اختُلف في المراد بالحق المعلوم على قولين: الأول: أنه الزَّكاة المفروضة. الثاني: أنه حقٌّ سوى الزَّكاة. ورجَّح ابنُ عطية (٨/٤٠٨) -مستندًا إلى أحوال النزول- القول الثاني الذي قاله ابن عمر، ومجاهد، والنَّخَعي، فقال: «هو الأصحُّ في هذه الآية؛ لأنّ السورة مكّيّة، وفرْض الزَّكاة وبيانها إنما كان بالمدينة»
انتقد ابنُ تيمية (٧/٢١٦) -مستندًا إلى أقوال السلف، والدلالة العقلية- مَن جعل الخطاب في السورة لمُعَيَّنين، قائلًا: «وهذا غلط، فإنّ قوله: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ خطاب لكلّ كافر، وكان يقرأ بها في المدينة بعد موت أولئك المُعُيّنين، ويأمر بها ويقول: هي براءة من الشرك، فلو كانت خطابًا لأولئك المُعَيّنين، أو لمن علم منهم أنه يموت كافرًا، لم يخاطب بها مَن لم يعلم ذلك منه. وأيضًا فأولئك المُعَيَّنون إن صحّ أنه إنما خاطبهم فلم يكن إذ ذاك علم أنهم يموتون على الكفر. والقول بأنه إنما خاطب بها مُعَيّنين قول لم يقله مَن يعتمد عليه، ولكن قد قال مقاتل بن سليمان: إنها نزلت في أبي جهل والمستهزئين، ولم يؤمن من الذين نزلت فيهم أحد. ونَقْلُ مقاتل وحده مما لا يُعتَمد عليه باتفاق أهل الحديث، كنقل الكلبي، ولهذا كان المُصنِّفون في التفسير من أهل النقل لا يذكرون عن واحد منهما شيئًا كمحمد بن جرير، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وأبي بكر بن المنذر فضلًا عن مثل أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وقد ذكر غيره هذا عن قريش مطلقًا». ثم ذكر الأثر الثاني في سبب نزول السورة الوارد عن ابن عباس، والأثر الذي يليه عن وهب بن منبه، ثم ذكر الحديث الوارد في الآثار المتعلقة بالسورة مِن رواية نَوْفَل بن معاوية الأشجعيّ في أنّ سورة الكافرون براءة من الشرك، ثم علَّق عليه بقوله: «فقد أمر رسول الله واحدًا مِن المسلمين أن يقرأها، وأخبره أنها براءة من الشّرك، فلو كان الخطاب لِمَن يموت على الشّرك كانت براءة من دين أولئك فقط، لم تكن براءة من الشّرك الذي يسلم صاحبه فيما بعد، ومعلوم أنّ المقصود منها أن تكون براءة من كلّ شركٍ اعتقادي وعملي»
رَجَّح ابنُ جرير (٥/٣٢٧) مستندًا إلى السياق قولَ محمد بن جعفر بن الزبير: بأنّ الله أمر النبي ﷺ أن يقول هذا القولَ لنصارى نَجْران، حيث إنّه لم يَجْرِ ذِكْرٌ لغيرهم في هذه السورة، فـ«ما قَبْلَ هذه الآية مِن مُبْتَدأ هذه السورة وما بعدها خبرٌ عنهم، واحتجاجٌ مِن الله لنبيِّه محمد ﷺ، ودليلٌ على بُطولِ قولهم في المسيح، فالواجبُ أن تكون هي أيضًا مصروفةَ المعنى إلى نحو ما قبلها، ومعنى ما بعدها». ثُمَّ انتَقَدَ (٥/٣٢٦) قولَ الحسن لعدم الخبر الدّالِّ على صِحَّته، فقال: «وأما ما روى الحسنُ في ذلك مِمّا قد ذكرناه؛ فلا خبر به عندنا يصحُّ، فيجوز أن يُقال: إنّ ذلك كذلك، وإن لم يكن في السورة دلالة على أنه كما قال». غير أنّه ذَكَرَ لقول الحسن وِجْهَةً يمكن أن يُحْمَل عليها، فقال: «إلا أن يكون الحسنُ أراد بالقوم الذين ذَكَر أنهم قالوا ذلك على عهد رسول الله ﷺ وفْدَ نَجْران مِن النصارى، فيكون ذلك مِن قوله نظيرَ إخبارنا». وزاد ابنُ عطية (٢/١٩٦) احتمالًا آخر، وهو: «أن تكون الآيةُ عامَّةً لأهل الكتاب اليهود والنصارى؛ لأنهم كانوا يدَّعون أنهم يحبُّون الله ويحبُّهم، ألا ترى أنّ جميعهم قالوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأَحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]»
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: قال المشركون: إن كان محمدٌ كما يزعم نبيًّا فَلِمَ يُعَذِّبه ربُّه، ألا ينزل عليه القرآن جملةً واحدةً؟ ينزل عليه الآية والآيتين والسورة! فأنزل الله على نبيِّه جوابَ ما قالوا: ﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة﴾ إلى: ﴿وأضل سبيلا﴾
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿لا تُلْهِكُمْ أمْوالُكُمْ ولا أوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى آخر السورة: هو الرجل المؤمن نَزل به الموت، وله مال كثير لم يزُكّه، ولم يحجّ منه، ولم يُعط منه حقّ الله؛ يسأل الرَّجعة عند الموت فيُزكي ماله، قال الله: ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾
عن ابن عباس -من طريق يزيد الفارسي- قال: قلتُ لعثمان بن عفان: ما حمَلكم أن عَمَدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المِئِين، فقَرَنتم بينَهما، ولم تَكْتُبوا سطرَ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، ووضَعتُمُوها في السَّبعِ الطُّوَلِ، ما حمَلكم على ذلك؟ فقال عثمانُ: كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمانُ وهو يَنزِلُ عليه السُّوَرُ ذواتُ العَدَد، فكان إذا نزَل عليه الشيءُ دعا بعضَ مَن كان يَكْتُبُ، فيقولُ: «ضَعُوا هؤلاء الآياتِ في السورة ِالتي يُذْكَرُ فيها كذا وكذا». وكانت الأنفال من أوائل ما نزَل بالمدينة، وكانت براءة مِن آخِر القرآن نزولًا، وكانت قصَّتُها شبيهةً بقصَّتِها، فظَنَنتُ أنها منها، فقُبِض رسول الله ﷺ ولم يُبَيِّن لنا أنها منها، فمِن أجلِ ذلك قَرَنتُ بينَهما، ولم أكْتُبْ بينَهما سطر: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، ووضَعتهُما في السَّبع الطَّوَل
عن سعيد بن جبير -من طريق عبد الله بن كثير- قال: كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ أن يقوم في المال ويعمل فيه، ولا يرث الصغير ولا المرأة شيئًا، فلما نزلت المواريث في سورة النساء شقَّ ذلك على الناس، وقالوا: أيرث الصغير الذي لا يقوم في المال، والمرأة التي هي كذلك، فيرثان كما يرث الرجل؟! فرجوا أن يأتي في ذلك حَدَث من السماء، فانتظروا، فلمّا رأوا أنه لا يأتي حدث قالوا: لئن تَمَّ هذا إنّه لواجب ما منه بُدٌّ. ثم قالوا: سلوا. فسألوا النبي ﷺ؛ فأنزل الله: ﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب﴾ في أول السورة ﴿في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن﴾. وكان الولي إذا كانت المرأة ذات جمال ومال رغب فيها، ونكحها، واستأثر بها، وإذا لم تكن ذات جمال ومال أنكَحها، ولم يَنكِحها
عن عبدِ الرحمنِ بنِ غَنمٍ: أنّ اليهودَ أتَوا النَّبيَّ ﷺ، فقالوا: إن كنتَ نبيًّا فالحَقْ بالشام؛ فإنّ الشامَ أرضُ المحشَرِ، وأرضُ الأنبياءِ. فصدَّق رسول الله ﷺ ما قالوا، فغزا غزوةَ تبوكَ لا يُريدُ إلا الشامَ، فلما بلَغ تبوكَ أنزَل الله عليه آيات من سورةِ بني إسرائيلَ بعدَ ما خُتِمت السورةُ: ﴿وإن كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرضِ﴾ الآية إلى قوله: ﴿تَحوِيلًا﴾، فأمَره بالرُّجوعِ إلى المدينةِ، وقال: فيها مَحْياك ومماتُك، ومنها تُبعَثُ. وقال له جبريلُ: سلْ ربَّك، فإن لكلِّ نبيٍّ مسألةً. فقال: «ما تأمرُني أن أسأل؟». قال: قل ﴿رَّبِ أدخِلْنِي مُدخَلَ صِدقٍ وأَخرِجنِي مُخرَجَ صِدقٍ واجعَل لِي مِن لَّدُنكَ سُلطانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء:٨٠]. فهؤلاء نزَلن عليه في رَجْعتِه مِن تبوكَ
عن أنس بن مالك، قال: أتتْ يهودُ خيبرَ إلى النبيِّ ﷺ، فقالوا: يا أبا القاسم، خَلَق اللهُ الملائكة مِن نور الحجاب، وآدم مِن حمأ مسنون، وإبليس مِن لهب النار، والسماء مِن دخان، والأرض مِن زبد الماء، فأخبِرنا عن ربّك. فلم يُجبهم النبيُّ ﷺ، فأتاه جبريل بهذه السورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ﴾ ليس له عروق تتشعّب، ﴿اللَّهُ الصَّمَد﴾ ليس بالأجوف لا يأكل ولا يشرب، ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ ليس له والد ولا ولد يُنسب إليه، ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ ليس من خَلْقه شيء يعدل مكانه، يُمسك السموات والأرض أن زالتا. هذه السورة ليس فيها ذِكر جنة ولا نار، ولا دنيا ولا آخرة، ولا حلال ولا حرام، انتسب الله إليها فهي له خالصة...
اختُلِف في المشار إليه بـ﴿ذلك﴾ على ثلاثة أقوال: أولها: أنّه متوجه إلى القتل؛ لأنه أقرب مذكور. وهذا قول عطاء. وثانيها: أنه متوجه إلى أكل المال بالباطل، وقتل النفس بغير حقٍّ؛ لأن النهي عنهما جاء متَّسقًا مسرودًا، ثم ورد الوعيد حسب النهي. وثالثها: أنه متوجه إلى كلِّ ما نهى عنه من القضايا من أول السورة، إلى قوله تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك﴾. وذَهَبَ ابنُ جرير (٦/٦٣٩) مستندًا إلى دلالة العقل، والسياق إلى أنّه متوجه إلى ما نهى عنه من آخر وعيد؛ وذلك قوله تعالى: ﴿لا َيحِلُّ لَكُمْ أن تَرِثُواْ النِّساءَ كَرْهًا﴾؛ لأنّ كل ما نهي عنه من أول السورة قُرِن به وعيد إلا من قوله: ﴿لا َيحِلُّ لَكُمْ أن تَرِثُواْ النِّساءَ كَرْهًا﴾، فإنّه والنواهي بعده لا وعيد معها إلا قوله: ﴿ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما﴾