أفادت الآثار أنّ الآيات الخمس الأولى من سورة العلق هي أول آيات القرآن نزولًا. وقد ذكر ذلك ابنُ عطية (٨/٦٥١)، وذكر قولين آخريين، فقال: «ورُوي من طريق جابر بن عبد الله أنّ أول ما نزل: ﴿يا أيها المدثر﴾. وقال أبو مَيْسرة عمرو بن شرحبيل: أول ما نزل فاتحة الكتاب». ثم رجّح -مستندًا إلى السنة- القول الأول، فقال: «والقول الأول أصح، والترتيب في إخبار النبي ﷺ يقتضي ذلك»
عن بُرَيْدة بن الحُصَيب: أنّ معاذ بن جبل صلّى بأصحابه صلاة العشاء، فقرأ فيها: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾، فقام رجلٌ مِن قبل أن يفرغ، فصلّى وذهب، فقال له معاذ قولًا شديدًا، فأتى الرجلُ النبيَّ ﷺ، فاعتذر إليه، فقال: إني كنتُ أعمل في نخلٍ، وخِفتُ على الماء. فقال رسول الله ﷺ: «صلِّ بـ«الشمس وضحاها»، ونحوها من السور»
عن جابر بن عبد الله -من طريق سالم بن أبي الجَعد- قال: بينما النبيُّ ﷺ يَخطب يوم الجُمُعة قائمًا إذ قَدِمت عِير المدينة، فابتَدرها أصحاب رسول الله ﷺ حتى لم يَبق منهم إلا اثنا عشر رجلًا؛ أنا فيهم، وأبو بكر، وعمر؛ فأنزل الله: ﴿وإذا رَأَوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ إلى آخر السورة
عن عبد الله بن عمرو بن العاص -من طريق أبي عبد الرحمن الحبلي- قال: أُنزلتْ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزالَها﴾ وأبو بكر الصِّدِّيق قاعد، فبكى، فقال له رسول الله ﷺ: «ما يبكيك، يا أبا بكر؟». قال: يبكيني هذه السورة. فقال: «لولا أنكم تُخطِئون وتُذنِبون فيُغفر لكم لخَلق الله أُمَّة يُخطِئون ويُذنِبون فيغفر لهم»
عن عُقبة بن عامر، أنّ النبيَّ ﷺ قال: «يا عُقبة بن عامر، ألا أعلّمك خير ثلاث سور أُنزِلَتْ في التوراة والإنجيل والزّبور والفرقان العظيم؟». قلتُ: بلى، جعلني الله فداك. قال: فأقرأني: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ﴾، و﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾. ثم قال: «يا عُقبة، لا تنساهنّ، ولا تَبِتْ ليلة حتى تقرأهنّ»
ذكر ابنُ عطية (٨/٥٣٨) اختلافًا في عود الضمير في قوله: ﴿إنها تذكرة﴾ الأول: إنّ هذه السورة. الثاني: إنّ هذه المعتبة تذكرة لك، يا محمد. الثالث: آيات القرآن. كما في قول مقاتل. ثم علّق على القول الثاني: «ففي هذا التأويل إجلال لمحمد ﷺ، وتأنيس له». وذكر أنّ تعلق قوله تعالى: ﴿في صحف﴾ بقوله: ﴿تذكرة﴾ يؤيد أنّ التذكرة يراد بها جميع القرآن
رَجَّحَ ابنُ جرير (١/٤٣٢-٤٣٣ بتصرف) أن يكون قوله تعالى: ﴿يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا﴾ خبرًا مُسْتَأْنَفًا من الله ﷻ؛ مُسْتَنِدًا في ذلك إلى النظائر، وما ورد عن السلف، فقال: «وهذا خبر من الله -جل ثناؤه- مبتدأ، ومعنى الكلام: أنّ الله يُضِلُّ بالمَثَل الذي يضربه كثيرًا من أهل النفاق والكفر. وقد زعم بعضهم أنّ ذلك خبرٌ عن المنافقين، كأنهم قالوا: ماذا أراد الله بمَثَلٍ لا يعرفه كل أحد، يضل به هذا ويهدي به هذا. ثم استؤنف الكلام والخبر عن الله، فقال الله: ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾. وفيما في سورة المدثر من قول الله: ﴿وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا. كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء﴾ [المدثر:٣١] ما يُنبِئ عن أنه في سورة البقرة كذلك مبتدأ». وذكر ابن عطية (١/١٥٨) احتمالًا آخر، وهو: «أن يكون قوله تعالى: ﴿ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ إلى آخر الآية ردًّا من الله تعالى على قول الكفار: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾»
قال ابنُ عطية (٣/٤٨٠-٤٨١): «هذه الآية نزلت بمكة، ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت شيءٌ مُحَرَّم غير هذه الأشياء، ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة، وزِيدَ في المحرمات؛ كالمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة. فإنّ هذه وإن كانت في حكم الميتة فكان في النظر احتمال أن تلحق بالمذكيات؛ لأنها بأسباب وليست حتف الأنف. فلما بيَّن النصُ إلحاقها بالميتة كان زيادة في المحرمات، ثم نزل النص على رسول الله ﷺ في تحريم الحمر بوحي غير معجز، وبتحريم كل ذي ناب من السباع، فهذه كلها زيادات في التحريم». وقال ابنُ كثير (٦/١٩٤): «قيل: معناه: لا أجد شيئًا مما حرَّمتم حرامًا سوى هذه. وقيل: معناه: لا أجد من الحيوانات شيئًا حرامًا سوى هذه. فعلى هذا يكون ما ورد من التحريمات بعد هذا في سورة المائدة وفي الأحاديث الواردة رافعًا لمفهوم هذه الآية، ومِن الناس مَن يسمي ذلك نسخًا، والأكثرون من المتأخرين لا يسمونه نسخًا؛ لأنّه من باب رفع مباح الأصل». وبنحو كلام ابن كثير قال ابنُ تيمية (٢/١٠٩)
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ نزلت في المُستهزئين مِن قريش، وذلك أنّ النبي ﷺ قرأ بمكة: ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ فلما قرأ: ﴿أفَرَأَيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم:١٩-٢٠] ألقى الشيطانُ على لسانه في وسَنه، فقال: تلك الغَرانيق العُلا، عندها الشفاعة تُرتجى. فقال أبو جهل بن هشام، وشيبة وعُتبة ابنا ربيعة، وأُميّة بن خلف، والعاص بن وائل، والمستهزؤون من قريش عشيًّا في دبُر الكعبة: لا تفارقنا يا محمد إلا على أحد الأمرين؛ ندخل معك في بعض دينك ونعبد إلهك، وتدخل معنا في بعض ديننا وتعبد آلهتنا، أو تتبرأ من آلهتنا ونتبرأ من إلهك. فأنزل الله عز وجل فيهم تلك الساعة: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ إلى آخر السورة، فأتاهم النبيُّ ﷺ بعدُ، فقال: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [السورة]، ثم انصرف عنهم، فقال بعضهم: تبرّأ هذا منكم فشتموه وآذوه
ظاهر هذا الأثر يُوحِي بنزول هذه الآية بالمدينة، ولهذا علّق ابنُ كثير (١١/٣٤٩) على هذا الأثر بقوله: «وفيه غرابة من حيث ذكر نزول هذه الآية، والسورة بكمالها مكية». وانتقد ابنُ عطية (٧/٢٣١) ذلك بقوله: «وليس الأمر كذلك». ثم وجّه التعبير بالنزول في هذه الآية بقوله: «وإنما نزلت الآية بمكة، ولكنه احتجَّ بها عليهم في المدينة، ووافقها قول النبي ﷺ في المعنى، فمِن هنا قال مَن قال: إنها نزلت في بني سلمة». وذكر ابنُ القيم (٢/٣٥٩) هذا الأثر في مستندات مَن قال بنزول الآية في بني سلمة، ثم انتقده مستندًا لأحوال النزول بقوله: «وفي هذا القول نظر؛ فإن سورة يس مكية، وقصة بني سلمة بالمدينة، إلا أن يقال: هذه الآية وحدها مدنية، وأحسن مِن هذا أن تكون ذكرت عند هذه القصة، ودلَّت عليها، وذُكِّروا بها عندها؛ إمّا من النبي ﷺ، وإما من جبريل، فأطلق على ذلك النزول، ولعل هذا مراد مَن قال في نظائر ذلك: نزلت مرتين»