اختلف السلفُ في تفسير قوله: ﴿اذهب بكتابي هذا... ثم تولّ عنهم﴾ على قولين: الأول: أن معناه: اذهب بكتابي هذا، فألقه إليهم، فانظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم منصرفًا إليَّ. فهو من المؤخر الذي معناه التقديم. الثاني: أن معناه: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم، ثم تول عنهم، فكن قريبًا منهم، وانظر ماذا يرجعون. وقد رجّح ابنُ جرير (١٨/٤٦) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الثاني، فقال: «وهذا القول أشبه بتأويل الآية؛ لأن مراجعة المرأة قومها كانت بعد أن ألقي إليها الكتاب، ولم يكن الهدهد لينصرف، وقد أمر بأن ينظر إلى مراجعة القوم بينهم ما يتراجعونه قبل أن يفعل ما أمره به سليمان». وبنحوه ابنُ عطية (٦/٥٣٤) مستندًا إلى دلالة العقل حيث قال: «واتِّساق رتبة الكلام أظهر، أي: ألقه، ثم تول. وفي خلال ذلك: فانظر، وإنما أراد أن يكل الأمر إلى حكم ما في الكتاب، دون أن يكون للرسول ملازمة، وبلا إلحاح»
اختُلف في معنى: ﴿الكوثر﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: أنه نهر في الجنة. الثاني: أنه الخير الكثير. الثالث: حوض أُعْطِيَهُ رسول الله في الجنة. الرابع: النبوة. الخامس: القرآن. السادس: كثرة أتباع النبي، وأُمّته. ووجَّه ابنُ كثير (١٤/٤٧٩) القول الثاني بقوله: «وهذا التفسير يعمُّ النهر وغيره؛ لأنّ الكوثر من الكثرة، وهو الخير الكثير، ومن ذلك النهر، كما قال ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، ومجاهد، ومُحارب بن دِثار، والحسن بن أبي الحسن البصري. حتى قال مجاهد: هو الخير الكثير في الدنيا والآخرة». ورجَّح ابنُ جرير (٢٤/٦٨٥) القول الأول مستندًا إلى السنة، وهو قول حُذيفة بن اليمان، وعائشة، وما في معناه، وعلَّل ذلك بقوله: «لتتابع الأخبار عن رسول الله بأنّ ذلك كذلك». ثم ذكر حديث أنس بن مالك، وابن عمر، وأسامة بن زيد
عن عبد الله بن عباس -من طريق مقاتل، عن نعمان عن سليم- أنّه قال على منبر البصرة: ما تقولون في تفسير هذه الآية ﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر﴾؟ ثلاث مرات، فلم يُجِبه أحد، فقال: تفسير هذه الآية: أنّ الله عز وجل إذا أدخل أهل الجنة [الجنة]، ورأوا ما فيها من النعيم؛ ذكروا الموت، فيخافون أن يكون آخر ذلك الموت، فيحزنهم ذلك، وأهل النار إذا دخلوا النار، ورأوا ما فيها من العذاب؛ يرجون أن يكون آخر ذلك الموت، فأراد الله عز وجل أن يقطع حزن أهل الجنة، ويقطع رجاء أهل النار، فيبعث الله عز وجل ملكًا -وهو جبريل عليه السلام ومعه الموت في صورة كبش أملح، فيُشْرِف به على أهل الجنة، فينادي: يا أهل الجنة. فيسمع أعلاها درجة وأسفلها درجة، والجنة درجات، فيجيبه أهل الجنة، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. قال: ثم ينصرف به إلى النار، فيشرف به عليهم، فينادى أهل النار، فيسمع أعلاها دركًا، وأسفلها دركًا، يرده إلى مكان مرتفع بين الجنة والنار حيث ينظر إليه أهل الجنة، وأهل النار، فيقول الملك: إنّا ذابحوه، فيقول أهل الجنة بأجمعهم: نعم. لكي يأمنوا الموت، ويقول أهل النار بأجمعهم: لا. لكي يذوقوا الموت، قال: فيعمد الملك إلى الكبش الأملح -وهو الموت- فيذبحه، وأهل الجنة وأهل النار ينظرون إليه، فينادى الملك: يا أهل الجنة، خلود لا موت فيه. فيأمنون الموت، فذلك قوله تعالى: ﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر﴾، ثم ينادى الملك: يا أهل النار، خلود لا موت فيه. قال ابن عباس: فلولا ما قضى الله عز وجل على أهل الجنة مِن الخلود في الجنة لماتوا مِن فرحتهم تلك، ولولا ما قضى الله عز وجل على أهل النار مِن تعمير الأرواح في الأبدان لماتوا حزنًا، فذلك قوله عز وجل: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر﴾ [مريم:٩٣]، يعني: إذ وجب لهم العذاب، يعني: ذبح الموت، فاستيقنوا الخلود في النار والحسرة والندامة، فذلك قول الله عز وجل للمؤمنين: ﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر﴾، يعني: الموت بعد ما دخلوا الجنة
