عن عبد الله بن عباس -من طريق شِمْر بن عطية- أنه جاء إلى كعب الأحبار، وسأله عن قوله: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّين﴾. قال: إنّ روح الفاجر يُصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تَقبلها، فيُهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تَقبلها، فيُدخل بها تحت سبع أرضين، حتى يُنتهى بها إلى سِجِّين، وهو خدُّ إبليس، فيُخرج لها مِن تحت خدّ إبليس كتاب، فيُختم، ويوضع تحت خدّ إبليس لهلاكه للحساب، فذلك قوله تعالى: ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّين كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾، وقوله: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأَبْرارِ لَفِي عِلِّيّين﴾ [المُطفِّفين:١٨]. قال: إنّ روح المؤمن إذا قُبِضَت عُرِج بها إلى السماء، فتنفتح لها أبواب السماء، وتلقاه الملائكةُ بالبشرى حتى يُنتهى بها إلى العرش، وتَعرج الملائكة، فيُخرج لها من تحت العرش رقٌّ، فيُرقم، ويُختم، ويوضع تحت العرش لمعرفة النجاة للحساب يوم القيامة، ويشهد الملائكة المُقرَّبون، فذلك قوله: ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيّون كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المُطفِّفين:١٩-٢٠]
عن أُبيّ بن كعب، أنّ أبا هريرة قال: يا رسول الله، ما أول ما رأيتَ مِن أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله ﷺ جالسًا، وقال: «لقد سألتَ، أبا هريرة! إني لفي صحراء ابن عشر سنين وأشهر إذا بكلام فوق رأسي، وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو؟ فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخَلْق قطّ، وأرواح لم أجدها مِن خَلْق قطّ، وثياب لم أجدها على أحد قطّ، فأَقبلا إليّ يمشيان، حتى أخذ كلُّ واحد منهما بعضدي، لا أجد لأخْذهما مسًّا، فقال أحدهما لصاحبه: أضجِعه. فأضجَعاني بلا قَصْر ولا هَصْر، فقال أحدهما: افلِقْ صدره. فهوى أحدهما إلى صدري، ففَلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أخرِج الغِلّ والحسد. فأخرَج شيئًا كهيئة العَلقة، ثم نبذها فطَرحها، فقال له: أدخِل الرأفة والرحمة. فإذا مثل الذي أخرج شِبْه الفِضّة، ثم هز إبهام رجلي اليمنى، وقال: اغدُ، واسلَمْ. فرجعتُ بها أغدو بها رِقّة على الصغير، ورحمة للكبير»
نقل ابنُ عطية (٣/٥٣٦) في قوله تعالى: ﴿وناداهُما﴾ عن الجمهور أن «هذا النداء نداءُ وحيٍ بواسطة». ثم علَّق عليه بقوله: «ويُؤَيِّد ذلك أنّا نتلقى من الشرع أنّ موسى عليه السلام هو الذي خُصِّص بين العالَم بالكلام، وأيضًا ففي حديث الشفاعة أنّ بني آدم المؤمنين يقولون لموسى يوم القيامة: «أنت خصَّك الله بكلامه، واصطفاك برسالته؛ اذهب فاشفع للناس». وهذا ظاهره أنه مُخَصَّص... ويُؤَيَّد أنّه نداء وحي اشتراكُ حواء فيه، ولم يُرْوَ قطُّ أنّ الله عز وجل كلم حواء». ونَقَل عن فرقة قولهم: «بل هو نداء تكليم». ثم علَّق عليه بقوله: «وحُجَّة هذا المذهب أنّه وقع في أول ورقة من تاريخ ابن أبي خيثمة أنّ رسول الله ﷺ سُئِل عن آدم. فقال: «نبيٌّ مُكَلَّم». وأيضًا فإنّ موسى خُصِّص بين البشر الساكنين في الأرض، وأمّا آدم إذ كان في الجنة فكان في غير رتبة سكان الأرض، فليس في تكليمه ما يُفْسِد تخصيص موسى عليه السلام... ويُتَأَوَّل قوله عليه الصلاة والسلام: «نبيٌّ مُكَلَّم». أنه بمعنى: مُوصَل إليه كلام الله -تبارك وتعالى-»
اختُلِف في قوله: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ على قولين: الأول: أنّ معناه: وما قلنا: إنّه سرق. إلّا بظاهر علمنا حين رأينا صواعُ الملك في وعائه. الثاني: أنّ معناه: وما شهدنا عند يوسف بأنّ السارق يؤخذ بسرقته إلا بما علمنا. وقد رجّح ابنُ جرير (١٣/٢٩٠) مستندًا إلى السياق القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّه عقيب قوله: ﴿إن ابنك سرق﴾، فهو بأن يكون خبرًا عن شهادتهم بذلك أولى مِن أن يكون خبرًا عما هو منفصل». وبيّن ابنُ عطية (٥/١٣١-١٣٢) أنّ قوله: ﴿وما كنا للغيب حافظين﴾ على القول الأول معناه: والعلم في الغيب إلى الله، ليس ذلك في حفظنا. وعلى الثاني معناه: وما كُنّا للغيب حافظين أنّ السرقة تخرج مِن رَحِل أحدنا. ثم قال عقب ذكره الخلاف: «ويحتمل قوله: ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ أي: حين واثقناك، إنّما قصدنا ألا يقع مِنّا نحن في جهته شيء يكرهه، ولم نعلم الغيب في أنّه سيأتي هو بما يوجب رِقَّه عندك إلا بما علمناه مِن ظاهر حاله، وما كنا بالليل حافظين لِما يقع مِن سرقته هو، أو التدليس عليه»
عن سمرة بن جندب -من طريق الحسن البصري- قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا توضأ العبدُ لصلاة مكتوبة، فأسبغ الوضوء، ثم خرج من باب داره يريد المسجد، فقال حين يخرج: باسم الله ﴿الذي خلقني فهو يهدين﴾. هداه الله للصواب -ولفظ ابن مردويه: لصواب الأعمال-، ﴿والذي هو يطعمني ويسقين﴾. أطعمه الله من طعام الجنة، وسقاه من شراب الجنة، ﴿واذا مرضت فهو يشفين﴾. شفاه الله، وجعل مرضه كفارة لذنوبه، ﴿والذي يميتني ثم يحيين﴾. أحياه الله حياة السعداء، وأماته ميتة الشهداء، ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾. غفر الله له خطاياه كلها، وإن كانت أكثر مِن زَبَد البحر، ﴿رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين﴾. وهب الله له حكمًا، وألحقه بصالح مَن مضى، وصالح مَن بقي، ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾. كتب في ورقة بيضاء: إنّ فلان بن فلان من الصادقين. ثم يوفقه الله بعد ذلك للصدق، ﴿واجعلني من ورثة جنة النعيم﴾. جعل الله له القصور والمنازل في الجنة». وكان الحسن يزيد فيه: «واغفر لوالدي كما ربياني صغيرًا»
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: فلقد غَرِقَتِ الأرضُ وما فيها، وانتهى الماء إلى ما انتهى إليه، وما جاوز الماءُ ركبتَه، ودأب الماءُ حين أرسله خمسين ومائة، كما يزعم أهل التوراة، فكان بين أن أرسل اللهُ الطوفان وبين أن غاض الماءُ سِتَّة أشهر وعشر ليال، ولَمّا أراد الله أن يَكُفَّ ذلك أرسل الله ريحًا على وجه الماء، فسكن الماءُ، واشتَدَّت ينابيع الأرض الغَمْرُ الأكبر وأبواب السماء، فجعل الماء ينقص ويَغِيض ويُدْبِر، فكان استواءُ الفلك على الجُودِيِّ -فيما يزعم أهل التوراة- في الشهر السابع لسبع عشرة ليلة مَضَت منه، وفي أول يوم من الشهر العاشر رَأى رؤوسَ الجبال، فلمّا مضى بعد ذلك أربعون يومًا فتح نوح -عليه الصلاة والسلام- كُوَّةُ الفُلْك التي صنع فيها، ثم أرسل الغراب لينظر له ما فعل الماء، فلم يرجع إليه، فأرسل الحمامة، فرجعت إليه، فلم يجد لرجلها موضعًا، فبسط يده للحمامة، فأخذها، فأدخلها، فمكث سبعة أيام ثم أرسلها لتنظر له، فرجعت إليه حين أمْسَت وفي فمها ورقة زيتونة، فعلم نوحٌ أنّ الماء قد قَلَّ عن وجه الأرض، ثم مكث سبعة أيام، ثم أرسلها، فلم ترجع إليه، فعلم نوحٌ أنّ الأرض قد بَرَزَتْ
عن عمران بن أبي أنس، قال: كان أول مَن ظاهَر في الإسلام أوْس بن الصّامت، وكان به لَمَمٌ، وكان يُفِيق أحيانًا، فَلاحى امرأته خَوْلَة بنت ثَعْلَبة في بعض صَحواته، فقال: أنتِ عَلَيَّ كظَهْر أُمّي. ثم ندم، فقال: ما أراكِ إلا قد حَرُمتِ عَلَيَّ. قالتْ: ما ذكرتَ طلاقًا! فأتَتِ النبيَّ ﷺ، فأَخبَرتْه بما قال، وجادلتْ رسول الله ﷺ مرارًا، ثم قالت: اللهم، إنّي أشكو إليك شِدَّة وحْدتي، وما يشقّ عليّ مِن فِراقه. قالت عائشة: فلقد بكيتُ وبكى مَن كان في البيت رحمةً لها، ورِقّة عليها، ونزل على رسول الله ﷺ الوحي، فسُرِّي عنه وهو يَبتَسم، فقال: «يا خَوْلَة، قد أنزل اللهُ فيكِ وفيه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾». ثم قال: «مُريه أن يُعْتِق رقبة». قالت: لا يجد. قال: «فمُريه أن يصوم شهرين متتابعين». قالت: لا يُطيق ذلك. قال: «فمُريه فَليُطْعِم ستين مسكينًا». قالت: وأنّى له؟! قال: «فمُريه، فليأتِ أُمَّ المُنذر بنت قيس، فليأخذ منها شَطر وسْق تمر، فَليتصدَّق به على ستين مسكينًا». فرجعتْ إلى أوْس، فقال: ما وراءكِ؟ قالت: خيرٌ وأنت ذميم. ثم أخبرتْه، فأتى أُمّ المُنذر، فأخذ ذلك منها، فجعل يُطْعِم مُدَّين مِن تمر كلّ مسكين
بَيَّن ابن جرير (٦/٦١٧) معنى الآية مستندًا إلى أقوال السلف، فقال: «يعني -جل ثناؤه- بذلك: وأن تصبروا أيها الناس عن نكاح الإماء خيرٌ لكم، والله غفور لكم نكاحَ الإماء أن تنكحوهن على ما أحلّ لكم وأذن لكم به، وما سلف منكم في ذلك؛ إن أصلحتم أمورَ أنفسكم فيما بينكم وبين الله، رحيمٌ بكم إذ أذن لكم في نكاحهن عند الافتقار وعدم الطَّوْل للحُرَّة». وقال ابنُ كثير (٣/٤٤٢): «من هذه الآية الكريمة استدلَّ جمهورُ العلماء في جواز نكاح الإماء على أنّه لا بد من عدم الطول لنكاح الحرائر، ومن خوف العنت؛ لما في نكاحهن من مفسدةِ رقِّ الأولاد، ولما فيهن من الدناءة في العدول عن الحرائر إليهن. وخالف الجمهورَ أبو حنيفة وأصحابه في اشتراط الأمرين، فقالوا: متى لم يكن الرجل مُزَوَّجًا بحُرَّة جاز له نكاح الأمة المؤمنة والكتابية أيضًا، سواء كان واجدًا الطول لحرة أم لا، وسواء خاف العنت أم لا، وعمدتهم فيما ذهبوا إليه قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ [المائدة:٥] أي: العفائف، وهو يعمّ الحرائر والإماء، وهذه الآية عامة، وهذه أيضًا ظاهرة في الدلالة على ما قاله الجمهور»
قال ابنُ جرير (١٤/٣٨٧-٣٨٨): «قوله تعالى: ﴿فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا، واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون﴾، يقول -تعالى ذكره-: فكلوا -أيها الناس- مما رزقكم الله من بهائم الأنعام التي أحلها لكم حلالًا طيبًا مذكاة غير محرمة عليكم». ثم ذكر قولًا آخر، فقال: «وكان بعضهم يقول: إنما عنى بقوله: ﴿فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا﴾: طعامًا كان بَعَث به رسول الله ﷺ إلى المشركين من قومه في سني الجدب والقحط رقة عليهم، فقال الله تعالى للمشركين: ﴿فكلوا مما رزقكم الله﴾ من هذا الذي بعث به إليكم ﴿حلالًا طيبًا﴾». وانتقده مستندًا إلى السياق، فقال: «وذلك تأويل بعيد مما يدل عليه ظاهر التنزيل، وذلك أن الله تعالى قد أتبع ذلك بقوله: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم﴾ الآية والتي بعدها، فبين بذلك أن قوله: ﴿فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا﴾ إعلامٌ من الله عباده أن ما كان المشركون يحرمونه من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك مما قد بينا قبل فيما مضى لا معنى له؛ إذ كان ذلك من خطوات الشيطان، فإن كل ذلك حلال لم يحرم الله منه شيئًا». ووافقه ابنُ عطية (٥/٤٢٠) بقوله: «وكذلك هو فاسد من غير وجه»
عن عبد الله بن مسعود، قال: إنّ بني إسرائيل لَمّا طال عليهم الأَمد، فقَسَتْ قلوبهم؛ اخترعوا كتابًا من عند أنفسهم، استهوتْه قلوبُهم، واستحلّته ألسنتهم، وكان الحقّ يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، فقالوا: اعْرِضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل؛ فإن تابعوكم فاتركوهم، وإنْ خالفوكم فاقتلوهم. قالوا: لا، بل أرسِلوا إلى فلان -رجل من علمائهم-، فاعرِضوا عليه هذا الكتاب؛ فإن تابعكم فلن يخالفكم أحدٌ بعده، وإنْ خالفكم فاقتلوه، فلن يختلف عليكم أحد بعده. فأرسَلوا إليه، فأخذ ورقةً، وكتب فيها كتاب الله، فوضعها في قَرَنٍ، ثم علّقها في عُنقه، ثم لبس عليه الثياب، فعرَضوا عليه الكتاب، فقالوا: أتؤمن بهذا؟ فأومأ إلى صدره، فقال: آمنتُ بهذا، وما لي لا أومن بهذا؟! يعني: الكتاب الذي فيه القَرَن. فخلّوا سبيله، وكان له أصحاب يَغْشَونه، فلمّا مات وجدوا القَرَن الذي فيه الكتاب مُعلّقًا عليه، فقالوا: ألا ترون إلى قوله: آمنتُ بهذا، ومالي لا أومن بهذا؟! إنما عنى: هذا الكتاب. فاختلف بنو إسرائيل على بضعٍ وسبعين مِلّة، وخير مِلَلهم أصحابُ ذي القَرَن. قال عبد الله: وإنّ مَن بقي منكم سيرى منكرًا، وبحسب امرئٍ يرى منكرًا لا يستطيع أن يغيّره أن يعلم اللهُ مِن قلبه أنّه له كارِه