تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ) وقرئ في الشاذ " حتى ينفضوا " من النفض أي : حتى ينفضوا أوعيتهم فيفتقروا ويتفرقوا.
وقوله :( هم الذين يقولون ) يقال : الواو محذوفة، ومعناه : وهم الذين يقولون، وكذلك في قوله :( لئن رجعنا إلى المدينة ) أي : ويقولون، قال الشاعر :
لأمر ما تصرفت اللياليلأمر ما تحركت النجوم
أي : ولأمر. وقوله :( لا تنفقوا على من عند رسول الله ) نزلت الآية على سبب، وهو ما رواه الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد أن عمر رضي الله عنه كان استأجر رجلا من غفار يقال له :" جهجاه " ليعمل له في بعض الغزوات، وهي غزوة " المريسيع " فجرت بينه وبين رجل من الأنصار منازعة على رأس بئر للإسقاء(١) فقال الأنصاري : يا للأنصار، وقال جهجاه : يا للمهاجرين، فسمع النبي صلى الله عليه و سلم ذلك فقال :" ما بال دعوى الجاهلية دعوها فإنها ميتة ". وبلغ ذلك عبد الله بن أبي سلول فغضب وقال : هذا مثل ما قال الأول سمن كلبك، وقال : أما إنكم لو أطعتموني لم تنفقوا على من اجتمع عند هذا الرجل وكان الأنصار ينفقون على المهاجرين، وكانوا ينفضون عنه وقال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل وعنى بالأعز نفسه، وبالأذل محمدا صلى الله عليه و سلم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه و سلم وقال عمر : دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال عليه الصلاة والسلام :" لا يبلغ الناس أن محمدا يقتل أصحابه " (٢) أي : لا أقتله لهذا قال رضي الله عنه : أخبرنا بذلك أبو علي الشافعي بمكة أخبرنا أبو الحسن بن فراس أخبرنا أبو جعفر محمد بن إبراهيم الديبلي، أخبرنا أبو عبد الله سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، أخبرنا سفيان عن الزهري. . . الحديث.
وقد ذكر البخاري هذا الخبر في كتابه برواية زيد بن أرقم قال : كنت مع عمر في غزاة فسمعت عبد الله بن أبي بن سلول يقول لأصحابه : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، وقال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال فجئت إلى عمر وذكرت له ذلك، وذكر عمر ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم، فجاء ابن أبي بن سلول إلى النبي صلى الله عليه و سلم وحلف أنه ما قاله فصدقه وكذبني، فأصابني من الهم ما لم يصبني مثله قط حتى جلست في بيتي، فأنزل الله تعالى هذه الآية والتي قبلها، ( فدعاني رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال :" إن الله تعالى قد صدقك " (٣).
وفي رواية سفيان عن عمرو بن دينار عن جابر " أن رجلا من المهاجرين كسع رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري : ياللأنصار، وقال المهاجري : ياللمهاجرين وكان الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة، ثم كثر المهاجرين من بعد فلما سمع عبد الله بن أبي بن سلول ذلك قال ما ذكرناه، ( وساق )(٤) الحديث قريبا من الذي ذكرناه أولا " (٥). قال رضي الله عنه : أخبرنا بذلك أبو علي الشافعي بمكة بالإسناد الذي ذكرنا عن سفيان.
وقوله :( حتى ينفضوا ) أي : يتفرقوا.
وقوله تعالى :( ولله خزائن السموات والأرض ) معناه : أنهم لو لم تنفقوا فلله خزائن السموات والأرض فهو يرزقكم. ويقال : خزائن السموات بالمطر، وخزائن الأرض بالنبات. وعن بعضهم : خزائن السموات ما قضاه، وخزائن الأرض ما أعطاه. وقال بعض أرباب الخواطر : خزائن السموات : الغيوب، وخزائن الأرض : القلوب. والصحيح الأول.
قوله :( ولكن المنافقين لا يفقهون ) قد بينا.
١ - في ((ك)) للاستقاء..
٢ - ذكر الثعلبي بتمامه- تخريج الكشلف ( ٤ /٣٥ ) – و الواحدى في أسباب النزول (٣٢١ -٣٣٢ ) مختصرا كلاهما عن أصحلب السير..
٣ - متفق عليه، رواه البخاري ( ٨ /٥١٥ -٥١٦ رقم ٤٩٠٢ -٤٩٠٤)، و مسلم ( ١٧ / ١٧٨ رقم ٢٧٧٣)..
٤ - في ((ك)) : و ذكر..
٥ - متفق عليه، رواه البخاري ( ٨ /٥١٦ رقم ٤٩٠٥ )، و مسلم ( ١٦ /١٠٧ -١٠٩ رقم ٢٥٨٤)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى