اختلف في تفسير قوله: ﴿وما يتلى عليكم في الكتاب﴾ على أربعة أقوال: الأول: هو آيات الفرائض التي في أول هذه السورة. والثاني: آيات الفرائض التي في آخر سورة النساء. والثالث: هي ما في أول السورة من قوله: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾ [النساء:٣]. والرابع: نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ في قوم من أصحابه، سألوه عن أشياء من أمر النساء، وتركوا المسألة عن أشياء أخر كانوا يفعلونها، فأفتاهم الله فيما سألوا عنه، وفيما تركوا المسألة عنه. ورجَّح ابنُ جرير (٧/٥٤٠-٥٤١) أنها الفرائض التي في أول السورة وآخرها، وانتَقَد القول الثالث مستندًا إلى دلالة العقل، والسياق، فقال: «لأن الصَّداق ليس مما كُتب للنساء إلا بالنكاح، فما لم تُنكح فلا صداق لها قِبَل أحدٍ، وإذا لم يكن ذلك لها قِبَل أحدٍ لم يكن مما كتب لها، وإذا لم يكن مما كُتِب لها لم يكن لقول قائل: عنى بقوله: ﴿وما يتلى عليكم في الكتاب﴾: الإقساطَ في صدقات يتامى النساء. وجْهٌ؛ لأن الله قال في سياق الآية مبيِّنًا عن الفتيا التي وعَدنا أن يُفتيناها: ﴿في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن﴾، فأخبر أن بعض الذي يفتينا فيه من أمر النساء أمرُ اليتيمة المَحُولِ بينها وبين ما كتب الله لها. والصداق قبل عقد النكاح ليس مما كتب الله لها على أحد؛ فكان معلومًا بذلك أن التي عنى بهذه الآية هي التي قد حِيل بينها وبين الذي كُتب لها مما يتلى علينا في كتاب الله أمره. فإذا كان ذلك كذلك كان معلومًا أنّ ذلك هو الميراث الذي يوجبه الله لهن في كتابه». وعلَّق (٧/٥٣٨) على الأقوال الثلاثة الأولى بقوله: «فعلى هذه الأقوال الثلاثة التي ذكرناها»ما«التي في قوله: ﴿وما يتلى عليكم﴾ في موضع خفض بمعنى العطف على»الهاء والنون«التي في قوله: ﴿يفتيكم فيهن﴾، فكأنهم وجَّهوا تأويل الآية: قل الله يفتيكم أيها الناس في النساء وفي ما يتلى عليكم في الكتاب»
نقل ابنُ جرير (١٤/٦١٢) عن بعض أهل العربية في قوله تعالى: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ أن المعنى: «ما تتَّبعون إلا رجلًا له سَحْرٌ، أي: له رِئَةٌ، والعرب تسمِّي الرِّئَة سَحْرًا، والسَّحْرُ من قولهم للرجل إذا جبُن: قد انتفخ سَحْرُه. وكذلك يقال لكلِّ ما أكَل أو شرِب من آدميٍّ وغيرِه: مسحورٌ، ومُسَحَّرٌ... فكأن معناه عنده كان: إن تتَّبعون إلا رجلًا له رِئَةٌ، يأكل الطعام، ويشرب الشَّراب، لا مَلَكًا لا حاجة به إلى الطعام والشراب». ثم علَّق عليه بقوله: «والذي قال من ذلك غيرُ بعيدٍ من الصواب». وذكر ابنُ عطية (٥/٤٨٩) أن قوله تعالى: ﴿مَسْحُورًا﴾ «الظاهر فيه أن يكون من السِّحْر، فشبَّهوا الخبال الذي عنده بزعمهم، وأقواله الوخيمة برأيهم، بما يكون من المسحور الذي قد خبل السِّحْر عقله، وأفسد كلامه». ثم وجَّهه بقوله: «وتكون الآية -على هذا- شبيهة بقول بعضهم: بِهِ جِنَّةٌ. ونحو هذا». ونقل عن أبي عبيدة أن ﴿مَسْحُورًا﴾ معناه: ذا سَحْر، وهي الرئة، ثم وجَّهه بقوله: «فكأن مقصد الكفار بهذا التشبيه على أنه بشر». ثم رجَّح القول الأول مستندًا إلى الدلالة العقلية أنه من السِّحْر قائلًا: «والآية التي بعد هذا تُقَوِّي أن اللفظة التي في الآية من السِّحْر -بكسر السين-، لأن (في هذا الموضع بياضًا في جميع أصول تفسير ابن عطية كما ذكر محقّقوه؛ ولعل الكلمة القريبة: ﴿مسحورًا﴾) حينئذ في قولهم ضَرْبُ مَثَل له، وأما على أنها من السَّحْر الذي هو الرِّئة، ومن التَّغَذِّي، وأن تكون الإشارة إلى أنه بشر؛ فلم يُضرب له في ذلك مثل، بل هو صفة حقيقة له». وانتقد ابنُ كثير (٩/٢٤) تصويب ابن جرير لقول من قال: إنه مِن السَّحْر. قائلًا: «وفيه نظر؛ لأنهم أرادوا هاهنا أنه مسحور له رَئِيٌّ يأتيه بما استمعوه من الكلام الذي يتلوه، ومنهم مَن قال: شاعر. ومنهم من قال: كاهن. ومنهم من قال: مجنون. ومنهم من قال: ساحر. ولهذا قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾، أي: فلا يهتدون إلى الحق، ولا يجدون إليه مخلصًا»
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك.. ﴾ على أقوال: الأول: أنها رؤيا عين، وهي ما رأى النبي ﷺ لما أسري به من مكة إلى بيت المقدس. الثاني: أنها رؤيا منام، وهي رؤياه التي رأى أنه يدخل مكة. الثالث: أنها رؤيا منام؛ إنما كان رسول الله ﷺ رأى في منامه قومًا يعلون منبره. وقد رجّح ابنُ جرير (١٤/٦٤٦-٦٤٧) مستندًا لإجماع الحجة من أهل التأويل القول الأول، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: عنى به: رؤيا رسول الله ﷺ ما رأى من الآيات والعبر في طريقه إلى بيت المقدس، وبيت المقدس ليلة أسري به، وقد ذكرنا بعض ذلك في أول هذه السورة. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لإجماع الحجة من أهل التأويل على أنّ هذه الآية إنما نزلت في ذلك، وإياه عنى الله عز وجل بها». وبنحوه ابنُ كثير (٩/٣٦-٣٧). ووجّه ابنُ عطية (٥/٥٠٣) قوله: ﴿وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس﴾ على القول الأول، فقال: «فعلى هذا يحسن أن يكون معنى قوله: ﴿وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس﴾ أي: في إضلالهم وهدايتهم، وأن كل واحد ميسر لما خلق له، أي: فلا تهتم أنت بكفر من كفر، ولا تحزن عليهم، فقد قيل لك: إن الله محيط بهم، مالك لأمرهم، وهو جعل رؤياك هذه فتنة ليكفر من سبق عليه الكفر. وسميت الرؤية في هذا التأويل: رؤيا، إذ هما مصدران من رأى». ووجّه القول الثالث، فقال: «ويجيء قوله: ﴿أحاط بالناس﴾ أي: بأقداره، وأن كل ما قدره نافذ، فلا تهتم بما يكون بعدك من ذلك، وقد قال الحسن بن علي، في خطبته في شأن بيعته لمعاوية: ﴿وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين﴾ [الأنبياء:١١١]». ثم انتقده بقوله: «وفي هذا التأويل نظر، ولا يدخل في هذه الرؤيا عثمان بن عفان، ولا عمر بن عبد العزيز، ولا معاوية»
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿أكاد أخفيها﴾ على قولين: الأول: أكاد أخفيها من نفسي، فلا أُظْهِر عليها أحدًا من خلقي. الثاني: أكاد أظهرها. وقد رجّح ابن جرير (١٦/٣٧-٣٨ بتصرف) مستندًا إلى أقوال السلف وإلى اللغة القول الأول، فقال: «والذي هو أولى بتأويل الآية من القول قولُ مَن قال: معناه: أكاد أخفيها مِن نفسي. لأن تأويل أهل التأويل بذلك جاء، ولأنّ المعروف من معنى الإخفاء في كلام العرب: الستر. يقال: قد أخفيت الشيء: إذا سترته، فلما كان معروفًا في كلامهم أن يقول أحدهم إذا أراد المبالغة في الخبر عن إخفائه شيئًا هو له مُسِرٌّ: قد كدت أن أخفي هذا الأمر عن نفسي مِن شدة استسراري به، ولو قدرت أخفيه عن نفسي أخفيته. خاطبهم على حسب ما قد جرى به استعمالُهم في ذلك من الكلام بينهم، وما قد عرفوه في منطقهم». وأمّا ابنُ عطية (٦/٨٦) فقد ذكر قولًا عن بعض المفسرين لم يُسمِّه، ورجّحه مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وقالت فرقة: ﴿أكادُ﴾ على بابها، بمعنى أنها مقاربة ما لم يقع، لكن الكلام جارٍ على استعارة العرب ومجازها، فلما كانت الآية عبارة عن شدة خفاء أمر القيامة ووقتها، وكان القَطْع بإتيانها مع جهل الوقت أهيب على النفوس؛ بالغ قوله تعالى في إعتام وقتها، فقال: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ حتى لا تظهر البتة، ولكن ذلك لا يقع، ولا بد من ظهورها، هذا تلخيص هذا المعنى الذي أشار إليه بعض المفسرين، وهو الأقوى عندي. ورأى بعضُ القائلين بأن المعنى: أكادُ أُخْفِيها من نفسي. ما في القول من القلق، فقالوا: معنى من نفسي: من تلقائي، ومن عندي، وهذا رفض للمعنى الأول، ورجوع إلى هذا القول الذي اخترناه أخيرًا. فتأمله». وذكر ابن جرير (١٦/٣٨-٤١) عدة أقوال أخر لم ينسبها إلى أحد، وكذا فعلَ ابنُ عطية، وانتقد هو وابن جرير بعضَ تلك الأقوال لمخالفتها لغة العرب، وقولَ الحجة من أهل التأويل، ودلالة العقل
ذكر ابنُ جرير (١٧/٣١٠) القراءات في الآية، ثم وجّهها بقوله: «وكأن الذين ضمُّوا دالَه وتركوا الهمزةَ وجهوا معناه إلى ما قاله أهل التفسير الذي ذكرنا عنهم، من أنّ الزجاجة في صفائها وحسنها كالدر، وأنها منسوبة إليه لذلك من نعتها وصفتها. ووجَّه الذين قرؤوا ذلك بكسر داله وهمزه إلى أنه (فِعِّيل) مِن درأ الكوكب، أي: دُفع ورُجم به الشيطان، من قوله: ﴿ويدرأ عنها العذاب﴾ [النور:٨]، أي: يدفع، والعرب تسمي الكواكب العظام التي لا تعرف أسماءها: الدراري، بغير همز... وأما الذين قرؤوه بضم داله وهمزه فإن كانوا أرادوا به دُرّوء، مثل: سُبوُّح، وقُدُّوس، من درأت، ثم استثقلوا كثرة الضمات فيه، فصرفوا بعضها إلى الكسرة، فقالوا: دُرِّيء، كما قيل: ﴿وقد بلغت من الكبر عتيا﴾ [مريم:٨]، وهو فُعُول، من عتوت عتوًّا، ثم حُوِّلت بعض ضماتها إلى الكسر، فقيل: عِتِيًّا؛ فهو مذهب، وإلا فلا أعرف لصحة قراءتهم ذلك كذلك وجهًا، وذلك أنه لا يُعرف في كلام العرب: فُعِّيل». ثم رجّح مستندًا إلى أقوال السلف، فقال: «والذي هو أولى القراءات عندي في ذلك بالصواب قراءة من قرأ: ﴿دري﴾ بضم داله، وترك همزه، على النسبة إلى الدر؛ لأن أهل التأويل بتأويل ذلك جاءوا». ووجّه ابنُ عطية (٦/٣٨٧) قراءة ضم الدال وترك الهمز ﴿دري﴾ بقوله: «ولهذه القراءة وجهان: إما أن ينسب الكوكب إلى الدر لبياضه وصفائه، وإما أن يكون أصله: دُرِّيءٌ –مهموز- من الدرء، وهو الدفع، وخففت الهمزة». ثم وجّه القراءتين الأخريين بقوله: «‹دُرِّيءٌ› بالهمزة وهو: فُعِّيل من الدرء، بمعنى: أنها تدفع بعضها بعضًا، أو بمعنى: أن بهاءها يدفع خفاءها، و(فُعِّيل) بناء لا يوجد في الأسماء إلا في قولهم: مُرِّيق للعصفور، وفي السرية إذا اشتقت من السرو، ووجه هذه القراءة أبو علي، وضعفها غيره، وقرأ أبو عمرو والكسائي: ‹دِرِّيءٌ› على وزن (فِعِّيل) بكسر الفاء من الدرء، وهذه متوجهة»
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿وفصل الخطاب﴾ على أقوال: الأول: أنه عِلم القضاء والفهم به. الثاني: أن فصل الخطاب بتكليف المدعي البينة، واليمين على المدعى عليه. الثالث: أن فصل الخطاب هو قول: أما بعد. وقد ذكر ابنُ جرير (٢٠/٥٢) هذه الأقوال، ثم رجّح مستندًا إلى اللغة، والعموم جوازَ جميعها، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إنّ الله أخبر أنه آتى داود -صلوات الله عليه- فصل الخطاب، والفصل: هو القطع، والخطاب: هو المخاطبة، ومن قطع مخاطبة الرجل الرجل في حال احتكام أحدهما إلى صاحبه قطع المحتكم إليه الحكم بين المحتكم إليه وخصمه بصواب من الحكم، ومَن قطع مخاطبته أيضًا صاحبه إلزام المخاطب في الحكم ما يجب عليه إن كان مدعيًا فإقامة البينة على دعواه، وإن كان مدعًى عليه فتكليفه اليمين؛ إن طلب ذلك خصمه. ومن قطع الخطاب أيضًا الذي هو خطبه عند انقضاء قصة وابتداء في أخرى الفصل بينهما بأما بعد؛ فإذ كان ذلك كله محتملًا ظاهر الخبر، ولم تكن في هذه الآية دلالة على أي ذلك المراد، ولا ورد به خبرٌ عن الرسول ﷺ ثابتٌ، فالصواب أن يعم الخبر كما عمه الله، فيقال: أوتي داود فصل الخطاب في القضاء، والمحاورة، والخطب». ووافقه ابنُ كثير (١٢/٨١) بقوله: «وقال مجاهد أيضًا: هو الفصل في الكلام، وفي الحكم. وهذا يشمل هذا كله، وهو المراد، واختاره ابن جرير». وذكر ابنُ عطية (٧/٣٣٢) هذه الأقوال، ثم قال: «والذي يعطيه لفظُ الآية: أنّ الله تعالى آتاه أنّه كان إذا خاطب في نازلة فَصَل المعنى وأوضحه وبيَّنه، لا يأخذه في ذلك حَصْرٌ ولا ضَعْف، وهذه صفةٌ قليلٌ مَن يدركها، فكان كلامه عليه السلام فصلًا، وقد قال الله تعالى في صفة القرآن: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق:١٣]، ويزيد محمد ﷺ على هذه الدرجة بالإيجاز في العبارة، وجمع المعاني الكثيرة في اللفظ اليسير، وهذا هو الذي تخصص عليه السلام به في قوله: «وأعطيت جوامع الكلم». فإنها في الخلال التي لم يُؤتَها أحدٌ قبلَه»
عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: كنا عند عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، فذَكَر رجلٌ عنده: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾. فقال عبيد الله: أما واللهِ إنّ كثيرًا من الناس يتأولون هؤلاء الآيات على ما لم يَنزِلْن عليه، وما أُنزِلْن إلا في حَيَّيْن من يهود. ثم قال: هي قريظة والنضير، وذلك أنّ إحدى الطائفتين كانت قد غَزَتِ الأخرى وقهرتها قبل قدوم النبي ﷺ المدينة، حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فَدِيَتُه خمسون وسْقًا، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فَدِيَتُه مئة وسْق. فأعطوهم فَرَقًا وضَيْمًا، فقدم النبي ﷺ وهم على ذلك، فذلَّت الطائفتان بمقدم النبي ﷺ، والنبي ﷺ لم يظهر عليهما، فبينما هما على ذلك أصابت الذليلة من العزيزة قتيلًا، فقالت العزيزة: أعطونا مائة وسْق. فقالت الذليلة: وهل كان هذا قطُّ في حَيَّيْنِ دينُهما واحد وبلدُهما واحد؛ دِيَةُ بعضهم ضعفُ دِيَة بعض؟! إنما أعطيناكم هذا فَرَقًا منكم وضَيْمًا، فاجعلوا بيننا وبينكم محمدًا ﷺ. فتراضيا على أن يجعلوا النبي ﷺ بينهم، ثم إن العزيزة تذاكرت بينها، فخشيت أن لا يعطيها النبي ﷺ من أصحابها ضعف ما تُعْطى أصحابها منها، فدَسُّوا إلى النبي ﷺ إخوانهم من المنافقين، فقالوا لهم: أخبروا لنا رأيَ محمد ﷺ، فإن أعطانا ما نريد حَكَّمناه، وإن لم يعطنا حَذِرناه ولم نُحَكِّمه. فذهب المنافق إلى النبي ﷺ، فأعلم الله -تعالى ذِكْرُه- النبي ﷺ ما أرادوا من ذلك الأمر كله. قال عبيد الله: فأنزل الله -تعالى ذِكْرُه- فيهم: ﴿يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾ هؤلاء الآيات كلهن، حتى بلغ: ﴿وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه﴾ إلى ﴿الفاسقون﴾، قرأ عبيد الله ذلك آيةً آيةً، وفسرها على ما أنزل، حتى فرغ من تفسير ذلك لهم في الآيات، ثم قال: إنما عنى بذلك: يهود، وفيهم أنزلت هذه الصفة