تفسير محمد بن السائب الكلبي: أنّ رسول الله ﷺ قام مُقابل باب الكعبة، ثم قرأ هذه الآية، فوجد أهلُ مكة منها وجدًا شديدًا، فقال ابن الزِّبَعْرى: يا محمد، أرأيت الآية التي قرأتُ آنِفًا، أفينا وفي آلهتنا خاصة، أم في الأمم وآلهتهم معنا؟ فقال: لا، بل فيكم وفي آلهتكم، وفي الأمم وفي آلهتهم. قال: خَصَمْتُك، وربِّ الكعبة، قد علمتَ أنّ النصارى يعبدون عيسى وأمه، وأنّ طائفة من الناس يعبدون الملائكة، أفليس هؤلاء مع آلهتنا في النار؟ فسكت رسول الله عليه السلام، وضحِكت قريش، وضَجُّوا. فذلك قوله: ﴿ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون﴾ يعني: يضجون، ﴿وقالوا﴾ يعني: قريشًا: ﴿أآلهتنا خير أم هو﴾ قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون﴾ [الزخرف:٥٧-٥٨]. وقال: هاهنا في هذه الآية في جواب قولهم: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ وهم عيسى وعزير والملائكة
أفادت الآثارُ اختلافَ السلف في تفسير قوله: ﴿إن لا يظلم مثقال ذرة﴾ على قولين: الأول: أنّ المراد بها: أنّ مَن عمل ما يزِنُ مثقالَ ذرَّةٍ مِن خيرٍ أو شَرٍّ جازاه الله على عمله؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. الثاني: أنّ المراد: أنّ الله يقتصُّ للمظلومين يوم القيامة من الظالمين، ويرُدُّ إلى كُلِّ صاحب حَقٍّ حقَّه. وقد رجَّح ابنُ جرير (٧/٣٤) القول الأول مستندًا إلى السنة، والسياق، فقال: «وإنّما اخترنا التأويل الأول لموافقته الأثر عن رسول الله ﷺ [حديث أبي سعيد الخدري، وما في معناه من الأحاديث التالية]، مع دلالة ظاهر التنزيل على صحته، إذ كان في سياق الآية التي قبلها التي حثَّ الله فيها على النفقة في طاعته، وذم النفقة في طاعة الشيطان، ثم وصل ذلك بما وعد المنافقين في طاعته بقوله: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما﴾»
ذكر ابنُ جرير (٩/٣٩١-٣٩٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ معنيين بناءً على المعاني التي تقدَّم ذكرها في المعنيِّ بقوله تعالى: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾: الأول: مَن قال بأنّ القوم الذين وُكِّلوا بها هم الأنبياء المُسَمَّوْنَ في الآيات المتقدمة، فإنهم جعلوا قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ تعود على قوله: ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾، والمعنى: ﴿أُولَئِكَ﴾ هؤلاء القوم الذين وكَّلنا بآياتنا وليسوا بها بكافرين، هم الذين ﴿هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾. والثاني: مَن قال بأن القوم الذين وُكِّلوا بها هم أهل المدينة، أو أنهم هم الملائكة، فإنهم جعلوا قوله: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ اعتراضًا بين الكلامين، ثم ردُّوا قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ﴾ على قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾
ذكر ابنُ جرير (١٠/٥٣٦) تفسير الآية مستندًا لأقوال السلف، فقال: «فتبدل من بعدهم بدل سوء، ورثوا كتاب الله، فعلموه، وضيعوا العمل به، فخالفوا حُكمَه، يُرشَون في حكم الله، فيأخذون الرِّشوة فيه مِن عَرَض هذا العاجل الأدنى، يعني بـ﴿الأدنى﴾: الأقرب من الآجل الأبعد، ويقولون إذا فعلوا ذلك: إنّ الله سيغفر لنا ذنوبنا. تمنِّيًا على الله الأباطيل، كما قال -جل ثناؤه- فيهم: ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون﴾ [البقرة:٧٩]، ﴿وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه﴾. يقول: وإن شرع لهم ذنبٌ حرامٌ مثله من الرشوة بعد ذلك أخذوه واستحلوه، ولم يرتدعوا عنه. يُخْبِر -جلَّ ثناؤه- عنهم أنّهم أهلُ إصرار على ذنوبهم، وليسوا بأهل إنابة ولا توبة». ثم قال بعد ذلك: «وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وإن اختلفت عنه عباراتهم». وساق آثارَ السلف
اختُلِف في تفسير قوله: ﴿السائحون﴾ على أقوال: الأول: الصيام. والثاني: طلب العلم. والثالث: دوام الطاعة، والرابع: الجهاد. ورجَّح ابنُ القيم (٢/٢٤) مستندًا إلى القرآن، ودلالة العقل، وجمع بين الأقوال بقوله: «والتحقيق فيها أنها: سياحة القلب في ذكر الله ومحبته والإنابة إليه والشوق إلى لقائه. ويترتب عليها كل ما ذكر من الأفعال؛ ولذلك وصف الله سبحانه نساء النبي ﷺ اللاتي لو طلَّق أزواجه بدلّه بهن بأنهنَّ سائحات، وليست سياحتهن جهادًا، ولا سفرًا في طلب علم، ولا إدامة صيام، وإنما هي سياحة قلوبهن في محبة الله تعالى، وخشيته والإنابة إليه وذكره، وتأمَّل كيف جعل الله سبحانه التوبة والعبادة قرينتين: هذه ترك ما يكره، وهذه فعل ما يحب. والحمد والسياحة قرينتين: هذا الثناء عليه بأوصاف كماله، وسياحة اللسان في أفضل ذكره، وهذه سياحة القلب في حبه وذكره وإجلاله، كما جعل سبحانه العبادة والسياحة قرينتين في صفة الأزواج: فهذه عبادة البدن، وهذه عبادة القلب»
ذكر ابنُ القيم (٢/١٩٧-١٩٨بتصرف) في تفسير قوله: ﴿من قبل﴾ ثلاثة أقوال: الأول: أن معناه: حال صغره. الثاني: أن معناه: في سابق عِلْمِنا. الثالث: أنّ معناه: من قبل نزول التوراة. وقد رجّح القولَ الثالث مستندًا إلى السياق، فقال: «وأصحُّ الأقوال في الآية أنّ المعنى: من قبل نزول التوراة. فإنّه سبحانه قال: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقال: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾، ثم قال: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾، ولهذا قطعت قبل عن الإضافة وبُنِيَت؛ لأن المضاف منويٌّ معلوم، وإن كان غير مذكور في اللفظ، فالسياق إنما يقتضي: مِن قبل ما ذُكِر». وانتقد ابنُ القيم مستندًا إلى ظاهر الآية والدلالة العقلية القولَ الثاني، فقال: «وقيل: المعنى بقوله: ﴿من قبل﴾ أي: في سابق علمنا، وليس في الآية ما يدل على ذلك، ولا هو أمر مختص بإبراهيم، بل كل مؤمن فقد قدّر الله هُداه في سابق علمه»
قال ابن جرير (١٩/٤٣٨): «وقوله: ﴿لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر﴾ يقول -تعالى ذِكْرُه-: لا الشمس يصلح لها إدراك القمر، فيذهب ضوءها بضوئه، فتكون الأوقات كلها نهارًا لا ليل فيها، ﴿ولا الليل سابق النهار﴾ يقول -تعالى ذكره-: ولا الليل بفائت النهار حتى تذهب ظلمته بضيائه، فتكون الأوقات كلها ليلًا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في ألفاظهم في تأويل ذلك، إلا أن معاني عامتهم الذي قلناه». ثم ذكر قول ابن عباس من طريق عطية العوفي، ومجاهد بن جبر من طريق ابن أبي نجيح، وقتادة، وأبي صالح باذام، والضحاك بن مزاحم من طريق عبيد. وذكر ابنُ كثير (١١/٢٦٤) عبارات السلف في تفسير الآية، ثم علّق قائلًا: «والمعنى في هذا: أنّه لا فترة بين الليل والنهار، بل كل منهما يعقب الآخر بلا مهلة ولا تراخٍ؛ لأنهما مسخَّران دائبين يتطالبان طلبًا حثيثًا»