قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿وما كان ربك مهلك القرى﴾ يعني: معذب القرى، يعني: هذه الأمة ﴿حتى يبعث في أمها﴾ يعني: مكة، وأمها مكة، وهي أم القرى، والرسول محمد ﷺ. وقال في آية أخرى مدنية في النحل [١١٢-١١٣] بعد هذه الآية: ﴿وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا﴾، والرغد لا يحاسبها أحد بما رزقها الله، قال: ﴿من كل مكان فكفرت بأنعم الله﴾ يعني: كفر أهلها، وهي مكية، ﴿فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون(١١٢) ولقد جاءهم رسول منهم﴾ محمد ﷺ ﴿فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون﴾
علَّقَ ابنُ عطية (٢/٧) على مضمون ذلك الأثر، فقال: «وأمّا قول النبي لهم: ﴿إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾؛ فإنّ الطبري ذهب إلى أنّ بني إسرائيل تَعَنَّتوا، وقالوا لنبيهم: وما آية مُلك طالوت؟ وذلك على جهة سؤال الدلالة على صِدْقه في قوله: إنّ الله قد بعث. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن نبيهم قال لهم ذلك على جهة التغبيط والتنبيه على هذه النعمة التي قرنها الله بملك طالوت، وجعلها آيةً له دون أن تعن بنو إسرائيل لتكذيب نبيهم، وهذا عندي أظهر من لفظ الآية، وتأويل الطبري أشبه بأخلاق بني إسرائيل الذميمة؛ فإنهم أهل تكذيب وتَعَنُّتٍ واعْوِجاج»
ذكر ابنُ عطية اختلاف العلماء في معنى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾، فقال: «فقال قوم -منهم عبد الله بن عباس-: تحريفهم هو بالتأويل، ولا قدرة لهم على تبديل الألفاظ في التوراة، ولا يتمكن لهم ذلك، ويدل على ذلك بقاء آية الرجم، واحتياجهم إلى أن يضع القارئ يده عليها. وقالت فرقة: بل حرَّفوا الكلام وبدَّلوه أيضًا، وفعلوا الأمْرَين جميعًا بحسب ما أمكنهم». ثم رجَّح (٣/١٣٠) مستندًا إلى دلالة القرآن، والواقع القولين معًا، فقال: «وألفاظ القرآن تحتمل المعنيين، فقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة:٧٩] الآيةَ تقتضي التبديل، ولا شكَّ أنهم فعلوا الأمْرَين»
قال ابنُ جرير (١٨/٤٢٩): «ذُكِر أن هذه الآية نزلت من أجل أنّ قومًا مِن أصحاب رسول الله ﷺ انتسخوا شيئًا مِن بعض كتب أهل الكتاب». وذَهَبَ ابنُ عطية (٦/٦٥٤) فيها مذهبًا آخر، فقال: «احتج عليهم في طلبهم آية بأمر القرآن الذي هو أعظم الآيات، ومعجز للجن والإنس، فقال: ﴿أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب﴾، ثم قرر ما فيه من الرحمة والذكرى للمؤمنين، فقوله: ﴿أو لم يكفهم﴾ جواب لمن قال: ﴿لولا أنزل﴾». ثم بيَّنَ أنّ هذا التأويل أجْرى مع نسق الآيات. وبنحوه قال ابنُ القيم (٢/٣٠٢)
قال ابنُ عطية (٧/١٢٨) بتصرف: «قوله تعالى: ﴿ودع آذاهم﴾ يحتمل معنيين: أحدهما: أن يأمره بترك أن يؤذيهم هو ويعاقبهم، فكأن المعنى: واصفح عن زللهم ولا تؤذهم، فالمصدر -على هذا- مضاف إلى المفعول، ونُسِخ من الآية -على هذا التأويل- ما يخص الكافرين، وناسخه: آية السيف. والمعنى الثاني: أن يكون قوله: ﴿ودع آذاهم﴾ بمعنى: أعرض عن أقوالهم، وما يؤذونك به، فالمصدر -على هذا التأويل- مضاف إلى الفاعل». وإلى المعنى الأول ذَهَبَ ابنُ تيمية (٥/٢٥٠-٢٥١) مستندًا إلى أحوال النزول. وإلى المعنى الثاني ذَهَبَ ابنُ جرير (١٩/١٢٧) مستندًا إلى أقوال السلف
ذكر ابنُ عطية (٨/٤٤٤) في الآية قولين: الأول: أن قوله تعالى: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ آية مُوادعة منسوخة بآية السيف، والمراد بالآية قريش. الثاني: أن قوله: ﴿واهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ منسوخ، وأما الصبر على ما يقولون فقد يتوجّه أحيانًا ويبقى حكمه. وعلق على هذا القول بقوله: «وفيما يتوجّه مِن الهجْر الجميل بين المسلمين، قال أبو الدرداء: إنّا لنَكشِر في وجوه قوم، وإنّ قلوبنا لتلعنهم». ثم رجّح -مستندًا إلى السياق- القول الأول، فقال: «والقول الأول أظهر؛ لأنّ الآية إنما هي في كفار قريش وردّهم رسالته وإعلامهم بذلك، ولا يمكن أن يكون الحكم في هذه المعاني باقيًا»
وجَّه ابنُ القيم (٣/٢٨٩) قول ابن عباس من طريق عكرمة، وقول عطية العَوفيّ بقوله: «والتحقيق أنّ هذا على وجه التمثيل، ورجْع السماء هو إعطاء الخير الذي يكون مِن جهتها حالًا بعد حال، وعلى مرور الأزمان، ترجعه رجْعًا، أي: تُعطيه مرة بعد مرة، والخير كلّه مِن قِبل السماء يجيء. ولما كان أظهر الخير المشهود بالعيان المطر فسّر الرَّجْع به، وحسن تفسيره به ومقابلته بصدْع الأرض عن النبات، وفسّر الصَّدْع بالنبات لأنه يصدَع الأرض، أي: يشقّها، فأَقسم سبحانه بالسماء ذات المطر، والأرض ذات النبات، وكلّ من ذلك آية من آيات الله تعالى الدالة على ربوبيته»
عن عبد الله بن عباس -من طريق محمد بن كعب- قال: كانت المتعة في أول الإسلام، وكانوا يقرأون هذه الآية: (فَما اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنهُنَّ إلى أجَلٍ مُّسَمًّى) الآية. فكان الرجل يقدم البلدة، ليس له بها معرفة؛ فيتزوَّج بقدَرْ ما يرى أنه يفرغ مِن حاجته؛ لتحفظ متاعه، وتصلح له شأنه، حتى نزلت هذه الآية: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ إلى آخر الآية. فنسخ الأولى، فحُرِّمت المتعة، وتصديقُها من القرآن: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ [المؤمنون:٦، المعارج:٣٠]. وما سوى هذا الفرج فهو حرامٌ
في أول آيات القرآن نزولًا قولان، كما في قول يحيى بن سلام. وقد رجح ابنُ عطية (٨/٤٥١) -مستندًا إلى السنة- أن الآيات الأولى من سورة اقرأ هي أول القرآن نزولًا، فقال: «واختلف الناس في أول ما نزل من كتاب الله تعالى؛ فقال جابر بن عبد الله، وأبو سلمة، والنَّخَعي، ومجاهد هو: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾ الآيات. وقال الزُّهريّ، والجمهور هو: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وهذا هو الأصح، وحديث صدر كتاب البخاري نص في ذلك»
أفادت الآثارُ الاختلاف في تأويل الآية، والمخاطب بها، على ثلاثة أقوال: أولها: أنّ الخطاب في الآية للأزواج، ونزلت الآيةُ تأمرُهم بإعطاء النساءِ مهورَهن عطيةً واجبةً. وهذا قول ابن عباس من طريق عليّ بن أبي طلحة، وقتادة، وابن جُريج، وابن زيد. وثانيها: أنّ الخطاب في الآية لأولياء النساء، ونزلت الآية تنهاهم عن أكل مُهورِهن. وهذا قول أبي صالح. وثالثها: أنّ الخطاب في الآية لأولياء النساء، ونزلت الآية تنهاهم عن نكاح الشِّغارِ؛ وذلك أنّ الرجل كان يُعْطِي أختَه لرجل، على أن يعطيه الآخرُ أختَه، دُون مهرٍ بينهما، فنهوا عن ذلك، وأُمِرُوا بالمهور. وهذا قول سليمان بن جعفر بن أبي المعتمر. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦/٣٨٢) القولَ الأولَ استنادًا إلى السياق، وقال: «وذلك أنّ الله -تبارك وتعالى- ابتدأ ذكر هذه الآية بخطاب الناكحين النساءَ، ونهاهم عن ظلمهنَّ والجَوْر عليهنَّ، وعرَّفهم سبيلَ النجاة مِن ظُلْمِهِنَّ. ولا دلالة في الآية على أنّ الخطاب قد صُرِف عنهم إلى غيرهم. فإذْ كان ذلك كذلك فمعلومٌ أنّ الذين قيل لهم: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ هم الذين قيل لهم: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن﴾، وأنّ معناه: وآتوا مَن نكحتم مِن النساء صدقاتهن نحلةً؛ لأنّه قال في أوَّل الآية: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾، ولم يقل: فأنكحوا؛ فيكون قوله: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ مصروفًا إلى أنه معنيٌّ به أولياءَ النساء دون أزواجهن. وهذا أمرٌ من الله أزواجَ النساء المدخول بهن، أوالمسمّى لهن الصداق، بإيتائهن صدُقاتهن، دون المطلقات قبل الدخول بهن، ممن لم يُسمَّ لها في عقد النكاح صداق». وبيّنَ ابنُ عطية (٢/٤٦٩) أنّ الآية عامَّةٌ، فقال: «والآيةُ تتناول هذه الفِرَقَ الثلاث»