جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَإِلَىَ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يا قوم اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيّنَةٌ مّن رّبّكُمْ هََذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيَ أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
يقول تعالى ذكره : ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا. وثمود : هو ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح، وهو أخو جديس بن عابر، وكانت مساكنهما الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله. ومعنى الكلام : وإلى بني ثمود أخاهم صالحا. وإنما منع ثمود، لأن ثمود قبيلة كما بكر قبيلة، وكذلك تميم. قال : يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ ما لَكُمْ مِنْ إلَه غيرُهُ يقول : قال صالح لثمود : يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له، فما لكم إله يجوز أن تعبدوه غيره، وقد جاءتكم حجة وبرهان على صدق ما أقول وحقيقة ما إليه أدعو من إخلاص التوحيد لله وإفراده بالعبادة دون ما سواه وتصديقي على أني له رسول وبينتى على ما أقول وحقيقة ما جئتكم به من عند ربي، وحجتي عليه هذه الناقة التي أخرجها الله من هذه الهضبة دليلاً على نبوتي وصدق مقالتي، فقد علمتم أن ذلك من المعجزات التي لا يقدر على مثلها أحد إلاّ الله. وإنما استشهد صالح فيما بلغني على صحة نبوّته عند قومه ثمود بالناقة لأنهم سألوه إياها آية ودلالة على حقيقة قوله.
ذكر من قال ذلك، وذكر سبب قتل قوم صالح الناقة :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا إسرائيل، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي الطفيل، قال : قالت ثمود لصالح : ائْتِنا بآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ قال : فقال لهم صالح : اخرجوا إلى هضبة من الأرض فخرجوا، فإذا هي تتمخض كما تتمخض الحامل. ثم إنها انفرجت، فخرجت من وسطها الناقة، فقال صالح : هَذِهِ ناقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُل فِي أرْضِ اللّهِ وَلا تَمَسّوها بِسُوءٍ فَيأْخُذَكُمْ عَذابٌ ألِيمٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ فلما ملوها عقروها، فَقَالَ لَهُمْ : تَمَتّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وَعْد غَيْرُ مَكْذوبٍ. قال عبد العزيز، وحدثني رجل آخر أن صالحا قال لهم : إن آية العذاب أن تصبحوا غدا حمرا، واليوم الثاني صفرا، واليوم الثالث سودا. قال : فصبحهم العذاب، فلما رأوا ذلك تحنطوا واستعدّوا.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وإلى ثَمُودَ أخاهُمْ صَالِحا قال : إن الله بعث صالحا إلى ثمود، فدعاهم فكذّبوه، فقال لهم ما ذكر الله في القرآن، فسألوه أن يأتيهم بآية، فجاءهم بالناقة، لها شرب ولهم شرب يوم معلوم، وقال : ذَرُوها تَأْكُلْ فِي أرْضِ اللّهِ وَلا تَمَسّوها بسُوءٍ فأقّروا بها جميعا، فذلك قوله : فَهَدَيْناهُمْ فاسْتَحَبوا العَمَى على الهُدَى وكانوا قد أقرّوا به على وجه النفاق والتّقية، وكانت الناقة لها شرب، فيوم تشرب فيه الماء تمر بين جبلين فيرجمونها، ففيهما أثرها حتى الساعة، ثم تأتي فتقف لهم حتى يحلبوا اللبن فيرويهم، فكانت تصبّ اللبن صبّا، ويوم يشربون الماء لا تأتيهم. وكان معها فصيل لها، فقال لهم صالح : إنه يولد في شهركم هذا غلام يكون هلاككم على يديه فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر، فذبحوا أبناءهم، ثم وُلد للعاشر فأبى أن يذبح ابنه، وكان لم يولد له قبل ذلك شيء، فكان ابن العاشر أزرق أحمر، فنبت نباتا سريعا، فإذا مرّ بالتسعة فرأوه، قالوا : لو كان أبناؤنا أحياء كانوا مثل هذا، فغضب التسعة على صالح لأنه أمرهم بذبح أبنائهم، فَتَقاسَمُوا بالله لَنُبَيّتَنّهُ وأهْلَهُ ثُمّ لَنَقُولَنّ لِوَلِيّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وَإنّا لَصَادِقونَ. قالوا : نخرج، فيرى الناس أنا قد خرجنا إلى سفر، فنأتي الغار فنكون فيه، حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى المسجد أتيناه فقتلناه ثم رجعنا إلى الغار فكنا فيه، ثم رجعنا فقلنا ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون، يصدّقوننا يعلمون أنا قد خرجنا إلى سفر. فانطلقوا فلما دخلوا الغار أرادوا أن يخرجوا من الليل، فسقط عليهم الغار فقتلهم، فذلك قوله : وكانَ فِي المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحَونَ. . . حتى بلغ ههنا : فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أجمَعِينَ. وكبر الغلام ابن العاشر، ونبت نباتا عجبا من السرعة، فجلس مع قوم يصيبون من الشراب، فأرادوا ماء يمزجون به شرابهم، وكان ذلك اليوم يوم شرب الناقة، فوجدوا الماء قد شربته الناقة، فاشتدّ ذلك عليهم وقالوا في شأن الناقة : ما نصنع نحن باللبن ؟ لو كنا نأخذ هذا الماء الذي تشربه هذه الناقة، فنسقيه أنعامنا وحروثنا، كان خيرا لنا فقال : الغلام ابن العاشر : هل لكم في أن أعقرها لكم ؟ قالوا : نعم. فأظهروا دينهم، فأتاها الغلام، فلما بصرت به شدّت عليه، فهرب منها فلما رأى ذلك، دخل خلف صخرة على طريقها فاستتر بها، فقال : أحيشوها عليّ فأحاشوها عليه، فلما جازت به نادوه : عليكَ فتناولها فعقرها، فسقطت فذلك قوله تعالى : فَنادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعاطَى فَعَقَرَ وأظهروا حينئذ أمرهم، وعقروا الناقة، وعتوا عن أمر ربهم، وقالوا : يا صالح ائتنا بما تعدنا وفزع ناس منهم إلى صالح وأخبروه أن الناقة قد عقرت، فقال : عليّ بالفصيل فطلبوا الفصيل فوجدوه على رابية من الأرض، فطلبوه، فارتفعت به حتى حلّقت به في السماء، فلم يقدرا عليه. ثم دعا الفصيل إلى الله، فأوحى الله إلى صالح أن مرهم فليتمتعوا في دارهم ثلاثة أيام، فقال لهم صالح : تَمَتّعُوا فِي دَاركُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ وآية ذلك أن تصبح وجوهكم أوّل يوم مصفرّة، والثاني محمرّة، واليوم الثالث مسودة، واليوم الرابع فيه العذاب. فلما رأوا العلامات تكفتوا وتحنطوا ولطّخوا أنفسهم بالمرّ، ولبسوا الأنطاع، وحفروا الأسراب، فدخلوا فيها ينتظرون الصيحة، حتى جاءهم العذاب فهلكوا فذلك قوله : فَدَمّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أجمَعِينَ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : لما أهلك الله عادا وتقضى أمرها، عمرت ثمود بعدها واستُخلفوا في الأرض، فنزلوا فيها وانتشروا. ثم عتوا على الله، فلما ظهر فسادهم وعبدوا غير الله، بعث إليهم صالحا وكانوا قوما عربا، وهو من أوسطهم نسبا وأفضلهم موضعا رسولاً. وكانت منازلهم الحِجر إلى قُرْح، وهو وادي القُرى، وبين ذلك ثمانية عشر ميلاً فيما بين الحجاز والشام. فبعث الله إليهم غلاما شابا، فدعاهم إلى الله، حتى شمط وكبر، لا يتبعه منهم إلا قليل مستضعفون فلما ألحّ عليهم صالح بالدعاء، وأكثر لهم التحذير، وخوّفهم من الله العذاب والنقمة، سألوه أن يريهم آية تكون مصداقا لما يقول فيما يدعوهم إليه، فقال لهم : أيّ آية تريدون ؟ قالوا : تخرج معنا إلى عيدنا هذا وكان لهم عيد يخرجون إليه بأصنامهم وما يعبدون من دون الله في يوم معلوم من السنة فتدعو إلهك وندعو آلهتنا، فإن استجيب لك اتبعناك، وإن استجيب لنا اتبعتنا. فقال لهم صالح : نعم. فخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم ذلك، وخرج صالح معهم إلى الله، فدعوا أوثانهم وسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء مما يدعو به، ثم قال له جندع بن عمرو بن حراش بن عمرو بن الدميل، وكان يومئذ سيد ثمود وعظيمهم : يا صالح أخرج لنا من هذه الصخرة لصخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها الكاثبة ناقةً مخترجة جوفاء وبراء والمخترجة : ما شاكلت البخت من الإبل. وقالت ثمود لصالح مثل ما قال جندع بن عمرو فإن فعلت آمنا بك وصدّقناك وشهدنا أن ما جئت به هو حقّ وأخذ عليهم صالح مواثيقهم : لئن فعلت وفعل الله لتُصدقنّي ولتؤمننّ بي ؟ قالوا : نعم، فأعطوه على ذلك عهودهم، فدعا صالح ربه بأن يخرجها لهم من تلك الهضبة كما وصفت.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، أنه حدث : أنهم نظروا إلى الهضبة حين دعا الله صالح بما دعا به تتمخض بالناقة تمخض النّتُوج بولدها، فتحركت الهضبة ثم أسقطت الناقة، فانصدعت عن ناقة كما وصفوا جوفاء وَبْراء نتوج، ما بين جنبيها لا يعلمه إلا الله عظما. فآمن به جندع بن عمرو ومن كان معه على أمره من رهطه، وأراد أشراف ثمود أن يؤمنوا به ويصدّقوا، فنهاهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن صمعر بن جلهس، وكانوا من أشراف ثمود، وردّوا أشرافها عن الإسلام، والدخول فيما دعاهم إليه صالح من الرحمة والنجاة. وكان لجندع ابن عم يقال له شهاب بن خليفة بن مخلاة بن لبيد بن جواس، فأراد أن يسلم فنهاه أولئك الرهط عن ذلك، فأطاعهم، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها، فقال رجل من ثمود يقال له مهوس بن عنمة بن الدميل، وكان مسلما :
وكانَتْ عُصْبَةٌ مِنْ آلِ عَمْروٍإلى دينِ النّبِيّ دَعَوْا شِهابا
عَزِيزَ ثَمودَ كُلّهمُ جَمِيعافَهَمّ بِأنْ يُجِيبَ وَلَوْ أجابا
لأَصْبَحَ صَالِحٌ فِينا عَزِيزاوَما عَدَلُوا بصَاحِبِهِمْ ذُؤَابا
وَلكنّ الغُوَاةَ مِنْ آلِ حِجْرٍتَوّلّوْا بَعْدَ رُشْدِهِمُ ذِئابا
فمكثت الناقة التي أخرجها الله لهم معها سقبها في أرض ثمود ترعى الشجر وتشرب الماء، فقال لهم صالح عليه السلام : هَذِهِ ناقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكلْ فِي أرْضِ اللّهِ وَلا تَمَسّوها بِسُوءٍ فَيأْخُذَكُمْ عَذابٌ ألِيمٌ وقال الله لصالح : إن الماء قسمة بينهم، كلّ شرب محتضر أي إن الماء نصفان : لهم يوم ولها يوم وهي محتضرة، فيومها لا تدع شربها وقال لها شِرْبٌ ولَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ. فكانت فيما بلغني والله أعلم إذا وردت وكانت ترد غِبّا وضعت رأسها في بئر في الحجر يقال لها بئر الناقة، فيزعمون أنها منها كانت تشرب، إذا وردت تضع رأسها فيها، فما ترفعه حتى تشرب كلّ قطرة ماء في الوادي، ثم ترفع رأسها فتفسح يعني تفحّج لهم، فيحتلبون ما شاءوا من لبن، فيشربون ويدّخرون حتى يملؤوا كلّ آنيتهم، ثم تصدر من غير الفجّ الذي منه وردت، لا تقدر على أن تصدر من حيث ترد لضيقه عنها، فلا ترجع منه حتى إذا كان الغد كان يومهم، فيشربون ما شاءوا من الماء، ويدّخرون ما شاءوا ليوم الناقة، فهم من ذلك في سعة. وكانت الناقة فيما يذكرون تصِيف إذا كان الحرّ بظهر الوادي، فتهرب منها المواشي أغنامهم وأبقارهم وإبلهم، فتهبط إلى بطن الوادي في حرّه وجدبه وذلك أن المواشي تنفر منها إذا رأتها، وتشتو في بطن الوادي إذا كان الشتاء، فتهرب مواشيهم إلى ظهر الوادي في البرد والجدب، فأضرّ ذلك بمواشيهم للبلاء والاختبار. وكانت مراتعها فيما يزعمون الجِناب وحِسمى، كل ذلك ترعى مع وادي الحجر. فكبر ذلك عليهم، فعتوا عن أمر ربهم، وأجمعوا في عقر

تفسير هذه الآية من كتب أخرى