عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس -من طريق ابن إسحاق- أنه حدّث: أنّهم نظروا إلى الهَضَبَة حين دعا اللهَ صالحٌ بما دَعا به، تَتَمَخَّض بالناقة تَمَخُّض النَّتُوجُ بولدها، فتحركت الهضبة، ثم انتَفَضَت بالناقة، فانصَدَعَتْ عن ناقةٍ -كما وصفوا- جَوْفاء وبْراء نَتُوجًا، ما بين جنبيها لا يعلمه إلا الله عِظَمًا، فآمن به جُندَعُ بن عمرو ومَن كان معه على أمره مِن رَهْطِه، وأراد أشرافُ ثمود أن يؤمنوا به ويُصَدِّقوا، فنهاهم ذُؤابُ بن عمرو بن لبيد، والحُبابُ صاحب أوثانهم، ورَبابُ بن صَمْعَرِ بن جَلْهسٍ، وكانوا من أشراف ثمود، فردُّوا أشرافَها عن الإسلام، والدخول فيما دعاهم إليه صالح من الرحمة والنجاة. وكان لجُندَعٍ ابنُ عمٍّ يُقال له: شهاب بن خليفة بن مخلاةَ بن لبيد بن جَوّاسٍ، فأراد أن يُسْلِم، فنهاه أولئك الرهط عن ذلك، فأطاعهم، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها، فقال رجل من ثمود يُقال له: مهْرَشُ بنُ غَنمةَ بنِ الدُّمَيلِ، وكان مسلمًا: وكانت عُصبة من آل عمرو إلى دين النبيِّ دعوا شهابا عزيز ثمود كلهم جميعًا فهَمَّ بأن يُجِيب ولو أجابا لأصبح صالحًا فينا عزيزًا وما عدلوا بصاحبهم ذُؤابا ولكن الغُواةَ مِنَ الِ حُجْرٍ تولوا بعد رشدهم ذئابا فمكثت الناقة التي أخرجها الله لهم معها سَقْبُها في أرض ثمود، ترعى الشجر، وتشرب الماء، فقال لهم صالح عليه السلام: ﴿هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم﴾. وقال الله لصالح: إنّ الماء ﴿قسمة بينهم كل شرب محتضر﴾ [القمر:٢٨]. أي: أنّ الماء نصفان: لهم يوم، ولها يوم، وهي مُحْتَضَرَة، فيومها لا تَدَعُ شُرْبَها. وقال: ﴿لها شرب ولكم شرب يوم معلوم﴾ [الشعراء:١٥٥]. فكانَتْ -فيما بلغني، والله أعلم- إذا ورَدَتْ -وكانت تَرِدُ غِبًّا- وضَعَتْ رأسها في بئر في الحِجْر، يُقال لها: بئر الناقة، فيزعمون أنّها منها كانت تشرب، إذا وردت تضع رأسها فيها، فما ترفعه حتى تشرب كُلَّ قطرةِ ماءٍ في الوادي، ثم ترفع رأسها فتفشَّحُ -يعني: تَفَحَّجُ لهم-، فيحتلبون ما شاءوا من لبن، فيشربون، ويَدَّخِرون، حتى يملئوا كُلَّ آنيتهم، ثم تصدر مِن غير الفجِّ الذي منه ورَدْت، لا تقدر على أن تصدر من حيث تَرِد؛ يضيق عنها، فلا ترجع منه، حتى إذا كان الغدُ كان يومهم، فيشربون ما شاءوا من الماء، ويدَّخرون ما شاءوا ليوم الناقة، فهم من ذلك في سَعَة. وكانت الناقة -فيما يذكرون- تصيفُ إذا كان الحرُّ ظهرَ الوادي، فتهرب منها المواشي؛ أغنامهم وأبقارهم وإبلهم، فتهبط إلى بطن الوادي في حرِّه وجَدْبِه، وذلك أنّ المواشي تنفر منها إذا رأتها، وتشتو في بطن الوادي إذا كان الشتاء، فتهرب مواشيهم إلى ظهر الوادي في البرد والجدب، فأضرَّ ذلك بمواشيهم؛ للبلاء والاختبار. وكانت مراتِعُها -فيما يزعمون- الجَنابَ وحِسْمى، كل ذلك ترعى مع وادي الحِجْر، فكَبُر ذلك عليهم، فعَتَوْا عن أمر ربهم، وأجمعوا في عَقْرِ الناقة رأيَهم. وكانت امرأةٌ من ثمود يُقال لها: عُنَيزةُ بنت غُنمٍ بن مِجْلَزِ، تُكنى بأم غُنمٍ، وهي من بني عبيد بن المهلِ أخي زُمَيلِ بن المهلِ، وكانت امرأة ذُؤابِ بن عمرو، وكانت عجوزًا مُسِنَّة، وكانت ذات بنات حِسان، وكانت ذات مال مِن إبل وبقر وغنم، وامرأة أخرى يُقال لها: صَدُوفُ بنتُ المحيّا بن زهير بن المحيّا سيد بني عبيد وصاحب أوثانهم في الزمن الأول، وكان الوادي يُقال له: وادي المحيّا، وهو المحيّا الأكبر جد المحيّا الأصغر أبي صَدُوفَ. وكانت صَدُوفُ مِن أحسن الناس، وكانت غنيةً ذات مال من إبل وغنم وبقر، وكانتا مِن أشد امرأتين في ثمود عداوةً لصالحٍ، وأعظمه به كُفْرًا، وكانتا تحتالان أن تُعقر الناقة مع كفرهما به لِما أضَرَّت به من مواشيهما. وكانت صَدُوفُ عند ابنِ خالٍ لها يُقال له: صنيمُ بن هراوةَ بن سعد بن الغطريفِ من بني هليلٍ، فأسلم، فحسُن إسلامُه، وكانت صَدُوفُ قد فَوَّضت إليه مالَها، فأنفقه على من أسلم معه مِن أصحاب صالح حتى رَقَّ المالُ، فاطَّلعت على ذلك من إسلامه صَدُوفُ، فعاتبته على ذلك، فأظهر لها دينه، ودعاها إلى الله وإلى الإسلام، فأَبَتْ عليه، وسَبَّتْ له، فأخذت بنيه وبناته منه، فغيَّبَتْهم في بني عبيد؛ بطنها الذي هي منه، وكان صنيم زوجها من بني هليلٍ، وكان ابنَ خالها، فقال لها: رُدِّي عَلَيَّ ولدي. فقالت: حتى أُنافِرَك إلى بني صنعان بن عبيد أو إلى بني جُندَعِ بن عبيد. فقال لها صنيمٌ: بل أنا أقول إلى بني مِرْداس بن عبيد. وذلك أن بني مِرْداس بن عبيد كانوا قد سارعوا في الإسلام، وأبطأ عنه الآخرون، فقالت: لا أُنافِرُك إلّا إلى مَن دعوتُك إليه. فقال بنو مِرْداس: واللهِ، لَتُعْطِيَنَّه ولده طائعةً أو كارهة، فلمّا رَأَتْ ذلك أعْطَتْهُ إياهم. ثم إن صَدوف وعُنيزة محَلتا في عقر الناقة للشَّقاء الذي نزل، فدعت صَدُوفُ رجلًا من ثمود يُقال له: الحبابُ، لِعَقْر الناقة، وعرضت عليه نفسَها بذلك إن هو فعل، فأبى عليها، فدعت ابنَ عمٍّ لها يُقال [له]: مِصْدَعُ بن مَهْرَجِ بن المحيّا، وجعلت له نفسَها على أن يعقر الناقة، وكانت من أحسن الناس، وكانت غنِيَّةً كثيرة المال، فأجابها إلى ذلك. ودعت عُنَيزةُ بنتُ غُنْمٍ قُدارَ بن سالفِ بن جُنْدَعِ؛ رجلًا من أهل قُرْحَ، وكان قُدارُ رجلًا أحمر أزرق قصيرًا، يزعمون أنّه كان لِزَنْيَةٍ مِن رجل يُقال له: صهيادُ، ولم يكن لأبيه سالف الذي يُدعى إليه، ولكنه قد وُلِد على فراش سالف، وكان يُدعى له، ويُنسَب إليه، فقالت: أعطيك أيَّ بناتي شئت على أن تعقر الناقة. وكانت عُنَيزةُ شريفة من نساء ثمود، وكان زوجها ذؤاب بن عمرو من أشراف رجال ثمود، وكان قُدار عزيزًا منيعًا في قومه، فانطلق قُدار بن سالف ومِصْدَعُ بن مَهْرَجٍ، فاستنفرا غُواةً من ثمود، فاتَّبعهما سبعة نفر، فكانوا تسعة نفر، أحد النفر الذين اتبعوهما رجل يُقال له: هويلُ بن ميلغٍ خال قدار بن سالف، أخو أُمِّه لأبيها وأمها، وكان عزيزًا من أهل حِجْرٍ، ودُعَيرُ بن غنم بن داعر، وهو من بني حلاوة بن المهل، ودأب بن مَهْرَجٍ أخو مِصْدَعِ بن مَهْرَجٍ، وخمسة لم تُحْفَظ لنا أسماؤهم. فرصدوا الناقة حين صَدَرت عن الماء، وقد كمَن لها قدار في أصل صخرة على طريقها، وكمَن لها مِصْدَعٌ في أصلِ أخرى، فمَرَّت على مصدع فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ساقها، وخرجت أم غُنْمٍ؛ عُنَيزة، وأمرت ابنتها، وكانتْ مِن أحسن الناس وجهًا، فأسفرت عنه لقُدار، وأَرَتْه إيّاه، ثم ذمَّرَتْه، فشدَّ على الناقة بالسيف، فكسف عرقوبها، فخرَّت، ورغت رغاة واحدة تحذر سَقْبَها. ثم طعن في لُبَّتها فنحرها، وانطلق سقبها حتى أتى جبلًا منيعًا، ثم أتى صخرة في رأس الجبل فرَغا، ولاذ بها، واسم الجبل فيما يزعمون: صور، فأتاهم صالح، فلما رأى الناقة قد عقرت قال: انتهكتم حرمة الله، فأبشِروا بعذاب الله -تبارك وتعالى- ونقمته. فاتبع السَّقْبَ أربعةُ نفر من التسعة الذين عقروا الناقة، وفيهم مِصْدَعُ بن مَهْرَجٍ، فرماه مِصْدَعٌ بسهم، فانتظَمَ قلبه، ثم جَرَّ برجله فأنزله، ثم ألقوا لحمه مع لحم أمه. فلمّا قال لهم صالح: أبشروا بعذاب الله ونقمته؛ قالوا له وهم يهزءون به: ومتى ذلك يا صالح؟ وما آية ذلك؟ وكانوا يسمون الأيام فيهم: الأحد: أول، والاثنين: أهون، والثلاثاء: دُبار، والأربعاء: جُبارَ، والخميس: مُؤْنِسَ، والجمعة: العروبة، والسبت: شِيارَ، وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء، فقال لهم صالح حين قالوا ذلك: تصبحون غداة يوم مُؤْنِسَ -يعني: يوم الخميس- وجوهكم مُصْفَرَّة، ثم تصبحون يوم العروبة -يعني: يوم الجمعة- ووجوهكم مُحْمَرَّة، ثم تصبحون يوم شيار –يعني: يوم السبت- ووجوهكم مُسْوَدَّة، ثم يُصَبِّحُكم العذاب يوم الأول -يعني: يوم الأحد-. فلما قال لهم صالح ذلك، قال التسعة الذين عقروا الناقة: هلُمُّوا فلْنَقْتُلْ صالحًا؛ إن كان صادقًا عَجَّلْناه قبلنا، وإن كان كاذبًا يكون قد ألحقناه بناقته. فأتوه ليلًا لِيُبَيِّتُوه في أهله، فدَمَغَتْهم الملائكةُ بالحجارة، فلمّا أبْطَئُوا على أصحابهم أتوا منزل صالح، فوجدوهم مُشَدَّخِين، قد رُضِخوا بالحجارة، فقالوا لصالح: أنت قتلتهم. ثم هَمُّوا به، فقامت عشيرتُه دونه، ولبسوا السلاح، وقالوا لهم: واللهِ، لا تقتلونه أبدًا، فقد وعدكم أنّ العذاب نازِلٌ بكم في ثلاث، فإن كان صادقًا لم تزيدوا ربَّكم عليكم إلا غضبًا، وإن كان كاذبًا فأنتم من وراء ما تريدون. فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك، والنفر الذين رضختهم الملائكة بالحجارة التسعة الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن بقوله تعالى: ﴿وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون﴾ إلى قوله: ﴿لآية لقوم يعلمون﴾ [النمل:٤٨-٥٢]، فأصبحوا من تلك الليلة التي انصرفوا فيها عن صالح وجوههم مصفرة، فأيقنوا بالعذاب، وعرفوا أنّ صالحًا قد صَدَقَهم، فطلبوه ليقتلوه، وخرج صالح هاربًا منهم حتى لجأ إلى بطنٍ من ثمود يُقال لهم: بنو غنم، فنزل على سيِّدهم؛ رجل منهم يُقال له: نفيل، يكنى بأبي هُدْبٍ، وهو مشرك، فغَيَّبَه، فلم يقدروا عليه، فغدوا على أصحاب صالح، فعذَّبوهم لِيَدُلُّوهم عليه، فقال رجل من أصحاب صالح -يقال له: ميدعُ بن هرمٍ-: يا نبيَّ الله، إنّهم لَيُعَذِّبوننا لِنَدُلَّهم عليك، أفَنَدُلُّهم عليك؟ قال: نعم. فدلهم عليه ميدع بن هرم، فلما علموا بمكان صالح أتَوا أبا هدب، فكلَّموه، فقال لهم: عندي صالح، وليس لكم إليه سبيل. فأعرضوا عنه، وتركوه، وشغلهم عنه ما أنزل الله بهم من عذابه، فجعل بعضهم يُخْبِر بعضًا بما يرون في وجوههم حين أصبحوا من يوم الخميس، وذلك أنّ وجوههم أصبحت مصفرة، ثم أصبحوا يوم الجمعة ووجوههم محمرة، ثم أصبحوا يوم السبت ووجوههم مسودة، حتى إذا كان ليلة الأحد خرج صالح من بين أظهرهم ومَن أسلم معه إلى الشام، فنزل رملةَ فلسطين، وتخلَّف رجل من أصحابه يُقال له: ميدعُ بن هرمٍ، فنزل [قُرْحًا]، وهي وادي القرى، وبين القُرْحِ وبين الحِجْر ثمانية عشر ميلًا، فنزل على سيِّدهم؛ رجل يقال له: عمرو بن غُنْمٍ، وقد كان أكل من لحم الناقة، ولم يَشْرَكْ في قتلها، فقال له ميدعُ بن هرمٍ: يا عمرو بن غُنْمٍ، اخرُجْ من هذا البلد، فإن صالحًا قال: من أقام فيه هلك، ومن خرج منه نجا. فقال عمرو: ما شَرِكتُ في عَقْرِها، وما رَضِيتُ ما صُنِع بها. فلمّا كانت صبيحة الأحد أخذتهم الصيحة، فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا هلك، إلا جارية مُقْعَدَة يُقال لها: الزُّريْعة، وهي الكلبةُ ابنةُ السِّلْقِ، كانت كافرةً شديدة العداوة لصالح، فأطلق الله لها رجليها بعدما عاينت العذاب أجمع، فخرجت كأسرع ما يُرى شيء قط، حتى أتت أهل قُرْحَ، فأخبرتهم بما عاينت من العذاب، وما أصاب ثمود منه، ثم استسقت من الماء فسُقيت، فلما شَرِبَت ماتت
عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق عبد الصمد بن معقل- قال: لَمّا رأى موسى النارَ انطلق يسير، حتى وقف منها قريبًا، فإذا هو بنار عظيمة، تَفُور مِن ورق شجرة خضراء شديدة الخضرة يُقال لها: العُلِّيق، لا تزداد النارُ فيما يَرى إلا عِظَمًا وتَضَرُّمًا، ولا تزداد الشجرة على شِدَّة الحريق إلا خُضْرَةً وحُسْنًا، فوقف ينظر لا يدري على ما يضع أمرها، إلا أنّه قد ظن أنّها شجرة تحترق وأوقد إليها مَوْقِدُ، فَنالَها، فاحترقت، وأنّه إنما يمنع النار شدة خضرتها، وكثرة مائها، وكثافة ورَقها، وعِظَم جِذعها، فوضع أمرها على هذا، فوقف وهو يطمع أن يَسْقُط منها شيءٌ فيَقْتَبِسه، فلمّا طال عليه ذلك أهوى إليها بِضِغْثٍ في يده، وهو يريد أن يقتبس مِن لَهَبِها، فلمّا فعل ذلك موسى مالَتْ نحوه كأنها تُريده، فاستأخر عنها وهاب، ثم عاد فطاف بها، فلم تزل تُطْمِعُه ويَطْمَعُ بها، ثم لم يكن شيءٌ بأوْشَكَ مِن خُمودها، فاشْتَدَّ عند ذلك عجبه، وفكَّر موسى في أمرها، فقال: هي نارٌ مُمْتَنِعَةٌ لا يُقْتَبَس منها، ولكنها تَتَضَرَّم في جوف شجرة فلا تحرقها. ثم خمودها على قِدَر عظمها في أوْشَكَ مِن طَرْفَة عين، فلمّا رأى ذلك موسى قال: إنّ لِهذه شأنًا. ثم وضع أمرها على أنها مأمورة أو مصنوعة، لا يدري مَن أمرها ولا بما أُمِرَت ولا مَن صنعها، ولا لِمَ صُنعت، فوقف مُتَحَيِّرًا لا يدري أيرجع أم يقيم؟ فبينا هو على ذلك إذ رمى بطرفه نحو فرعها، فإذا هو أشدُّ مما كان خضرة، وإذا الخضرة ساطعة في السماء، يَنظُرُ إليها تَغشى الظَلامَ، ثم لم تزل الخضرة تُنَوِّرُ وتَصْفَرُّ وتَبْيَضُّ حتى صارت نورًا ساطعًا عمودًا بين السماء والأرض، عليه مثل شعاع الشمس، تَكَلُّ دونه الأبصار، كلمّا نظر إليه يكاد يخطف بصره، فعند ذلك اشتدَّ خوفه وحزنه، فردَّ يده على عينيه، ولصق بالأرض، وسمع الحس والوجس، إلا أنه سمع حينئذ شيئًا لم يسمع السامعون بمثله عظمًا، فلمّا بلغ موسى الكرب واشتد عليه الهولُ نُودِي من الشجرة، فقيل: يا موسى. فأجاب سريعًا وما يدري مَن دعاه، وما كان سرعةُ إجابته إلا استئناسًا بالإنس، فقال: لبيك -مرارًا- إني لأسمع صوتك، وأُحِسُّ حسك، ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ قال: أنا فوقك ومعك وخلفك، وأقربُ إليك من نفسك. فلما سمع هذا موسى علِم أنّه لا ينبغي هذا إلا لربه، فأيقن به، فقال: كذلك أنت، يا إلهي، فكلامَك أسمعُ أم رسولَك؟ قال: بل أنا الذي أُكَلِّمك، فادْنُ مِنِّي. فجمع موسى يديه في العصا، ثم تحامل حتى اسْتَقَلَّ قائمًا، فرعدتْ فَرائِصُه حتى اختلفت، واضطربت رجلاه، وانقطع لسانه، وانكسر قلبه، ولم يبق منه عَظْمٌ يحمل آخَرَ، فهو بمنزلة الميِّت، إلا أن روح الحياة تجري فيه، ثم زحف على ذلك وهو مرعوب، حتى وقف قريبًا مِن الشجرة التي نُودِي منها، فقال له الرب -تبارك وتعالى-: ما تلك بيمينك، يا موسى؟ قال: هي عصاي. قال: وما تصنع بها؟ -ولا أحد أعلم منه بذلك- قال موسى: أتوكأ عليها، وأهش بها على غنمي، ولي فيها مآرب أخرى قد علمتَها. وكان لموسى في العصا مآرب، كان لها شعبتان، ومِحْجَنٌ تحت الشعبتين، فإذا طال الغصنُ حَناه بالمحْجَنِ، وإذا أراد كسره لواه بالشعبتين، وكان يتوكَّأُ عليها، ويَهُشُّ بها، وكان إذا شاء ألقاها على عاتقه، فعلق بها قوسه وكِنانَته ومِرْجامه ومِخْلاتَه وثوبه وزادًا إن كان معه، وكان إذا أرْتع في البَرِّيِّة حيث لا ظل له رَكَزَها، ثم عرض بالوتد بين شعبتيها، وألقى فوقها كساءه، فاستظل بها ما كان مرتعًا، وكان إذا ورد ماءً يقصر عنه رِشاؤُه وصل بها، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه. قال له الرب: ألْقِها، يا موسى. فظنَّ موسى أنه يقول: ارفضها. فألقاها على وجه الرفض، ثم حانت منه نظرة، فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون، يُرى، يلتمس كأنه يبتغي شيئًا يريد أخذه، يمرُّ بالصخرة مثل الخَلِفَةِ من الإبل فيلتقمها، ويطعن بالناب من أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فيَجْتَثُّها، عيناه توقدان نارًا، وقد عاد المحجن عرفًا فيه شعر مثل النيازك، وعاد الشعبتان فهما مثل القَلِيب الواسع فيه أضراس وأنياب لها صريف، فلما عاين ذلك موسى ولّى مُدْبِرًا ولم يعقب، فذهب حتى أمعن ورأى أنه قد أعجز الحيَّة، ثم ذكر ربَّه فوقف استحياء منه، ثم نودي: يا موسى، إلَيَّ ارجع حيث كنت. فرجع وهو شديد الخوف، فقال: خذها بيمينك، ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى. قال: وكان على موسى حينئذ مِدْرَعَة مِن صوف، قد خلها بخلال من عيدان، فلما أمره بأخذها أدْنى طرف المِدْرَعة على يده، فقال له ملَك: أرأيت -يا موسى- لو أذن الله بما تُحاذِر أكانت المدرعة تُغني عنك شيئًا؟ قال: لا، ولكني ضعيف، ومِن ضَعْفٍ خُلِقْتُ. فكشف عن يده، ثم وضعها على فم الحيَّة، حتى سمع حِسَّ الأضراس والأنياب، ثم قبض، فإذا هي عصاه التي عهدها، وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها إذا توكأ بين الشعبتين. قال له ربه: ادْنُ. فلم يزل يُدْنِيه حتى أسنَدَ ظهرَه بجذع الشجرة، فاسْتَقَرَّ، وذهبت عنه الرّعْدَة، وجمع يديه في العصا، وخضع برأسه وعنقه، ثم قال له: إنِّي قد أقمتُك اليوم في مقام لا ينبغي لبشر بعدك أن يقوم مقامك؛ أدنيتك وقرَّبْتُك حتى سمعت كلامي، وكنتَ بأقرب الأمكنة مِنِّي، فانطلق برسالتي، فإنّك بعيني وسمعي، وإن معك يدي وبصري، وإنِّي قد ألْبَسْتُكَ جُبَّة من سلطاني؛ تستكمل بها القُوَّة في أمري، فأنت جندٌ عظيم من جنودي، بعثتك إلى خلق ضعيف مِن خلقي، بَطِرَ نعمتي، وأمِنَ مكْري، وغرَّته الدنيا حتى جحد حقي، وأنكر ربوبيتي، وعَبَدَ مَن دوني، وزعم أنه لا يعرفني، وإنِّي لَأُقْسِم بعِزَّتي: لولا العُذْر والحُجَّة التي وضعتُ بيني وبين خلقي لَبَطَشت به بطشة جبار يغضب لغضبه السموات والأرض والجبال والبحار، فإن أمرت السماء حَصَبَته، وإن أمرتُ الأرضَ ابتَلَعَتْه، وإن أمرتُ البحار غَرَّقَتْهُ، وإن أمرت الجبال دمَّرته، ولكنه هان عَلَيَّ، وسقط من عيني، وسِعَهُ حلمي، واستغنيت بما عندي، وحق لي أني أنا الغني لا غَنِيَّ غيري، فبلِّغه رسالتي، وادعُه إلى عبادتي وتوحيدي وإخلاص اسمي، وذكِّره بأيامي، وحذِّره نقمتي وبأسي، وأخبِره أنّه لا يقوم شيءٌ لغضبي، وقل له فيما بين ذلك قولًا لَيِّنًا، لعله يتذكر أو يخشى، وأخبره أنِّي أنا العَفُوُّ، والمغفرة أسرعُ مِنِّي إلى الغضب والعقوبة، ولا يروعنك ما ألبستُه من لباس الدنيا؛ فإنّ ناصيته بيدي، ليس يَطْرِفُ ولا ينطق ولا يتنفس إلا بإذني، وقل له: أجِب ربك؛ فإنّه واسع المغفرة، فإنه قد أمهلك أربعمائة سنة، في كلها أنت مُبارِزُه بالمحاربة، تَتَشَبَّه وتَتَمَثَّل به، وتصدُّ عبادَه عن سبيله، وهو يُمْطِر عليك السماء، ويُنبِت لك الأرض، لم تسقم، ولم تهرم، ولم تفتقر، ولم تُغْلَب، ولو شاء أن يجعل لك ذلك أو يَسْلُبَكَهُ فعل، ولكنه ذو أناة وحلم عظيم، وجاهِده بنفسك وأخيك وأنتما محتسبان بجهاده، فإنِّي لو شئت أن آتيه بجنود لا قِبَل له بها فعلتُ، ولكن لِيعلم هذا العبدُ الضعيفُ الذي قد أعْجَبَتْهُ نفسه وجموعُه أنّ الفئة القليلة -ولا قليل مِنِّي- تغلب الفئة الكبيرة بإذني، ولا يُعْجِبَنَّكما زِينته، ولا ما مُتِّع به، ولا تَمُدّا إلى ذلك أعينكما؛ فإنها زهرة الحياة الدنيا، وزينة المترفين، وإنِّي لو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة يعلم فرعون حين ينظر إليها أنّ مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما فعلتُ، ولكني أرغب بكما عن ذلك، وأزْوِيه عنكما، وكذلك أفعل بأوليائي، وقديمًا ما خرتُ لهم عن ذلك، فإنِّي لَأذُودُهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعي الشفيقُ غنمَه عن مواقع الهَلَكَة، وإنِّي لَأُجَنِّبهم سلوها وعيشها كما يجنب الراعي الشفيق إبلَه عن مَبارِكِ العُرَّة، وما ذاك لهوانهم عَلَيَّ، ولكن ليستكملوا نصيبهم مِن كرامتي سالمًا مُوَفَّرًا لم تَكْلَمُه الدنيا، ولم يُطْغِه الهوى، واعلم أنه لم يتزين إلَيَّ العبادُ بزينةٍ هي أبلغُ فيما عندي مِن الزهد في الدنيا؛ فإنّه زينة المتقين، عليهم منه لباسٌ يعرفون به من السكينة والخشوع، سيماهم في وجوههم مِن أثر السجود، أولئك هم أوليائي حقًّا، فإذا لَقِيتَهم فاخفض لهم جناحك، وذلِّل لهم قلبك ولسانك، واعلم أنه مَن أهان لي ولِيًّا أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة وبادَأَنِي، وعرض لي نفسه ودعاني إليها، وأنا أسرع شيء إلى نُصرة أوليائي، فيظن الذي يحاربني أن يقوم لي؟! أو يظن الذي يحادني أو يعاديني أن يعجزني؟! أو يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني؟! وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة، لا أكِلُ نصرتهم إلى غيري؟! قال: فأقبل موسى إلى فرعون في مدينةٍ قد جعل حولها الأُسْدَ في غَيْضَةٍ قد غرسها، والأُسد فيها مع ساسَتِها، إذا أرسلها على أحدٍ أكلتْه، وللمدينة أربعة أبواب في الغَيْضَة، فأقبل موسى من الطريق الأعظم الذي يراه فرعون، فلما رأته الأُسْدُ صاحت صياح الثعالب، فأنكر ذلك السّاسَة، وفرقوا من فرعون، فأقبل موسى حتى انتهى إلى الباب الذي فيه فرعون، فقرعه بعصاه، وعليه جُبَّةٌ مِن صوف وسراويل، فلمّا رآه البوّاب عجب مِن جراءته، فتَرَكه، ولم يأذن له، فقال: هل تدري بابَ مَن أنت تضرب؟! إنّما أنت تضرب بابَ سيِّدك. قال: أنت وأنا وفرعون عبيدٌ لربي، فأنا ناصِره. فأخبرَ البواب الذي يليه مِن البوابين، حتى بلغ ذلك أدناهم، ودونه سبعون حاجبًا، كل حاجب منهم تحت يده مِن الجنود ما شاء الله، حتى خلص الخبر إلى فرعون، فقال: أدخلوه عَلَيَّ. فأُدْخِل، فلمّا أتاه قال له فرعون: أعرفُك؟ قال: نعم. قال: ألم نُرَبِّك فينا وليدًا؟ قال: فردَّ إليه موسى الذي ردَّ، قال فرعون: خذوه. فبادَرَ موسى فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، فحملت على الناس، فانهزموا منها، فمات منهم خمسة وعشرون ألفًا، قَتَل بعضهم بعضًا، وقام فرعون مُنْهَزِمًا حتى دخل البيت، فقال لموسى: اجعل بيننا وبينك أجلًا ننظر فيه. قال: موسى: لم أُومَر بذلك، إنّما أُمِرْتُ بمُناجَزَتِك، وإن أنت لم تخرج إلَيَّ دَخَلْتُ عليك. فأوحى الله إلى موسى: أن اجعل بينك وبينه أجلًا، وقل له: أن يجعله هو. قال فرعون: اجعله إلى أربعين يومًا. ففعل. قال: وكان فرعونُ لا يأتي خلاء إلا في كل أربعين يومًا مرة، فاختلفَ ذلك اليوم أربعين مرة. قال: وخرج موسى مِن المدينة، فلمّا مر بالأُسْد خضعت له بأذنابها، وسارت مع موسى تشِّيعه ولا تَهِيجه، ولا أحدًا من بني إسرائيل
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- فيما ذُكر من حديث أصحاب الكهف، قال: ثم مَلَكَ أهلَ تلك البلادِ رجلٌ صالح يُقال له: تيذوسيس، فلما ملك بقي ملكه ثمانيًا وستين سنة، فتحزب الناس في ملكه، فكانوا أحزابًا؛ فمنهم من يؤمن بالله ويعلم أن الساعة حق، ومنهم من يكذب بها، فكبر ذلك على الملك الصالح تيذوسيس، وبكى إلى الله، وتضرع إليه، وحزن حزنًا شديدًا لَمّا رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحق، ويقولون: لا حياة إلا الحياة الدنيا، وإنما تبعث النفوس، ولا تبعث الأجساد. ونسوا ما في الكتاب، فجعل تيذوسيس يرسل إلى مَن يظن فيه خيرًا، وأنهم أئمة في الحق، فجعلوا يُكذبون بالساعة، حتى كادوا أن يُحوِّلوا الناس عن الحق وملة الحواريين، فلما رأى ذلك الملك الصالح تيذوسيس دخل بيته، فأغلقه عليه، ولبس مسحًا، وجعل تحته رمادًا، ثم جلس عليه، فدأب ذلك ليلَه ونهارَه زمانًا يتضرع إلى الله، ويبكي إليه مما يرى فيه الناس، ثم إنّ الرحمن الرحيم الذي يكره هَلَكَة العباد أراد أن يُظهر على الفتية أصحاب الكهف، ويبين للناس شأنهم، ويجعلهم آية لهم، وحجة عليهم؛ ليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن يستجيب لعبده الصالح تيذوسيس، ويتم نعمته عليه، فلا ينزع منه ملكه، ولا الإيمان الذي أعطاه، وأن يعبد الله لا يشرك به شيئًا، وأن يجمع مَن كان تبدد من المؤمنين، فألقى الله في نفس رجل مِن أهل ذلك البلد الذي به الكهف -وكان الجبل بنجلوس الذي فيه الكهف لذاك الرجل، وكان اسم ذلك الرجل: أولياس- أن يهدم البنيان الذي على فم الكهف، فيبني به حظيرة لغنمه، فاستأجر عاملين، فجعلا ينزعان تلك الحجارة، ويبنيان بها تلك الحظيرة، حتى نزعا ما على فم الكهف، حتى فتحا عنهم باب الكهف، وحجبهم الله مِن الناس بالرعب، فيزعمون أنّ أشجع من يريد أن ينظر إليهم غاية ما يمكنه أن يدخل من باب الكهف، ثم يتقدم حتى يرى كلبهم دونهم إلى باب الكهف نائمًا، فلما نزعا الحجارة وفتحا عليهم باب الكهف أذن الله ذو القدرة والعظمة والسلطان محيي الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظَهْرَي الكهف، فجلسوا فرحين، مسفرة وجوههم، طيبة أنفسهم، فسلم بعضهم على بعض، حتى كأنما استيقظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون لها إذا أصبحوا من ليلتهم التي يبيتون فيها، ثم قاموا إلى الصلاة، فصَلُّوا كالذي كانوا يفعلون، لا يرون ولا يُرى في وجوههم ولا أبشارهم ولا ألوانهم شيء ينكرونه، كهيئتهم حين رقدوا بعشي أمس، وهم يرون أنّ ملكهم دقينوس الجبار في طلبهم والتماسهم. فلما قضوا صلاتهم كما كانوا يفعلون قالوا ليمليخا -وكان هو صاحب نفقتهم الذي كان يبتاع لهم طعامهم وشرابهم من المدينة، وجاءهم بالخبر أنّ دقينوس يلتمسهم، ويسأل عنهم-: أنبِئْنا، يا أخي، ما الذي قال الناس في شأننا عشي أمس عند هذا الجبار؟ وهم يظنون أنهم رقدوا كبعض ما كانوا يرقدون، وقد خُيِّل إليهم أنهم قد ناموا كأطول ما كانوا ينامون في الليلة التي أصبحوا فيها، حتى تساءلوا بينهم، فقال بعضهم لبعض: ﴿كم لبثتم﴾ نيامًا؟ ﴿قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم﴾. وكل ذلك في أنفسهم يسير. فقال لهم يمليخا: افتُقِدتم والتُمِسْتم بالمدينة، وهو يريد أن يؤتى بكم اليوم، فتذبحون للطواغيت أو يقتلكم، فما شاء الله بعد ذلك فعل. فقال لهم مكسلمينا: يا إخوتاه، اعلموا أنكم مُلاقَون، فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم عدو الله، ولا تنكروا الحياة التي لا تبيد بعد إيمانكم بالله، والحياة من بعد الموت. ثم قالوا ليمليخا: انطلق إلى المدينة، فتسمَّع ما يُقال لنا بها اليوم، وما الذي نُذكر به عند دقينوس، وتلطف، ولا تُشعِرَنَّ بنا أحد، وابتع لنا طعامًا فأتنا به، فإنه قد آن لك، وزدنا على الطعام الذي قد جئتنا به؛ فإنّه قد كان قليلًا، فقد أصبحنا جياعًا. ففعل يمليخا كما كان يفعل، ووضع ثيابه، وأخذ الثياب التي كان يتنكر فيها، وأخذ ورِقًا من نفقتهم التي كانت معهم التي ضربت بطابع دقينوس الملك، فانطلق يمليخا خارجًا، فلمّا مر بباب الكهف رأى الحجارة منزوعة عن باب الكهف، فعجب منها، ثم مرَّ فلم يُبالِ بها، حتى أتى المدينة مستخفيًا يصُدُّ عن الطريق تَخَوُّفًا أن يراه أحد من أهلها، فيعرفه، فيذهب به إلى دقينوس، ولا يشعر العبد الصالح أن دقينوس وأهل زمانه قد هلكوا قبل ذلك بثلاث مائة وتسع سنين، أو ما شاء الله من ذلك، إذ كان ما بين أن ناموا إلى أن استيقظوا ثلاث مائة وتسع سنين. فلما رأى يمليخا باب المدينة رفع بصره، فرأى فوق ظهر الباب علامةً تكون لأهل الإيمان، إذا كان ظاهرًا فيها، فلمّا رآها عجِب، وجعل ينظر مستخفيًا إليها، فنظر يمينًا وشمالًا، فتعجَّب بينه وبين نفسه، ثم ترك ذلك الباب، فتحوَّل إلى باب آخر مِن أبوابها، فنظر فرأى من ذلك ما يحيط بالمدينة كلها، ورأى على كل باب مثل ذلك، فجعل يخيل إليه أنّ المدينة ليس بالمدينة التي كان يعرف، ورأى ناسًا كثيرين محدثين لم يكن يراهم قبل ذلك، فجعل يمشي ويعجب، ويخيل إليه أنه حيران، ثم رجع إلى الباب الذي أتى منه، فجعل يعجب بينه وبين نفسه، ويقول: يا ليت شعري، أما هذه عشية أمس فكان المسلمون يخفون هذه العلامة ويستخفون بها، وأما اليوم فإنها ظاهرة! لعلي حالم! ثم يرى أنه ليس بنائم، فأخذ كساءه، فجعله على رأسه، ثم دخل المدينة، فجعل يمشي بين ظهري سوقها، فيسمع أناسًا كثيرًا يحلفون باسم عيسى ابن مريم، فزاده فرقًا، ورأى أنه حيران، فقام مسندًا ظهره إلى جدار مِن جدر المدينة، ويقول في نفسه: واللهِ، ما أدري ما هذا؟ أما عشية أمس فليس على الأرض إنسان يذكر عيسى ابن مريم إلا قتل، وأما الغداة فأسمعهم وكل إنسان يذكر أمر عيسى لا يخاف! ثم قال في نفسه: لعل هذه ليست بالمدينة التي أعرف، أسمع كلام أهلها ولا أعرف أحدًا منهم! واللهِ، ما أعلم مدينةً قرب مدينتنا! فقام كالحيران لا يتوجه وجهًا، ثم لقي فتًى من أهل المدينة، فقال له: ما اسم هذه المدينة، يا فتى؟ قال: اسمها: أفسوس. فقال في نفسه: لعل بي مَسًّا، أو بي أمر أذهب عقلي؟ واللهِ، يحقُّ لي أن أسرع الخروج منها قبل أن أخزى فيها، أو يصيبني شر فأهلك. هذا الذي يحدث به يمليخا أصحابه حين تبين لهم ما به، ثم إنه أفاق، فقال: واللهِ، لو عجلت الخروج من المدينة قبل أن يفطن بي لكان أكيس لي. فدنا مِن الذين يبيعون الطعام، فأخرج الورِق التي كانت معه، فأعطاها رجلًا منهم، فقال: بعني بهذه الورِق -يا عبد الله- طعامًا. فأخذها الرجل، فنظر إلى ضرب الورِق ونقشها، فعجب منها، ثم طرحها إلى رجل مِن أصحابه، فنظر إليها، ثم جعلوا يتطارحونها بينهم مِن رجل إلى رجل، ويتعجبون منها، ثم جعلوا يتشاورون بينهم، ويقول بعضهم لبعض: إنّ هذا الرجل قد أصاب كنزًا خبيئًا في الأرض منذ زمان ودهر طويل. فلما رآهم يتشاورون من أجله فرِق فرَقًا شديدًا، وجعل يرتعد، ويظن أنهم قد فطِنوا به وعرفوه، وأنهم إنّما يريدون أن يذهبوا به إلى ملكهم دقينوس يُسَلِّمونه إليه، وجعل أناس آخرون يأتونه فيتعرفونه، فقال لهم وهو شديد الفرَق منهم: أفضلوا عليَّ، فقد أخذتم ورِقي، فأمسِكوا، وأما طعامكم فلا حاجة لي به. قالوا له: مَن أنت، يا فتى؟ وما شأنك؟ واللهِ، لقد وجدت كنزًا من كنوز الأولين، فأنت تريد أن تخفيه مِنّا، فانطلق معنا فأرِناه، وشاركنا فيه نُخْفِ عليك ما وجدت، فإنّك إن لا تفعل نأتِ بك السلطان، فنسلمك إليه، فيقتلك. فلما سمع قولهم عجب في نفسه، فقال: قد وقعتُ في كل شيء كنت أحذر منه. ثم قالوا: يا فتى، إنّك –واللهِ- ما تستطيع أن تكتم ما وجدت، ولا تظن في نفسك أنه سيخفى حالك. فجعل يمليخا لا يدري ما يقول لهم وما يرجع إليهم، وفَرِق حتى ما يُحِير إليهم جوابًا، فلما رأوه لا يتكلم أخذوا كساءه، فطوقوه في عنقه، ثم جعلوا يقودونه في سِكَك المدينة مُلَبَّبًا، حتى سمع به مَن فيها، فقيل: أُخذ رجل عنده كنز. واجتمع عليه أهل المدينة صغيرهم وكبيرهم، فجعلوا ينظرون إليه، ويقولون: واللهِ، ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة، وما رأيناه فيها قط، وما نعرفه. فجعل يمليخا لا يدري ما يقول لهم مع ما يسمع منهم، فلما اجتمع عليه أهل المدينة فَرِق، فسكت فلم يتكلم، ولو أنه قال: إنّه من أهل المدينة؛ لم يُصَدَّق، وكان مستيقنًا أن أباه وإخوته بالمدينة، وأن حسبه من أهل المدينة مِن عظماء أهلها، وأنهم سيأتونه إذا سمعوا، وقد استيقن أنه من عشية أمس يعرف كثيرًا من أهلها، وأنه لا يعرف اليوم من أهلها أحدًا. فبينما هو قائم كالحيران ينتظر متى يأته بعضُ أهله؛ أبوه أو بعض إخوته، فيخلصه من أيديهم، إذ اختطفوه، فانطلقوا به إلى رأسي المدينة ومدبريها اللذين يدبران أمرها، وهما رجلان صالحان، كان اسم أحدهما: أريوس، واسم الآخر: أسطيوس، فلما انطُلق به إليهما ظن يمليخا أنه يُنطلق به إلى دقينوس الجبار ملكهم الذي هربوا منه، فجعل يلتفت يمينًا وشمالًا، وجعل الناس يسخرون منه كما يُسخر من المجنون والحيران، فجعل يمليخا يبكي، ثم رفع رأسه إلى السماء وإلى الله، ثم قال: اللهم إله السماوات والأرض، أوْلِج معي روحًا منك اليوم تؤيدني به عند هذا الجبار. وجعل يبكي، ويقول في نفسه: فرق بيني وبين إخوتي، يا ليتهم يعلمون ما لقيت، وأني يُذهب بي إلى دقينوس الجبار، فلو أنهم يعلمون فيأتون، فنقوم جميعًا بين يدي دقينوس، فإنا كنا تواثقنا لنكونن معًا، لا نكفر بالله، ولا نشرك به شيئًا، ولا نعبد الطواغيت من دون الله، فرق بيني وبينهم، فلن يروني ولن أراهم أبدًا، وقد كنا تواثقنا أن لا نفترق في حياة ولا موت أبدًا، يا ليت شعري ما هو فاعل بي؟ أقاتلي هو أم لا؟ ذلك الذي يحدث به يمليخا نفسه فيما أخبر أصحابه حين رجع إليهم. فلما انتهى إلى الرجلين الصالحين أريوس وأسطيوس، فلما رأى يمليخا أنه لم يذهب به إلى دقينوس أفاق، وسكن عنه البكاء، فأخذ أريوس وأسطيوس الورِق، فنظرا إليها، وعجبا منها، ثم قال أحدهما: أين الكنز الذي وجدت، يا فتى؟ هذا الورِق يشهد عليك أنك قد وجدت كنزًا. فقال لهما يمليخا: ما وجدت كنزًا، ولكن هذه الورِق ورِق آبائي، ونقش هذه المدينة وضربها، ولكن –واللهِ- ما أدري ما شأني، وما أدري ما أقول لكم. فقال له أحدهما: مِمَّن أنت؟ فقال له يمليخا: أما ما أرى فكنت أرى أنِّي من أهل هذه القرية. قالوا: فمَن أبوك؟ ومن يعرفك بها؟ فأنبأهم باسم أبيه، فلم يجدوا أحدًا يعرفه ولا أباه، فقال له أحدهما: أنت رجل كذّاب لا تُنبئنا بالحق. فلم يدر يمليخا ما يقول لهم، غير أنه نكس بصره إلى الأرض. فقال له بعض مَن حوله: هذا رجل مجنون. فقال بعضهم: ليس بمجنون، ولكنه يحمِّق نفسه عمدًا لكي ينفلت منكم. فقال له أحدهما، ونظر إليه نظرًا شديدًا: أتظن أنك إذ تَتَجانَنُ نرسلك ونصدقك بأنّ هذا مال أبيك، وضرب هذه الورِق ونقشها منذ أكثر من ثلاث مائة سنة؟ وإنما أنت غلام شابٌّ تظن أنك تأفكنا، ونحن شُمْط كما ترى، وحولك سراة أهل المدينة وولاة أمرها، إني لأظنني سآمر بك فتعذب عذابًا شديدًا، ثم أوثقك حتى تعترف بهذا الكنز الذي وجدت. فلما قال ذلك قال يمليخا: أنبئوني عن شيء أسألكم عنه، فإن فعلتم صدقتكم عما عندي، أرأيتم دقينوس الملك الذي كان في هذه المدينة عشية أمس ما فعل؟ فقال له الرجل: ليس على وجه الأرض رجل اسمه: دقينوس، ولم يكن إلا ملك قد هلك منذ زمان ودهر طويل، وهلكت بعده قرون كثيرة. فقال له يمليخا: فواللهِ، إني إذًا لحيران، وما هو بمصدقي أحد من الناس بما أقول، واللهِ، لقد علمتُ، لقد فررنا من الجبار دقينوس، وإني قد رأيته عشية أمس حين دخل مدينة أفسوس، ولكن لا أدري أمدينة أفسوس هذه أم لا؟ فانطلقا معي إلى الكهف الذي في جبل بنجلوس أريكم أصحابي. فلما سمع أريوس ما يقول يمليخا قال: يا قوم، لعل هذه آية من آيات الله جعلها لكم على يدي هذا الفتى، فانطلقوا بنا معه يُرِنا أصحابه، كما قال. فانطلق معه أريوس وأسطيوس، وانطلق معهم أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم نحو أصحاب الكهف لينظروا إليهم. ولما رأى الفتية أصحاب الكهف يمليخا قد احتبس عليهم بطعامهم وشرابهم عن القدر الذي كان يأتي به ظنوا أنه قد أُخذ فذهب به إلى ملكهم دقينوس الذي هربوا منه، فبينما هم يظنون ذلك ويتخوفونه إذ سمعوا الأصوات وجَلَبَة الخيل مُصْعِدَةً نحوهم، فظنوا أنهم رسل الجبار دقينوس بعث إليهم ليؤتى بهم، فقاموا حين سمعوا ذلك إلى الصلاة، وسلم بعضهم على بعض، وأوصى بعضهم بعضًا، وقالوا: انطلقوا بنا نأت أخانا يمليخا، فإنه الآن بين يدي الجبار دقينوس ينتظر متى نأته. فبينما هم يقولون ذلك وهم جلوس بين ظهري الكهف، فلم يروا إلا أريوس وأصحابه وقوفًا على باب الكهف، وسبقهم يمليخا، فدخل عليهم وهو يبكي، فلما رأوه يبكي بكوا معه، ثم سألوه عن شأنه، فأخبرهم خبره، وقص عليهم النبأ كله، فعرفوا عند ذلك أنهم كانوا نيامًا بأمر الله ذلك الزمان كله، وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس، وتصديقًا للبعث، وليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها. ثم دخل على أثر يمليخا أريوس، فرأى تابوتًا من نحاس مختومًا بخاتم من فضة، فقام بباب الكهف، ثم دعا رجالًا من عظماء أهل المدينة، ففتح التابوت عندهم، فوجدوا فيه لوحين من رصاص مكتوبًا فيهما كتاب، فقرأهما، فوجد فيهما: أن مكسلمينا، ومحسلمينا، ويمليخا، ومرطونس، وكشطونس، ويبورس، ويكرنوس، ويطبيونس، وقالوس، كانوا ثمانية هربوا من ملكهم دقينوس الجبار، مخافة أن يفتنهم عن دينهم، فدخلوا هذا الكهف، فلما أُخبر بمكانهم أمر بالكهف فسُد عليهم بالحجارة، وإنا كتبنا شأنهم وقصة خبرهم ليعلمه من بعدهم إن عثر عليهم. فلما قرؤوه عجبوا، وحمدوا الله الذي أراهم آية للبعث فيهم، ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه، ثم دخلوا على الفتية الكهف، فوجدوهم جلوسًا بين ظهريه، مشرقة وجوههم، لم تبل ثيابهم. فخرَّ أريوس وأصحابه سجودًا، وحمدوا الله الذي أراهم آية من آياته، ثم كلم بعضهم بعضًا، وأنبأهم الفتية عن الذي لقوا من ملكهم دقينوس ذلك الجبار الذي كانوا هربوا منه. ثم إن أريوس وأصحابه بعثوا بريدًا إلى ملكهم الصالح تيذوسيس: أن عَجِّل؛ لعلك تنظر إلى آية من آيات الله، جعلها الله على ملكك، وجعلها آية للعالمين، لتكون لهم نورًا وضياء، وتصديقًا بالبعث، فاعجل على فتية بعثهم الله، وقد كان توفاهم منذ أكثر من ثلاث مائة سنة. فلما أتى الملك تيذوسيس الخبر قام من المسندة التي كان عليها، ورجع إليه رأيه وعقله، وذهب عنه همه، ورجع إلى الله عز وجل، فقال: أحمدك اللهَ رب السماوات والأرض، أعبدك، وأحمدك، وأسبح لك، تطولت عليَّ، ورحمتني برحمتك، فلم تطفئ النور الذي كنت جعلته لآبائي، وللعبد الصالح قسطيطينوس الملك. فلما نُبئ به أهل المدينة ركبوا إليه، وساروا معه حتى أتوا مدينة أفسوس، فتلقاهم أهل المدينة، وساروا معه حتى صعدوا نحو الكهف حتى أتوه، فلما رأى الفتية تيذوسيس فرحوا به، وخروا سجودًا على وجوههم، وقام تيذوسيس قدامهم، ثم اعتنقهم وبكى، وهم جلوس بين يديه على الأرض يسبحون الله ويحمدونه، ويقول: واللهِ، ما أشبه بكم إلا الحواريون حين رأوا المسيح. وقال: فرج الله عنكم، كأنكم الذين تُدعون فتحشرون من القبور. فقال الفتية لتيذوسيس: إنا نودعك السلام، والسلام عليك ورحمة الله، حفظك الله، وحفظ لك ملكك بالسلام، ونعيذك بالله من شر الجن والإنس، فآمِن بعيش من خلد وشيك، إنّ أسوأ ما سلك في بطن الإنسان أن لا يعلم شيئًا، لا كرامة إن أُكرم بها، ولا هوان إن أُهين به. فبينما الملك قائم إذ رجعوا إلى مضاجعهم، فناموا، وتوفى الله أنفسهم بأمره. وقام الملك إليهم، فجعل ثيابه عليهم، وأمر أن يجعل لكل رجل منهم تابوتًا من ذهب، فلما أمسوا ونام أتوه في المنام، فقالوا: إنا لم نُخلق من ذهب ولا فضة، ولكنا خلقنا من تراب، وإلى التراب نصير، فاتركنا كما كنا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله منه. فأمر الملك حينئذ بتابوت من ساج، فجعلوهم فيه، وحجبهم الله حين خرجوا من عندهم بالرعب، فلم يقدر أحد على أن يدخل عليهم. وأمر الملك فجعل كهفهم مسجدًا يصلى فيه، وجعل لهم عيدًا عظيمًا، وأمر أن يؤتى كل سنة. فهذا حديث أصحاب الكهف
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: كان يعقوبُ نازلًا بالشام، وكان ليس له هَمٌّ إلا يوسف وأخوه بنيامين، فحَسَدَه إخوتُه مِمّا رأَوْا مِن حُبِّ أبيه له، ورأى يوسفُ في النوم رُؤْيا أنّ ﴿أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر﴾ ساجدين له، فحدَّث أباه بها، فقال له يعقوب: ﴿يا بنُى لا تَقصُص رءياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا﴾. فبلغ إخوةَ يوسف الرُّؤْيا، فحسدوه، فقالوا: ﴿ليوسف وأخوه﴾ بنيامين ﴿أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة﴾ كانوا عشرة، ﴿إن أبانا لفي ضلال مبين﴾. قالوا: في ضلالٍ مِن أمرِنا. ﴿اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضًا يخلُ لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قومًا صالحين﴾. يقول: تتوبون مِمّا صنعتم. ﴿قال قائل منهم﴾ وهو يهوذا: ﴿لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين﴾. فلمّا أجمعوا أمرَهم على ذلك أتَوْا أباهم، فقالوا: ﴿يا أبانا ما لك لا تَأمَنّا على يوسف﴾. قال: لن أُرْسِلَه معكم إني ﴿أخاف أن يأكُلَه الذئب وأنتم عنه غافلون*قالوا لئن أكله الذئب ونحن عُصْبَةٌ إنا إذا لخاسرون﴾. فأَرسَلَه معهم، فأخرَجوه وبه عليه كرامة، فلمّا بَرَزوا به إلى البَرِّيَّةِ أظهَروا له العداوة، فجعَل يضرِبُه أحدُهم، فيستغيث بالآخَر فيضربه، فجعل لا يرى منهم رحيمًا، فضربوه حتى كادوا يقتُلونه، فجعل يصيح ويقول: يا أبتاه، يا يعقوب، لو تعلم ما صنَع بابنك بنو الإماء. فلما كادوا يقتلونه قال يهوذا: أليس قد أعْطَيْتُمُوني مَوْثِقًا ألّا تقتلوه؟! فانطَلَقُوا به إلى الجُبِّ لِيَطرَحوه فيه، فجعلوا يُدْلُونه في البئر، فيَتَعَلَّق بشَفِير البئر، فربطوا يديه، ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه، رُدُّوا عليَّ قميصي أتَوارى به في الجُبِّ. فقالوا له: ادْعُ الأحدَ عشرَ كوكبًا والشمس والقمر يُؤْنِسوك. قال: فإنِّي لم أرَ شيئًا. فدَلَّوْهُ في البئر، حتى إذا بلغ نصفها ألْقَوْه إرادةَ أن يموت، فكان في البئر ماءٌ، فسَقَط فيه، فلم يَضُرَّه، ثم أوى إلى صخرةٍ في البئر، فقام عليها، فجعل يبكى، فناداه إخوتُه، فظَنَّ أنّها رِقَّةٌ أدركتْهم، فأجابهم، فأرادوا أن يَرْضَخوه بصخرةٍ فيقتلوه، فقام يهوذا فمنعهم، وقال: قد أعْطيتُموني مَوثِقًا ألّا تقتلوه. فكان يهوذا يأتيه بالطعام. ثم إنّهم رجعوا إلى أبيهم، فأخذوا جَدْيًا مِن الغنم، فذبحوه، ونضَحوا دمَه على القميص، ثم أقْبَلوا إلى أبيهم عشًاء يبكون، فلمّا سمع أصواتهم فزِعَ، وقال: يا بَنِيَّ، ما لكم؟ هل أصابكم في غنمِكم شيء؟ قالوا: لا. قال: فما فعل يوسف؟ ﴿قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نَسْتَبِقُ وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمنِ لنا﴾ يعني: بمُصَدِّق لنا ﴿ولو كنا صادقين﴾. فبكى الشيخ، وصاح بأعلى صوته، ثم قال: أين القميص؟ ثم جاءوا بقميصه وعليه دَمٌ كَذِب، فأخذ القميصَ، وطرَحه على وجهه، ثم بكى حتى خُضِّبَ وجهُه مِن دمِ القميص، ثم قال: إنّ هذا الذِّئْب يا بَنِيَّ لَرحيم، فكيف أكل لحمه ولم يُخَرِّق قميصه؟! ﴿وجاءت سيارة فأرسلوا وارِدَهُم فأدلى دلوه﴾، فتعلَّق يوسف بالحبل، فخرج، فلمّا رآه صاحبُ الدَّلْوِ دعا رجلًا مِن أصحابه يُقال له: بُشْرى، فقال: ‹يا بُشْرايَ هَذا غُلامٌ›. فسَمِع به إخوةُ يوسف، فجاءوا، فقالوا: هذا عبدٌ لنا آبِقٌ، ورَطَنوا له بلسانهم، فقالوا: لَئِن أنكرت أنّك عبدٌ لنا لَنَقْتُلنَّكَ، أتُرانا نَرْجِعُ بك إلى يعقوب وقد أخبَرناه أنّ الذئب قد أكلك؟! قال: يا إخوتاه، ارجِعوا بي إلى أبي يعقوب، فأنا أضمن لكم رضاه، ولا أذكر لكم هذا أبدًا. فأَبَوْا، فقال الغلام: أنا عبدٌ لهم. فلمّا اشتراه الرجلان فَرِقا مِن الرُّفْقةِ أن يقولا: اشترَيْناه. فيسألونهما الشرَّكِةَ فيه، فقالا: نقول إن سألونا: ما هذا؟ نقول: هذا بضاعةٌ استَبْضَعْناها أهلَ البئر. فذلك قوله: ﴿وأَسَرُّوهُ بِضاعَة﴾، ﴿وشَروه بثمن بخس دراهم معدودة﴾ كانت عشرين درهمًا، وكانوا في يوسف من الزاهدين. فانطلقوا به إلى مصر، فاشتراه العزيز مَلِك مصر، فانطلق به إلى بيته، فقال لامرأته: ﴿أكرمى مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا﴾. فأَحَبَّتْهُ امرأتُه، فقالت له: يا يوسف، ما أحْسَنَ شَعرَك! قال: هو أول ما يتناثر مِن جسدي. قالت: يا يوسف، ما أحسن عينيك! قال: هما أول ما يسيلان إلى الأرض مِن جسدي. قالت: يا يوسف، ما أحسن وجهَك! قال: هو للتراب يأكله. قالت: ﴿هيت لك﴾: هلم لك -وهي بالقِبْطِيَّة-. ﴿قال معاذ الله إنه ربى﴾ قال: سيدي ﴿أحسن مثواى﴾؛ فلا أخونه في أهله. فلم تزل به حتى أطْمَعَها، فهمَّت به وهَمَّ بها، فدخلا البيت، ﴿وغلقت الأبواب﴾، فذهب لِيَحُلَّ سراويلَه، فإذا هو بصورة يعقوب قائمًا في البيت قد عَضَّ على أصبُعه، يقول: يا يوسف، لا تُواقِعْها، فإنّما مَثَلُك مَثَلُ الطَّيْر في جَوِّ السماء لا يُطاق، ومَثَلُك إذا وقَعْتَ عليها مَثَلُه إذا مات فوقع على الأرض؛ لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، ومَثَلُك ما لم تُواقِعْها مَثَلُ الثَّوْر الصَّعْب الذي لم يُعمَل عليه، ومَثَلُك إذا واقَعْتَها مَثَلُه إذا مات فدخل النملُ في أصل قَرْنَيْه، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. فربط سراويله، وذهب ليخرج، فأَدْرَكَتْه، فأخذت بمُؤَخَّر قميصه مِن خلفه، فخرقته حتى أخرجته منه، وسَقَط، وطرحه يوسف، واشْتَدَّ نحوَ الباب، وألفيا سيدها جالسًا عند الباب هو وابنُ عمِّ المرأة، فلمّا رأته قالت: ﴿ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا إلا أن يسجن أو عذاب أليم﴾، إنّه راودني عن نفسي، فدفعته عَنِّي، فشَقَقْتُ قميصَه. فقال يوسف: لا، بل هي راودتني عن نفسي، فأَبَيْتُ وفَرَرْتُ منها، فأَدْرَكَتْنِي، فأَخَذَتْ بقميصي، فشَقَّتْهُ عَلَيَّ. فقال ابنُ عمِّها: في القميص تبيان الأمر؛ انظروا إن كان القميصُ قُدَّ مِن قبُل فصَدَقت وهو من الكاذبين، وإن كان قُدَّ من دُبُرٍ فكذبت وهو من الصادقين. فلما أُتِي بالقميص وجَده قد قُدَّ مِن دُبُر، فقال: ﴿إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم*يوسف أعرض عن هذا واستغفرى لذنبك﴾. يقول: لا تعودي لذنبك. ﴿وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبًا﴾. والشَّغاف: جِلْدَةٌ على القلب، يُقال لها: لِسان القلب. يقول: دَخَلَ الحُبُّ الجِلْدَ حتى أصاب القلب. ﴿فلما سمعت بمكرهن﴾ يقول: بِقَوْلِهِنَّ ﴿أرسلت إليهن وأَعتَدَت لهن متكئًا﴾ يَتَّكِئْن عليه، ﴿وآتت كل واحدة منهن سكينًا﴾ وأُتْرُجًّا يَأْكُلْنَه، وقالت ليوسف: ﴿اخرج عليهن﴾. فلمّا خرج ورأى النسوةُ يوسفَ أعْظَمْنَه، وجعلن يَحزُزْن أيديَهن وهُم يحسبن أنّهُنَّ يُقَطِّعن الأُتْرُجَّ، ويقلن: ﴿حاش لله ما هذا بشرًا إن هذا إلا ملك كريم﴾. قالت: ﴿فذلكن الذى لمتننى فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم﴾ بعدما كان حَلَّ سراويله، ثم لا أدري ما بدا له. قال يوسف: ﴿رب السجن أحب إلى مما يدعوننى إليه﴾. يقول: الحبسُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يدعونني إليه مِن الزِّنا. ثُمَّ إنّ المرأة قالت لزوجها: إنّ هذا العبد العبرانيَّ قد فَضَحَنِي في الناس، إنّه يعتذر إليهم ويُخبِرُهم أنِّي راودته عن نفِسه، ولستُ أُطيق أن أعتذر بعذري، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر كما يعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني. فذلك قوله: ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات﴾ وهو شَقُّ القميص، وقطع الأيدي ﴿ليسجننه حتى حين﴾. ﴿ودخل معه السجن فتيان﴾، غَضِب الملِكُ على خبّازِه؛ بلغه أنّه يريد أن يَسُمَّه، فحبسه، وحبس الساقي، وظَنَّ أنّه مالأه على السُّمِّ، فلمّا دخل يوسفُ السجنَ قال: إنِّي أُعَبِّر الأحلام. فقال أحد الفَتَيَيْن لصاحبه: هَلُمَّ، فلْنُجرِّب قولَ هذا العبد العبراني. فتراءيا مِن غير أن يكونا رأيا شيئًا، ولكنهما خَرَصا، فعبَّر لهما يوسفُ خَرْصَهما، فقال الساقي: رأيتُني أعصِر خمرًا. وقال الخبّاز: رأيتني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه. قال يوسف: ﴿لا يأتيكما طعام تُرْزَقانِهِ﴾ في النوم ﴿إلا نبأتكما بتأويله﴾ في اليَقَظَة. ثم قال: ﴿يا صاحبى السجن أما أحَدُكُما فيسقى ربه خمرًا﴾؛ فيُعادُ على مكانه، ﴿وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه﴾. ففزِعا، وقالا: واللهِ، ما رأينا شيئًا. قال يوسف: ﴿قضى الأمر الذى فيه تستفتيان﴾، إنّ هذا كائِنٌ لا بُدَّ منه. وقال يوسف عليه السلام للساقي: ﴿اذكرنى عند ربك﴾. ثم إنّ الله أرى الملكَ رؤيا في منامه هالَتْهُ، فرأى سبع بقرات سِمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر يأكلهن سبعٌ يابسات، فجمع السَّحَرَة والكهنة والعافة -وهم القافَة- والحازَة -وهم الذين يزجُرون الطير-، فقصَّها عليهم، فقالوا: ﴿أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين﴾. ﴿وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون﴾. قال ابن عباس: لم يكن السجنُ في المدينة، فانطلق الساقي إلى يوسف، فقال: ﴿أفتنا في سبع بقرات﴾ إلى قوله: ﴿لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون﴾ تأويلها. قال: ﴿تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله﴾. قال: هو أبقى له، ﴿إلا قليلًا مما تأكلون*ثم يأتى من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلًا مما تحصنون﴾ قال: مِمّا ترفعون، ﴿ثم يأتى من بعد ذلك عام فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون﴾ قال: العِنَب. فلمّا أتى المَلِكَ الرسولُ وأخبره قال: ﴿ائتونى به فلما جاءه الرسول﴾ فأمره أن يخرج إلى المَلِك أبى يوسف، وقال: ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيديَهُن﴾. قال السدي: قال ابن عباس: لو خرج يوسفُ يومئذ قبل أن يعلم المَلِك بشأنه ما زالت في نفس العزيز منه حاجة؛ يقول: هذا الذي راود امرأته. قال الملك: ائتوني بِهِنَّ. قال: ﴿ما خطبُكُنَّ إذ راوَدتُّنَّ يوسف عن نفسه قلن: حاش لله ما علمنا عليه من سوء﴾، ولكن امرأة العزيز أخْبَرَتْنا أنّها راودته عن نفسه، ودخل معها البيت، وحلَّ سراويله، ثُمَّ شَدَّه بعد ذلك، ولا تدري ما بدا له. فقالت امرأة العزيز: ﴿الآن حصحص الحق﴾ قال: تَبَيَّنَ، ﴿أنا راودته عن نفسه﴾. قال يوسف وقد جيء به: ﴿ذلك لِيَعْلَمَ﴾ العزيزُ ﴿أنى لم أخنه بالغيب﴾ في أهله، ﴿وأن الله لا يهدى كيد الخائنين﴾. فقالت امرأة العزيز: يا يوسف، ولا حين حللتَ السراويل؟! قال يوسف: ﴿وما أُبَرِئُ نفسى﴾. فلمّا وجد الملِك له عُذرًا قال: ﴿ائتونى به أستخلصه لنفسى﴾. فاستعمله على مصر، فكان صاحبَ أمرها؛ هو الذى يلي البيع والأمر، فأصاب الأرضَ الجوعُ، وأصاب بلادَ يعقوب التي كان فيها، فبعث بنيه إلى مصر، وأمسك بنيامين أخا يوسف، فلمّا دخلوا على يوسف ﴿فَعَرَفَهُم وهم له منكرون﴾. فلمّا نظر إليهم أخذهم، وأدخلهم الدار، وأدخل المَكُّوك، وقال لهم: أخبروني، ما أمرُكم، فإني أُنكِرُ شأنَكم؟ قالوا: نحن مِن أرض الشام. قال: فما جاء بكم؟ قالوا: نَمْتارُ طعامًا. قال: كذبتم، أنتم عيون، كم أنتم؟ قالوا: نحن عشرة. قال: أنتم عشرة آلاف؛ كل رجل منكم أميرُ ألف، فأخبروني خبركم. قالوا: إنّا أخوة، بنو رجل صدِّيقٍ، وإنّا كنا اثني عشر، فكان يحب أخًا لنا، وإنّه ذهب معنا إلى البَرِّيَّة فهلك مِنّا فيها، وكان أحبَّنا إلى أبينا. قال: فإلى مَن يسكن أبوكم بعده؟ قالوا: إلى أخٍ له أصغر منه. قال: كيف تحدثوني أنّ أباكم صِدِّيق وهو يُحِبُّ الصغير منكم دون الكبير؟ ائتونى بأخيكم هذا حتى أنظر إليه، ﴿فإن لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى ولا تقربون﴾. قالوا: ﴿سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون﴾. قال: فإني أخشى ألا تأتوني به، فضعوا بعضَكم رهينةً حتى ترجعوا. فارْتَهَن شمعون عنده، فقال لفتيته وهو يكيل لهم: ﴿اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون﴾ إلَيَّ. فلمّا رجع القوم إلى أبيهم كلَّموه فقالوا: يا أبانا، إنّ ملِك مصر أكرَمنا كرامة، لو كان رجلًا مِنّا مِن بني يعقوب ما أكرَمنا كرامته، وإنّه ارتهن شمعون، وقال: ائتوني بأخيكم هذا الذي عطف عليه أبوكم بعد أخيكم الذي هلك حتى أنظر إليه، فإن لم تأتوني به فلا تقربوا بلادي أبدًا. فقال لهم يعقوب: إذا أتيتم ملِك مصر فأقرِئوه مِنِّي السلام، وقولوا: إن أبانا يصلِّى عليك ويدعو لك بما أوليتنا. ﴿ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم رُدَّت إليهم﴾، أتَوا أباهم ﴿قالوا يا أبانا ما نبغى هذه بضاعتنا ردت إلينا﴾. فقال أبوهم حين رأى ذلك: ﴿لن أُرسِلَهُ معكم حتى تُؤْتُونِ مَوثِقًا من الله لَتَأْتُنَّنِى به إلا أن يحاط بكم﴾. فحلفوا له، ﴿فلما آتوه مَوْثِقَهُم﴾ قال يعقوب: ﴿الله على ما نقول وكيل﴾. ورَهِب عليهم أن تُصِيبَهم العين إن دخلوا مصر فيُقال: هؤلاء لرجل واحد. قال: ﴿يا بنى لا تدخلوا من باب واحد﴾. يقول: مِن طريق واحد. فلمّا دخلوا على يوسف عرف أخاه، فأنزلهم منزلًا، وأجرى عليهم الطعام والشراب، فلما كان الليل أتاهم بمُثُلٍ، قال: لِيَنَم كلُّ أخوين منكم على مِثال. حتى بقي الغلامُ وحده، فقال يوسف: هذا ينام معي على فراشي. فبات مع يوسف، فجعل يَشُمُّ ريحَه، ويَضُمُّه إليه حتى أصبح، وجعل يقول روبيل: ما رأينا رجلًا مثل هذا إن نحن نجونا منه. ﴿فلما جَهَّزَهُم بِجَهازِهِم جعل السقاية في رحل أخيه﴾، والأخ لا يشعر، فلمّا ارتحلوا ﴿أذن مؤذن﴾ قبل أن يرتحل العير: ﴿أيتها العير إنكم لسارقون﴾. فانقطعت ظهورهم، ﴿وأقبلوا عليهم﴾ يقولون: ﴿ماذا تفقدون﴾ إلى قوله: ﴿قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين*قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه﴾ يقول: تأخذونه فهو لكم. ﴿فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه﴾، فلمّا بَقِي رَحْلُ الغلام قال: ما كان هذا الغلامُ لِيَأْخُذَها. قالوا: واللهِ، لا يُتْرَكُ حتى تنظر في رحله، ونذهب وقد طابت نفسُك. فأدخل يدُه في رحله، فاستخرَجها مِن رحل أخيه. يقول الله: ﴿كذلك كدنا ليوسف﴾ يقول: صنعنا ليوسف، ﴿ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك﴾ يقول: في حُكْم الملك ﴿إلا أن يشاء الله﴾، ولكن صنعنا لشأنِهم؛ قالوا: ﴿فهو جزاؤه﴾. قال: فلمّا استخرجها مِن رحل الغلام انقطعت ظهورهم، وهلكوا، وقالوا: ما يزال لنا منكم بلاءٌ يا بني راحيل، متى أخَذْتَ هذا الصُّواع؟! قال بنيامين: بل بنو راحيل الذين لا يزال لهم منكم بلاء، ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البَرِّيَّة، وما وضع هذا الصواع في رحلي إلا الذى وضع الدراهم في رِحالكم. قالوا: لا تَذْكُرِ الدراهم فنُؤْخَذ بها. فوقعوا فيه، وشتموه، فلمّا أدخلوهم على يوسف دعا بالصُّواع، ثُمَّ نَقَرَ فيه، ثُمَّ أدناه مِن أُذُنِه، ثُمَّ قال: إنّ صُواعي هذا لَيُخبِرني أنّكم كنتم اثني عشر أخًا، وأنّكم انطلقتم بأخٍ لكم فبعتموه. فلمّا سمعها بنيامين قام فسجد ليوسف، وقال: أيها الملك، سل صواعك هذا، أحَيٌّ أخي ذاك أم لا؟ فنقرها يوسف، ثم قال: نعم هو حيٌّ، وسوف تراه. قال: اصنع بي ما شئت، فإنّه إن عَلِم بي استنقذني. فدخل يوسف، فبكى، ثم توضأ، ثم خرج. فقال بنيامين: أيها الملِك، إني أراك تضرب بصواعك فيُخبِرُكَ بالحق، فسله مَن صاحبه؟ فنقر فيه، ثم قال: إنّ صواعي هذا غضبان، يقول: كيف تسألني مَن صاحبي وقد رأيتَ مَعَ مَن كنت؟ وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يُطاقُوا، فغَضِب روبيل، فقام، فقال: أيُّها الملك، واللهِ، لَتَتْرُكَنّا أو لَأَصِيحَنَّ صيحةً لا تَبْقى امرأةٌ حامِلٌ بمصر إلا طَرَحَتْ ما في بطنها. وقامت كلُّ شعرة مِن جسد روبيل، فخرجت من ثيابه، فقال يوسف لابنه: مُرَّ إلى جنب روبيل، فمَسَّهُ. وكان بنو يعقوب إذا غضِب أحدُهم فمَسَّه الآخَرُ ذَهَب غضبُه، فمَرَّ الغلام إلى جانبه، فمَسَّه، فذهب غضبُه، فقال روبيل: من هذا؟! إنَّ في هذه البِلاد لَبَزْرًا مِن بَزْر يعقوب. قال يوسف: ومَن يعقوب؟ فغضب روبيل، فقال: أيُّها الملِك، لا تَذْكُرَنَّ يعقوب، فإنّه سَرِيُّ الله، ابن ذبيح الله، ابن خليل الله. فقال يوسف: أنت إذن إن كنت صادقًا، فإذا أتيتم أباكم فاقرءوا عليه مِنِّي السلام، وقولوا له: إنّ مَلِك مصر يدعو لك ألّا تموت حتى ترى ابنك يوسف؛ حتى يعلم أبوكم أنّ في الأرض صِدِّيقين مثله. فلمّا أيِسُوا منه، وأخرَج لهم شمعون وقد كان ارْتَهَنَه؛ خلوا بينهم ﴿نجيًا﴾ يتناجون بينهم، قال كبيرهم -وهو روبيل، ولم يكن بأكبرهم سِنًّا، ولكن كان كبيرهم في العلم-: ﴿ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقًا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبى أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين﴾. فأقام روبيل بمصر، وأقبل التسعة إلى يعقوب، فأخبروه الخبر، فبكى، وقال: يا بَنِيَّ، ما تذهبون مِن مَرَّةِ إلا نقصتم واحدًا؟! ذهبتم فنقصتم يوسف، ثم ذهبتم الثانية فنقصتم شمعون، ثم ذهبتم الثالثة فنقصتم بنيامين وروبيل، ﴿فصبر جميل عسى الله أن يأتينى بهم جميعًا إنه هو العليم الحكيم*وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم﴾ من الغيظ، ﴿قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف﴾ قال: لا تزال تذكر يوسف ﴿حتى تكون حرضًا﴾: باليًا، ﴿أو تكون مِن الهالكين﴾: المَيِّتين. ﴿قال إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون﴾. قال: أتى جبريلُ يوسفَ وهو في السجن، فسَلَّم عليه، وجاءه في صورة رجل حسن الوجه، طيب الريح، نَقِيَّ الثياب، فقال له يوسف: أيها الملك الحسن الوجه، الكريم على ربه، الطيب ريحه، حدِّثني كيف يعقوب؟ قال: حَزِن عليك حُزنًا شديدًا. قال: فما بلغ مِن حُزْنِه؟ قال: حُزْنُ سبعين مُثْكَلَةً. قال: فما بلغ مِن أجره؟ قال: أجر سبعين شهيدًا. قال يوسف: فإلى مَن أوى بعدي؟ قال: إلى أخيك بنيامين. قال: فتُراني ألقاه؟ قال: نعم. فبكى يوسف لَمّا لقي أبوه بعده، ثم قال: ما أُبالي بما لقيت إنِ اللهُ أرانِيهِ. قال: فلمّا أخبروه بدعاء المَلِك أحَسَّت نفسُ يعقوب، وقال: ما يكون في الأرض صِدِّيقٌ إلا ابني. فطمِع، وقال: لعله يوسف. ثم قال: ﴿يا بنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه﴾ بمصر، ﴿ولا تيأسوا من روح الله﴾. قال: مِن فرج الله أن يَرُدَّ يوسف. فلما رجعوا إليه قالوا: ﴿يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مُزجاة فأوف لنا الكيل﴾ بها كما كنت تعطينا بالدراهم الجيِّدة، ﴿وتصدق علينا﴾ بفضل ما بين الجياد والرَّديئة. قال لهم يوسف -ورَحِمَهم عند ذلك-: ﴿هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون قالوا: أءِنك لأنت يوسف قال: أنا يوسف وهذا أخى قد مَنَّ الله علينا﴾. فاعتذروا إليه، وقالوا: ﴿تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين﴾. قال: ﴿لا تثريب عليكم اليوم﴾: لا أذكر لكم ذنبكم، ﴿يغفر الله لكم﴾. ثم قال: ما فعل أبي بعدي؟ قالوا: عَمِي مِن الحُزن. فقال: ﴿اذهبوا بقميصى هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرًا وأتونى بأهلكم أجمعين﴾. فقال يهوذا: أنا ذهبتُ بالقميص إلى يعقوب وهو مُتَلَطِّخ بالدماء، وقلت: إنّ يوسف قد أكله الذئب، وأنا اليوم أذهب بالقميص وأُخْبِرُه أنّ يوسف حيٌّ، فأُفْرِحه كما أحزنته. فهو كان البشير. ﴿ولما فصلت العير﴾ من مصر مُنطَلِقَةً إلى الشام؛ وجد يعقوب ريح يوسف، فقال لبني بنيه: ﴿إنى لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون﴾. قال له بنو بنيه: ﴿تالله إنك لفي ضلالك القديم﴾ مِن شأن يوسف. ﴿فلما أن جاء البشير﴾ وهو يهوذا؛ ألقى القميص على وجهه ﴿فارتد بصيرًا﴾. قال يعقوب لبنيه: ﴿ألم أقل لكم إنى أعلم من الله ما لا تعلمون﴾؟!. ثُمَّ حملوا أهلهم وعيالهم، فلمّا بلغوا مصر كلَّم يوسفُ المَلِك الذي فوقه، فخرج معه هو والمَلِك يَتَلَقَّوْنَهم، فلمّا لقيهم قال: ﴿ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين﴾. فلمّا دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه؛ أباه وخالته، ورفعهما ﴿على العرش﴾ قال: السرير. فلما حضر يعقوب الموت أوصى إلى يوسف أن يدفنه عند إبراهيم وإسحاق، فمات، فنفخ فيه المُرَّ، ثم حمله إلى الشام، وقال يوسف عليه السلام: ﴿رب قد آتيتنى من الملك﴾ إلى قوله: ﴿توفنى مسلمًا وألحقنى بالصالحين﴾. قال ابن عباس: هذا أول نبيٍّ سأل الله الموت