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها﴾ على أقوال: الأول: أنّ طمس الوجوه هو محو آثارها، حتى تصير كالأقفاء، ونجعل عيونها في أقفائها حتى تمشي القهقرى. الثاني: أنّ معناه: طمس أعينهم عن الحق، وردها إلى الكفر والضلال. الثالث: أنّ معناه: محو آثارهم من وجوههم ونواحيهم التي هم بها، وردهم إلى الشام كما كانوا. وقد رَجَّح ابنُ جرير (٧/١١٥-١١٦) القول الأول مستندًا إلى السياق، وهو قول ابن عباس من طريق العوفي وقتادة وعطية العوفي، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الله -جل ثناؤُه- خاطب بهذه الآية اليهود الذين وصف صفتهم بقوله: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة﴾، ثُمَّ حذَّرهم -جلَّ ثناؤه- بقوله: ﴿يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها﴾ الآية بأسَه، وسطوته، وتعجيلَ عقابه لهم إن هم لم يؤمنوا بما أمرهم بالإيمان به، ولا شكَّ أنهم كانوا لَمّا أمرهم بالإيمان به يومئذ كفارًا». ثُمَّ انتَقَدَ (٧/١١٦) مستندًا إلى الدلالة العقلية قولَ مَن قال: إنّ معنى الآية: نُعميهم عن الحق فنردهم إلى الضلال والكفر. فقال: «وإذ كان ذلك كذلك فبَيِّنٌ فسادُ قولِ مَن قال: تأويلُ ذلك: أن نعميها عن الحق فنردها في الضلالة. فما وجه ردِّ مَن هو في الضلالة فيها؟! وإنما يُرَدُّ في الشيء مَن كان خارجًا منه، فأمّا مَن هو فيه فلا وجه لأن يُقال: يَرُدُّهُ فيه. وإذ كان ذلك كذلك، وكان صحيحًا أنّ الله قد تهدد الذين ذكرهم في هذه الآية بردِّه وجوههم على أدبارهم؛ كان بيِّنًا فسادُ تأويل مَن قال: معنى ذلك: يهددهم بردهم في ضلالتهم». وذكر ابنُ عطية (٢/٥٧٤) قولًا آخر: أنّ ذلك معناه: «أن تعفى أثر الحواس فيها، وتزال الخلقة منه، فيرجع كسائر الأعضاء في الخلو من أعضاء الحواس». وعَلَّق عليه بقوله: «فيكون الرد على الأدبار في هذا الموضع بالمعنى، أي: خُلُوِّه من الحواسِّ دبرًا لكونه عامرًا بها»
اختلف في المراد بتغيير خلق الله على أقوال: الأول: هو تغيير دين الله. والثاني: إخصاء البهائم. والثالث: الوشم. ورجَّح ابنُ جرير (٧/٥٠٢) القول الأول مستندًا إلى القرآن، فقال: «وذلك لدلالة الآية الأخرى على أنّ ذلك معناه، وهي قوله: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾ [الروم:٣٠]». وجعل القول بالخصاء والوشم مندرجًا فيه، فقال: «وإذا كان ذلك معناه دخل في ذلك فِعْلُ كُلِّ ما نهى الله عنه من خصاء ما لا يجوز خصاؤه، ووشم ما نهى عن وشمه ووشره، وغير ذلك من المعاصي، ودخل فيه ترك كل ما أمر الله -جلَّ ثناؤه- به؛ لأن الشيطان لا شكَّ أنه يدعو إلى جميع معاصي الله، وينهى عن جميع طاعته، فذلك معنى أمرِه نصيبَه المفروضَ من عباد الله بتغيير ما خلق الله من دينه». وانتَقَد (٧/٥٠٢) تخصيص التغيير بالخصاء والوشم مستندًا إلى اللغة، ودلالة العقل، فقال: «فلا معنى لتوجيه مَن وجَّه قوله: ﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾ إلى أنه وعد الآمر بتغيير بعض ما نهى الله عنه دون بعض، أو بعض ما أمر به دون بعض. فإن كان الذي وجَّه معنى ذلك إلى الخصاء والوشم دون غيره إنّما فعل ذلك لأن معناه كان عنده أنه عنى تغيير الأجسام؛ فإنّ في قوله -جلَّ ثناؤه- إخبارًا عن قيل الشيطان: ﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾ ما يُنبِئُ أنّ معنى ذلك غير ما ذهب إليه؛ لأنّ تبتيك آذان الأنعام من تغيير خلق الله، الذي هو أجسام، وقد مضى الخبر عنه أنه وعْد الآمر بتغيير خلق الله من الأجسام مفسرًا، فلا وجه لإعادة الخبر عنه به مجملًا، إذ كان الفصيح في كلام العرب أن يترجَم عن المجمل من الكلام بالمفسر، وبالخاص عن العام، دون الترجمة عن المفسر بالمجمل، وبالعام عن الخاص، وتوجيه كتاب الله إلى الأفصح من الكلام أولى من توجيهه إلى غيره ما وجد إليه السبيل». ورجَّح ابنُ عطية (٣/٢٦-٢٧) العموم، فقال: «ومَلاك تفسير هذه الآية: أنّ كل تغيير ضارٌّ فهو في الآية، وكلَّ تغيير نافعٌ فهو مباح»
أفادت الآثارُ الاختلافَ في تفسير قوله: ﴿الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ على أقوال: أحدها: أنّ الحسنى: الجنة. والزيادة: النَّظَر إلى وجه الله تعالى. والثاني: أنّ الحسنى: واحدة من الحسنات. والزيادة: مضاعفتها إلى عشر أمثالها. الثالث: أنّ الحسنى: حسنة مثل حسنة. والزيادة: مغفرة ورضوان. والرابع: أنّ الحسنى: الجزاء في الآخرة. والزيادة: ما أُعْطُوا في الدنيا. ورجَّح ابنُ جرير (١٢/١٦٤-١٦٥) جميعَ تلك المعاني استنادًا إلى العموم، فقال: «وأَوْلى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إنّ الله -تبارك وتعالى- وعد المحسنين من عباده على إحسانهم الحسنى أن يجزيهم على طاعتهم إيّاه الجنةَ، وأن تبْيَضَّ وجوهُهم، ووعدهم مع الحسنى الزيادةَ عليها، ومِن الزيادة على إدخالهم الجنة أن يكرمهم بالنظر إليه، وأن يعطيهم غُرَفًا من لآلئ، وأن يزيدهم غفرانًا ورضوانًا؛ كل ذلك مِن زيادات عطاءِ الله إيّاهم على الحسنى التي جعلها الله لأهل جناته. وعمَّ ربُّنا -جلَّ ثناؤه- بقوله: ﴿وزيادة﴾ الزيادات على الحسنى، فلم يُخَصِّص منها شيئًا دون شيء، وغير مستنكر من فضل الله أن يجمع ذلك لهم، بل ذلك كله مجموع لهم -إن شاء الله-. فأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُعمّ كما عَمَّه -عزَّ ذِكْرُه-». وبنحوه قال ابنُ كثير (٧/٣٥٤). وعلَّق ابنُ عطية (٤/٤٧٤) على ترجيح ابن جرير للعموم بقوله: «ويُؤَيِّد ذلك أيضًا قولُه: ﴿أُولئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾». ورجَّح ابنُ عطية (٤/٤٧٣) القول الأول استنادًا إلى أقوال السلف. وكذا رجَّحه ابنُ القيم (٢/٣٥) استنادًا إلى السُّنَّة، وأقوال السلف، وذكر أنّ مَن فَسَّر الزيادة بالمغفرة والرضوان فهو من لوازم رؤيته -تبارك وتعالى-. وأورد ابنُ عطية (٤/٤٧٤) إشكالًا على القول الأول؛ بأنّه لو كان معنى الحسنى: الجُنَّة، لكان في القول تكرير بالمعنى، وأجاب عنه بقوله: «على أنّ هذا ينفصل عنه بأنّه وصف المحسنين بأنّ لهم الجنة، وأنّهم لا يرهق وجوهَهم قترٌ ولا ذِلَّة، ثم قال: ﴿أُولئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ على جهة المدح لهم، أي: أولئك مُسْتَحِقُّوها وأصحابها حقًّا وباستيجاب»