محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٧٣ من سورة الأعراف في ١١٢ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و١٥ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٧٣ من سورة الأعراف

١١٢ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَإِلَىَ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يا قوم اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيّنَةٌ مّن رّبّكُمْ هََذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيَ أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
يقول تعالى ذكره : ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا. وثمود : هو ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح، وهو أخو جديس بن عابر، وكانت مساكنهما الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله. ومعنى الكلام : وإلى بني ثمود أخاهم صالحا. وإنما منع ثمود، لأن ثمود قبيلة كما بكر قبيلة، وكذلك تميم. قال : يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ ما لَكُمْ مِنْ إلَه غيرُهُ يقول : قال صالح لثمود : يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له، فما لكم إله يجوز أن تعبدوه غيره، وقد جاءتكم حجة وبرهان على صدق ما أقول وحقيقة ما إليه أدعو من إخلاص التوحيد لله وإفراده بالعبادة دون ما سواه وتصديقي على أني له رسول وبينتى على ما أقول وحقيقة ما جئتكم به من عند ربي، وحجتي عليه هذه الناقة التي أخرجها الله من هذه الهضبة دليلاً على نبوتي وصدق مقالتي، فقد علمتم أن ذلك من المعجزات التي لا يقدر على مثلها أحد إلاّ الله. وإنما استشهد صالح فيما بلغني على صحة نبوّته عند قومه ثمود بالناقة لأنهم سألوه إياها آية ودلالة على حقيقة قوله.
ذكر من قال ذلك، وذكر سبب قتل قوم صالح الناقة :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا إسرائيل، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي الطفيل، قال : قالت ثمود لصالح : ائْتِنا بآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ قال : فقال لهم صالح : اخرجوا إلى هضبة من الأرض فخرجوا، فإذا هي تتمخض كما تتمخض الحامل. ثم إنها انفرجت، فخرجت من وسطها الناقة، فقال صالح : هَذِهِ ناقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُل فِي أرْضِ اللّهِ وَلا تَمَسّوها بِسُوءٍ فَيأْخُذَكُمْ عَذابٌ ألِيمٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ فلما ملوها عقروها، فَقَالَ لَهُمْ : تَمَتّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وَعْد غَيْرُ مَكْذوبٍ. قال عبد العزيز، وحدثني رجل آخر أن صالحا قال لهم : إن آية العذاب أن تصبحوا غدا حمرا، واليوم الثاني صفرا، واليوم الثالث سودا. قال : فصبحهم العذاب، فلما رأوا ذلك تحنطوا واستعدّوا.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وإلى ثَمُودَ أخاهُمْ صَالِحا قال : إن الله بعث صالحا إلى ثمود، فدعاهم فكذّبوه، فقال لهم ما ذكر الله في القرآن، فسألوه أن يأتيهم بآية، فجاءهم بالناقة، لها شرب ولهم شرب يوم معلوم، وقال : ذَرُوها تَأْكُلْ فِي أرْضِ اللّهِ وَلا تَمَسّوها بسُوءٍ فأقّروا بها جميعا، فذلك قوله : فَهَدَيْناهُمْ فاسْتَحَبوا العَمَى على الهُدَى وكانوا قد أقرّوا به على وجه النفاق والتّقية، وكانت الناقة لها شرب، فيوم تشرب فيه الماء تمر بين جبلين فيرجمونها، ففيهما أثرها حتى الساعة، ثم تأتي فتقف لهم حتى يحلبوا اللبن فيرويهم، فكانت تصبّ اللبن صبّا، ويوم يشربون الماء لا تأتيهم. وكان معها فصيل لها، فقال لهم صالح : إنه يولد في شهركم هذا غلام يكون هلاككم على يديه فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر، فذبحوا أبناءهم، ثم وُلد للعاشر فأبى أن يذبح ابنه، وكان لم يولد له قبل ذلك شيء، فكان ابن العاشر أزرق أحمر، فنبت نباتا سريعا، فإذا مرّ بالتسعة فرأوه، قالوا : لو كان أبناؤنا أحياء كانوا مثل هذا، فغضب التسعة على صالح لأنه أمرهم بذبح أبنائهم، فَتَقاسَمُوا بالله لَنُبَيّتَنّهُ وأهْلَهُ ثُمّ لَنَقُولَنّ لِوَلِيّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وَإنّا لَصَادِقونَ. قالوا : نخرج، فيرى الناس أنا قد خرجنا إلى سفر، فنأتي الغار فنكون فيه، حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى المسجد أتيناه فقتلناه ثم رجعنا إلى الغار فكنا فيه، ثم رجعنا فقلنا ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون، يصدّقوننا يعلمون أنا قد خرجنا إلى سفر. فانطلقوا فلما دخلوا الغار أرادوا أن يخرجوا من الليل، فسقط عليهم الغار فقتلهم، فذلك قوله : وكانَ فِي المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحَونَ. . . حتى بلغ ههنا : فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أجمَعِينَ. وكبر الغلام ابن العاشر، ونبت نباتا عجبا من السرعة، فجلس مع قوم يصيبون من الشراب، فأرادوا ماء يمزجون به شرابهم، وكان ذلك اليوم يوم شرب الناقة، فوجدوا الماء قد شربته الناقة، فاشتدّ ذلك عليهم وقالوا في شأن الناقة : ما نصنع نحن باللبن ؟ لو كنا نأخذ هذا الماء الذي تشربه هذه الناقة، فنسقيه أنعامنا وحروثنا، كان خيرا لنا فقال : الغلام ابن العاشر : هل لكم في أن أعقرها لكم ؟ قالوا : نعم. فأظهروا دينهم، فأتاها الغلام، فلما بصرت به شدّت عليه، فهرب منها فلما رأى ذلك، دخل خلف صخرة على طريقها فاستتر بها، فقال : أحيشوها عليّ فأحاشوها عليه، فلما جازت به نادوه : عليكَ فتناولها فعقرها، فسقطت فذلك قوله تعالى : فَنادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعاطَى فَعَقَرَ وأظهروا حينئذ أمرهم، وعقروا الناقة، وعتوا عن أمر ربهم، وقالوا : يا صالح ائتنا بما تعدنا وفزع ناس منهم إلى صالح وأخبروه أن الناقة قد عقرت، فقال : عليّ بالفصيل فطلبوا الفصيل فوجدوه على رابية من الأرض، فطلبوه، فارتفعت به حتى حلّقت به في السماء، فلم يقدرا عليه. ثم دعا الفصيل إلى الله، فأوحى الله إلى صالح أن مرهم فليتمتعوا في دارهم ثلاثة أيام، فقال لهم صالح : تَمَتّعُوا فِي دَاركُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ وآية ذلك أن تصبح وجوهكم أوّل يوم مصفرّة، والثاني محمرّة، واليوم الثالث مسودة، واليوم الرابع فيه العذاب. فلما رأوا العلامات تكفتوا وتحنطوا ولطّخوا أنفسهم بالمرّ، ولبسوا الأنطاع، وحفروا الأسراب، فدخلوا فيها ينتظرون الصيحة، حتى جاءهم العذاب فهلكوا فذلك قوله : فَدَمّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أجمَعِينَ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : لما أهلك الله عادا وتقضى أمرها، عمرت ثمود بعدها واستُخلفوا في الأرض، فنزلوا فيها وانتشروا. ثم عتوا على الله، فلما ظهر فسادهم وعبدوا غير الله، بعث إليهم صالحا وكانوا قوما عربا، وهو من أوسطهم نسبا وأفضلهم موضعا رسولاً. وكانت منازلهم الحِجر إلى قُرْح، وهو وادي القُرى، وبين ذلك ثمانية عشر ميلاً فيما بين الحجاز والشام. فبعث الله إليهم غلاما شابا، فدعاهم إلى الله، حتى شمط وكبر، لا يتبعه منهم إلا قليل مستضعفون فلما ألحّ عليهم صالح بالدعاء، وأكثر لهم التحذير، وخوّفهم من الله العذاب والنقمة، سألوه أن يريهم آية تكون مصداقا لما يقول فيما يدعوهم إليه، فقال لهم : أيّ آية تريدون ؟ قالوا : تخرج معنا إلى عيدنا هذا وكان لهم عيد يخرجون إليه بأصنامهم وما يعبدون من دون الله في يوم معلوم من السنة فتدعو إلهك وندعو آلهتنا، فإن استجيب لك اتبعناك، وإن استجيب لنا اتبعتنا. فقال لهم صالح : نعم. فخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم ذلك، وخرج صالح معهم إلى الله، فدعوا أوثانهم وسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء مما يدعو به، ثم قال له جندع بن عمرو بن حراش بن عمرو بن الدميل، وكان يومئذ سيد ثمود وعظيمهم : يا صالح أخرج لنا من هذه الصخرة لصخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها الكاثبة ناقةً مخترجة جوفاء وبراء والمخترجة : ما شاكلت البخت من الإبل. وقالت ثمود لصالح مثل ما قال جندع بن عمرو فإن فعلت آمنا بك وصدّقناك وشهدنا أن ما جئت به هو حقّ وأخذ عليهم صالح مواثيقهم : لئن فعلت وفعل الله لتُصدقنّي ولتؤمننّ بي ؟ قالوا : نعم، فأعطوه على ذلك عهودهم، فدعا صالح ربه بأن يخرجها لهم من تلك الهضبة كما وصفت.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، أنه حدث : أنهم نظروا إلى الهضبة حين دعا الله صالح بما دعا به تتمخض بالناقة تمخض النّتُوج بولدها، فتحركت الهضبة ثم أسقطت الناقة، فانصدعت عن ناقة كما وصفوا جوفاء وَبْراء نتوج، ما بين جنبيها لا يعلمه إلا الله عظما. فآمن به جندع بن عمرو ومن كان معه على أمره من رهطه، وأراد أشراف ثمود أن يؤمنوا به ويصدّقوا، فنهاهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن صمعر بن جلهس، وكانوا من أشراف ثمود، وردّوا أشرافها عن الإسلام، والدخول فيما دعاهم إليه صالح من الرحمة والنجاة. وكان لجندع ابن عم يقال له شهاب بن خليفة بن مخلاة بن لبيد بن جواس، فأراد أن يسلم فنهاه أولئك الرهط عن ذلك، فأطاعهم، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها، فقال رجل من ثمود يقال له مهوس بن عنمة بن الدميل، وكان مسلما :
وكانَتْ عُصْبَةٌ مِنْ آلِ عَمْروٍإلى دينِ النّبِيّ دَعَوْا شِهابا
عَزِيزَ ثَمودَ كُلّهمُ جَمِيعافَهَمّ بِأنْ يُجِيبَ وَلَوْ أجابا
لأَصْبَحَ صَالِحٌ فِينا عَزِيزاوَما عَدَلُوا بصَاحِبِهِمْ ذُؤَابا
وَلكنّ الغُوَاةَ مِنْ آلِ حِجْرٍتَوّلّوْا بَعْدَ رُشْدِهِمُ ذِئابا
فمكثت الناقة التي أخرجها الله لهم معها سقبها في أرض ثمود ترعى الشجر وتشرب الماء، فقال لهم صالح عليه السلام : هَذِهِ ناقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكلْ فِي أرْضِ اللّهِ وَلا تَمَسّوها بِسُوءٍ فَيأْخُذَكُمْ عَذابٌ ألِيمٌ وقال الله لصالح : إن الماء قسمة بينهم، كلّ شرب محتضر أي إن الماء نصفان : لهم يوم ولها يوم وهي محتضرة، فيومها لا تدع شربها وقال لها شِرْبٌ ولَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ. فكانت فيما بلغني والله أعلم إذا وردت وكانت ترد غِبّا وضعت رأسها في بئر في الحجر يقال لها بئر الناقة، فيزعمون أنها منها كانت تشرب، إذا وردت تضع رأسها فيها، فما ترفعه حتى تشرب كلّ قطرة ماء في الوادي، ثم ترفع رأسها فتفسح يعني تفحّج لهم، فيحتلبون ما شاءوا من لبن، فيشربون ويدّخرون حتى يملؤوا كلّ آنيتهم، ثم تصدر من غير الفجّ الذي منه وردت، لا تقدر على أن تصدر من حيث ترد لضيقه عنها، فلا ترجع منه حتى إذا كان الغد كان يومهم، فيشربون ما شاءوا من الماء، ويدّخرون ما شاءوا ليوم الناقة، فهم من ذلك في سعة. وكانت الناقة فيما يذكرون تصِيف إذا كان الحرّ بظهر الوادي، فتهرب منها المواشي أغنامهم وأبقارهم وإبلهم، فتهبط إلى بطن الوادي في حرّه وجدبه وذلك أن المواشي تنفر منها إذا رأتها، وتشتو في بطن الوادي إذا كان الشتاء، فتهرب مواشيهم إلى ظهر الوادي في البرد والجدب، فأضرّ ذلك بمواشيهم للبلاء والاختبار. وكانت مراتعها فيما يزعمون الجِناب وحِسمى، كل ذلك ترعى مع وادي الحجر. فكبر ذلك عليهم، فعتوا عن أمر ربهم، وأجمعوا في عقر
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
١٤٨٠٩-حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: (وقطعنا دابرَ الذين كذبوا بآياتنا) قال: استأصلناهم.
* * *
وقد بينا فيما مضى معنى قوله: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا) [الأنعام: ٤٥]، بشواهده، بما أغنى عن إعادته. (١)
* * *
= (وما كانوا مؤمنين) يقول: لم يكونوا مصَدّقين بالله ولا برسوله هود.
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحًا.
* * *
و"ثمود"، هو ثمود بن غاثر بن إرم بن سام بن نوح، وهو أخو جَدِيس بن غاثر، (٢) وكانت مساكنهما الحِجْر، بين الحجاز والشأم، إلى وادي القُرَى وما حوله.
* * *
ومعنى الكلام: وإلى بني ثمود أخاهم صالحًا.
* * *
(١) انظر تفسير"قطع دابرهم" فيما سلف ١١: ٣٦٣، ٣٦٤.
(٢) في المطبوعة في الموضعين"ثمود بن عابر"، و"جديس بن عابر"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو كذلك في تاريخ الطبري ١: ١٠٣"غاثر" بالغين والثاء، إلا أنه جاء في التاريخ ١: ١١٥"جاثر" بالجيم والثاء، وكأن الأول هو الأصل، وأن الآخر على القلب عن الغين، هذا إذا لم يكن خطأ.
وإنما منع"ثمود"، لأن"ثمود" قبيلة، كما"بكر" قبيلة، وكذلك"تميم".
* * *
(قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره)، يقول: قال صالح لثمود: يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له، فما لكم إله يجوزُ لكم أن تعبدوه غيره، وقد جاءتكم حُجَّة وبرهان على صدق ما أقول، (١) وحقيقة ما إليه أدعو، من إخلاص التوحيد لله، وإفراده بالعبادة دون ما سواه، وتصديقي على أني له رسول. وبيِّنتي على ما أقول وحقيقة ما جئتكم به من عند ربي، وحجتي عليه، هذه الناقة التي أخرجها الله من هذه الهَضْبة، دليلا على نبوّتي وصدق مقالتي، فقد علمتم أن ذلك من المعجزات التي لا يقدر على مثلها أحدٌ إلا الله.
* * *
وإنما استشهد صالح، فيما بلغني، على صحة نبوّته عند قومه ثمود بالناقة، لأنهم سألُوه إياها آيةً ودلالة على حقيقةِ قوله.
* ذكر من قال ذلك، وذكر سبب قتل قوم صالح الناقة:
١٤٨١٠-حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا إسرائيل، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي الطفيل قال، قالت ثمود لصالح: ائتنا بآية إن كنت من حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا إسرائيل، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي الطفيل قال، قالت ثمود لصالح: ائتنا بآية إن كنت من الصادقين! قال: فقال لهم صالح: اخرجوا إلى هَضْبَةٍ من الأرض! فخرجوا، فإذا هي تَتَمَخَّض كما تتمخَّض الحامل، ثم إنها انفرجت فخرجت من وسَطها الناقة، فقال صالح: (هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسُّوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم (= (لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ)، [سورة الشعراء: ١٥٥]. فلما ملُّوها عقروها، فقال لهم: (تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ)، [سورة هود: ٦٥] قال عبد العزيز: وحدثني رجل آخر: أنّ صالحًا قال لهم: إن آية العذاب أن تصبحوا غدًا حُمْرًا، واليوم الثاني
(١) انظر تفسير"البينة" فيما سلف من فهارس اللغة (بين).
صُفْرًا، واليوم الثالث سُودًا. قال: فصبَّحهم العذاب، فلما رأوا ذلك تحنَّطُوا واستعدُّوا. (١)
١٤٨١٢-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (وإلى ثمود أخاهم صالحًا)، قال: إن الله بعث صالحا إلى ثمود، فدعاهم فكذّبوه، فقال لهم ما ذكر الله في القرآن، فسألوه أن يأتيهم بآية، فجاءهم بالناقة، لها شِرْب ولهم شِرْبُ يومٍ معلوم. وقال: (ذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء). فأقرُّوا بها جميعًا، فذلك قوله: (فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى)، [سورة فصلت: ١٧]. وكانوا قد أقرُّوا به على وجه النفاق والتقيَّة، وكانت الناقة لها شِرْبٌ، فيومَ تشرب فيه الماء تمرّ بين جبلين فيرحمانها، (٢) ففيهما أثرُها حتى الساعة، ثم تأتي فتقف لهم حتى يحلبُوا اللبنَ، فيرويهم، إنما تصبُّ صبًّا، (٣) ويوم يشربون الماءَ لا تأتيهم. وكان معها فصيل لها، فقال لهم صالح: إنه يولدُ في شهركم هذا غلامٌ يكون هلاككم على يديه! فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر، فذبحوا أبناءهم، ثم وُلد للعاشر فأبَى أن يذبح ابنه، وكان لم يولد له قبل ذلك شيء. فكان ابن العاشر أزْرَق أحمرَ، فنبت نباتًا سريعًا، فإذا مرَّ بالتسعة فرأوه قالوا: لو كان أبناؤنا أحياءَ كانوا مثل هذا! فغضب التِّسعة على صالح، لأنه أمرهم بذبح أبنائهم= (تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ)،
(١) الأثر: ١٤٨١٠ -"عبد العزيز بن رفيع الأسدي"، تابعي ثقة، روى له الجماعة. روى عن أنس، وابن الزبير، وابن عباس، وابن عمر، وأبي الطفيل. مترجم في التهذيب. و"أبو الطفيل"، هو: "عامر بن واثلة الليثي"، مضى برقم: ٩١٩٦.
وقوله: "تحنطوا"، أي اتخذوا الحنوط، كما يفعلون بالميت: و"الحنوط"، هو ذريرة من مسك أوعنبر أو كافور أو صندل مدقوق، أو صبر، يتخذ للميت حتى لا يجيف ولا ينتن، أو لا تظهر رائحته للحي. وسقط من الترقيم: "١٤٨١١": سهوًا مني.
(٢) في المطبوعة:
"فيرجمونها، ففيها أثرها"، والصواب من المخطوطة.
(٣) في المطبوعة: "فكانت تصب اللبن صبًا"، غير ما في المخطوطة وبدله.
[النمل: ٤٩]. قالوا: نخرج، فيرى الناس أنّا قد خرجنا إلى سفر، فنأتي الغار فنكون فيه، حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى المسجد، أتيناه فقتلناه، ثم رجعنا إلى الغار فكنا فيه، ثم رجعنا فقلنا: (ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون)، يصدقوننا، يعلمون أنّا قد خرجنا إلى سفر! فانطلقوا، فلما دخلوا الغارَ أرادوا أن يخرجوا من الليل، فسقط عليهم الغارُ فقتلهم، فذلك قوله: (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ) حتى بلغ ها هنا: (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ) [سورة النمل: ٤٨-٥١]. =وكبر الغلام ابن العاشر، ونبت نباتًا عجبًا من السرعة، فجلس مع قومٍ يصيبون من الشَّراب، فأرادُوا ماءً يمزجون به شرابهم، وكان ذلك اليوم يوم شِرب الناقة، فوجدوا الماء قد شربته الناقةُ، فاشتدَّ ذلك عليهم، وقالوا في شأن الناقة: ما نَصْنع نحن باللبن؟ لو كنا نأخذ هذا الماء الذي تشربه هذه الناقة، فنُسْقيه أنعامنا وحروثنا، كان خيرًا لنا! فقال الغلام ابن العاشر: هل لكم في أن أعْقِرَها لكم؟ قالوا: نعم! فأظهروا دينَهم، فأتاها الغلام، فلما بَصُرت به شدَّت عليه، فهرب منها، فلما رأى ذلك، دخل خلف صخرةٍ على طريقها فاستتر بها، فقال: أحِيشوها عليّ! فأحَاشوها عليه، (١) فلما جازت به نادوه: عليك! (٢) فتناولها فعقرها، فسقطت، فذلك قوله: (فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ)، [سورة القمر: ٢٩]. وأظهروا حينئذٍ أمرهم، وعقروا الناقة، وعَتَوْا عن أمر ربهم، وقالوا: يا صالحُ ائتنا بما تعِدنا. وفزع ناسٌ منهم إلى صالح، وأخبروه أن الناقة قد عُقرت، فقال: عليَّ بالفصيل! فطلبوا الفَصِيل فوجدوه على رَابية من الأرض، فطلبوه، فارتفعت به حتى حلَّقت به في السماء، فلم يقدروا عليه. ثم رَغَا (٣) الفصيلُ إلى الله، فأوحى الله إلى صالح: أنْ مُرْهم فليتمتَّعوا في دارهم ثلاثة أيام! فقال لهم صالح: تَمتَّعوا في داركم ثلاثة أيام، وآية ذلك أن تُصبح وجوهكم أوَّل يوم مصفَرَّة، والثاني محمرّة، واليوم الثالث مسوَدّة، واليومُ الرابعُ فيه العذاب. فلما رأوا العلامات تكفّنوا وتحنّطوا ولطَّخوا أنفسهم بالمرّ، ولبسوا الأنْطاع، وحفروا الأسراب فدخلوا فيها ينتظرون الصيحة، حتى جاءهم العذاب فهلكوا. فذلك قوله: (دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ).
حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، لما أهلك الله عادًا وتقضَّى أمرها، عَمِرتْ ثمود بعدَها واستُخْلِفوا في الأرض، (٤) فنزلوا فيها وانتشروا، ثم عتوا على الله. فلما ظهر فسادهم وعبدوا غيرَ الله، بعث إليهم صالحًا = وكانوا قومًا عَربًا، وهو من أوسطهم نسبًا وأفضلهم موضعًا = (٥) رسولا (٦) وكانت منازلهم الحِجر إلى قُرْح، (٧) وهو وادي القرى، وبين ذلك ثمانية عشر ميلا فيما بين الحجاز والشأم! فبعث الله إليهم غلامًا شابًا، فدعاهم إلى الله، حتى شَمِط وكبر، (٨) لا يتبعه منهم إلا قليل مستضعَفون، فلما ألحّ عليهم صالح بالدعاء، وأكثر لهم التحذير، وخوَّفهم من الله العذاب والنقمة، سألوه أن يُريهم آية تكون مِصداقًا لما يقول فيما يدعوهم إليه، فقال لهم: أيَّ آية تريدون؟ قالوا: تخرج معنا إلى عِيدِنا هذا = وكان لهم عيد يخرجون إليه بأصنامهم وما يعبدون من دون الله، في يوم معلوم من السنة = فتدعو إلهك وندْعُو آلهتنا، فإن
(١) في المطبوعة: "أجيشوها... فأجاشوها" بالجيم، والصواب بالحاء."حاش عليه الصيد حوشًا وحياشًا" و"أحاشه عليه"، إذا نفره نحوه، وساقه إليه، وجمعه عليه.
(٢) "عليك"، إغراء، بمعنى: خذه.
(٣) في المطبوعة والمخطوطة: "ثم دعا"، والصواب ما أثبت. من"رغاء الناقة"، وهو صوتها إذا ضجت.
(٤) "عمر يعمر" (نحو: فرح يفرح) و"عمر يعمر" (نحو: نصر ينصر) : عاش وبقي زمانًا طويلا.
(٥) في المطبوعة: "وكانوا قومًا عزبًا"، وفي المخطوطة: "وكانوا قومًا عربًا وهم من أوسطهم" والصواب ما أثبت.
(٦) السياق: "بعث إليهم صالحًا... رسولا".
(٧) "قرح" (بضم فسكون)، وهو سوق وادي القرى.
(٨) "شمط": ابيض شعره.
استجيب لك اتَّبعناك! وإن استجيب لنا اتَّبعتنا! فقال لهم صالح: نعم! فخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم ذلك، وخرج صالح معهم إلى الله فدعَوْا أوثانهم وسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء ممّا يدعو به. ثم قال له جندع بن عمرو بن جواس بن عمرو بن الدميل، (١) وكان يومئذٍ سيّد ثمود وعظيمَهم: يا صالح، أخرج لنا من هذه الصخرة = لصخرة منفردة في ناحية الحِجْر، يقال لها الكاثِبة = ناقةً مخترجة جَوْفاء وَبْرَاء = و"المخترجة"، ما شاكلت البُخْت من الإبل. (٢) وقالت ثمود لصالح مثل ما قال جندع بن عمرو = فإن فعلت آمنَّا بك وصَدَّقناك، وشهدنا أنَّ ما جئت به هو الحقّ! وأخذ عليهم صالح مواثيقهم: لئن فعلتُ وفَعَل الله لتصدِّقُنِّي ولتؤمنُنَّ بي! قالوا: نعم! فأعطوه على ذلك عهودَهم. فدعا صالح ربَّه بأن يخرجَها لهم من تلك الهَضْبة، كما وصفوا.
= فحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، أنه حدَّث: أنَّهم نظروا إلى الهضبة، حين دعا الله صالح بما دعا به، تتمخَّض بالناقة تمخُّض النَّتُوج بولدها، (٣) فتحركت الهضبة، ثم انتفضت بالناقة، (٤) فانصدعت عن ناقة، كما وصَفوا، جوفاءَ وَبْرَاء نَتُوج، ما بين جنبيها لا يعلمه إلا الله عِظمًا، فآمن به جندع بن عمرو ومَنْ كان معه على أمره من رهطه، وأراد أشرافُ ثمود أن يؤمنوا به ويصدِّقوا، فنهاهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد، والحباب صاحبُ أوثانهم، ورباب بن صمعر بن جلهس، وكانوا
(١) في المطبوعة"حراش"، ولعل ما في المخطوطة يقرأ كما أثبته، وكما سيأتي في نسب آخر بعد قليل.
(٢) شرح"المخترجة"، لم أجده في غير هذا الخب، وهو بمثله في قصص الأنبياء للثعلبي. و"البخت" من الإبل، جمال طوال الأعناق، وهي الإبل الخراسانية، تنتج من بين عربية وفالج.
(٣) "النتوج" (بفتح النون) : الحامل.
(٤) في المطبوعة: "ثم أسقطت الناقة" غير ما في المخطوطة، وفيها: "ثم استفصت الناقة" كل ذلك غير منقوطة، فرأيت صواب قرأتها ما أثبت.
من أشراف ثمود، فردُّوا أشرافَها عن الإسلام والدخول فيما دعاهم إليه صالح من الرَّحمة والنجاة، (١) وكان لجندع ابن عم يقال له:"شهاب بن خليفة بن مخلاة بن لبيد بن جواس"، فأراد أن يسلم، فنهاه أولئك الرهط عن ذلك، فأطاعهم، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها، فقال رجل من ثمود يقال له:"مهوس بن عنمة بن الدّميل"، وكان مسلمًا:
وَكَانَتْ عُصْبَةٌ مِنْ آلِ عَمْروٍ... إِلَى دِينِ النَّبِيِّ دَعَوْا شِهَابَا (٢) عَزِيزَ ثَمُودَ كُلِّهِمُ جَمِيعًا... فَهَمَّ بِأَنْ يُجِيبَ وَلَوْ أَجَابَا
لأَصْبَحَ صَالِحٌ فِينَا عَزِيزًاوَمَا عَدَلوا بصَاحِبِهم ذُؤَابَا
وَلكِنَّ الغُوَاةَ مِن َآلِ حُجْرٍتَوَلَّوْا بَعْدَ رُشْدِهِمُ ذُبَابَا (٣)
فمكثت الناقة التي أخرجها الله لهم معها سَقْبها في أرض ثمودَ ترعى الشجر وتشرب الماء، فقال لهم صالح عليه السلام: (هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم)، وقال الله لصالح: إن الماء قسمةٌ بينهم، كُلّ شِرْبٍ مُحْتَضَر= أي: إن الماء نصفان، لهم يوم، ولها يوم وهي محتضرة، فيومها لا تدع شربها. (٤) وقال: (لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ)، [سورة الشعراء: ١٥٥]. فكانت، فيما بلغني والله أعلم، إذا وردت، وكانت تَرِد غِبًّا، (٥) وضعت رأسها في بئر في الحجر يقال لها"بئر الناقة"، فيزعمون أنها منها كانت تشرب إذا وردت، تضع رأسَها فيها، فما ترْفَعه حتى تشرب كل قطرة ماء في الوادي، ثم
(١) في المطبوعة: "وردوا أشرافها" بالواو، والأجود ما في المخطوطة.
(٢) الأبيات في البداية والنهاية لابن كثير ١: ١٣٤، وقصص الأنبياء للثعلبي: ٥٧، ٥٨.
(٣) في المطبوعة: "ذئابًا"، وفي البداية والنهاية"ذآبا"، وكأن الصواب ما في قصص الأنبياء، وهو ما أثبته. والمخطوطة غير منقوطة.
(٤) هذا تفسير آية"سورة القمر": ٢٨.
(٥) "غبا" (بكسر الغين)، أي: ترد يومًا، وتدع يومًا، ثم ترد.
ترفع رأسها فتفشَّج (١) = يعني تفحَّج لهم (٢) = فيحتلبون ما شاؤوا من لبن، فيشربون ويدَّخرون، حتى يملؤوا كل آنيتهم، ثم تصدر من غير الفجّ الذي منه وردت، لا تقدِرُ على أن تصدر من حيث ترِدُ لضيقِه عنها، فلا ترجع منه. حتى إذا كان الغدُ، كان يومهم، فيشربون ما شاؤوا من الماء، ويدّخرون ما شاؤوا ليوم الناقة، فهم من ذلك في سعة. وكانت الناقة، فيما يذكرون، تَصِيف إذا كان الحرّ ظَهْرَ الوادي، (٣) فتهرب منها المواشي، أغنامُهم وأبْقارهم وإبلُهم، فتهبط إلى بطن الوادي في حرِّه وجَدْبه= وذلك أن المواشي تنفِرُ منها إذا رأتها= وتشتو في بطن الوادي إذا كان الشتاء، فتهرب مَواشيهم إلى ظهر الوادي في البرد والجدْب، فأضرّ ذلك بمواشيهم للبلاءِ والاختبار. وكانت مرابعُها، (٤) فيما يزعمون، الحبابُ وحِسْمَى، كل ذلك ترعى مع وادي الحِجر، فكبر ذلك عليهم، فعتوا عن أمر ربهم، وأجمعوا في عقر الناقة رأيَهم.
= وكانت امرأة من ثمودَ يقال لها:"عنيزة بنت غنم بن مجلز"، تكني بأم غنم، وهي من بني عبيد بن المهل، أخي رُميل بن المهل، (٥) وكانت امرأةَ ذؤاب بن عمرو، وكانت عجوزًا مسنة، وكانت ذات بناتٍ حسان، وكانت ذات مال من إبلٍ وبقر وغنم= وامرأة أخرى يقال لها:"صدوف بنت المحيا بن دهر بن المحيا"، (٦) سيد بني عبيد وصاحب أوثانهم في الزمن الأول، وكان الوادي يقال
(١) في المطبوعة: "تفسح"، والصواب ما أثبت، "تفشجت الناقة" (بالجيم)، تفاجت، وذلك أن تباعد بين رجليها، ومثله"تفشحت" بالحاء المهملة.
(٢) "تفحجت"، باعدت بين رجليها.
(٣) في المطبوعة: "بظهر الوادي"، وأثبت ما في المخطوطة. و"الظهر" ما غلظ وارتفع من الوادي. و"البطن"، ما لان وسهل ورق واطمأن.
(٤) في المطبوعة: "مراتعها"، والصواب ما في المخطوطة.
(٥) في المطبوعة: "دميل"، وفي المخطوطة ما أثبته ظاهر"الراء". وقد مضى آنفًا في أنساب هذا الخبر"الدميل"، فلا أدري أهما واحد، أم هما اسمان مختلفان.
(٦) في المطبوعة: "بنت المحيا بن زهير"، وأثبت ما في المخطوطة، وفي قصص الأنبياء: "مهر".
له:"وادي المحيا"، وهو المحيَّا الأكبر، جد المحيَّا الأصغر أبي صدوف= وكانت"صدوف" من أحسن الناس، وكانت غنيَّة، ذات مالٍ من إبل وغنم وبقر= وكانتَا من أشدِّ امرأتين في ثمود عداوةً لصالح، وأعظمِه به كفرًا، (١) وكانتا تَحْتالان أن تُعْقَر الناقة مع كفرهما به، (٢) لما أضرَّت به من مواشيهما. وكانت صدوف عند ابن خالٍ لها يقال له:"صنتم بن هراوة بن سعد بن الغطريف"، من بني هليل، فأسلم فحسن إسلامه، وكانت صدوفُ قد فَوَّضت إليه مالها، فأنفقه على من أسلم معه من أصحاب صالح حتى رَقَّ المال. فاطّلعت على ذلك من إسلامه صدوفُ، فعاتبته على ذلك، فأظهر لها دينه، ودعاها إلى الله وإلى الإسلام، فأبت عليه، وبيَّتتْ له، (٣) فأخذت بنيه وبناته منه فغيَّبتهم في بني عبيد بطنِها الذي هي منه. وكان صنتم زوجُها من بني هليل، وكان ابنَ خالها، فقال لها: ردِّي عليَّ ولدي! فقالت: حتى أنافِرك إلى بني صنعان بن عبيد، أو إلى بني جندع بن عبيد! فقال لها صنتم: بل أنافرك إلى بني مرداس بن عبيد! (٤) وذلك أن بني مرداس بن عبيد كانوا قد سارعوا في الإسلام، وأبطأ عنه الآخرون. فقالت: لا أنافرك إلا إلى من دعوتك إليه! فقال بنو مرداس: والله لتعطِنَّه ولده طائعةً أو كارهة! فلما رأت ذلك أعطته إياهم.
=ثم إن صدوف وعُنيزة مَحَلَتا في عقر الناقة، (٥) للشقاء الذي نزل. فدعت صدوف رجلا من ثمود يقال له"الحباب" لعقر الناقة. وعرضت عليه نفسها بذلك إن هو فعل، فأبَى عليها. فدعت ابن عم لها يقال له:"مصدع بن مهرج بن المحيَّا"، وجعلت له نفسها، على أن يعقر الناقة، وكانت من أحسن الناسِ، وكانت غنية كثيرة المال، فأجابها إلى ذلك. =ودعت عنيزة بنت غنم،"قدارَ بن سالف بن جندع"، رجلا من أهل قُرْح. وكان قُدار رجلا أحمرَ أزرقَ قصيرًا، يزعمون أنه كان لزَنْيَةٍ، من رجل يقال له:" صهياد"، ولم يكن لأبيه"سالف" الذي يدعى إليه، ولكنه قد ولد على فراش"سالف"، وكان يدعى له وينسب إليه. فقالت: أعطيك أيَّ بناتي شئتَ على أن تعقر الناقة! وكانت عنيزة شريفة من نساء ثمود، وكان زوجها ذؤاب بن عمرو، من أشراف رجال ثمود. وكان قدار عزيزًا منيعًا في قومه. فانطلق قدار بن سالف، ومصدع بن مهرج، فاستنفرَا غُواةً من ثمود، فاتّبعهما سبعة نفر، فكانوا تسعة نفر، أحدُ النفر الذين اتبعوهما رجل يقال له:" هويل بن ميلغ" خال قدار بن سالف، أخو أمّه لأبيها وأمها، وكان عزيزًا من أهل حجر= و"دعير بن غنم بن داعر"، وهو من بني خلاوة بن المهل= و"دأب بن مهرج"، أخو مصدع بن مهرج، وخمسة لم تحفظ لنا أسماؤهم..... (٦) فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء، وقد كمن لها قُدار في أصل صخرة على طريقها، وكمن لها مصدع في أصل أخرى. فمرت على مصدع فرماها بسهم، فانتظمَ به
(١) في المطبوعة: "وأعظمهم به كفرًا"، كأنه استنكر ما في المخطوطة، وهو صريح العربية: أن يعاد الضمير بعد أفعل التفضيل بالإفراد والتذكير، مثل ما جاء في حديث نساء قريش: "خير نساء ركبن الإبل صوالح قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده"، وكما قال ذو الرمة:
وَمَيَّةُ أَحْسَنُ الثَّقَلَيْنِ جيدًاوَسَالِفَةً، وَأَحْسَنُهُ قَذَالا
وقد مضى ذكر ذلك في الأجزاء السالفة ٥: ٤٤٨، تعليق: ٢ وص: ٥٥٧، تعليق: ١/ ٦: ٣٩٥، تعليق: ١/ ٧: ٨٧، تعليق: ٤.
(٢) في المطبوعة: "وكانتا تحبان أن تعقر... "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو المطابق كما في قصص القرآن للثعلبي.
(٣) في المطبوعة: "وسبت ولده"، وهو عبث محض، وفي المخطوطة: "وسب له" غير منقوطة، وكأن صواب قراءتها ما أثبت."بيتت له،: فكرت في الأمر وخمرته ودبرته ليلا.
(٤) في المطبوعة: "بل أن أقول إلى بني مرداس"، لم يحسن قراءة المخطوطة، لسوء كتابتها، فأتى بكلام غث.
(٥) في المطبوعة: "تحيلا في عقر الناقة"، وهو كلام هالك، والصواب ما في المخطوطة ولكن الناشر لم يعرف معناه."محل به": كاده، واحتال في المكر به حتى يوقعه في الهلكة.
(٦) مكان النقط بياض في المخطوطة إلى آخر السطر، وفي الهامش حرف (ط)، دلالة على الشك والخطأ.
عضَلَة ساقها. وخرجت أم غنم عنيزة، وأمرت ابنتها، وكانت من أحسن الناس وجهًا، فأسفرت لقدار وأرته إياه، (١) ثم ذمَّرته، (٢) فشدّ على الناقة بالسيف، فخشَفَ عُرْقوبها، (٣) فخرَّت ورغت رَغَاةً واحدة تحذّرُ سَقْبها، (٤) ثم طعن في لبَّتها فنحرَها، وانطلق سقبها حتى أتى جبلا مُنِيفًا، (٥) ثم أتى صخرة في رأس الجبل فزعًا ولاذ بها (٦) = واسم الجبل فيما يزعمون"صنو"، (٧) = فأتاهم صالح، فلما رأى الناقة قد عقرت، (٨) ثم قال: انتهكتم حرمة الله، فأبشروا بعذاب الله تبارك وتعالى ونقمته! فاتّبع السقبَ أربعةُ نفر من التّسعة الذين عقرُوا الناقة، وفيهم"مصدع بن مهرج"، فرماه مصدع بسهم، فانتظمَ قلبَه، ثم جرَّ برجله فأنزله، ثم ألقوا لحمَه مع لحم أمه.
=فلما قال لهم صالح:"أبشروا بعذاب الله ونقمته"، قالوا له وهم يهزؤون به: ومتى ذلك يا صالح؟ وما آية ذلك؟ = وكانوا يسمون الأيام فيهم: الأحد"أول" والاثنين"أهون"، والثلاثاء"دبار"، والأربعاء"جبار"، والخميس"مؤنس"، والجمعة"العروبة"، والسبت"شيار"، وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء= فقال لهم صالح حين قالوا ذلك: تصبحون غداة يوم مؤنس، يعني يوم الخميس،
(١) في المطبوعة: "فأسفرت عنه" بالزيادة وليست في المخطوطة، ولا ضرورة لها.
(٢) "ذمرته": شجعته وحثته وحرضته.
(٣) في المطبوعة: "فكشف عرقوبها"، وأثبت ما في المخطوطة: "خشف رأسه بالحجر"، شدخه. وكل ما شدخ، فقد خشف. وقيل: "سيف خاشف، وخشيف، وخشوف"، ماض. و"فحسف"، هكذا غير منقوطة في المخطوطة.
(٤) هكذا في المخطوطة والمطبوعة: "رغاة واحدة"، ولم تذكره كتب اللغة، بل قالوا: المرة الواحدة من"الرغاء"، "رغوة" والذي في الطبري جائز مثله في العربية.
(٥) في المطبوعة: "منيعا"، وأثبت ما في المخطوطة."والمنيف" العالي.
(٦) في المطبوعة: "فرغا ولاذ بها"، وفي المخطوطة غير منقوطة، وأرجح أن صواب قراءتها هنا ما أثبت.
(٧) في المطبوعة: "صور"، أثبت ما في المخطوطة، وإن كنت في شك منه.
(٨) في المطبوعة، حذف"ثم"، وهي ثابتة في المخطوطة.
ووجوهكم مصفرّة، ثم تصبحون يوم العروبة، يعني يوم الجمعة، ووجوهكم محمرّة، ثم تصبحون يوم شيار، يعني يوم السبت، ووجوهكم مسودَّة، ثم يصبحكم العذاب يوم الأول، يعني يوم الأحد. فلما قال لهم صالح ذلك، قال التسعة الذين عقروا الناقة: هلمَّ فلنقتل صالحًا، (١) إن كان صادقًا عجَّلناه قبلنا، وإن كان كاذبًا يكون قد ألحقناه بناقتِه! فأتوه ليلا ليبيِّتوه في أهله، فدمَغَتهم الملائكة بالحجارة. فلما أبطؤوا على أصحابهم، أتوا منزلَ صالح، فوجدوهم مشدَّخين قد رُضِخوا بالحجارة، فقالوا لصالح: أنت قتلتهم! ثم همُّوا به، فقامت عشيرته دونه ولبسوا السلاحَ، وقالوا لهم: والله لا تقتلونه أبدًا، فقد وعدكم أنَّ العذاب نازل بكم في ثلاث، فإن كان صادقا لم تزيدوا ربَّكم عليكم إلا غضبًا، وإن كان كاذبًا فأنتم من وراء ما تريدون! فانصرفوا عنهم ليلتَهم تلك، والنفر الذين رَضَختهم الملائكة بالحجارة، التسعةُ الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن بقوله تعالى: (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ) إلى قوله: (لآية لقوم يعلمون)، [سورة النمل: ٤٨ - ٥٢].
=فأصبحوا من تلك الليلة التي انصرفوا فيها عن صالح، وجوههم مصفرَّة، فأيقنوا بالعذاب، وعرفوا أن صالحًا قد صدَقهم، فطلبوه ليقتلوه. وخرج صالح هاربًا منهم، حتى لجأ إلى بطن من ثمود يقال لهم:" بنو غنم"، فنزل على سيِّدهم رجلٍ منهم يقال له:" نفيل"، يكنى بأبي هدب، وهو مشرِك، فغيَّبه، فلم يقدروا عليه. فغدوا على أصحاب صالح فعذّبوهم ليدلُّوهم عليه، فقال رجل من أصحاب صالح يقال له:" ميدع بن هرم": يا نبي الله إنهم ليعذبوننا لندلَّهم عليك، أفندلُّهم عليك؟ قال: نعم! فدلهم عليه"ميدع بن هرم"، فلما علموا بمكان صالح، أتوا أبا هُدْب فكلموه، فقال لهم: عندي صالح، وليس لكم إليه سبيل! فأعرضوا عنه وتركوه، وشغلهم عنه ما أنزل الله بهم من عذابه. فجعل
(١) في المطبوعة: "هلموا"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب أيضًا.
بعضهم يخبر بعضًا بما يرون في وجوههم حين أصبحوا من يوم الخميس، وذلك أن وجوههم أصبحت مصفرَّة، ثم أصبحوا يوم الجمعة ووجوههم محمرَّة، ثم أصبحوا يوم السبت ووجوههم مسودّة، حتى إذا كان ليلة الأحد خرج صالح من بين أظهرهم ومن أسلم معه إلى الشأم، فنزل رملة فلسطين، وتخلّف رجل من أصحابه يقال له:" ميدع بن هرم"، فنزل قُرْح= وهي وادي القرى، وبين القرح وبين الحجر ثمانية عشر ميلا= فنزل على سيِّدِهم رجلٍ يقال له:" عمرو بن غنم"، وقد كان أكل من لحم الناقة ولم يَشْتَركْ في قتلها، فقال له ميدع بن هرم: يا عمرو بن غنم، أخرج من هذا البلد، فإن صالحًا قال:"من أقام فيه هلك، ومن خرج منه نجا"، فقال عمرو: ما شرِكت في عَقْرها، وما رضيت ما صُنع بها! فلما كانت صبيحة الأحد أخذتهم الصيحة، فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا هلك، إلا جارية مقعدة يقال لها:" الزُّرَيْعَة"، وهي الكلبة ابنة السِّلق، (١) كانت كافرة شديدَة العداوة لصالح، فأطلق الله لها رجليها بعدما عاينت العذابَ أجمعَ، فخرجت كأسرع ما يُرَى شيءٌ قط، حتى أتت أهل قُرْحٍ فأخبرتهم بما عاينتْ من العذاب وما أصاب ثمود منه، (٢) ثم استسقت من الماء فسُقِيت، فلما شربت ماتت.
١٤٨١٢-حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، قال معمر، أخبرني من سمع الحسن يقول: لما عقرت ثمود الناقة، ذهبَ فصيلها حتى صعد تلا فقال: يا رب، أين أمي؟ ثم رغا رَغوةً، فنزلت الصيحةُ، فأخمدتهم.
(١) في المطبوعة: "الدريعة، وهي كليبة ابنة السلق"، وفي المخطوطة"الدريعة وهي الكلبة ابنة السلق"، وقرأتها كما أثبتها. و"السلق"، الذئب، ويزعمون أن الذئب يستولد الكلبة، وأن ولدها منها يقال له"الديسم"، ويقال للكلاب"أولاد زارع"، فرجحت أن صواب قراءتها"الزريعة" بالتصغير، وأن الذي بعدها تفسير لها، كما هو ظاهر.
و"السلق" (بكسر السين، وسكون اللام).
(٢) في المطبوعة: "حتى أتت حيا من الأحياء، فأخبرتهم"، غير ما في المخطوطة، مع أن الصواب هو الذي فيها. و"قرح" سوق وادي القرى، كما مر آنفًا.
١٤٨١٣-حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن بنحوه= إلا أنه قال: أصعد تلا.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: أن صالحًا قال لهم حين عقروا الناقة: تمتَّعوا ثلاثة أيام! وقال لهم: آية هلاككم أن تصبح وجوهكم مصفرَّة، ثم تصبح اليومَ الثاني محمرَّة، ثم تصبح اليوم الثالث مسودَّة، فأصبحت كذلك. فلما كان اليوم الثالث وأيقنوا بالهلاك، تكفَّنوا وتحنَّطوا، ثم أخذتهم الصيحة فأهمدتهم= قال قتادة: قال عاقر الناقة لهم: لا أقتلها حتى ترضوا أجمعين! فجعلوا يدخلون على المرأة في حِجْرها فيقولون: (١) أترضين؟ فتقول: نعم! والصبيّ، حتى رضوا أجمعين، فعقرها.
حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال، لما مرّ النبي ﷺ بالحِجر قال: لا تسألوا الآيات، فقد سألها قومُ صالح، فكانت ترد من هذا الفجّ، (٢) وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم، فعقروها، وكانت تشرب ماءهم يومًا، ويشربون لبنها يومًا. فعقروها، فأخذتهم الصيحة: أهمد الله مَنْ تحت أديم السماء منهم، إلا رجلا واحدًا كان في حَرَم الله، قيل: من هو؟ قال: أبو رِغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه. (٣)
(١) في المطبوعة: "في خدرها"، وأثبت ما في المخطوطة. و"الحجر" (بكسر الحاء وفتحها، وسكون الجيم) : الستر والحفظ، يعني حيث تستر. ولو قريء: "في حجرها" جمع"حجرة"، وهو البيت لكان حسنًا جدًا.
(٢) قوله: "وكانت ترد... "، يعني الناقة.
(٣) الأثر: ١٤٨١٧-"عبد الله بن عثمان بن خثيم" القارئ، تابعي ثقة. مضى برقم: ٤٣٤١، ٥٣٨٨، ٧٨٣١، ٩٦٤٢.
وهذا الخبر رواه أحمد في المسند ٣: ٢٩٦، من هذه الطريق نفسها بلفظه.
وذكره ابن كثير في تفسيره ٣: ٥٠٥، وفي البداية والنهاية ١: ١٣٧، وقال: "وهذا الحديث على شرط مسلم، وهو ليس في شيء من الكتب الستة".
وذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (٦: ٢٧٠)، وقال: "وروى أحمد والحاكم بإسناد حسن، عن جابر"، وذكر الخب.
وسيأتي بإسناد آخر رقم: ١٤٨٢٠.
... قال عبد الرزاق، قال معمر: وأخبرني إسماعيل بن أمية: أن النبي ﷺ مرّ بقبر أبي رِغال، فقال: أتدرون ما هذا؟، قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: هذا قبر أبي رِغال؟ قالوا فمن أبو رِغال؟ قال: رجل من ثمود، كان في حرم الله، فمنعه حرم الله عذابَ الله، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه، فدفن هاهنا، ودفن معه غصن من ذهب! فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم، فبحثوا عليه، فاستخرجوا الغصن. (١)
١٤٨١٤-... قال عبد الرزاق: قال: معمر: قال الزهري: أبو رِغال: أبو ثقيف.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن جابر قال، مرّ النبي ﷺ بالحجر= ثم ذكر نحوه، إلا أنه قال في حديثه: قالوا: من هو يا رسول
(١) الأثر: ١٤٨١٨- هذا خبر مرسل.
"إسماعيل بن أمية الأموي"، ثقة، مضى برقم: ٢٦١٥، ٨٤٥٨.
وهذا الخبر رواه أبو داود في سننه ٣: ٢٤٥ رقم: ٣٠٨٨، موصولا من حديث محمد بن إسحق، عن إسماعيل بن أمية، عن بجير بن أبي بجير، قال سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله صلى الله وسلم يقول، حين خرجنا إلى الطائف، فمررنا بقبر".
وذكر ابن كثير في تفسيره ٣: ٥٠٨، والبداية ١: ١٣٧، حديث أبي داود هذا، ثم قال: "هكذا رواه أبو داود، عن يحيى بن معين، عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، عن ابن إسحاق، به. قال شيخنا أبو الحجاج المزي: وهو حديث حسن عزيز. قلت: تفرد بوصله بجير بن أبي بجير هذا، وهو شيخ لا يعرف إلا بهذا الحديث. قال يحيى بن معين: ولم أسمع أحدًا روى عنه غير إسماعيل بن أمية. قلت [القائل ابن كثير] : وعلى هذا فيخشى أن يكون وهم في رفع هذا الحديث، وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو مما أخذه من الزاملتين. قال شيخنا أبو الحجاج، بعد أن عرضت عليه ذلك: وهذا محتمل، والله أعلم".
وسيأتي بإسناد آخر رقم: ١٤٨٢٣.
الله؟ قال: أبو رِغال. (١)
١٤٨١٥-حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثنا أبي، عن قتادة قال، كان يقال إنّ أحمرَ ثمود الذي عقر الناقة، كان ولد زَنْية.
١٤٨١٦-حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عنبسة، عن أبي إسحاق قال، قال أبو موسى: أتيت أرض ثمود، فذرعت مَصْدرَ الناقة، فوجدته ستين ذراعًا.
١٤٨١٧-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، وأخبرني إسماعيل بن أمية بنحو هذا= يعني بنحو حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن جابر = قال: ومرّ النبي ﷺ بقبر أبي رِغال، قالوا: ومن أبو رِغال؟ قال: أبو ثقيف، كان في الحرم لما أهلك الله قومه، منعه حرم الله من عذاب الله، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه، فدفن ها هنا، ودفن معه غصن من ذهب. قال: فابتدره القوم يبحثون عنه، حتى استخرجوا ذلك الغصن.
=وقال الحسن: كان للناقة يوم ولهم يومٌ، فأضرَّ بهم. (٢)
حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري قال: لما مرّ النبي ﷺ بالحجر قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين، أنْ يصيبكم مثل الذي أصابهم! ثم قال: هذا وادي النَّفَر! (٣) ثم قَنَّع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي. (٤)
* * *
(١) الأثر: ١٤٨٢٠- هذا إسناد آخر للخبر السالف رقم: ١٤٨١٧.
(٢) الأثر: ١٤٨٢٣- هذا إسناد آخر للأثر رقم: ١٤٨١٨.
وأما كلمة الحسن البصري الأخيرة، فلا أدري من قائلها.
(٣) "وادي النفر"، كأنه يعني التسعة من ثمود الذين كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون، والذين اجتمعوا على قتل صالح عليه السلام، فدمر الله عليهم.
(٤) الأثر: ١٤٨٢٣- حديث الزهري هذا، رواه البخاري في مواضع من صحيحه (الفتح ٦: ٢٧٠) من طريق محمد بن مقاتل، عن عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر = ثم رواه بعد من طريق يونس، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر. ثم رواه (الفتح ٨: ٩٥) من طريق عبد الرازق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر.
ورواه مسلم في صحيحه ١٨: ١١١، من طريق يونس، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر.
وليس في روايتهما ذكر"وادي النفر".
وكان في المخطوطة والمطبوعة: "ثم رفع رأسه"، وهو تحريف بلا شك، والصواب ما أثبت من رواية البخاري (الفتح ٨: ٩٥). و"قنع رأسه"، غطاها بالقناع. وفي رواية البخاري الأخرى (الفتح ٦: ٢٧٠) :"ثم تقنع بردائه وهو على الرحل".
وقوله: "أجاز الوادي"، أي قطعه وخلفه وراءه.
وأما قوله: (ولا تمسوها بسوء)، فإنه يقول: ولا تمسوا ناقة الله بعقرٍ ولا نحر (١) = (فيأخذكم عذابٌ أليم)، يعني: موجع. (٢)
* * *
(١) انظر تفسير"المس" فيما سلف: ١١: ٣٧٠، تعليق ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير"أليم" فيما سلف من فهارس اللغة (ألم).

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
قال علماء التفسير والنسب : ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح، وهو أخو جَديس بن عاثر، وكذلك قبيلة طَسْم، كل هؤلاء كانوا أحياء من العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل، عليه السلام، وكانت ثمود بعد عاد، ومساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله، وقد مر رسول الله ﷺ على قراهم ومساكنهم، وهو ذاهب إلى تبوك سنة تسع.
قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد، حدثنا صَخْر بن جُوَيرية، عن نافع، عن ابن عمر قال : لما نزل رسول الله ﷺ بالناس على تبوك، نزل بهم(١) الحجر عند بيوت ثمود، فاستسقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا منها ونصبوا منها القدور. فأمرهم النبي ﷺ فأهرقوا القدور، وعلفوا العجينَ الإبلَ، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا وقال :" إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فلا تدخلوا عليهم " (٢)
وقال [ الإمام ](٣) أحمد أيضا : حدثنا عفان، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله ﷺ وهو بالحجر :" لا تدخلوا على هؤلاء المعذَّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثلُ ما أصابهم " (٤)
وأصل هذا الحديث مُخَرَّج في الصحيحين من غير وجه(٥)
وقال الإمام أحمد أيضًا : حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا المسعودي، عن إسماعيل بن أوسط، عن محمد بن أبي كَبْشَة الأنماري، عن أبيه قال : لما كان في غزوة تبوك، تسارع الناس إلى أهل الحجر، يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ، فنادى في الناس :" الصلاة جامعة ". قال : فأتيت رسول الله ﷺ وهو ممسك بعيره(٦) وهو يقول :" ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم ". فناداه رجل منهم : نعجبُ منهم يا رسول الله. قال :" أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك : رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم، وبما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسَدِّدوا، فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا، وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا " (٧)
لم يخرجه أحد من أصحاب السنن(٨) وأبو كبشة اسمه : عمر(٩) بن سعد، ويقال : عامر بن سعد، والله أعلم.
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق : حدثنا مَعْمَر، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، عن أبي الزبير، عن جابر قال : لما مر رسول الله ﷺ بالحجر قال :" لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالح فكانت - يعني الناقة - ترد من هذا الفَجّ، وتَصْدُر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما، فعقروها، فأخذتهم صيحة، أهمد(١٠) الله مَنْ تحت أديم السماء منهم، إلا رجلا واحدًا كان في حرم الله ". فقالوا : من هو يا رسول الله ؟ قال :" أبو رِغال. فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه " (١١)
وهذا الحديث ليس في شيء من الكتب الستة، وهو على شرط مسلم.
فقوله تعالى :﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ أي : ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحا، ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ جميع الرسل يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى :﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال [ تعالى ](١٢) ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
وقوله :﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ أي : قد جاءتكم حجة من الله على صدق ما جئتكم به. وكانوا هم الذين سألوا صالحا أن يأتيهم بآية، واقترحوا عليه أن تخرج لهم من صخرة صمَاء عَيّنوها بأنفسهم، وهي صخرة منفردة في ناحية الحِجْر، يقال لها : الكَاتبة، فطلبوا منه(١٣) أن يخرج لهم منها ناقة عُشَراء تَمْخَضُ، فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق لئن أجابهم الله إلى سؤالهم وأجابهم إلى طلبتهم ليؤمنن به وليتبعنه ؟ فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم، قام صالح، عليه السلام، إلى صلاته ودعا الله، عز وجل، فتحركت تلك الصخرة ثم انصدعت عن ناقة جَوْفاء وَبْرَاء يتحرك جنينها بين جنبيها، كما سألوا، فعند ذلك آمن رئيس القوم وهو :" جُندَع بن عمرو " ومن كان معه على أمره(١٤) وأراد بقية أشراف ثمود أن يؤمنوا فصدهم " ذُؤاب بن عمرو بن لبيد " " والحباب " صاحب أوثانهم، ورباب بن صمعر بن جلهس، وكان ل " جندع بن عمرو " ابن عم يقال له :" شهاب بن خليفة بن محلاة بن لبيد بن حراس "، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها، فأراد أن يسلم أيضا فنهاه أولئك الرهط، فأطاعهم، فقال في ذلك رجل من مؤمني ثمود، يقال له مهوس(١٥) بن عنمة بن الدميل، رحمه الله :
وكانت عُصْبةٌ من آل عَمْروإلى دين النبيّ دَعَوا شِهَابا
عَزيزَ ثَمُودَ كُلَّهمُ جميعافَهَمّ بأن يُجِيبَ فلو(١٦) أجابا
لأصبحَ صالحٌ فينا عَزيزًاوما عَدَلوا بصاحبهم ذُؤابا
ولكنّ الغُوَاة من آل حُجْرٍتَوَلَّوْا بعد رُشْدهم ذئابا
فأقامت الناقة وفصيلها بعد ما وضعته بين أظهرهم مدة، تشرب ماء بئرها يوما، وتدعه لهم يوما، وكانوا يشربون لبنها يوم(١٧) شربها، يحتلبونها فيملئون ما شاءوا من أوعيتهم وأوانيهم، كما قال في الآية الأخرى :﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] وقال تعالى :﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] وكانت تسرح في بعض تلك الأودية ترد من فَجّ وتصدر من غيره ليسعها ؛ لأنها كانت تتضلَّع عن الماء، وكانت - على ما ذكر - خَلْقًا هائلا ومنظرًا رائعًا، إذا مرت بأنعامهم نفرت منها. فلما طال عليهم واشتد تكذيبهم لصالح النبي، عليه السلام، عزموا على قتلها، ليستأثروا بالماء كل يوم، فيقال : إنهم اتفقوا كلهم على قتلها(١٨)
قال قتادة : بلغني أن الذي قتل الناقة طاف عليهم كلهم، أنهم راضون بقتلها حتى على النساء في خدورهن، وعلى الصبيان [ أيضا ](١٩)
قلت : وهذا هو الظاهر ؛ لأن الله تعالى يقول :﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس: ١٤] وقال :﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ [الإسراء: ٥٩] وقال :﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ فأسند ذلك على مجموع القبيلة، فدل على رضا جميعهم بذلك، والله أعلم.
وذكر الإمام أبو جعفر بن جرير، رحمه الله، وغيره من علماء التفسير في سبب قتل الناقة : أن امرأة منهم يقال لها :" عنيزة ابنة غنم بن مِجْلِز " وتكنى أم غَنَمْ(٢٠) كانت عجوزا كافرة، وكانت من أشد الناس عداوة لصالح، عليه السلام، وكانت لها بنات حسان ومال جزيل، وكان زوجها ذُؤاب بن عمرو أحد رؤساء ثمود، وامرأة أخرى يقال لها :" صدوف بنت المحيا بن دهر(٢١) بن المحيا " ذات حسب ومال وجمال، وكانت تحت رجل مسلم من ثمود، ففارقته، فكانتا تجعلان لمن التزم لهما بقتل الناقة، فدعت " صدوف " رجلا يقال له :" الحباب " وعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة، فأبى عليها. فدعت ابن عم لها يقال له :" مصدع بن مهرج بن المحيا "، فأجابها إلى ذلك - ودعت " عنيزة بنت غنم " قدار بن سالف بن جُنْدَع(٢٢) وكان رجلا أحمر أزرق قصيرًا، يزعمون أنه كان ولد زنية، وأنه لم يكن من أبيه الذي ينسب إليه، وهو سالف، وإنما هو(٢٣) من رجل يقال له :" صهياد " (٢٤) ولكن ولد على فراش " سالف "، وقالت له : أعطيك أي بناتي شئتَ على أن تعقر(٢٥) الناقة ! فعند ذلك، انطلق " قدار بن سالف " " ومصدع بن مهرج "، فاستفزا غُواة من ثمود، فاتبعهما سبعة نفر، فصاروا تسعة رهط، وهم الذين قال الله تعالى :﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨] وكانوا رؤساء في قومهم، فاستمالوا القبيلة الكافرة بكمالها، فطاوعتهم على ذلك، فانطلقوا فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء، وقد كمن لها " قدار " في أصل صخرة على طريقها، وكمن لها " مصدع " في أصل أخرى، فمرت على " مصدع " فرماها بسهم، فانتظم به عضَلَة ساقها وخرجت " أم غَنَم عنيزة "، وأمرت ابنتها وكانت من أحسن الناس وجها، فسفرت عن وجهها لقدار وذمّرته فشدّ على الناقة بالسيف، فكسفَ(٢٦) عرقوبها، فخرت ساقطة إلى الأرض، ورغت رَغاة واحدة تحذر سَقْبَها، ثم طعن في لَبَّتها فنحرها، وانطلق سَقْبَها - وهو فصيلها - حتى أتى جبلا منيعًا، فصعد أعلى صخرة فيه ورغا - فروى عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عمن سمع الحسن البصري أنه قال :
يا رب أين أمي ؟ ويقال : إنه رغا ثلاث مرات. وإنه دخل في صخرة فغاب فيها، ويقال : بل اتبعوه فعقروه مع أمه، فالله أعلم(٢٧)
فلما فعلوا ذلك وفرغوا من عقر الناقة، بلغ الخبر صالحا، عليه السلام، فجاءهم وهم مجتمعون، فلما رأى الناقة بكى وقال :﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ [ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ(٢٨) ]﴾ [هود: ٦٥] وكان قتلهم الناقة يوم الأربعاء، فلما أمسى أولئك التسعة الرهط عزموا على قتل صالح [ عليه السلام ](٢٩) وقالوا : إن كان صادقًا عَجَّلناه قبلنا، وإن كان كاذبًا ألحقناه بناقته ! ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ. وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾(٣٠) الآية. [النمل: ٤٩ - ٥٢]
فلما عزموا على ذلك، وتواطؤوا عليه، وجاءوا من الليل ليفتكوا بنبي الله صالح، أرسل الله، سبحانه وتعالى، وله العزة ولرسوله، عليهم حجارة فرضَختهم سلفا وتعجيلا قبل قومهم، وأصبح ثمود يوم الخميس، وهو اليوم الأول من أيام النَّظرة، ووجوههم مصفرة كما وعدهم صالح، عليه السلام، وأصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل، وهو يوم الجمعة، ووجوههم محمرة، وأصبحوا(٣١) في اليوم الثالث من أيام المتاع(٣٢) وهو يوم السبت، ووجوههم مسودة، فلما أصبحوا من يوم الأحد وقد تحَنَّطوا وقعدوا ينتظرون نقمة الله وعذابه، عياذا بالله من ذلك، لا يدرون ماذا يفعل بهم، ولا كيف يأتيهم العذاب ؟ و[ قد ](٣٣) أشرقت الشمس، جاءتهم صيحة من السماء ورَجْفة شديدة من أسفل منهم، ففاضت الأرواح وزهقت النفوس في ساعة واحدة ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ أي : صرعى لا أرواح فيهم، ولم يفلت منهم أحد، لا صغير ولا كبير، لا ذكر ولا أنثى - قالوا : إلا جارية كانت مقعدة - واسمها
١ في أ: "بهم على"..
٢ المسند (٢/١١٧)..
٣ زيادة من أ..
٤ المسند (٢/٧٤)..
٥ صحيح البخاري برقم (٣٣٨١)، وصحيح مسلم برقم (٢٩٨)..
٦ في د، م: "بعنزة"..
٧ المسند (٤/٢٣١)، وقال الهيثمي في المجمع (٦/١٩٤): "فيه عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي وقد اختلط"..
٨ في م: "الكتب"، وفي ك، أ: "الكتب الستة"..
٩ في ك، م: "عمرو"..
١٠ في د: "أخمد"..
١١ المسند (٣/٢٩٦) وقال الهيثمي في المجمع (٦/١٩٤): "رجال أحمد رجال الصحيح"..
١٢ زيادة من م..
١٣ في م: "منها"..
١٤ في أ: "على دينه"..
١٥ في ك، م، أ: "مهوش"..
١٦ في م: "ولو"..
١٧ في أ: "بيوم".
.

١٨ تفسير الطبري (١٢/٥٢٩)..
١٩ زيادة من أ..
٢٠ في ك، م: "أم عثمان"..
٢١ في أ: "زهير"..
٢٢ في أ: "جذع"..
٢٣ في أ: "كان"..
٢٤ في م: "صبيان"، وفي ك: "ضبيان"..
٢٥ في ك، م: "يعقر"..
٢٦ في ك، م، د: "فكشف"، وفي أ: "فكشف عن"..
٢٧ تفسير الطبري (١٢/٥٣٦)..
٢٨ زيادة من ك، م، وفي هـ: "الآية"..
٢٩ زيادة من ك، م..
٣٠ زيادة من ك، م، أ..
٣١ في م: "واجتمعوا"..
٣٢ في ك: "التمتع"..
٣٣ زيادة من م..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
أي ﴿و﴾ أرسلنا ﴿إِلَى ثَمُودَ﴾ القبيلة المعروفة الذين كانوا يسكنون الحجر وما حوله، من أرض الحجاز وجزيرة العرب، أرسل اللّه إليهم ﴿أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ نبيا يدعوهم إلى الإيمان والتوحيد، وينهاهم عن الشرك والتنديد، ف ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ دعوته عليه الصلاة والسلام من جنس دعوة إخوانه من المرسلين، الأمر بعبادة اللّه، وبيان أنه ليس للعباد إله غير اللّه، ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي : خارق من خوارق العادات، التي لا تكون إلا آية سماوية لا يقدر الناس عليها، ثم فسرها بقوله :﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ أي : هذه ناقة شريفة فاضلة لإضافتها إلى اللّه تعالى إضافة تشريف، لكم فيها آية عظيمة. وقد ذكر وجه الآية في قوله :﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾
وكان عندهم بئر كبيرة، وهي المعروفة ببئر الناقة، يتناوبونها هم والناقة، للناقة يوم تشربها ويشربون اللبن من ضرعها، ولهم يوم يردونها، وتصدر الناقة عنهم.
وقال لهم نبيهم صالح عليه السلام ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ فلا عليكم من مئونتها شيء، ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ أي : بعقر أو غيره، ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٧٣ - ٧٩} ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾. إلى آخر قصتهم (١).
أي ﴿و﴾ أرسلنا ﴿إِلَى ثَمُودَ﴾ القبيلة المعروفة الذين كانوا يسكنون الحجر وما حوله، من أرض الحجاز وجزيرة العرب، أرسل الله إليهم ﴿أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ نبيا يدعوهم إلى الإيمان والتوحيد، وينهاهم عن الشرك والتنديد، فـ ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ دعوته عليه الصلاة والسلام من جنس دعوة إخوانه من المرسلين، الأمر بعبادة الله، وبيان أنه ليس للعباد إله غير الله، ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: خارق من خوارق العادات، التي لا تكون إلا آية سماوية لا يقدر الناس عليها، ثم فسرها بقوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ أي: هذه ناقة شريفة فاضلة لإضافتها -[٢٩٥]- إلى الله تعالى إضافة تشريف، لكم فيها آية عظيمة. وقد ذكر وجه الآية في قوله: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾.
وكان عندهم بئر كبيرة، وهي المعروفة ببئر الناقة، يتناوبونها هم والناقة، للناقة يوم تشربها ويشربون اللبن من ضرعها، ولهم يوم يردونها، وتصدر الناقة عنهم.
وقال لهم نبيهم صالح عليه السلام ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ فلا عليكم من مؤونتها شيء، ﴿وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ أي: بعقر أو غيره، ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
(١) في ب: كتب الآيات كاملة.
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ﴾ في الأرض تتمتعون بها وتدركون مطالبكم ﴿مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ الذين أهلكهم الله، وجعلكم خلفاء من بعدهم، ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الأرْضِ﴾ أي: مكن لكم فيها، وسهل لكم الأسباب الموصلة إلى ما تريدون وتبتغون ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا﴾ أي: من الأراضي السهلة التي ليست بجبال، تتخذون فيها القصور العالية والأبنية الحصينة، ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ كما هو مشاهد إلى الآن من أعمالهم التي في الجبال، من المساكن والحجر ونحوها، وهي باقية ما بقيت الجبال، ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ أي: نعمه، وما خولكم من الفضل والرزق والقوة، ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي: لا تخربوا الأرض بالفساد والمعاصي، فإن المعاصي تدع الديار العامرة بلاقع، وقد أخلت ديارهم منهم، وأبقت مساكنهم موحشة بعدهم.
﴿قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: الرؤساء والأشراف الذين تكبروا عن الحق، ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ ولما كان المستضعفون ليسوا كلهم مؤمنين، قالوا ﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: أهو صادق أم كاذب؟.
فقال المستضعفون: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ من توحيد الله والخبر عنه وأمره ونهيه.
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ حملهم الكبر أن لا ينقادوا للحق الذي انقاد له الضعفاء.
﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ التي توعدهم إن مسوها بسوء أن يصيبهم عذاب أليم، ﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ أي: قسوا عنه، واستكبروا عن أمره الذي من عتا عنه أذاقه العذاب الشديد. لا جرم أحل الله بهم من النكال ما لم يحل بغيرهم ﴿وَقَالُوا﴾ مع هذه الأفعال متجرئين على الله، معجزين له، غير مبالين بما فعلوا، بل مفتخرين بها: ﴿يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ إن كنت من الصادقين من العذاب فقال: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ على ركبهم، قد أبادهم الله، وقطع دابرهم.
﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ صالح عليه السلام حين أحل الله بهم العذاب، ﴿وَقَالَ﴾ مخاطبا لهم توبيخا وعتابا بعدما أهلكهم الله: ﴿يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ أي: جميع ما أرسلني الله به إليكم، قد أبلغتكم به وحرصت على هدايتكم، واجتهدت في سلوككم الصراط المستقيم والدين القويم. ﴿وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ بل رددتم قول النصحاء، وأطعتم كل شيطان رجيم.
واعلم أن كثيرا من المفسرين يذكرون في هذه القصة أن الناقة قد خرجت من صخرة صماء ملساء اقترحوها على صالح وأنها تمخضت تمخض الحامل فخرجت الناقة وهم ينظرون وأن لها فصيلا حين عقروها رغى ثلاث رغيات وانفلق له الجبل ودخل فيه وأن صالحا عليه السلام قال لهم: آية نزول العذاب بكم، أن تصبحوا في اليوم الأول من الأيام الثلاثة ووجوهكم مصفرة، واليوم الثاني: محمرة، والثالث: مسودة، فكان كما قال.
وكل هذا من الإسرائيليات التي لا ينبغي نقلها في تفسير كتاب الله، وليس في القرآن ما يدل على شيء منها بوجه من الوجوه، بل لو كانت صحيحة لذكرها الله تعالى، لأن فيها من العجائب والعبر والآيات ما لا يهمله تعالى ويدع ذكره، حتى يأتي من طريق من لا يوثق بنقله، بل القرآن يكذب بعض هذه المذكورات، فإن صالحا قال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ أي: تنعموا وتلذذوا بهذا الوقت القصير جدا، فإنه ليس لكم من المتاع واللذة سوى هذا، وأي لذة وتمتع لمن وعدهم نبيهم وقوع العذاب، وذكر لهم وقوع مقدماته، فوقعت يوما فيوما، على وجه يعمهم ويشملهم [احمرار وجوههم، واصفرارها واسودادها من العذاب] (١).
هل هذا إلا مناقض للقرآن، ومضاد له؟ ". فالقرآن فيه الكفاية والهداية عن ما سواه.
نعم لو صح شيء عن رسول الله ﷺ مما لا يناقض كتاب الله، فعلى الرأس والعين، وهو مما أمر القرآن باتباعه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ -[٢٩٦]- وقد تقدم أنه لا يجوز تفسير كتاب الله بالأخبار الإسرائيلية، ولو على تجويز الرواية عنهم بالأمور التي لا يجزم بكذبها، فإن معاني كتاب الله يقينية، وتلك أمور لا تصدق ولا تكذب، فلا يمكن اتفاقهما.
(١) زيادة من هامش ب.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٢ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي التفسير القيم من كلام ابن القيم — ابن القيم الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير — الشنقيطي - العذب النمير تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

التبيان في تفسير غريب القرآن
وَإِلى ثَمُودَ
فعول من الثّمد، وهو الماء القليل، فمن جعله اسم حيّ أو أب صرفه لأنه مذكر، ومن جعله اسم قبيلة أو أرض لم يصرفه.

إعراب الآية ٧٣ من سورة الأعراف

من كتاب: إعراب القرآن

فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها وحذف المفعول الثاني أي سميتموها آلهة.

[سورة الأعراف (٧) : آية ٧٣]

وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣)
وَإِلى ثَمُودَ لم ينصرف لأنه جعل اسما للقبيلة، وقال أبو حاتم: لم ينصرف لأنه أعجميّ وهذا غلط لأنه مشتقّ من الثمد وقد قرأ الفراء «١» أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ [هود:
٦٨] على أنه اسم للحيّ، وقرأ يحيى بن وثّاب وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً «٢» بالصرف.

[سورة الأعراف (٧) : آية ٧٤]

وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)
وقرأ الحسن وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ «٣» بفتح الحاء، وهي لغة وفيه حرف من حروف الحلق فلذلك جاء على فعل يفعل قرأ الأعمش ولا تعثوا «٤» بكسر التاء أخذا من عثي يعثى لا من عثا يعثو.

[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٠ الى ٨١]

وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)
وَلُوطاً نصب لأنه عطف أي وأرسلنا لوطا ويجوز أن يكون منصوبا بمعنى:
واذكروا، وكذا ما تقدّم من نظيره إلّا أن الفراء أجاز «٥» «وإلى عاد أخوهم هود» لأن له رافعا ولا يجوز عنده في لوط هذا. قال أبو إسحاق: زعم بعض النحويين يعني الفراء أن لوطا يكون مشتقا من لطت الحوض قال: وهذا خطأ لأن الأسماء الأعجمية لا تشتقّ. أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ استفهام فيه معنى التقرير. واختلف القراء في الذي بعده فقرأه
(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٠.
(٢) وهذه قراءة الأعمش أيضا، انظر البحر المحيط ٤/ ٣٣٠، ومختصر لابن خالويه ٤٤. [.....]
(٣) انظر مختصر ابن خالويه ٤٤.
(٤) انظر البحر المحيط ٤/ ٣٣٢.
(٥) انظر معاني الفراء ١/ ٣٨٣.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٧٣ من سورة الأعراف

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

غَيْرُهُ

(غَيْرُهُ) بضم الراء والهاء وترقيق الراء

ورش عن نافع

(غَيْرُهُ) بضم الراء والهاء وتفخيم الراء

إدريس عن خلف روح عن يعقوب إسحاق عن خلف رويس عن يعقوب خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر البزي عن ابن كثير قالون عن نافع السوسي عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو

(غَيْرِهِ) بكسر الراء والهاء

ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي

قَدْ جَآءَتْكُم

إدغام الدال في الجيم وإمالة الألف ومدها 4 حركات وإسكان الميم

إدريس عن خلف إسحاق عن خلف

إدغام الدال في الجيم وإمالة الألف ومدها 6 حركات وإسكان الميم

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة

إدغام الدال في الجيم وفتح الألف ومدها 3 حركات وإسكان الميم

السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو

إدغام الدال في الجيم وفتح الألف ومدها 4 حركات وإسكان الميم

أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي هشام عن ابن عامر

إظهار الدال وإمالة الألف ومدها 4 حركات وإسكان الميم

ابن ذكوان عن ابن عامر

إظهار الدال وتفح الألف ومدها 3 حركات وصلة الميم

البزي عن ابن كثير ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير قالون عن نافع

إظهار الدال وفتح الألف ومدها 3 حركات وإسكان الميم

قالون عن نافع روح عن يعقوب رويس عن يعقوب

إظهار الدال وفتح الألف ومدها 4 أو 5 حركات وإسكان الميم

حفص عن عاصم شعبة عن عاصم

إظهار الدال وفتح الألف ومدها 6 حركات وإسكان الميم

ورش عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٧٣ من سورة الأعراف

١٨ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٥ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٨ أقوال
١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: إنّ الله بعث شعيبًا إلى مدين، فكانوا مع كفرهم يبخسون الكيل والوزن، فدعاهم، فكذَّبوه، فقال لهم ما ذكر الله في القرآن، وما ردُّوا عليه، فلمّا عَتَوْا وكذَّبوا سألوه العذاب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٣٢٢، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥١٩.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قال يا قوم اعبدوا الله﴾ يعني: وحِّدوا الله؛ ﴿ما لكم من إله غيره﴾ ليس لكم رب غيره، ﴿قد جاءتكم بينة من ربكم﴾ يعني: بيان من ربكم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٤٨.
٣
عن جابر بن عبد الله: أنّ رسول الله ﷺ لَمّا نزل الحِجْرَ قام فخطَب الناس، فقال: «يا أيُّها الناس، لا تسألوا نبيَّكم عن الآيات؛ فإنّ قوم صالح سألوا نبيَّهم أن يبعثَ إليهم آية، فبَعث الله إليهم الناقة، فكانت تَرِدُ مِن هذا الفَجِّ فتشرَبُ ماءَهم يوم وِرْدِها، ويحتَلِبون مِن لبنِها مثلَ الذي كانوا يأخُذون مِن مائها يوم غِبِّها، وتصدُرُ مِن هذا الفَجِّ، فعتَوْا عن أمر ربِّهم، فعقَروها، فوعدهم الله العذاب بعد ثلاثة أيام، وكان وعدًا مِن الله غير مكذوب، ثم جاءتهم الصيحة فأهلَك الله مَن كان منهم تحتَ مشارق الأرض ومغاربها، إلا رجلًا كان في حَرَمِ الله، فمنَعه حَرَمُ الله مِن عذاب الله». فقيل: يا رسول الله، مَن هو؟ قال: «أبو رِغالٍ، فلمّا خرج مِن الحرم أصابَه ما أصاب قومَه»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢٢‏/‏٦٦ (١٤١٦٠)، وعبد الرزاق في تفسيره ٢‏/‏٨٣ (٩١٥)، وابن جرير١٠‏/‏٢٩٦-٢٩٨، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥١٦ (٨٦٨٥-٨٦٨٦)، ٦‏/‏٢٠٥٠ (١٠٩٩٠)، ٩‏/‏٢٨٠٤ (١٥٨٦٦). وصحَّحه ابنُ حِبّان ١٤‏/‏٧٧ (٦١٩٧)، والحاكم ٢‏/‏٣٥١(٣٢٤٨)، ٢‏/‏٣٧١ (٣٣٠٤)، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وقال الذهبي في التلخيص: «صحيح على شرط البخاري ومسلم». وقال في الموضع الثاني: «صحيح». وقال ابن كثير في تفسيره ٣‏/‏٤٣٦-٤٣٩: «وهذا الحديث ليس في شيء من الكتب الستة، وهو على شرط مسلم». وفي البداية والنهاية ٧‏/‏١٦٥: «إسناده صحيح». وقال الهيثمي في المجمع ٦‏/‏١٩٤ (١٠٣٢٦): «رجال أحمد رجال الصحيح». وقال الدميري في حياة الحيوان ٢‏/‏٤٥٦ بعد عزوه لأحمد: «بإسناد صحيح». وقال الألباني في الضعيفة ٩‏/‏٣١٨ (٤٣٣٤): «ضعيف».
٤
من حديث أبي الطفيل مرفوعًا، مثلَه(١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٢‏/‏٤٦٣-٤٦٤، وفي تاريخه ١‏/‏٢٣١-٢٣٢، من طريق إسماعيل بن المتوكل الأشجعي، عن محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الطفيل به. وفي سنده محمد بن كثير المصيصي، قال عنه ابن حجر في تقريب التهذيب (٦٢٥١): «صدوق، كثير الغلط».
٥
عن إسماعيل بن أمية -من طريق مَعْمَر-: أنّ النبي ﷺ مَرَّ بقبر أبي رِغالٍ، فقال: «أتدرون ما هذا؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا قبرُ أبي رغال». قالوا: فمَن أبو رغال؟ قال: «رجلٌ مِن ثمود كان في حَرَم الله، فمَنَعَه حَرَمُ الله عذابَ الله، فلمّا خرج أصابه ما أصاب قومه، فدفن ههنا، ودفن معه غُصْنٌ من ذهب، فنزل القوم، فابتدروه بأسيافهم، فبحثوا عليه، فاستخرجوا الغصن». قال معمر: وقال الزهري: أبو رغال أبو ثقيف١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢‏/‏٨٤ (٩١٦)، وابن جرير ١٠‏/‏٢٩٧. قال ابن كثير في تفسيره ٣‏/‏٤٤٣: «هذا مرسل من هذا الوجه، وقد روي مُتَّصِلًا من وجه آخر، كما قال محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن بجير بن أبي بجير، قال: سمعتُ عبد الله بن عمرو يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول حين خرجنا معه إلى الطائف، فمررنا بقبر، فقال: «هذا قبر أبي رغال، وهو أبو ثقيف، وكان من ثمود، وكان بهذا الحرم فدفع عنه، فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان، فدُفِن فيه. وآية ذلك أنّه دُفِن معه غصن من ذهب، إن أنتم نبشم عنه أصبتموه معه، فابتدره الناس، فاستخرجوا منه الغصن». وهكذا رواه أبو داود، عن يحيى بن معين، عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق به. قال شيخنا أبو الحجاج المزي: وهو حديث حسن عزيز. قلتُ: تفرد بوصله بجير بن أبي بجير هذا، وهو شيخ لا يعرف إلا بهذا الحديث. قال يحيى ابن معين: ولم أسمع أحدًا روى عنه غير إسماعيل بن أمية. قلت: وعلى هذا فيُخشى أن يكون وهم في رفع هذا الحديث، وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو مما أخذه من الزاملتين. قال شيخنا أبو الحجاج بعد أن عرضت عليه ذلك: وهذا محتمل». وقال الشيخ أحمد شاكر: «مرسل». وقال الألباني في الضعيفة ١٠‏/‏٢٨٤: «وهذا معضل».
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٣/٦٠٣) هذا الأثر، ثُمَّ علَّق عليه بقوله: «وهذا الخبر يريد ما في السير من أنّ أبا رغال هو دليل الفيل وحبيسه إلى مكة»أ. ه. وجاءت كلمة «يؤيد» في طبعة دار الكتب العلمية: «يريد»، وكلا اللفظين لا يستقيم مع الخبر، ولعلها: «يردُّ» ويدل عليه تعليق ابن عطية على الأثر في موضع آخر (٤/٦٠٤) بقوله: «وفي هذا نظر، وخلافه في السير».
٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة-: أنّ صالحًا بعثه الله إلى قومه فآمَنوا به، ثم إنه لما مات كفر قومه ورجعوا عن الإسلام. فأحيا الله لهم صالحًا وبعثه اليهم، فقال: أنا صالح. فقالوا: قد مات صالح، إن كنت صالحًا فأت بآية إن كنت من الصادقين. فبعث الله الناقة فعقروها وكفروا، فأُهلِكوا. وعاقرها رجلٌ نسّاج يقال له: قُدار بن سالِف١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جَرِير ١٧‏/‏٦٢٧، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥١١. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي الدنيا في كتاب«من عاش بعد الموت».
٧
عن أبي الطفيل -من طريق عبد العزيز بن رفيع- قال: قال ثمود لصالح:ائْتِنا بآيةٍ إن كنتَ مِن الصادقين. قال: اخرُجوا. فخرَجوا إلى هضبةٍ من الأرض، فإذا هي تَمخَّضُ كما تَمخَّضُ الحاملُ، ثم إنها انفرَجت، فخرَجت الناقة مِن وسطِها، فقال صالح: ﴿هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم﴾ [الأعراف: ٧٣]، ﴿لها شرب ولكم شرب يوم معلوم﴾ [الشعراء: ١٥٥]. فلمّا ملُّوها عقروها، فقال لهم: ﴿تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب﴾ [هود: ٦٥]، قال عبد العزيز: وحدثني رجل آخر: أنّ صالحًا قال لهم: إنّ آية العذاب أن تُصْبِحوا غدًا حُمْرًا، واليوم الثاني صُفْرًا، واليوم الثالث سُودًا. قال: فصبَّحهم العذاب، فلمّا رأوا ذلك تَحَنَّطوا، واستعدوا١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢٣٠ - ٢٣١، وابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات -موسوعة الإمام ابن أبي الدنيا ٤/ ٤٥٩ (١٣٣) -، وابن جرير ١٠/ ٢٨٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥١٢. وعزاه السيوطي إلى الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
٨
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ ذكر الله ثمودَ قومَ صالح، فقال: ﴿و﴾أرسلنا ﴿إلى ثمود أخاهم صالحا﴾ ليس بأخيهم في الدين، ولكن أخوهم في النسب، ﴿قال يا قوم اعبدوا الله﴾ يعني: وحِّدوا الله، ﴿ما لكم من إله غيره﴾ يقول: ليس لكم ربٌّ غيره، ﴿قد جاءتكم بينة من ربكم﴾ يعني بالبينة: الناقة، فقال: ﴿هذه ناقة الله لكم آية﴾ لتعتبروا؛ فتُوَحِّدوا ربكم، وكانت من غير نسل، وكان الفصيل من نسلٍ، ﴿فذروها تأكل في أرض الله﴾ يقول: خلُّوا عنها فلتأكل حيث شاءت، ولا تكلفكم مؤونة، ﴿ولا تمسوها بسوء﴾ لا تصيبوها بعَقْر؛ ﴿فيأخذكم﴾ يعني: فيصيبكم ﴿عذاب أليم﴾ يعني: وجيع في الدنيا١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٤٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢أفاد قولُ مقاتل أنّ صالحًا عليه السلام كان أخوهم في النسب، وقد ذكر هذا ابنُ عطية (٣/٦٠٠)، وزاد احتمالًا آخر عن الزجاج، فقال: «وقال الزجاج: يحتمل أن تكون أُخُوَّة الآدَمِيَّة».

آثار متعلقة بالآية

٣ أقوال
١
قال أبو موسى -من طريق أبي إسحاق-: أتيتُ أرض ثمود، فذرعت مصدر الناقة، فوجدته سِتِّين ذراعًا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٢٩٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٣/٦٠٢) أثر أبي موسى، ثم قال مُعَلِّقًا: «وبلاد ثَمُودَ هي بين الشام والمدينة، وهي التي مرَّ بها رسول الله ﷺ مع المسلمين في غزوة تبوك، فقال: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم». ثم اعتجر بعمامته، وأسرع السير ﷺ».
٢
عن مطلب بن زياد، قال: سألتُ عبد الله بن أبي ليلى عن اليهوديِّ والنصرانيِّ، يُقال له: أخٌ؟ قال: الأخُ في الدار، ألا ترى إلى قول الله: ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحا﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٣
قال أبو عمرو بن العلاء: سُمِّيت: ثمود؛ لقلة مائها، والثَمَدُ: الماء القليل. وكانت مساكنُهم الحِجْرَ، بين الحجاز والشام إلى وادي القُرى١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٢٥١، وتفسير البغوي ٣‏/‏٢٤٧.

قصة صالح عليه السلام مع ثمود

٤ أقوال
١
عن عمرو بن خارجة، عن رسول الله ﷺ، قال: «كانت ثمودُ قوم صالح أعْمَرهم الله في الدنيا، فأطال أعمارَهم حتى جعل أحدُهم يبني المسكن مِن المَدَرِ١ فينهدِمُ والرجلُ منهم حيٌّ، فلَمّا رأوْا ذلك اتَّخذوا من الجبال بيوتًا، فنحَتوها، وجابوها، وخرَقوها، وكانوا في سَعَةٍ مِن معايشِهم، فقالوا: يا صالحُ، ادع لنا ربَّك يُخْرِجْ لنا آيةً نعلمُ أنّك رسولُ الله. فدعا صالحٌ ربَّه، فأخرَج لهم الناقة، فكان شِرْبُها يومًا، وشِرْبُهم يومًا معلومًا، فإذا كان يومُ شِرْبها خَلَّوا عنها وعن الماء، وحلَبوها لبنًا، ملَئوا كل إناء ووعاء وسِقاء، حتى إذا كان يوم شِرْبِهم صرَفوها عن الماء، فلم تشرَبْ منه شيئًا، فملَئوا كل إناء ووعاء وسقاءٍ، فأوحى الله إلى صالح: إنّ قومَك سيَعِقرون ناقتَك. فقال لهم، فقالوا: ما كُنّا لِنفعل. فقال: إلّا تَعْقِروها أنتم يوشِكُ أن يولدَ فيكم مولودٌ يعقِرُها. قالوا: فما علامة ذلك المولود، فواللهِ، لا نجِدُه إلّا قتَلْناه؟ قال: فإنّه غلامٌ أشقر، أزرق، أصهبُ، أحمرُ. وكان في المدينة شيخان عزيزان منيعان، لأحدهما ابنٌ يُرغَبُ به عن المناكح، وللآخر ابنةٌ لا يَجِدُ لها كُفْئًا، فجَمع بينهما مجلسٌ، فقال أحدهما لصاحبه: ما يمنعُك أن تُزَوِّجَ ابنَك؟ قال: لا أجِدُ له كُفْئًا. قال: فإنّ ابنتي كُفْؤٌ له، فأنا أُزَوِّجُك. فزوَّجه، فوُلِد بينهما ذلك المولودُ، وكان في المدينة ثمانيةُ رهطٍ يُفْسدون في الأرض ولا يُصلِحون، فلمّا قال لهم صالحٌ: إنّما يعقِرُها مولودٌ فيكم. اختاروا ثماني نسوةٍ قوابلَ مِن القرية، وجعلوا مَعَهُنَّ شُرَطًا كانوا يطوفون في القرية، فإذا وجَدوا المرأة تُمْخَضُ نظروا ما ولدُها؛ إن كان غلامًا قلَبْنه، فنظرْن ما هو، وإن كانت جاريةً أعرضْنَ عنها، فلمّا وجَدوا ذلك المولودَ صرَخ النسوةُ، وقُلنَ: هذا الذي يريدُ رسولُ الله صالحٌ. فأراد الشُّرَطُ أن يأخذوه، فحال جَدّاه بينهم وبينه، وقالا: لو أنّ صالحًا أراد هذا قتَلْناه. فكان شرَّ مولودٍ، وكان يَشِبُّ في اليوم شبابَ غيره في الجمعة، ويَشِبُّ في الجمعة شباب غيره في الشهر، ويَشِبُّ في الشهر شباب غيره في السنة، فاجتَمَع الثمانيةُ الذين يُفْسِدون في الأرض ولا يُصْلِحون وفيهم الشيخانِ، فقالوا: استعمل علينا هذا الغلام لمنزلتِه وشرفِ جَدَّيه. فكانوا تسعةً، وكان صالحٌ لا ينامُ معهم في القرية، كان يَبِيتُ في مسجده، فإذا أصبَح أتاهم، فوعَظهم، وذكَّرهم، وإذا أمسى خرَج إلى مسجدِه، فبات فيه». قال حجاجٌ: وقال ابن جريج: لَمّا قال لهم صالحٌ: إنه سيولدُ غلامٌ يكونُ هلاكُكم على يديه. قالوا: فكيف تأمُرُنا؟ قال: آمُرُكم بقتلِهم. فقتلوهم إلا واحدًا، قال: فلما بلغ ذلك المولودُ قالوا: لو كُنّا لم نقتُلْ أولادنا لكان لكلِّ رجلٍ منا مِثلُ هذا، هذا عملُ صالحٍ. فائتمروا بينهم بقتلِه، وقالوا: نَخرُجُ مسافرين، والناسُ يروننا علانيةً، ثم نرجِعُ مِن ليلة كذا مِن شهر كذا وكذا، فنرصُدُه عند مُصلّاه، فنقتُلُه، فلا يحسَبُ الناسُ إلا أنّا مسافرون كما نحن. فأقْبَلوا حتى دخلوا تحت صخرة يرصُدُونه، فأرسل الله عليهم الصخرةَ، فرضَخَتْهم٢، فأصبَحوا رَضْخًا، فانطلق رجالٌ مِمَّن قدِ اطَّلَع على ذلك منهم، فإذا هم رَضْخٌ، فرجَعوا يصيحون في القرية: أيْ عبادَ الله، أما رَضِي صالحٌ أن أمَرهم أن يقتُلوا أولادَهم حتى قتَلهم. فاجْتَمع أهلُ القرية على قتل الناقة أجمعون، وأحجَموا عنها إلا ذلك ابن العاشر. ثم رجَع الحديثُ إلى حديث رسول الله ﷺ، قال: «وأرادوا أن يمكُروا بصالحٍ، فمَشَوا حتى أتوا على سَرَبٍ٣ على طريق صالح، فاختبأ فيه ثمانيةٌ، وقالوا: إذا خرج علينا قتلْناه، وأتينا أهلَه فبيَّتْناهم. فأمر الله الأرضَ فاسْتَوَتْ عليهم، فاجتمعوا، ومشوا إلى الناقة وهي على حوضِها قائمةٌ، فقال الشقيُّ لأحدِهم: ائْتِها فاعْقِرْها. فأتاها، فتعاظَمه ذلك، فأضرَب عن ذلك، فبعَث آخر، فأعظَمه ذلك، فجعَل لا يبعثُ رجلًا إلّا تعاظَمه أمرُها، حتى مشى إليها، وتطاول، فضرَب عُرْقوبَيْها، فوقَعت تركُضُ، وأتى رجلٌ منهم صالحًا، فقال: أدْرِكِ الناقة؛ فقد عُقِرت. فأقبَل، وخرجوا يتلقَّونه، ويَعْتذرون إليه: يا نبيَّ الله، إنّما عقَرها فلانٌ، إنّه لا ذنبَ لنا. قال: فانظُروا هل تُدْرِكون فصيلَها؟ فإن أدْرَكتُموه فعسى الله أن يرفَعَ عنكم العذاب. فخرَجوا يطلُبونه، ولما رأى الفصيلُ أمَّه تضطربُ أتى جبلًا -يُقال له: القارةُ- قصيرًا، فصَعِد، وذهبوا ليأخذوه، فأوحى الله إلى الجبل، فطال في السماء حتى ما تنالُه الطيرُ، ودخل صالحٌ القرية، فلمّا رآه الفصيلُ بكى حتى سالت دموعُه، ثم استقبَل صالحًا، فرغا رغوةً، ثم رغا أُخرى، ثم رغا أُخرى، فقال صالحٌ لقومه: لكلِّ رغوةٍ أجلُ يوم؛ فتَمَتَّعوا في دارِكم ثلاثة أيام، ﴿ذلك وعدٌ غيرُ مكذوبٍ﴾ [هود:٦٥]. ألا إنّ آية العذاب أنّ اليوم الأول تُصبحُ وجوهُكم مُصْفَرَّةً، واليوم الثاني محمرَّةً، واليوم الثالث مُسْوَدَّةً، فلمّا أصبَحوا إذا وجوهُهم كأنها قد طُلِيت بالخَلُوقِ٤؛ صغيرُهم وكبيرهم، ذكرُهم وأنثاهم، فلما أمسَوا صاحوا بأجمعِهم: ألا قد مضى يومٌ مِن الأجل، وحضَركم العذابُ. فلمّا أصبحوا اليوم الثاني إذا وجوهُهم مُحْمَرَّةٌ، كأنّها خُضِبت بالدماءِ، فصاحوا، وضجُّوا، وبكَوا، وعرفوا أنّه العذاب، فلمّا أمسَوا صاحوا بأجمعِهم: ألا قد مضى يومان من الأجل، وحضَركم العذابُ. فلمّا أصبحوا اليوم الثالث فإذا وجوههم مُسْوَدَّةٌ، كأنها طُلِيتْ بالقار، فصاحوا جميعًا: ألا قد حضَركم العذاب. فتكفَّنوا، وتحنَّطوا، وكان حنوطهم الصَّبرَ والمَغَرَ٥، وكانت أكفانهم الأنطاعَ٦، ثم ألقوا أنفسَهم بالأرض، فجعلوا يُقَلِّبون أبصارَهم، فينظُرون إلى السماء مرَّة، وإلى الأرض مرَّة، فلا يَدْرون مِن أين يأتيهمُ العذاب؛ مِن فوقهم مِن السماء، أم من تحتِ أرجلِهم مِن الأرض، خسفًا أو قَذْفًا، فلما أصبحوا اليوم الرابع أتَتْهم صيحةٌ من السماء، فيها صوتُ كُلِّ صاعقةٍ، وصوتُ كلِّ شيء له صوتٌ في الأرض، فتقطَّعت قلوبُهم في صدورِهم، فأصبحوا في ديارهم جاثمين»٧
التخريج
  1. ١المَدَر: الطين المتماسك. النهاية (مدر).
  2. ٢الرَّضْخُ: كسر الرأس. لسان العرب (رضخ).
  3. ٣السَّرَبُ: حَفِير تحت الأرض. لسان العرب (سرب).
  4. ٤الخلوق: طيب مركب يُتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب، وتغلب عليه الحمرة والصفرة. النهاية (خلق).
  5. ٥المَغَرَةُ والمَغْرَة: طين أحمر يُصبغ به. لسان العرب (مغر).
  6. ٦النِّطْعُ -بالكسر، وبالفتح، وبالتحريك-: بِساط من الأديم. تاج العروس (نطع).
  7. ٧أخرجه الحاكم ٢‏/‏٦١٧-٦١٨ (٤٠٦٩)، وابن جرير ١٢‏/‏٤٥٨-٤٦٢ واللفظ له، من طريق حجاج المصيصي، عن أبي بكر بن عبد الله، عن شهر بن حوشبٍ، عن عمرو بن خارجة به. قال الحاكم: «هذا حديث جامِع لذكر هلاك آل ثمود، تفرَّد به شهر بن حوشب، وليس له إسناد غيرها، ولم يستغن عن إخراجه، وله شاهد على سبيل الاختصار بإسناد صحيح دلَّ على صحة الحديث الطويل على شرط مسلم». وقال الذهبي في التلخيص: «أبو بكر بن عبد الله واهٍ». وضعفه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الطبري.
٢
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحا﴾، قال: إنّ الله بعَث صالحًا إلى ثمود، فدعاهم، فكذَّبوه، فقال لهم ما ذكر الله في القرآن، فسألوا أن يأتيَهم بآيةٍ، فجاءهم بالناقة لها شِرْبٌ ولهم شِرْبُ يوم معلومٍ، وقال: ﴿ذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء﴾. فأقرُّوا بها جميعًا، فذلك قوله: ﴿فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ [فصلت: ١٧]. وكانوا قد أقرُّوا به على وجه النفاق والتَّقِيَّة، فكانت الناقةُ لها شِرْبٌ، فيومَ تشرَبُ فيه الماء تمرُّ بين جبلين فيزْحَمانها، ففيهما أثرُها حتى الساعة، ثم تأتي فتقِفُ لهم حتى يَحْتَلِبون الَّلبنَ، فترويهم، ويوم يشرَبون الماء لا تأتيهم، وكان معها فصيلٌ لها، فقال لهم صالحٌ: إنه يولدُ في شهركم هذا مولودٌ يكون هلا كُكم على يدَيْه. فوُلِد لتسعة منهم في ذلك الشهر، فذبَحوا أبناءَهم، ثم وُلِد للعاشر، فأبى أن يذبَحَ ابنه، وكان لم يولَدْ له قبلَه شيءٌ، وكان أبو العاشر أزرق أحمر، فنَبت نباتًا سريعًا، فإذا مرَّ بالتسعة فرأَوْه قالوا: لو كان أبناؤُنا أحياءً كانوا مثلَ هذا. فغَضِب التسعةُ على صالحٍ لأنه أمرهم بذبح أبنائهم، فـ ﴿تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون﴾ [النمل: ٤٩]. قالوا: نخرج، فيرى النّاسُ أنّا قد خرجنا إلى سفر، فنأتي الغار، فنكون فيه، حتى إذا كان الليلُ وخرج صالحٌ إلى المسجد أتيناه فقتلناه، ثم رجعنا إلى الغار فكُنّا فيه، ثم رجعنا فقلنا: ﴿ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون﴾، يُصَدِّقوننا يعلمون أنّا قد خرجنا إلى سفر. فانطلقوا، فلما دخلوا الغار أرادوا أن يخرجوا من الليل، فسقط عليهم الغار، فقتلهم، فذلك قوله: ﴿وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون﴾ حتى بلغ ههنا: ﴿فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين﴾ [النمل: ٤٨ - ٥١]. وكبر الغلام ابن العاشر، ونبتنباتًا عجبًا من السرعة، فجلس مع قوم يصيبون من الشراب، فأرادوا ماء يمزجون به شرابهم، وكان ذلك اليوم يوم شرب الناقة، فوجدوا الماء قد شربته الناقة، فاشتد ذلك عليهم، وقالوا في شأن الناقة: ما نصنع نحن باللبن؟ لو كنا نأخذ هذا الماء الذي تشربه هذه الناقة فنسقيه أنعامَنا وحروثَنا كان خيرًا لنا. فقال الغلام ابن العاشر: هل لكم في أن أعقرها لكم؟ قالوا: نعم. فأظهروا دينهم، فأتاها الغلام، فلما بصرت به شدَّت عليه، فهرب منها، فلما رأى ذلك دخل خلف صخرةٍ على طريقها، فاسْتَتَر بها، فقال: أحيشوها١ عَلَيَّ. فأحاشوها عليه، فلمّا جازَت به نادوه: عليك. فتناولها، فعقرها، فسقطت، فذلك قوله تعالى: ﴿فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر﴾ [القمر: ٢٩]. وأظهروا حينئذ أمرهم، وعقروا الناقة، وعتوا عن أمر ربهم، وقالوا: يا صالح، ائتنا بما تعدنا. وفزع ناس منهم إلى صالح، وأخبروه أنّ الناقة قد عقرت، فقال: عَلَيَّ بالفصيل. فطلبوا الفصيل، فوجدوه على رابية من الأرض، فطلبوه، فارتفعت به حتى حلقت به في السماء، فلم يقدروا عليه، ثم رغا الفصيل إلى الله، فأوحى الله إلى صالح أن مُرْهُم فليتمتعوا في دارهم ثلاثة أيام، فقال لهم صالح: ﴿تمتعوا في داركم ثلاثة أيام﴾ [هود: ٦٥]، وآية ذلك أن تصبح وجوهكم أول يوم مصفرة، والثاني مُحْمَرَّة، واليوم الثالث مُسْوَدَّة، واليوم الرابع فيه العذاب. فلما رأوا العلامات تكفَّنوا، وتَحَنَّطوا، ولطخوا أنفسهم بالمُرِّ٢، ولبسوا الأنطاع، وحفروا الأسراب، فدخلوا فيها ينتظرون الصيحة، حتى جاءهم العذاب، فهلكوا، فذلك قوله: فـ ﴿دمرناهم وقومهم أجمعين﴾ [النمل: ٥١]٣. (ز)
التخريج
  1. ١الحَيْشُ: الفزع والنفور. النهاية (حيش).
  2. ٢المُرُّ: دواء كالصَّبِر، سمي به لمرارته. النهاية (مرر).
  3. ٣أخرجه ابن جرير ١٠/ ٢٨٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥١٢ - ١٥١٥ مختصرًا. وعزا السيوطي أوَّله إلى أبي الشيخ. وجزء منه أخرجه إسحاق البستي في تفسيره، ص ٥٣٩.
٣
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: لَمّا أهلك الله عادًا وتَقَضّى أمرُها عَمِرَتْ ثمود بعدها، واستُخْلِفوا في الأرض، فنزلوا فيها، وانتشروا، ثم عَتَوْا على الله، فلمّا ظهر فسادهم وعبدوا غير الله بعث إليهم صالحًا، وكانوا قومًا عربًا، وهو من أوسطهم نسبًا، وأفضلهم موضعًا رسولًا. وكانت منازلهم الحِجر إلى قُرْحٍ، وهو وادي القُرى، وبين ذلك ثمانية عشر ميلًا فيما بين الحجاز والشام، فبعث الله إليهم غلامًا شابًّا، فدعاهم إلى الله، حتى شَمِطَ وكَبِرَ، لا يتبعه منهم إلا قليلٌ مستضعفون، فلما ألَحَّ عليهم صالح بالدعاء، وأكثر لهم التحذير، وخوَّفهم من الله العذاب والنقمة؛ سألوه أن يريَهم آيةً تكون مِصْداقًا لِما يقول فيما يدعوهم إليه، فقال لهم: أيَّ آية تريدون؟ قالوا: تخرج معنا إلى عيدنا هذا -وكان لهم عيد يخرجون إليه بأصنامهم وما يعبدون من دون الله، في يوم معلوم من السنة-، فتدعو إلهك، وندعو آلهتنا، فإن استُجِيب لك اتَّبَعْناك، وإن استُجِيب لنا اتَّبَعْتنا. فقال لهم صالح: نعم. فخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم ذلك، وخرج صالح معهم إلى الله، فدعوا أوثانهم، وسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء مما يدعو به، ثم قال له جُندَعُ بن عمرو بن جَوّاسِ بن عمرو بن الدُّمَيْلِ -وكان يومئذ سيِّدَ ثمود وعظيمَهم-: يا صالح، أخرج لنا من هذه الصخرة -لِصخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها: الكاثِبةُ- ناقةً مُخْتَرَجَةً جَوْفاءَ وبْراء -والمُخترجَةُ: ما شاكَلَت البُخْتَ١ من الإبل. وقالت ثمودُ لصالح مثل ما قال جُنْدَعُ بن عمرو-، فإن فَعَلْتَ آمنّا بك، وصدَّقْناك، وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحقٌّ. وأخذ عليهم صالحٌ مواثيقهم: لَئِن فعلتُ وفَعل اللهُ لَتُصَدِّقُنِّي، ولَتُؤْمِنُنَّ بي؟ قالوا: نعم. فأَعْطَوه على ذلك عهودَهم، فدعا صالحٌ ربَّه بأن يخرجها لهم من تلك الهَضْبةِ كما وصَفوا٢
التخريج
  1. ١البُخْت: جمال طِوال الأعناق. النهاية (بخت).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٢٨٦، وابن أبي حاتم ٩‏/‏٢٨٠٠ مختصرًا.
٤
عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس -من طريق ابن إسحاق- أنه حدّث: أنّهم نظروا إلى الهَضَبَة حين دعا اللهَ صالحٌ بما دَعا به، تَتَمَخَّض بالناقة تَمَخُّض النَّتُوجُ١ بولدها، فتحركت الهضبة، ثم انتَفَضَت بالناقة، فانصَدَعَتْ عن ناقةٍ -كما وصفوا- جَوْفاء وبْراء نَتُوجًا، ما بين جنبيها لا يعلمه إلا الله عِظَمًا، فآمن به جُندَعُ بن عمرو ومَن كان معه على أمره مِن رَهْطِه، وأراد أشرافُ ثمود أن يؤمنوا به ويُصَدِّقوا، فنهاهم ذُؤابُ بن عمرو بن لبيد، والحُبابُ صاحب أوثانهم، ورَبابُ بن صَمْعَرِ بن جَلْهسٍ، وكانوا من أشراف ثمود، فردُّوا أشرافَها عن الإسلام، والدخول فيما دعاهم إليه صالح من الرحمة والنجاة. وكان لجُندَعٍ ابنُ عمٍّ يُقال له: شهاب بن خليفة بن مخلاةَ بن لبيد بن جَوّاسٍ، فأراد أن يُسْلِم، فنهاه أولئك الرهط عن ذلك، فأطاعهم، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها، فقال رجل من ثمود يُقال له: مهْرَشُ بنُ غَنمةَ بنِ الدُّمَيلِ، وكان مسلمًا: وكانت عُصبة من آل عمرو إلى دين النبيِّ دعوا شهابا عزيز ثمود كلهم جميعًا فهَمَّ بأن يُجِيب ولو أجابا لأصبح صالحًا فينا عزيزًا وما عدلوا بصاحبهم ذُؤابا ولكن الغُواةَ مِنَ الِ حُجْرٍ تولوا بعد رشدهم ذئابا فمكثت الناقة التي أخرجها الله لهم معها سَقْبُها٢ في أرض ثمود، ترعى الشجر، وتشرب الماء، فقال لهم صالح عليه السلام: ﴿هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم﴾. وقال الله لصالح: إنّ الماء ﴿قسمة بينهم كل شرب محتضر﴾ [القمر:٢٨]. أي: أنّ الماء نصفان: لهم يوم، ولها يوم، وهي مُحْتَضَرَة، فيومها لا تَدَعُ شُرْبَها. وقال: ﴿لها شرب ولكم شرب يوم معلوم﴾ [الشعراء:١٥٥]. فكانَتْ -فيما بلغني، والله أعلم- إذا ورَدَتْ -وكانت تَرِدُ غِبًّا- وضَعَتْ رأسها في بئر في الحِجْر، يُقال لها: بئر الناقة، فيزعمون أنّها منها كانت تشرب، إذا وردت تضع رأسها فيها، فما ترفعه حتى تشرب كُلَّ قطرةِ ماءٍ في الوادي، ثم ترفع رأسها فتفشَّحُ -يعني: تَفَحَّجُ٣ لهم-، فيحتلبون ما شاءوا من لبن، فيشربون، ويَدَّخِرون، حتى يملئوا كُلَّ آنيتهم، ثم تصدر مِن غير الفجِّ الذي منه ورَدْت، لا تقدر على أن تصدر من حيث تَرِد؛ يضيق عنها، فلا ترجع منه، حتى إذا كان الغدُ كان يومهم، فيشربون ما شاءوا من الماء، ويدَّخرون ما شاءوا ليوم الناقة، فهم من ذلك في سَعَة. وكانت الناقة -فيما يذكرون- تصيفُ إذا كان الحرُّ ظهرَ الوادي، فتهرب منها المواشي؛ أغنامهم وأبقارهم وإبلهم، فتهبط إلى بطن الوادي في حرِّه وجَدْبِه، وذلك أنّ المواشي تنفر منها إذا رأتها، وتشتو في بطن الوادي إذا كان الشتاء، فتهرب مواشيهم إلى ظهر الوادي في البرد والجدب، فأضرَّ ذلك بمواشيهم؛ للبلاء والاختبار. وكانت مراتِعُها -فيما يزعمون- الجَنابَ وحِسْمى، كل ذلك ترعى مع وادي الحِجْر، فكَبُر ذلك عليهم، فعَتَوْا عن أمر ربهم، وأجمعوا في عَقْرِ الناقة رأيَهم. وكانت امرأةٌ من ثمود يُقال لها: عُنَيزةُ بنت غُنمٍ بن مِجْلَزِ، تُكنى بأم غُنمٍ، وهي من بني عبيد بن المهلِ أخي زُمَيلِ بن المهلِ، وكانت امرأة ذُؤابِ بن عمرو، وكانت عجوزًا مُسِنَّة، وكانت ذات بنات حِسان، وكانت ذات مال مِن إبل وبقر وغنم، وامرأة أخرى يُقال لها: صَدُوفُ بنتُ المحيّا بن زهير بن المحيّا سيد بني عبيد وصاحب أوثانهم في الزمن الأول، وكان الوادي يُقال له: وادي المحيّا، وهو المحيّا الأكبر جد المحيّا الأصغر أبي صَدُوفَ. وكانت صَدُوفُ مِن أحسن الناس، وكانت غنيةً ذات مال من إبل وغنم وبقر، وكانتا مِن أشد امرأتين في ثمود عداوةً لصالحٍ، وأعظمه به كُفْرًا، وكانتا تحتالان أن تُعقر الناقة مع كفرهما به لِما أضَرَّت به من مواشيهما. وكانت صَدُوفُ عند ابنِ خالٍ لها يُقال له: صنيمُ بن هراوةَ بن سعد بن الغطريفِ من بني هليلٍ، فأسلم، فحسُن إسلامُه، وكانت صَدُوفُ قد فَوَّضت إليه مالَها، فأنفقه على من أسلم معه مِن أصحاب صالح حتى رَقَّ المالُ، فاطَّلعت على ذلك من إسلامه صَدُوفُ، فعاتبته على ذلك، فأظهر لها دينه، ودعاها إلى الله وإلى الإسلام، فأَبَتْ عليه، وسَبَّتْ له، فأخذت بنيه وبناته منه، فغيَّبَتْهم في بني عبيد؛ بطنها الذي هي منه، وكان صنيم زوجها من بني هليلٍ، وكان ابنَ خالها، فقال لها: رُدِّي عَلَيَّ ولدي. فقالت: حتى أُنافِرَك إلى بني صنعان بن عبيد أو إلى بني جُندَعِ بن عبيد. فقال لها صنيمٌ: بل أنا أقول إلى بني مِرْداس بن عبيد. وذلك أن بني مِرْداس بن عبيد كانوا قد سارعوا في الإسلام، وأبطأ عنه الآخرون، فقالت: لا أُنافِرُك إلّا إلى مَن دعوتُك إليه. فقال بنو مِرْداس: واللهِ، لَتُعْطِيَنَّه ولده طائعةً أو كارهة، فلمّا رَأَتْ ذلك أعْطَتْهُ إياهم. ثم إن صَدوف وعُنيزة محَلتا في عقر الناقة للشَّقاء الذي نزل، فدعت صَدُوفُ رجلًا من ثمود يُقال له: الحبابُ، لِعَقْر الناقة، وعرضت عليه نفسَها بذلك إن هو فعل، فأبى عليها، فدعت ابنَ عمٍّ لها يُقال [له]: مِصْدَعُ بن مَهْرَجِ بن المحيّا، وجعلت له نفسَها على أن يعقر الناقة، وكانت من أحسن الناس، وكانت غنِيَّةً كثيرة المال، فأجابها إلى ذلك. ودعت عُنَيزةُ بنتُ غُنْمٍ قُدارَ بن سالفِ بن جُنْدَعِ؛ رجلًا من أهل قُرْحَ، وكان قُدارُ رجلًا أحمر أزرق قصيرًا، يزعمون أنّه كان لِزَنْيَةٍ مِن رجل يُقال له: صهيادُ، ولم يكن لأبيه سالف الذي يُدعى إليه، ولكنه قد وُلِد على فراش سالف، وكان يُدعى له، ويُنسَب إليه، فقالت: أعطيك أيَّ بناتي شئت على أن تعقر الناقة. وكانت عُنَيزةُ شريفة من نساء ثمود، وكان زوجها ذؤاب بن عمرو من أشراف رجال ثمود، وكان قُدار عزيزًا منيعًا في قومه، فانطلق قُدار بن سالف ومِصْدَعُ بن مَهْرَجٍ، فاستنفرا غُواةً من ثمود، فاتَّبعهما سبعة نفر، فكانوا تسعة نفر، أحد النفر الذين اتبعوهما رجل يُقال له: هويلُ بن ميلغٍ خال قدار بن سالف، أخو أُمِّه لأبيها وأمها، وكان عزيزًا من أهل حِجْرٍ، ودُعَيرُ بن غنم بن داعر، وهو من بني حلاوة بن المهل، ودأب بن مَهْرَجٍ أخو مِصْدَعِ بن مَهْرَجٍ، وخمسة لم تُحْفَظ لنا أسماؤهم. فرصدوا الناقة حين صَدَرت عن الماء، وقد كمَن لها قدار في أصل صخرة على طريقها، وكمَن لها مِصْدَعٌ في أصلِ أخرى، فمَرَّت على مصدع فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ساقها، وخرجت أم غُنْمٍ؛ عُنَيزة، وأمرت ابنتها، وكانتْ مِن أحسن الناس وجهًا، فأسفرت عنه لقُدار، وأَرَتْه إيّاه، ثم ذمَّرَتْه٤، فشدَّ على الناقة بالسيف، فكسف عرقوبها، فخرَّت، ورغت رغاة واحدة تحذر سَقْبَها. ثم طعن في لُبَّتها فنحرها، وانطلق سقبها حتى أتى جبلًا منيعًا، ثم أتى صخرة في رأس الجبل فرَغا، ولاذ بها، واسم الجبل فيما يزعمون: صور، فأتاهم صالح، فلما رأى الناقة قد عقرت قال: انتهكتم حرمة الله، فأبشِروا بعذاب الله -تبارك وتعالى- ونقمته. فاتبع السَّقْبَ أربعةُ نفر من التسعة الذين عقروا الناقة، وفيهم مِصْدَعُ بن مَهْرَجٍ، فرماه مِصْدَعٌ بسهم، فانتظَمَ قلبه، ثم جَرَّ برجله فأنزله، ثم ألقوا لحمه مع لحم أمه. فلمّا قال لهم صالح: أبشروا بعذاب الله ونقمته؛ قالوا له وهم يهزءون به: ومتى ذلك يا صالح؟ وما آية ذلك؟ وكانوا يسمون الأيام فيهم: الأحد: أول، والاثنين: أهون، والثلاثاء: دُبار، والأربعاء: جُبارَ، والخميس: مُؤْنِسَ، والجمعة: العروبة، والسبت: شِيارَ، وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء، فقال لهم صالح حين قالوا ذلك: تصبحون غداة يوم مُؤْنِسَ -يعني: يوم الخميس- وجوهكم مُصْفَرَّة، ثم تصبحون يوم العروبة -يعني: يوم الجمعة- ووجوهكم مُحْمَرَّة، ثم تصبحون يوم شيار –يعني: يوم السبت- ووجوهكم مُسْوَدَّة، ثم يُصَبِّحُكم العذاب يوم الأول -يعني: يوم الأحد-. فلما قال لهم صالح ذلك، قال التسعة الذين عقروا الناقة: هلُمُّوا فلْنَقْتُلْ صالحًا؛ إن كان صادقًا عَجَّلْناه قبلنا، وإن كان كاذبًا يكون قد ألحقناه بناقته. فأتوه ليلًا لِيُبَيِّتُوه في أهله، فدَمَغَتْهم الملائكةُ بالحجارة، فلمّا أبْطَئُوا على أصحابهم أتوا منزل صالح، فوجدوهم مُشَدَّخِين، قد رُضِخوا بالحجارة، فقالوا لصالح: أنت قتلتهم. ثم هَمُّوا به، فقامت عشيرتُه دونه، ولبسوا السلاح، وقالوا لهم: واللهِ، لا تقتلونه أبدًا، فقد وعدكم أنّ العذاب نازِلٌ بكم في ثلاث، فإن كان صادقًا لم تزيدوا ربَّكم عليكم إلا غضبًا، وإن كان كاذبًا فأنتم من وراء ما تريدون. فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك، والنفر الذين رضختهم الملائكة بالحجارة التسعة الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن بقوله تعالى: ﴿وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون﴾ إلى قوله: ﴿لآية لقوم يعلمون﴾ [النمل:٤٨-٥٢]، فأصبحوا من تلك الليلة التي انصرفوا فيها عن صالح وجوههم مصفرة، فأيقنوا بالعذاب، وعرفوا أنّ صالحًا قد صَدَقَهم، فطلبوه ليقتلوه، وخرج صالح هاربًا منهم حتى لجأ إلى بطنٍ من ثمود يُقال لهم: بنو غنم، فنزل على سيِّدهم؛ رجل منهم يُقال له: نفيل، يكنى بأبي هُدْبٍ، وهو مشرك، فغَيَّبَه، فلم يقدروا عليه، فغدوا على أصحاب صالح، فعذَّبوهم لِيَدُلُّوهم عليه، فقال رجل من أصحاب صالح -يقال له: ميدعُ بن هرمٍ-: يا نبيَّ الله، إنّهم لَيُعَذِّبوننا لِنَدُلَّهم عليك، أفَنَدُلُّهم عليك؟ قال: نعم. فدلهم عليه ميدع بن هرم، فلما علموا بمكان صالح أتَوا أبا هدب، فكلَّموه، فقال لهم: عندي صالح، وليس لكم إليه سبيل. فأعرضوا عنه، وتركوه، وشغلهم عنه ما أنزل الله بهم من عذابه، فجعل بعضهم يُخْبِر بعضًا بما يرون في وجوههم حين أصبحوا من يوم الخميس، وذلك أنّ وجوههم أصبحت مصفرة، ثم أصبحوا يوم الجمعة ووجوههم محمرة، ثم أصبحوا يوم السبت ووجوههم مسودة، حتى إذا كان ليلة الأحد خرج صالح من بين أظهرهم ومَن أسلم معه إلى الشام، فنزل رملةَ فلسطين، وتخلَّف رجل من أصحابه يُقال له: ميدعُ بن هرمٍ، فنزل [قُرْحًا]، وهي وادي القرى، وبين القُرْحِ وبين الحِجْر ثمانية عشر ميلًا، فنزل على سيِّدهم؛ رجل يقال له: عمرو بن غُنْمٍ، وقد كان أكل من لحم الناقة، ولم يَشْرَكْ في قتلها، فقال له ميدعُ بن هرمٍ: يا عمرو بن غُنْمٍ، اخرُجْ من هذا البلد، فإن صالحًا قال: من أقام فيه هلك، ومن خرج منه نجا. فقال عمرو: ما شَرِكتُ في عَقْرِها، وما رَضِيتُ ما صُنِع بها. فلمّا كانت صبيحة الأحد أخذتهم الصيحة، فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا هلك، إلا جارية مُقْعَدَة يُقال لها: الزُّريْعة، وهي الكلبةُ ابنةُ السِّلْقِ، كانت كافرةً شديدة العداوة لصالح، فأطلق الله لها رجليها بعدما عاينت العذاب أجمع، فخرجت كأسرع ما يُرى شيء قط، حتى أتت أهل قُرْحَ، فأخبرتهم بما عاينت من العذاب، وما أصاب ثمود منه، ثم استسقت من الماء فسُقيت، فلما شَرِبَت ماتت٥٦
التخريج
  1. ١النَّتُوجُ من الخيل وجميع الحافر: الحامل. لسان العرب (نتج).
  2. ٢السَّقْب: ولدُ الناقة. لسان العرب (سقب).
  3. ٣تفشَّح وتَفَحَّج: تُفَرِّج ما بين رِجلَيها. التاج (فشح، فحج).
  4. ٤أي: تُشَجِّعه وتحضه. النهاية (ذمر).
  5. ٥أخرجه ابن جرير ١٠‏/‏٢٨٧-٢٩٥، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥١٢، ٩‏/‏٢٨٠٣ مختصرًا. وذكره ابن كثير في تفسيره ٣‏/‏٤٣٦-٤٣٩.
تعليقات المحققين
  1. ٦ذكر ابنُ عطية (٣/٦٠٠) اختلافًا في أمر الناقة: أجاء بها صالح عليه السلام من تلقاء نفسه؟ أم كانت مقترحة عليه؟ ثم رجّح مستندًا إلى آثار السلف أنها كانت مقترحة بقوله: «وهذا ألْيَق بما ورد في الآثار من أمرهم».
التفسير بالمأثور لسورة الأعراف كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٧٣ من سورة الأعراف

٣ وقفات في هذه الآية

  • قوله في هذه السورة {ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم} وفي هود {ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب} وفي الشعراء {ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم} لأنه في هذه السورة بالغ في الوعظ فبالغ في الوعيد فقال {عذاب أليم} وفي هود لما اتصل بقوله {تمتعوا في داركم ثلاثة أيام} وصفه بالقرب فقال {عذاب قريب} وزاد في الشعراء ذكر اليوم لأن قبله {لها شرب ولكم شرب يوم معلوم} فالتقدير لها شرب يوم معلوم فختم الآية بذكر اليوم فقال {عذاب يوم عظيم}..

    — كتاب أسرار التكرار للكرماني

  • آية (٧۳) : (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) * تقديم الجار والمجرور (لَكُمْ آيَةً) لأن هذه خاصة بقوم صالح ليست لغيرهم. *قال تعالى في هود (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جاثمين) ما دلالة الاختلاف بين دارهم وديارهم؟ لم يقل الصيحة مع دارهم ولا مرة لأن الصيحة يبلغ مداها أكثر من الرجفة فأنت تسمع صوتاً  لم تكن فيه كانفجار أو زلزال يحصل في مكان لكن الصوت يُسمع في مكان آخر فقال ديارهم أما الرجفة فهي أقل مدى فقال دارهم وهذا عائد إلى طبيعة العقاب الموجود. * دلالة اختلاف وصف العذاب فى قصة صالح: وصف العذاب بالإيلام لا ينافى وصفه بالقرب وإنما وصف فى سورة هود بالقرب (وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ) ليجرى مع قوله بعدها (تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) وأما الوصف فى سورة الشعراء بعظيم (وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ) فمن صفة اليوم لما فيه من الأهوال لا من صفة العذاب فلا إشكال فى شئ من هذا.

    — مختصر لمسات بيانية

  • ( فيأخذكم عذاب أليم ) [الأعراف - آية ٧٣] ، ( فيأخذكم عذاب قريب ) [هود - آية ٦٤] ، ( فيأخذكم عذاب عظيم ) [الشعراء آية ١٥٦] القصة واحدة في الأعراف صالح عليه السلام لما بالغ بوعظهم وزجرهم هددهم بعذاب أليم - في هود قال ( تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ) فهددهم بعذاب قريب - في الشعراء خبر الناقة عظيم ! ، فهددهم بعذاب عظيم .

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

ترجمات معاني الآية ٧٣ من سورة الأعراف

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(73) And to the Thamūd [We sent] their brother Ṣāliḥ. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. There has come to you clear evidence from your Lord. This is the she-camel of Allāh [sent] to you as a sign. So leave her to eat within Allāh's land and do not touch her with harm, lest there seize you a painful punishment.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال