيُّ ﷺ: «قم، فنادِ في الناس يَرتحلوا». فتفرّق القوم، فخرج عمر، فنادى: يا أيها الناس، إنّ رسول الله مُرتحِل؛ فارتَحِلوا. فساروا، حتى إذا كان بينهم وبين المدينة مسيرة ليلة تعجّل عبدُ الله بن عبد الله بن أُبيّ، حتى أناخ بجامع طرق المدينة، ودخل الناس، حتى جاء أبوه عبد الله بن أُبيّ، فقال: وراءك. فقال: مالك، ويلك؟! قال: واللهِ، لا تَدخلها أبدًا إلا أن يَأذن رسول الله، ولتَعلمنّ اليوم مَن الأَعزّ من الأَذلّ. فرجع حتى لقي رسول الله ﷺ، فشكا إليه ما صنع ابنه، فأَرسَل إليه النبيُّ ﷺ أنْ خَلِّ عنه حتى يَدخل، ففعل، فلم يلبثوا إلا أيامًا قلائل حتى اشتكي عبد الله، فاشتدّ وجعُه، فقال لابنه عبد الله: يا بني، ائت رسول الله ﷺ، فادْعُه، فإنك إذ أنتَ طلبتَ ذلك إليه فعل. ففعل ابنه، فأتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إنّ عبد الله بن أُبيّ شديد الوجع، وقد طلب إلَيّ أنْ آتيك فتأتيه؛ فإنه قد اشتاق إلى لقائك. فأخذ نعليه، فقام، وقام معه نفرٌ من أصحابه حتى دَخلوا عليه، فقال لأهله حين دخل النبيُّ ﷺ: أجلِسوني. فأَجلَسوه، فبكى، فقال رسول الله ﷺ: «أجزعًا -يا عدوّ الله- الآن؟!». فقال: يا رسول الله، إني لم أدْعُك لتُؤنّبني، ولكن دَعوْتُك لترحمني. فاغرورقتْ عينا رسول الله ﷺ، فقال: «ما حاجتك؟». قال: حاجتي إذا أنا مِتّ أن تشهد غُسلي، وتُكفّني في ثلاثة أثواب مِن أثوابك، وتمشي مع جنازتي، وتُصلّي علي. ففعل رسول الله ﷺ؛ فنَزلت هذه الآية بعد: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهُمْ ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤]١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٣
عن عُروة بن الزبير -من طريق هشام-: أنّ أصحاب رسول الله ﷺ في غزوة بني المُصْطَلِق لَمّا أتَوا المنزل كان بين غلمان من المهاجرين وغلمان من الأنصار قتال، فقال غلمان من المهاجرين: يا لَلمهاجرين. وقال غلمان من الأنصار: يا لَلأنصار. فبلغ ذلك عبد الله بن أُبيّ بن سَلول، فقال: أما -واللهِ- لو أنهم لم يُنفِقوا عليهم انفَضُّوا من حوله، أما -والله- لئن رَجَعنا إلى المدينة ليُخرِجنّ الأَعزّ منها الأَذلّ. فبَلغ ذلك النبيَّ ﷺ، فأمرهم بالرحيل، فأدرَك ركبًا من بني عبد الأشهل في المسِير، فقال لهم: «ألم تعلموا ما قال المنافق عبد الله بن أُبيّ؟». قالوا: وماذا قال، يا رسول الله؟ قال: «قال: أما -واللهِ- لو لم تُنفِقوا عليهم لانفَضُّوا من حوله، أما -واللهِ- لئن رَجَعنا إلى المدينة ليُخرِجنّ الأَعزّ منها الأَذلّ». قالوا: صدَق، يا رسول الله، فأنتَ والله العزيز وهو الذليل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٤‏/‏٤٢٨-٤٢٩.
٤
عن عاصم بن عمر بن قتادة -من طريق محمد بن إسحاق-: أنّ عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ أتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتْل عبد الله بن أُبيّ فيما بلغك عنه، فإن كنتَ فاعلًا فمُرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فواللهِ، لقد عَلمت الخَزْرَج ما كان لها رجل أبرّ بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تَدَعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أُبيّ يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل مؤمنًا بكافر، فأَدخل النار. فقال رسول الله ﷺ: «بل نَرْفُق به، ونُحسنُ صُحبته ما بقي معنا». وجعل بعد ذلك اليوم إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يُعاتبونه ويأخذونه ويُعنّفونه ويتوعّدونه، فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك عنهم من شأنهم: «كيف ترى، يا عمر؟ أما -واللهِ- لو قتلتُه يوم أمرتني بقتْله لأَرعدتْ له أُنُفٌ لو أمرتُها اليوم بقتْله لقَتَلتْه». قال: فقال عمر: قد -واللهِ- عِلمتُ لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة مِن أمري١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٦٦٩-٦٧٠.
٥
عن عبد الملك ابن جُرَيْج، قال: لما قدموا المدينة سلّ عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ على أبيه السيف، وقال: لأضربنك أو تقول: أنا الأَذلّ ومحمد الأَعزّ. فلم يَبرح حتى قال ذلك١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٦
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قول الله: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنها الأَذَلَّ﴾، قال: كان المنافقون يُسمّون المهاجرين: الجلابيب. وقال: قال ابن أُبيّ: قد أمرتُكم في هؤلاء الجلابيب أمري. قال: هذا بين أمَجَ١ وعُسْفانَ٢ على الكَدِيدِ٣، تنازعوا على الماء، وكان المهاجرون قد غَلبوا على الماء. قال: وقال ابن أُبيّ أيضًا: أما -واللهِ- لَئِن رَجَعنا إلى المدينة ليُخرِجنّ الأَعزّ منها الأَذلّ، لقد قلتُ لكم: لا تُنفِقوا عليهم، لو تركتموهم ما وجدوا ما يأكلون، ويَخرجوا ويَهربوا. فأتى عمرُ بن الخطاب إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، ألا تسمع ما يقول ابن أُبيّ؟ قال: «وما ذاك؟». فأَخبَره، وقال: دَعني أضرب عُنُقه، يا رسول الله. قال: «إذًا تَرعَد له أنُفٌ كثيرة بيَثرب». قال عمر: فإن كرهتَ -يا رسول الله- أن يقتله رجل من المهاجرين؛ فمُر به سعد بن معاذ، ومحمد بن مَسْلمة فيقتلانه. فقال رسول الله ﷺ: «إني أكره أن يتحدّث الناس أنّ محمدًا يقتل أصحابه، ادعوا لي عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ». فدعاه، فقال: «ألا ترى ما يقول أبوك؟». قال: وما يقول، بأبي أنت وأمي؟ قال: «يقول: لئن رَجَعنا إلى المدينة ليُخرِجنّ الأَعزّ منها الأَذلّ». فقال: فقد صدَق -واللهِ- يا رسول الله، أنتَ -واللهِ- الأَعزّ وهو الأَذلّ، أما -والله- لقد قدمتَ المدينة -يا رسول الله- وإنّ أهل يثرب ليَعلمون ما بها أحد أبرّ مني، ولئن كان يُرضي الله ورسوله أنْ آتيهما برأسه لآتينّهما به. فقال رسول الله ﷺ: «لا». فلما قدموا المدينة قام عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ على بابها بالسيف لأبيه، ثم قال: أنت القائل: لئن رَجَعنا إلى المدينة ليُخرِجنّ الأَعزّ منها الأَذلّ؟! أما -واللهِ- لتعرفنّ العزّة لك أو لرسول الله، والله، لا يأويكَ ظِلّه، ولا تأويه أبدًا إلا بإذنٍ من الله ورسوله. فقال: يا للخَزْرَج، ابني يمنعني بيتي! يا للخَزْرَج، ابني يمنعني بيتي! فقال: واللهِ، لا تَأويه أبدًا إلا بإذنٍ منه. فاجتمع إليه رجال، فكلّموه، فقال: واللهِ، لا يَدخله إلا بإذنٍ من الله ورسوله. فأتَوا النبيَّ ﷺ، فأَخبَروه، فقال: «اذهبوا إليه، فقولوا له: خلِّه ومسكنَه». فأتَوه، فقال: أما إذ جاء أمر النبي ﷺ فنَعم٤
التخريج
  1. ١أمج: بلد من أعراض المدينة وهي من بلدان الحجاز الآن. ينظر جغرافية شبه جزيرة العرب لكحالة ص١٣٩.
  2. ٢عسفان: قرية بين المدينة ومكة. السابق ص٣٠، ٣٤، ١٧٠.
  3. ٣الكديد: موضع بالحجاز. ينظر معجم البلدان ٤‏/‏٢٤٥.
  4. ٤أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٦٦٥-٦٦٦.

قراءات

قول واحد
١
عن زيد بن أرْقَم، وعبد الله بن مسعود أنهما قرءا: (لا تُنفِقُواْ عَلى مَن عِندَ رَسُولِ اللهِ حَتىَّ يَنفَضُّواْ مِن حَوْلِهِ)١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه. وهي قراءة شاذة. انظر: فتح القدير ٥/ ٣٠٩.
التفسير بالمأثور لسورة المنافقون كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٧ من سورة المنافقون

٢٧ وقفةً في هذه الآية

  • يظن المنافق أن تعلق المؤمن بالدنيا كتعلقه خاب وخسر لا يستويان (لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا)

    — ابتسام الجابري

  • ( ولله خزائن السموات والأرض ) ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ) كيف ترجوا من الخلق شيئاً بعد هذه الآيات !!

    — عايض المطيري

  • ولله خزائن السموات والأرض" كل أحلامك وآمالك ما تتطلع إليه وتريده بيد ربك وحده بهذا اليقين يبدأ الطريق إليها.

    — عبدالله بلقاسم

  • وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ اسأله الآن بلا ملف علاقي ، ولا مسوغات للصرف، ولا أوراق، ولا شفاعة لا تنتظر ميزانية ، ولا بندا، ولا نفقات قل فقط: يارب

    — عبدالله بلقاسم

  • ولله خزائن السماوات والأرض ولكن (المنافقين) (لا يفقهون)" من علامات مرض القلب وضعف العقل: تعلقه بالمخلوقين وشعوره أن بأيديهم شيئا من الخزائن

    — عبدالله بلقاسم

  • " ولله خزائن السماوات والأرض، ولكن المنافقين لا يفقهون " الخوف المبالغ فيه على الرّزق، من الصفات اللازمة لأهل النفاق.

    — فوائد القرآن

  • ما لا يفقهه المنافق أن الخزائن التي يطمح لها هي لله وبيده وهذا هو يقين المؤمن لذا السعي إليها مختلف فيما بينهما (ولله خزائن السماوات والأرض).

    — ابتسام الجابري

  • يسعى المنافقون دوماً لتجفيف منابع الدعم التي تدعو للخير وتنشره (هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا)

    — نوال العيد

  • (لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا) ظنوا أنهم لولا أموالهم لما اجتمع المسلمون لنصر دين الله! فمن أعجب العجب أن يدَّعي أحرص الناس على خذلان الدين مثل هذه الدعوى، ولا يروج هذا إلا على من لا علم له بحقائق الأمور: (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ).

    — تفسير السعدي

  • تدبرات وتأملات ، سورة المنافقون أية 7

    — عبدالله الغفيلي

  • مجالس في تدبر القران سورة المنافقون تدبر أية 7

    — خالد السبت

  • سلسلة (ختمة تعارف) سورة المنافقون آية 7

    — حازم شومان

و١٥ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ٧ من سورة المنافقون

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(7) They are the ones who say, "Do not spend on those who are with the Messenger of Allāh until they disband." And to Allāh belong the depositories of the heavens and the earth, but the hypocrites do not understand.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال