عن عبد الله بن عباس -من طريق ميمون بن مهران- قال: لَمّا بعث اللهُ موسى عليه السلام وأنزل عليه التوراة قال: اللهم، إنّك ربٌّ عظيم، ولو شئت أن تُطاع لَأُطِعْتَ، ولو شئت أن لا تُعْصى ما عُصِيتَ، وإنك تُحِبُ أن تُطاع، وأنت في ذلك تُعْصى، فكيف هذا يا رب؟ فأوحى الله إليه: إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون. فانتهى موسى، فلمّا بعث الله عُزَيْرًا، وأنزل عليه التوراة بعد ما كان رفعها عن بني إسرائيل، حتى قال مَن قال: إنه ابن الله. قال: اللهم، إنك رب عظيم، ولو شئت أن تُطاع لأُطِعْتَ، ولو شئت أن لا تُعْصى ما عُصِيتَ، وإنك تحب أن تطاع، وأنت في ذلك تعصى، فكيف يا رب؟ فأوحى الله إليه: إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون. فأبت نفسه حتى سأل أيضًا، فقال: أتستطيع أن تُصِرَّ صُرَّةً مِن الشمس؟ قال: لا. قال: أفتستطيع أن تجيء بمكيال من ريح؟ قال: لا. قال: أفتستطيع أن تجيء بمثقال من نور؟ قال: لا. قال: أفتستطيع أن تجيء بقيراط من نور؟ قال: لا. قال: فهكذا لا تقدر على الذي سألتَ عنه، إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون، أما إني لا أجعل عقوبتك إلا أن أمحو اسمك مِن الأنبياء فلا تذكر فيهم. فمحي اسمه من الأنبياء، فليس يذكر فيهم وهو نبي، فلما بعث الله عيسى ورأى منزلته من ربه، وعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، قال: اللهم، إنّك رب عظيم، لو شئت تُطاع لأُطِعْتَ، ولو شئت أن لا تُعْصى ما عُصِيتَ، وأنت تحب أن تطاع، وأنت في ذلك تعصى، فكيف هذا، يا رب؟ فأوحى الله إليه: إنِّي لا أسأل عما أفعل وهم يسألون، وأنت عبدي ورسولي، وكلمتي ألقيتك إلى مريم، وروح مِنِّي، خلقتك من تراب، ثم قلت لك: كن. فكنت، لئن لم تنته لأفعلنَّ بك كما فعلت بصاحبك بين يديك؛ إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون. فجمع عيسى مَن تبعه، وقال: القَدَرُ سِرُّ الله؛ فلا تَكَلَّفوه
أفادت الآثارُ الاختلافَ في عقوبة الأذى المذكورة في الآية على ثلاثة أقوال: أولها: هي التعيير والتوبيخ باللسان. وهذا قول السديِّ، وقتادة. وثانيها: هو التَّعْيِيرُ باللسان، والسبِّ. وهذا قول مجاهد. وثالثها: التَّعْيِيرُ باللسان، والضرب بالنعال. وهذا قول ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة. وذَهَبَ ابنُ جرير (٦/٥٠٣-٥٠٤) إلى أنّ الأذى في الآية مُجْمَلٌ، أُخِذَ تفسيره في البكر مِن آية النور، وفي الثَّيِّبِ من السُّنَّةِ، مع دلالة الإجماع، فقال: «أوْلى الأقوال في ذلك بالصوابِ أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- كان أمَرَ المؤمنين بأذى الزانيين المذكورين إذا أتيا ذلك، وهما من أهل الإسلام. والأذى قد يقع لكل مكروهٍ نال الإنسانَ؛ مِن قول سَيِّءٍ باللسان، أو فعل، وليس في الآية بيانُ أيِّ ذلك كان أمَرَ به المؤمنين يومئذ، ولا خبر به عن رسول الله ﷺ مِن نَقْل الواحد ولا نقل الجماعة الموجب مجيئهما قطعَ العذر، وأهلُ التأويل في ذلك مختلفون، وجائِزٌ أن يكون ذلك أذًى باللسان، أو اليد، وجائزٌ أن يكون كان أذًى بهما، وليس في العلم بأيِّ ذلك كان مِن أيٍّ نفعٌ في دين ولا دنيا، ولا في الجهل به مضرة؛ إذْ كان الله -جل ثناؤه- قد نسخ ذلك من مُحْكَمه بما أوجب مِن الحكم على عباده فيهما وفي اللاتي قبلهما. فأما الذي أوجب مِن الحكم عليهم فيهما، فما أوجب في سورة النور، بقوله: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾. وأمّا الذي أوْجَبَ في اللّاتي قبلهما، فالرجم الذي قضى به رسول الله فيهما. وأجمع أهل التأويل جميعًا على أنّ الله -تعالى ذِكْرُه- قد جعل لأهل الفاحشة مِن الزناة والزواني سبيلًا بالحدود التي حكم بها فيهم». وقال ابنُ تيمية (٢/٢١٤): «قوله تعالى: ﴿فآذوهما﴾ أمر بالأذى مطلقًا، ولم يذكر كيفيته وصفته ولا قدره، بل ذكر أنّه يجب إيذاؤهما. ولفظ الأذى يستعمل في الأقوال كثيرًا؛ كقوله: ﴿لن يضروكم إلا أذى﴾ [آل عمران:١١١]، وقوله: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله﴾ [الأحزاب:٥٧]، ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا﴾ [الأحزاب:٥٨]، ﴿ومنهم الذين يؤذون النبي﴾ [التوبة:٦١]، وقول النبي ﷺ: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله»، ونظائر ذلك كثيرة»
وجَّه ابنُ جرير (١٣/٤٦٧) قول ابن جريج بقوله: «يعني ابن جريج بقوله: يحفظون عليه: الملائكة الموكَّلة بابن آدم، بحفظ حسناته وسيئاته، وهي المعقِّبات عندنا، تحفظ على ابن آدم حسناته وسيئاته من أمر الله، وعلى هذا القول يجب أن يكون معنى قوله: ﴿مِن أمْرِ الله﴾: أنّ الحفظة مِن أمْرِ الله، أو تحفَظُ بأمر الله، ويجب أن تكون الهاء التي في قوله: ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾ وُحِّدَت وذُكِّرت، وهي مرادٌ بها الحسنات والسيئات، لأنها كناية عن ذِكْر»مَن«الذي هو مستخفٍ بالليل وساربٌ بالنهار، وأن يكون المستخفي بالليل، أُقِيمَ ذِكْره مُقامَ الخبر عن سيئاته وحسناته، كما قيل: ﴿واسْأَلِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ [يوسف:٨٢]». وذكر ابنُ عطية (٥/١٨٧) لقوله تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾ احتمالين: الأول: «أن يكون بمعنى: يحرسونه، ويذُبُّون عنه، فالضمير معمول ليحفظ». والثاني: «أن يكون بمعنى: حِفْظ الأقوال وتحصيلها». ثم وجَّهه بقوله: «ففي اللفظة حينئذٍ حذف مضاف، تقديره: يحفظون أعمالهم، ويكون هذا حينئذٍ من باب ﴿وسْئَلِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢]، وهذا قول ابن جريج». وذكر ابنُ عطية (٥/١٨٧) لقوله تعالى: ﴿مِن أمْرِ اللهِ﴾ معنيين بناءً على ما تقدم: الأول: «مَن جعل ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾ بمعنى: يحرسونه، كان معنى قوله: ﴿مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ يراد به: المعقبات». ثم وجَّهه بقوله: «فيكون في الآية تقديم وتأخير، أي: له معقِّباتٌ مِن أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، قال أبو الفتح: فـ﴿مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ في موضع رفع؛ لأنه صفة لمرفوع وهي المعقبات». الثاني: «ومَن تأوَّل الضمير في ﴿لَهُ﴾ عائد على العبد، وجعل المعقبات: الحرس، وجعل الآية في رؤساء الكافرين؛ جعل قوله: ﴿مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ بمعنى: يحفظونه بزعمه مِن قَدَر الله، ويدفعونه في ظنه عنه، وذلك لجهالته بالله تعالى». ثم علَّق عليه بقوله: «وبهذا التأويل جعلها المتأولون في الكافرين، قال أبو الفتح: فـ﴿مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ على هذا في موضع نصب، كقولك: حفظت زيدًا من الأسد، فـ»من الأسد«معمول لـ»حفظت«»
انتقد ابنُ كثير (١٣/١٨٠) القول بأن «ق»: جبل محيط بالأرض مستندًا للدلالة العقلية، فقال: «وكأنّ هذا -والله أعلم- من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس، لما رأى من جواز الرواية عنهم فيما لا يُصدّق ولا يُكذّب. وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يُلبّسون به على الناس أمر دينهم، كما افُتري في هذه الأمة -مع جلالة قدْر علمائها وحفّاظها وأئمتها- أحاديث عن النبي ﷺ وما بالعهد مِن قِدَم، فكيف بأمة بني إسرائيل مع طول المدى، وقلّة الحفّاظ النُّقّاد فيهم، وشُرْبهم الخمور، وتحريف علمائهم الكَلِم عن مواضعه، وتبديل كتب الله وآياته! وإنما أباح الشارعُ الرواية عنهم في قوله: «وحدِّثوا عن بني إسرائيل، ولا حرج» فيما قد يجوّزه العقل، فأما فيما تحيله العقول، ويُحكم عليه بالبطلان، ويغلب على الظّنون كذبه، فليس من هذا القبيل». ونقل (١٣/١٨١) قولًا آخر بأن المراد بـ﴿ق﴾: «قُضي الأمر، والله». وأن قوله: ﴿ق﴾ دلّتْ على المحذوف من بقيّة الكَلِم كقول الشاعر:قلت لها: قفي فقالت: قافوانتقده مستندًا للغة، فقال: «وفي هذا التفسير نظر؛ لأنّ الحذف في الكلام إنما يكون إذا دلّ دليل عليه، ومِن أين يُفهم هذا من ذِكر هذا الحرف؟». وساق ابنُ عطية (٨/٣٠-٣١) الأقوال الواردة عدا قول القُرظيّ، ثم علَّق بقوله: «و﴿ق﴾ على هذه الأقوال: مُقسَم به وبالقرآن المجيد، وجواب القسم منتظَر». وذكر القول الذي قاله ابن كثير، وذكر أقوالًا غيرها، فقال: «قال القُرظيّ: هو دال على أسماء الله تعالى هي: قادر، وقاهر، وقريب، وقاض، وقابض. وقيل: المعنى: قُضي الأمر من رسالتك ونحوه، ﴿والقرآن المجيد﴾ فجواب القسم في الكلام الذي يدل عليه قاف. وقال قوم: المعنى: قِف عند أمرنا. وقيل المعنى: قُهر هؤلاء الكفرة، وهذا أيضًا وقع عليه القسَم». ثم أورد احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يكون المعنى: قيامهم من القبور حق، والقرآن المجيد». وعلق عليه بقوله: «فيكون أول السورة مِن المعنى الذي اطَّرد بعد»، ثم قال: «وعلى هذه الأقوال فثَمّ كلام مضمر عنه وقع الإضراب، كأنه قال: ما كذّبوك ببرهان، ونحو هذا مما يليق مظهرًا»
عن عبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيّ، عن أبي مالك، وأبي صالح- في قوله: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ قال: الساعة، ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ يقول: مَن كَذّب بها في الدنيا فإنه لا يُكذّب بها في الآخرة إذا وقَعتْ، ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قال: القيامة خافضة. يقول: خَفَضَتْ فأسمَعَت الأدنى، ورَفَعتْ فأسمَعَت الأقصى، كان القريب والبعيد فيها سواء. قال: وخَفَضَتْ أقوامًا قد كانوا في الدنيا مرتفعين، ورَفَعتْ أقوامًا حتى جَعلتْهم في أعلى عِلّيّين، ﴿إذا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا﴾ قال: هي الزّلْزلة، ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ قال الحكم: قال السُّدِّيّ: قال علي: هذا الهَرَج، هَرَج الدّواب الذي يُحرّك الغبار، ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ قال: العباد يوم القيامة على ثلاثة منازل، ﴿فَأَصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ هم الجمهور جماعة أهل الجنة، ﴿وأَصْحابُ المَشْأَمَةِ ما أصْحابُ المَشْأَمَةِ﴾ هم أصحاب الشمال، يقول: ما لهم وما أعدّ لهم، ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ هم مثل النّبيّين، والصِّدِّيقين، والشهداء بالأعمال من الأوّلين والآخرين، ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ قال: هم أقرب الناس من دار الرحمن مِن بُطْنان الجنة، وبُطْنانها: وسطها، ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾، ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ قال: المَوْضُونة: المَرْمُولة بالذّهب، المُكلّلة بالجوهر والياقوت، ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ قال ابن عباس: ما ينظر الرجل منهم في قفا صاحبه، يقول: حِلقًا حِلقًا، ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ قال: خَلَقهم الله في الجنة كما خَلَق الحُور العين، لا يموتون، لا يَشيبون، ولا يَهْرمون، ﴿بِأَكْوابٍ وأَبارِيقَ﴾ والأكواب: التي ليس لها آذان مثل الصّواع، والأباريق: التي لها الخراطيم والأعناق، ﴿وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ قال: الكأس من الخمر بعينها، ولا يكون كأس حتى يكون فيها الخمر، فإذا لم يكن فيها خمر فإنما هو إناء، والمَعين يقول: مِن خمرٍ جاري، ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ عن الخمر، ﴿ولا يُنْزِفُونَ﴾ لا تَذهب بعقولهم، ﴿وفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ يقول: مما يشتهون، ﴿ولَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ يقول: يجيئهم الطير حتى يقع، فيَبسط جناحه، فيأكلون منه ما اشتَهوا نضيجًا لم تُنضجه النار، حتى إذا شَبعوا منه طار، فذَهب كما كان، ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ قال: الحُور: البِيض، والعِين: العظام الأعين، حِسان، ﴿كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ﴾ قال: كبياض اللؤلؤ التي لم تمسّهن الأيدي ولا الدّهر، ﴿المَكْنُونِ﴾ الذي في الأصداف، ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ قال: اللغو: الحَلف: لا واللهِ، وبلى واللهِ، ﴿ولا تَأْثِيمًا﴾ قال: لا يَأْثمون، ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ يقول: التسليم منهم وعليهم، بعضهم على بعض، قال: هؤلاء المُقرّبون. ثم قال: ﴿وأَصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ وما أعدّ لهم! ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ والمخضود: المُوقَر الذي لا شوك فيه، ﴿وطَلْحٍ مَنضُودٍ وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ يقول: ظِلّ الجنة لا ينقطع، ممدود عليهم أبدًا، ﴿وماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ يقول: مصبوب، ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ﴾ قال: لا تَنقطع حينًا وتجيء حينًا مثل فاكهة الدنيا، ﴿ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ كما تُمنع في الدنيا إلا بثمن، ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ يقول: بعضها فوق بعض. ثم قال: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ قال: هؤلاء نساء أهل الجنة، وهؤلاء العُجُزُ الرُّمْصُ، يقول: خَلقَهم خَلْقًا، ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ يقول: عذارى، ﴿عُرُبًا﴾ والعُرُب: المُتحبّبات إلى أزواجهنّ، ﴿أتْرابًا﴾ المُصطحبات اللاتي لا تَغَرْن، ﴿لِأَصْحابِ اليَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ يقول: طائفة من الأوّلين، وطائفة من الآخرين، ﴿وأَصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ما لهم وما أعدّ لهم، ﴿فِي سَمُومٍ﴾ قال: فَيح نار جهنم، ﴿وحَمِيمٍ﴾ الماء الحارّ الذي قد انتهى حرّه، فليس فوقه حرّ، ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ قال: من دُخان جهنم، ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ إنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ قال: مشركين جبّارين، ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ﴾ يُقيمون، ﴿عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ قال: على الإثم العظيم. قال: هو الشّرك، ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ إلى قوله: ﴿أوَآباؤُنا الأَوَّلُونَ﴾ قال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿إنَّ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ قال: يوم القيامة، ﴿ثُمَّ إنَّكُمْ أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ قال: المشركون المُكذّبون ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ قال: والزَّقوم إذا أكَلوا منه غَصُّوا، والزَّقوم شجرة، ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ قال: يَملؤون من الزَّقوم بطونهم، ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ يقول: على الزَّقوم الحميم، ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ هي الرّمال لو مَطرتْ عليها السماء أبدًا لم يُر فيها مستنقع، ﴿هَذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ كرامة يوم الحساب، ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ يقول: أفلا تُصدِّقون، ﴿أفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ يقول: هذا ماء الرجل، ﴿أأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ في المتعجّل والمتأخّر، ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ يقول: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ فيقول: نَذهب بكم ونَجيء بغيركم، ﴿ونُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يقول: نخلُقكم فيما لا تعلمون؛ إن نشأ خلقناكم قِردة، وإن نشأ خلقناكم خنازير، ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ يقول: فهلّا تذكرون. ثم قال: ﴿أفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ يقول: ما تزرعون، ﴿أأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ يقول: أليس نحن الذي نُنبتُه أم أنتم المُنبتُون؟! ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ يقول: تَنَدَّمون، ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ يقول: إنّا لَمُوّارٌ به، ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿أأَنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِن المُزْنِ﴾ يقول: من السحاب، ﴿أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ يقول: مُرًّا، ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ يقول: فهلّا تشكرون، ﴿أفَرَأَيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ يقول: تَقْدحون، ﴿أأَنْتُمْ أنْشَأْتُمْ﴾ يقول: خلقتم ﴿شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ قال: وهي مِن كل شجرة إلا في العُنّاب، وتكون في الحجارة، ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً﴾ يقول: يُتذكّر بها نار الآخرة العليا، ﴿ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ قال: والمُقوي: هو الذي لا يجد نارًا، فيُخرِج زِنده، فيَسْتَنوِر ناره، فهي متاع له، ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ يقول: فَصَلِّ لربّك العظيم، ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ يقول: أُقسم ﴿بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ قال: أتى ابنَ عباس عُلَيَّةُ بن الأسود أو نافعُ بن الحكم، فقال له: يا ابن عباس، إني أقرأ آيات من كتاب الله أخشى أن يكون قد دَخلني منها شيء. قال ابن عباس: ولِم ذلك؟ قال: لأني أسمع الله يقول: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر:١]، ويقول: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان:٣]، ويقول في آية أخرى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقد نزل في الشهور كلّها؛ شوال وغيره. قال ابن عباس: ويلك! إنّ جُملة القرآن أُنزِل من السماء في ليلة القَدْر إلى بدء موقع النجوم. يقول: إلى سماء الدنيا، فنَزَل به جبريلُ في ليلة منه، وهي ليلة القَدْر المباركة، وهي في رمضان، ثم نزل به على محمد ﷺ في عشرين سنة الآية والآيتين والأكثر، فذلك قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ يقول: أُقسم ﴿بِمَواقِعِ النُّجُومِ وإنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ والقَسم قَسمٌ، إلى قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ وهم السَّفرة، والسَّفرة: هم الكتبة. ثم قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُون﴾ يقول: تَوَلَّوْن أهل الشّرك، ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ قال ابن عباس: سافر النبيُّ ﷺ في حرٍّ، فعطش الناس عطشًا شديدًا حتى كادت أعناقهم أن تنقطع مِن العطش، فذُكِر ذلك له، قالوا: يا رسول الله، لو دعوتَ الله، فسَقانا. قال: «لعلّي لو دعوتُ الله فسقاكم لقلتم: هذا بنَوء كذا وكذا». قالوا: يا رسول الله، ما هذا بحين الأنواء. فدعا بماءٍ في مَطهرة، فتوضأ، ثم ركع ركعتين، ثم دعا الله، فهبّت رياحٌ، وهاج سحابٌ، ثم أرسَلتْ، فمُطروا حتى سال الوادي، فشَربوا، وسَقَوا دوابّهم، ثم مرَّ النبيُّ ﷺ برجل وهو يغترف بقَعْبٍ معه مِن الوادي، وهو يقول: نَوء كذا وكذا سقطت الغداة. قال: ونزلت هذه الآية: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾، ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ يقول: النّفس، ﴿وأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ يقول: الملائكة، ﴿ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ يقول: لا تبصرون الملائكة، ﴿فَلَوْلا﴾ يقول: هلا ﴿إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ غير مُحاسبين، ﴿تَرْجِعُونَها﴾ يقول: أن تُرجِعوا النّفس ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَأَمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ مثل النّبيّين والصِّدِّيقين والشهداء بالأعمال، ﴿فَرَوْحٌ﴾ الفَرَج، مثل قوله: ﴿ولا تَيْأَسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٧]، ﴿ورَيْحانٌ﴾ الرّزق. قال ابن عباس: لا تَخرج رُوح المؤمن من بدنه حتى يأكل مِن ثمار الجنة قبل موته، ﴿وجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ يقول: حُقِّقتْ له الجنة والآخرة، ﴿وإمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ يقول: جمهور أهل الجنة، ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ وأَمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ وهم المشركون، ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ قال ابن عباس: لا يَخرج الكافرُ مِن بيته في الدنيا حتى يُسقى كأسًا من حميم، ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ يقول: في الآخرة، ﴿إنَّ هَذا لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ﴾ يقول: هذا القول الذي قَصَصنا عليك لهو حقّ اليقين، يقول: القرآن الصادق
اختُلِف في معنى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ﴾ في هذه الآية من جهتين: الأولى: اختُلِف في مرجع الضمير في ﴿لَهُ﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: أنّها ترجع إلى الله تعالى. الثاني: أنها ترجع إلى النبي ﷺ. الثالث: أنها ترجع إلى الملِك مِن ملوك الدنيا. والثانية: اختلف في معنى: «المعقبات» على قولين: الأول: الملائكة التي تتعقب على العبد لحفظه وحفظ أعماله. الثاني: الحرس الذي يتعاقب على الأمير. ورجَّح ابنُ جرير (١٣/٤٦١-٤٦٢) مستندًا إلى اللغة، وإلى دلالة السياق أن «الهاء في قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ﴾ مِن ذِكْر»مَن«التي في قوله: ﴿ومَن هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾، وأنّ المعقِّبات من بين يديه ومِن خلفه، هي حَرَسُه وجَلاوِزَتُه». وعلَّل ذلك بقوله: «وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب لأنّ قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ﴾ أقرب إلى قوله: ﴿ومَن هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ منه إلى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾، فهي لقربها منه أولى بأن تكون من ذِكْرِه، وأن يكون المعنيُّ بذلك هذا، مع دلالة قول الله: ﴿وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ على أنّهم المعنيُّون بذلك، وذلك أنّه -جلَّ ثناؤه- ذَكَر قومًا أهل معصيةٍ له وأهل ريبة، يستخفون بالليل ويظهرون بالنهار، ويمتنعون عند أنفسهم بحرس يحرسهم، ومَنَعَةٍ تمنعهم من أهل طاعته، أن يحولوا بينهم وبين ما يأتون من معصية الله، ثم أخبر أنّ الله -تعالى ذِكْره- إذا أراد بهم سوءًا لم ينفعهم حرسهم، ولا يدفع عنهم حفظهم». وذكر ابنُ عطية (٥/١٨٤-١٨٥) أنه على القول بعود الضمير على اسم الله تعالى المتقدم ذكره تكون «المعقِّبات»: الملائكة الحفظة على العباد أعمالهم، والحفظة لهم أيضًا. وعلى القول بعود الضمير على المذكور في قوله: ﴿ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن﴾ وكذا باقي الضمائر التي في الآية، تكون «المعقِّبات»: حرس الرجل وجلاوزته الذين يحفظونه، والآية على هذا في الرؤساء الكافرين. وذكر ابنُ عطية قولًا رابعًا في عود الضمير «في ﴿لَهُ﴾ للعبد المؤمن، على معنى: جعل الله له». وبيَّن أن هذا القول إنّما يصِحُّ على القول بكون «المعقبات» هي الملائكة، ثم رجَّحه مستندًا إلى الدلالة العقلية قائلًا: «وهذا التأويل عندي أقوى؛ لأنّ غرض الآية إنّما هو التنبيه على قدرة الله تعالى، فذكر استواء مَن هو مُستَخْف ومَن هو سارِبٌ وأنّ له معَقِّبات مِن الله تحفظه في كل حال، ثم ذكر أن الله لا يُغيِّر هذه الحالة من الحفظ للعبد حتى يُغيِّر ما بنفسه»
اختُلف في المراد بقوله: ﴿بل يريد الإنسان ليفجر أمامه﴾ على أقوال: الأول: معناه: أن يُعجِّل الذَّنب، ويُسوّف التوبة. الثاني: بل يريد أن يرتكب الآثام في الدنيا لقوة أمله، ولا يذكر الموت. الثالث: بل يريد الإنسان ليَكفر بالحقّ الذي بين يدي القيامة. الرابع: بل يريد الإنسان الكافر أن يُكذّب بالقيامة. ورجَّح ابنُ القيم (٣/٢٢٧-٢٢٨) -مستندًا إلى السياق، واللغة- القول الأخير الذي قاله ابن عباس من طريق علي، وقاله ابن زيد، فقال: «ويُرجّح هذا القول لفظة ﴿بلى﴾؛ فإنها تُعطي أنّ الإنسان لم يؤمن بيوم القيامة، مع هذا البيان والحُجّة، بل هو مريد للتكذيب به، ويُرجّحه أيضًا أنّ السياق كلّه في ذم المُكذّب بيوم القيامة، لا في ذم العاصي والفاجر، وأيضًا فإنّ ما قبل الآية وما بعدها يدل على المراد. فإنه قال: ﴿أيَحْسَبُ الأِنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ فأنكر -سبحانه- عليه حِسْبانه أنّ الله لا يَجمع عظامه، ثم قَرّر قدرته على ذلك، ثم أنكر عليه إرادة التكذيب بيوم القيامة. فالأول حِسبانٌ منه أن لا يُحييه بعد موته. والثاني: تكذيب منه بيوم البعث، وأنه يريد أن يُكذّب بما وضح وبان دليل وقوعه وثبوته؛ فهو مريد للتكذيب به. ثم أخبر عن تصريحه بالتكذيب، فقال: ﴿يَسْأَلُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾، فالأول إرادة التكذيب، والثاني نطق بالتكذيب وتكلم به». وبنحوه ابنُ كثير (١٤/١٩٤)، فقال: «وهذا هو الأظهر من المراد؛ ولهذا قال بعده: ﴿يسأل أيان يوم القيامة﴾ أي: يقول متى يكون يوم القيامة؟! وإنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه، وتكذيب لوجوده، كما قال تعالى: ﴿ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون﴾ [سبأ:٢٩-٣٠]». وذكر ابنُ جرير (٢٣/٤٧٧) أنّ الضمير في قوله: ﴿أمامه﴾ على القول الثالث الذي قاله ابن عباس عائد على «يوم القيامة». وبنحوه قال ابنُ عطية (٨/٤٧٢)، ثم بيّن أنّ المعنى -على هذا القول-: «أنّ الإنسان هو في زمان وجوده أمام يوم القيامة وبين يديه، ويوم القيامة خلفه، فهو يريد شهواته ليَفْجُر في تكذيبه بالبعْث، وغير ذلك بين يدي يوم القيامة، وهو لا يعرف قدر الضرر الذي هو فيه»
اختُلِف في معنى الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ على أقوال: الأول: أنّ الاستثناء يرجع إلى مدة مَن لَبِث في النار مِن الموحِّدين، ثم أُدخِل الجنة. الثاني: أنّ المعنى: ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ مِن الزيادة على قدر مدة دوام السماوات والأرض. وزاد ابنُ جرير (١٢/٥٨٦-٥٨٧) أقوالًا عن أهل العربية: «فقال بعضهم: في ذلك معنيان: أحدهما: أن تجعله استثناءً يستثنيه ولا يفعله، كقولك: واللهِ، لأضربنَّك إلا أن أرى غير ذلك. وعزمُك على ضربه، قال: فكذلك قال: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّمَواتُ والأَرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾، ولا يشاؤه. قال: والقول الآخر: أنّ العرب إذا استثنت شيئًا كثيرًا مع مثله، ومع ما هو أكثر منه؛ كان معنى إلا ومعنى الواو سواءً، فمن ذلك قوله: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّمَواتُ والأَرْضُ﴾ سوى ما شاء الله من زيادة الخلود، فيجعل ﴿إلا﴾ مكان»سوى«فيَصْلُح، وكأنه قال: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض سوى ما زادهم من الخلود والأبد... وقد وصل الاستثناء بقوله: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، فدلَّ على أن الاستثناء لهم بقوله في الخلود غير منقطع عنهم. وقال آخرون منهم بنحو هذا القول، وقالوا: جائزٌ فيه وجهٌ ثالثٌ، وهو أن يكون استثنى من خلودهم في الجنة احتباسهم عنها ما بين الموت والبعث، وهو البرزخ، إلى أن يصيروا إلى الجنة، ثم هو خلود الأبد، يقول: فلم يغيبوا عن الجنة إلا بقدر إقامتهم في البرزخ. وقال آخرون منهم: جائزٌ أن يكون دوام السموات والأرض بمعنى الأبد على ما تعرف العرب وتستعمل وتستثني المشيئة من دوامها؛ لأن أهل الجنة وأهل النار قد كانوا في وقتٍ من أوقات دوام السماوات والأرض في الدنيا لا في الجنة، فكأنه قال: خالدين في الجنة وخالدين في النار دوام السماء والأرض، إلا ما شاء ربك من تعميرهم في الدنيا قبل ذلك». ثم رجَّح مستندًا إلى الأشهر من لغة العرب القول الأول، وهو قول الضحاك، ومقاتل، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الأَشْهَرَ مِن كلام العرب في ﴿إلا﴾ توجيهها إلى معنى الاستثناء، وإخراج معنى ما بعدها مما قبلها، إلا أن يكون معها دلالةٌ تدل على خلاف ذلك، ولا دلالة في الكلام -أعني: في قوله: ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾- تدل على أنّ معناها غير معنى الاستثناء المفهوم في الكلام فيوجَّه إليه». وذكر ابنُ عطية (٥/٢٢) أنّ الأقوال المترتبة في استثناء الآية السابقة (١٠٧) تترتب هاهنا إلا تأويل مَن قال: هو استثناء المدة التي تخرب فيها جهنم، فإنه لا يترتب مثله في هذه الآية، وكذا تأويل مَن قال في تلك: إنّ الاستثناء هو من قوله: ﴿فَفِي النّارِ﴾
انتقد ابنُ تيمية في منهاج السنة النبوية (٧/ ٦٠ -٦٨) هذا الأثر مستندًا إلى الإجماع، وأحوال النزول، والأدلة العقلية، والتاريخية، فقال -بتصرف-: ""والجواب من وجوه:أحدها: المطالبة بصحته، وذلك أن القول بلا علم حرام بالنص والإجماع.... الثاني: أن هذا كذب باتفاق أهل العلم بالحديث.... الوجه الثالث: أنه مما يبين أنه كذب أن فيه ابن عباس شهد نزول سورة النجم حين انقض الكوكب في منزل علي، وسورة النجم باتفاق الناس من أول ما نزل بمكة، وابن عباس حين مات النبي ﷺ كان مراهقًا للبلوغ لم يحتلم بعد، هكذا ثبت عنه في الصحيحين. فعند نزول هذه الآية: إما أن ابن عباس لم يكن وُلد بعد، وإما أنه كان طفلًا لا يميز، فإن النبي ﷺ لما هاجر كان لابن عباس نحو خمس سنين، والأقرب أنه لم يكن وُلد عند نزول سورة النجم، فإنها من أوائل ما نزل من القرآن. الوجه الرابع: أنه لم ينقض قط كوكب إلى الأرض بمكة ولا بالمدينة ولا غيرهما، ولما بُعث النبي ﷺ كثر الرمي بالشهب، ومع هذا فلم ينزل كوكب إلى الأرض، وهذا ليس من الخوارق التي تعرف في العالم، بل هو من الخوارق التي لا يعرف مثلها في العالم، ولا يروي مثل هذا إلا مَن هو مِن أوقح الناس، وأجرؤهم على الكذب، وأقلهم حياء ودينًا، ولا يروج إلا على من هو مِن أجهل الناس وأحمقهم، وأقلهم معرفة وعلمًا. الوجه الخامس: أن نزول سورة النجم كان في أول الإسلام، وعلِيٌّ إذ ذاك كان صغيرًا، والأظهر أنه لم يكن احتلم ولا تزوج بفاطمة، ولا شُرع بعد فرائض الصلاة أربعًا وثلاثًا واثنين، ولا فرائض الزكاة، ولا حج البيت، ولا صوم رمضان، ولا عامة قواعد الإسلام. وأمر الوصية بالإمامة لو كان حقًّا إنما يكون في آخر الأمر كما ادعوه يوم غدير خم، فكيف يكون قد نزل في ذلك الوقت؟! الوجه السادس: أن أهل العلم بالتفسير متفقون على خلاف هذا، وأن النجم المقسم به: إما نجوم السماء، وإما نجوم القرآن، ونحو ذلك. ولم يقل أحد: إنه كوكب نزل في دار أحد بمكة. الوجه السابع: أن من قال لرسول الله ﷺ: «غويت» فهو كافر، والكفار لم يكن النبي ﷺ يأمرهم بالفروع قبل الشهادتين والدخول في الإسلام. الوجه الثامن: أن هذا النجم إن كان صاعقة فليس نزول الصاعقة في بيت شخص كرامة له، وإن كان من نجوم السماء فهذه لا تفارق الفلك، وإن كان مِن الشهب فهذه يُرمى بها رجومًا للشياطين، وهي لا تنزل إلى الأرض، ولو قُدِّر أن الشيطان الذي رمي بها وصل إلى بيت علِيٍّ حتى احترق بها فليس هذا كرامة له، مع أن هذا لم يقع قط""
اختُلف في معنى: ﴿وأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: تعالى أمْر ربِّنا وسلطانه وقدرته. الثاني: عظمة ربِّنا. الثالث: جلال ربِّنا. الرابع: ذِكْرُه. الخامس: الجَد الذي هو أبو الأب، وقالوا: كان ذلك جَهْلةً مِن كلام الجنّ. السادس: غِنى ربِّنا. ووجَّه ابنُ عطية (٨/٤٢٦) القول السادس بقوله: «فهذا هو من الجَدّ الذي قال فيه رسول الله ﷺ: «ولا ينفع ذا الجَد منك الجَد»». وعلَّق على القول الثاني والثالث والرابع بقوله: «وهذا كلّه متَّجه؛ لأنّ الجَدَّ هو حظّ المجدود من الخيرات والأوصاف الجميلة، وجَدُّ الله تعالى هو الحظّ الأكمل من السلطان القاهر والصفات العلية والعظمة، ومن هذا قول اليهودي حين قدم رسول الله ﷺ المدينة: يا بني قيلة، هذا جَدُّكم الذي تنتظرون. أي: حظّكم من الخيرات وبختكم». ورجَّح ابنُ جرير (٢٣/٣١٥) -مستندًا إلى لغة العرب، ودلالة العقل- القول الأول والثاني، وانتقد القول الخامس، فقال: «وأَوْلى الأقوال في ذلك عندنا بالصَّواب قولُ مَن قال: عُنِيَ بذلك: تعالتْ عظمةُ ربِّنا وقُدْرَتُه وسُلْطانُه. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لأن للجَدِّ في كلام العرب معنيين: أحدهما: الجَدُّ الذي هو أبو الأب، أو أبو الأُمّ. وذلك غير جائزٍ أنْ يوصف به هؤلاء النّفر الذين وصفهم الله بهذه الصفة، وذلك أنهم قد قالوا: ﴿فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحدًا﴾، ومَن وصف الله بأن له والدًا أو جدًّا -وهو أبو الأب أو أبو الأُمّ- فلا شكّ أنه من المشركين. والمعنى الآخر: الجَدُّ الذي هو بمعنى الحظ؛ يقال: فلانٌ ذو جَدٍّ في هذا الأمْر: إذا كان له حظٌّ فيه، وهو الذي يقال له بالفارسية: البَخْت، وهذا المعنى الذي قصده هؤلاء النّفر من الجنّ بقيلهم: ﴿وأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ إن شاء الله. وإنما عَنَوا أنّ حُظْوَته مِن المُلك والسلطان والقدرة والعظمة عالية، فلا تكون له صاحبة ولا ولد؛ لأنّ الصاحبة إنما تكون للضعيف العاجز الذي تضطرُّه الشهوة الباعثة إلى اتخاذها له، وأنّ الولد إنما يكون عن شهوة أزعَجَتْه إلى البِضاع الذي يَحدث منه الولد، فقال النّفر من الجنّ: عَلا مُلك ربِّنا وسلطانه وقدرته وعظمته أنْ يكون ضعيفًا ضَعْفَ خَلْقه الذين تضْطَرُّهم الشهوة إلى اتخاذ صاحبة، أو وِقاع شيءٍ يكون منه ولد. وقد بيَّن عن صحة ما قلنا في ذلك إخبار الله عنهم أنهم قالوا: ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾، فأَخبَر -جلَّ ثناؤه- أنهم إنما نزّهوا الله عن اتخاذ الصاحبة والولد بقوله: ﴿وأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾»