جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّسَآءِ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ وَمَا يُتْلَىَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النّسَآءِ الّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنّ مَا كُتِبَ لَهُنّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَىَ بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ﴾ ويسألك يا محمد أصحابك أن تفتيهم في أمر النساء، والواجب لهنّ وعليهنّ. فاكتفى بذكر النساء من ذكر شأنهنّ، لدلالة ما ظهر من الكلام على المراد منه. ﴿قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ﴾ قل لهم يا محمد : الله يفتيكم فيهنّ، يعني في النساء. ﴿وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ فِي يَتامَى النّساءِ الّلاتِي لا تُؤْتُونَهُنّ ما كُتِبَ لَهُنّ﴾.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله :﴿وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ﴾ فقال بعضهم : يعني بقوله :﴿وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ قل الله يفتيكم فيهنّ، وفيما يتلى عليكم، قالوا : والذي يتلى عليهم هو آيات الفرائض، التي في أوّل هذه السورة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام بن سلم، عن عمرو بن أبي قيس، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ، قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ﴾ قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون المولود حتى يكبر، ولا يورثون المرأة¹ فلما كان الإسلام قال :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ، قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ﴾ في أوّل السورة في الفرائض اللاتي لا تؤتونهنّ ما كتب الله لهن.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة :﴿وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ في يَتامَى النّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنّ ما كُتِبَ لَهُنّ وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنّ﴾ قالت : هذا في اليتيمة تكون عند الرجل لعلهم أن تكون شريكته، في ماله، وهو أولى بها من غيره، فيرغب عنها أن ينكحها ويعضلها لمالها ولا ينكحها غيره كراهية أن يشركه أحد في مالها.
حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا : حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال : كانوا لا يورّثون في الجاهلية النساء والصبيّ حتى يحتلم، فأنزل الله :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ، قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ فِي يَتامَى النّساءِ﴾ في أوّل سورة النساء من الفرائض.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن أشعث، عن جعفر، عن شعبة، قال : كانوا في الجاهلية لا يورثون اليتيمة ولا ينكحونها ويعضلونها، فأنزل الله :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ، قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ﴾. . . إلى آخر الآية.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : أخبرني الحجاج، عن ابن جريج، قال : أخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع سعيد بن جبير يقول في قوله :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ، قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ في يَتامَى النّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنّ ما كُتِبَ لَهُنّ وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنّ﴾. . . الاَية، قال : كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ، لا يرث الرجل الصغير، ولا المرأة¹ فلما نزلت آية المواريث في سورة النساء، شقّ ذلك على الناس، وقالوا : يرث الصغير الذي لا يعمل في المال ولا يقوم فيه، والمرأة هي كذلك فيرثان كما يرث الرجل الذي يعمل في المال ! فرجوا أن يأتي في ذلك حدث من السماء، فانتظروا فلما رأوا أنه لا يأتي حدث، قالوا : لئن تمّ هذا إنه لواجب ما منه بدّ، ثم قالوا : سلوا ! فسألوا النبيّ ﷺ، فأنزل الله :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ، قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ﴾ في أوّل السورة :﴿في يَتامَى النّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنّ ما كُتِبَ لَهُنّ وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنّ﴾. قال سعيد بن جبير : وكان الولي إذا كانت المرأة ذات جمال ومال رغب فيها ونكحها واستأثر بها، وإذا لم تكن ذات جمال ومال أنكحها ولم يَنْكِحْها.
حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ، قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ في يَتامَى النّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنّ ما كُتِبَ لَهُنّ وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنّ﴾ قال : كانوا إذا كانت الجارية يتيمة دميمة لم يعطوها ميراثها وحبسوها عن التزويج حتى تموت، فيرثوها، فأنزل الله هذا.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم في قوله :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ، قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ﴾ قال : كان الرجل منهم تكون له اليتيمة بها الدمامة والأمر الذي يرغب عنها فيه ولها مال، قال : فلا يتزوّجها ولا يزوّجها حتى تموت فيرثها، قال : فنهاهم الله عن ذلك.
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السديّ، عن أبي مالك :﴿وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ في يَتامَى النّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنّ ما كُتِبَ لَهُنّ وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنّ﴾ قال : كانت المرأة إذا كانت عند وليّ يرغب عنها حبسها أن لم يتزوّجها ولم يدع أحدا يتزوّجها.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿في يَتامَى النّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنّ ما كُتِبَ لَهُنّ﴾ قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان شيئا، كانوا يقولون : لا يغزون ولا يغنمون خيرا، ففرض الله لهنّ الميراث حقا واجبا، ليتنافس أو لينفس الرجل في مال يتيمته إن لم تكن حسنة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.
حدثني محمد بن سعد، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ، قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ﴾ يعني الفرائض التي افترض في أمر النساء اللاتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهن، ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنّ﴾ قال : كانت اليتيمة تكون في حجر الرجل، فيرغب أن ينكحها، أو يجامعها ولا يعطيها مالها، رجاء أن تموت فيرثها، وإن مات لها حميم لم تعط من الميراث شيئا، وكان ذلك في الجاهلية، فبين الله لهم ذلك.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ، قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ﴾ حتى بلغ :﴿وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنّ﴾ فكان الرجل تكون في حجره اليتيمة بها دمامة ولها مال، فكان يرغب عنها أن يتزوّجها ويحبسها لمالها، فأنزل الله فيه ما تسمعون.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ، قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ﴾ قال : كانت اليتيمة تكون في حجر الرجل فيها دمامة، فيرغب عنها أن ينكحها، ولا يُنكحها رغبة في مالها.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قوله :﴿وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ في يَتامَى النّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنّ ما كُتِبَ لَهُنّ وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنّ﴾. . . إلى قوله :﴿بالقِسْطِ﴾ قال : كان جابر بن عبد الله الأنصاريّ ثم السلميّ له ابنة عمّ عمياء، وكانت دميمة، وكانت قد ورثت عن أبيها مالاً، فكان جابر يرغب عن نكاحها ولا ينكحها رهبة أن يذهب الزوج بمالها، فسأل النبيّ ﷺ عن ذلك. وكان ناس في حجورهم جوار أيضا مثل ذلك، فجعل جابر يسأل النبيّ ﷺ، أترث الجارية إذا كانت قبيحة عمياء ؟ فجعل النبيّ ﷺ يقول «نعم »، فأنزل الله فيهنّ هذا.
وقال آخرون : معنى ذلك : ويستفتونك في النساء، قل الله يفتيكم فيهنّ، وفيما يتلى عليكم في الكتاب في آخر سورة النساء، وذلك قوله :﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَة﴾. . . إلى آخر السورة. ذكر من قال ذلك :
حدثني الحارث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا سلام بن سليم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون الولدان حتى يحتلموا، فأنزل الله :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ﴾ إلى قوله :﴿فَأنّ اللّهَ كانَ بِهِ عَلِيما﴾ قال : ونزلت هذه الاَية :﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾. . . الاَية كلها.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : ويستفتونك في النساء، قل الله يفتيكم فيهنّ وفيما يتلى عليكم في الكتاب، يعني في أوّل هذه السورة، وذلك قوله :﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا فِي اليَتامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ﴾. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال : أخبرني عروة بن الزبير أنه سأل عائشة زوج النبيّ ﷺ، عن قول الله :﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا فِي اليْتَامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ﴾ قالت : يا ابن أختي هيْ اليتيمة تكون في حجر وليها، تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوّجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا لهنّ ويبلغوا بهنّ أعلى سنتهنّ من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنّ. قال عروة : قالت عائشة : ثم إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الاَية فيهنّ، فأنزل الله :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ، قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ في يَتامَى النّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنّ ما كُتِبَ لَهُنّ وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنّ﴾ قالت : والذي ذكر الله أنه يتلى في الكتابِ الاَية الأولى التي قال فيها :﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا فِي اليْتَامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ﴾.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني الليث، قال : ثني يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، مثله.
فعلى هذه الأقوال الثلاثة التي ذكرناها «ما » التي في قوله
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"ويستفتونك في النساء"، ويسألك، يا محمد، أصحابك أن تفتيهم في أمر النساء، والواجب لهن وعليهن= فاكتفى بذكر"النساء" من ذكر"شأنهن"، لدلالة ما ظهر من الكلام على المراد منه.
="قل الله يفتيكم فيهن"، قل لهم: يا محمد، الله يفتيكم فيهن، يعني: في النساء="وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن".
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"وما يتلى عليكم في الكتاب".
فقال بعضهم: يعني بقوله:"وما يتلى عليكم"، قل الله يفتيكم فيهن، وفيما يتلى عليكم. قالوا: والذي يتلى عليهم، هو آيات الفرائض التي في أول هذه السورة.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٥٣٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام بن سلم، عن عمرو بن أبي قيس، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب"، قال: كان أهل الجاهلية لا يورِّثون المولود حتى يكبر، ولا يورِّثون المرأة. فلما كان الإسلام، قال:"ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب" في أول
١٠٥٤٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة:"وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن"، قالت: هذا في اليتيمة تكون عند الرجل، لعلها أن تكون شريكتَه في ماله، وهو أولى بها من غيره، فيرغب عنها أن ينكحها ويعضُلها لمالها، ولا يُنكحها غيره كراهيةَ أن يشركه أحد في مالها. (٢)
١٠٥٤١- حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قال: كانوا لا يورِّثون في الجاهلية النساءَ والفتى حتى يحتلم، فأنزل الله:"ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء"، في أول"سورة النساء" من الفرائض. (٣)
١٠٥٤٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن أشعث، عن جعفر، عن شعبة قال: كانوا في الجاهلية لا يورِّثون اليتيمة، ولا ينكحونها ويَعْضلونها، فأنزل الله:"ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن" إلى آخر الآية.
١٠٥٤٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، أخبرني الحجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني عبد الله بن كثير: أنه سمع سعيد بن جبير يقول في قوله:"ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في
و"عطاء"، هو"عطاء بن السائب"، مضى مرارًا.
وسيأتي هذا الأثر من طريق أخرى رقم: ١٠٥٤١.
(٢) الأثر: ١٠٥٤٠ - حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، روي من وجوه. رواه البخاري (الفتح ٨: ١٧٩، ١٩٩)، ومضى مثله في التفسير رقم: ٨٤٥٧.
(٣) الأثر: ١٠٥٤١ - أخرجه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٠٨، مرفوعًا إلى ابن عباس بغير هذا اللفظ، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
وكان في المطبوعة: "النساء والصبي"، وأثبت ما في المخطوطة. وسيأتي في الأثر التالي: "الرجل الصغير"، وهو الفتى.
١٠٥٤٤- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم:"ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كُتب لهن وترغبون أن تنكحوهن"، قال: كانوا إذا كانت الجارية يتيمةً دميمةً لم يعطوها ميراثَها، وحبسوها عن التزويج حتى تموت، فيرثوها. فأنزل الله هذا.
١٠٥٤٥- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم في قوله:"ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن"، قال: كان الرجل منهم تكون له اليتيمة بها الدَّمامة والأمر الذي يرغب عنها فيه، ولها مال. قال: فلا يتزوَّجها ولا يزوِّجها، حتى تموت فيرثها. قال: فنهاهم الله عن ذلك.
١٠٥٤٦- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا عبد الله، عن إسرائيل،
١٠٥٤٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن"، قال: كان أهل الجاهلية لا يورِّثون النساء ولا الصبيان شيئًا، كانوا يقولون: لا يغزُون ولا يغنَمون خيرًا! ففرض الله لهن الميراث حقًّا واجبًا ليتنافس= أو: لِيَنْفس= الرجل في مال يتيمته إن لم تكن حسنة. (١)
١٠٥٤٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه.
١٠٥٤٩- حدثني محمد بن سعد قال، حدثنا أبي قال، حدثنا عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب"، يعني: الفرائض التي افترض في أمر النساء="اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن"، قال: كانت اليتيمة تكون في حِجْر الرجل فيرغبُ أن ينكحها أو يجامعها، (٢) ولا يعطيها مالها، رجاءَ أن تموت فيرثها. وإن ماتَ لها حَمِيمٌ لم تعط من الميراث شيئًا. (٣) وكان ذلك في الجاهلية، فبيَّن الله لهم ذلك.
وأما "لينفس الرجل في مال يتيمته" فهو من قولهم: "نفس بالشيء" إذا ضن به واستأثر، و"نفس فيه": رغب في الاستئثار به. ويقال: "هذا أمر منفوس فيه"، أي: مرغوب فيه.
(٢) قوله: "يرغب أن ينكحها"، هو على حذف"عن" أي: يرغب عن أن ينكحها."رغب عن الشيء"، تركه متعمدًا، وزهد فيه، وكرهه ولم يرده. وحذف حرف الجر، هنا جائز، لدلالة الكلام عليه.
(٣) "الحميم": القريب الداني القرابة.
١٠٥٥١- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن"، قال: كانت اليتيمة تكون في حجر الرجل فيها دمامة، فيرغب عنها أن ينكحها، ولا يُنكحها رغبةً في مالها.
١٠٥٥٢- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن"، إلى قوله:"بالقسط"، قال: كان جابر بن عبد الله الأنصاري ثم السُّلَمي له ابنة عَمّ عمياء، وكانت دميمة، وكانت قد ورثت عن أبيها مالا فكان جابرٌ يرغب عن نكاحها، ولا يُنكحها رهبة أن يذهب الزوج بمالها، فسأل النبي ﷺ عن ذلك= وكان ناس في حجورهم جوارٍ أيضًا مثل ذلك= فجعل جابر يسأل النبي صلى الله عليه وسلم: أترثُ الجارية إذا كانت قبيحة عمياء؟ فجعل النبي ﷺ يقول: نعم!! فأنزل الله فيهن هذا. (١)
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وفيما يتلى عليكم في الكتاب، في آخر"سورة النساء"، وذلك قوله: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) إلى آخر السورة [سورة النساء: ١٧٦].
١٠٥٥٣- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سلام بن سليم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قال: كان أهل الجاهلية لا يورِّثون الولدان حتى يحتلموا، فأنزل الله:"ويستفتونك في النساء"، إلى قوله"فإن الله كان به عليمًا". قال: ونزلت هذه الآية: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ)، [سورة النساء: ١٧٦]، الآية كلها. (١)
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وفيما يتلى عليكم في الكتاب= يعني: في أول هذه السورة، وذلك قوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) [سورة النساء: ٣]
*ذكر من قال ذلك:
١٠٥٥٤- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال، أخبرني عروة بن الزبير: أنه سأل عائشة زوج النبي ﷺ عن قول الله: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ)، قالت: يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حجر الرجل وَلِيِّها، (٢) تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليُّها أن يتزوجها بغير أن يُقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره. فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهنَّ، ويبلغوا بهن أعلى سُنَّتهن من الصداق. وأمروا
و"عبد العزيز"، هو"عبد العزيز بن أبان الأموي" مضى أيضًا رقم: ١٠٢٩٥، وما بعده. وكان في المخطوطة: "كان أهل الجاهلية الولدان" وفي هامشها (ط)، دلالة على الخطأ، وقد أحسن ناشر المطبوعة الأولى فيما زاد.
(٢) في المطبوعة: "في حجر وليها"، وأثبت ما في المخطوطة، وإن كانت (الرجل) غير موجودة في هذا الأثر حيث رواه أبو جعفر برقم: ٨٤٥٧.
١٠٥٥٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة مثله. (٢)
* * *
قال أبو جعفر: فعلى هذه الأقوال الثلاثة التي ذكرناها،"ما" التي في قوله:"وما يتلى عليكم"، في موضع خفض بمعنى العطف على"الهاء والنون" التي في قوله:"يفتيكم فيهن". فكأنهم وجَّهوا تأويل الآية: قل الله يفتيكم، أيها الناس، في النساء، وفيما يتلى عليكم في الكتاب. (٣)
* * *
وقال آخرون: نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ في قوم من أصحابه، سألوه عن أشياء من أمر النساء، وتركوا المسألة عن أشياء أخر كانوا يفعلونها، فأفتاهم الله فيما سألوا عنه، وفيما تركوا المسألة عنه.
ذكر من قال ذلك:
١٠٥٥٦- حدثنا محمد بن المثنى وسفيان بن وكيع= قال سفيان، حدثنا عبد الأعلى= وقال ابن المثنى، حدثني عبد الأعلى= قال، حدثنا داود، عن
(٢) الأثر: ١٠٥٥٥ - مضى برقم: ٨٤٥٩، إحالة على الأثر السالف.
(٣) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٩٠.
قال أبو جعفر: فعلى هذا القول:"الذي يتلى علينا في الكتاب"، الذي قال الله جل ثناؤه:"قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم":"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا"، الآية. والذي سأل القوم فأجيبوا عنه في يتامى النساء: اللاتي كانوا لا يؤتونهن ما كتب الله لهن من الميراث عمَّن ورثته عنه.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال التي ذكرنا عمن ذكرناها عنه بالصواب، وأشبهها بظاهر التنزيل، قول من قال: معنى قوله:"وما يتلى عليكم في الكتاب"، وما يتلى عليكم من آيات الفرائضِ في أول هذه السورة وآخرها.
* * *
فأما الذي ذكر عن محمد بن أبي موسى، (٤) فإنه مع خروجه من قول أهل التأويل، بعيدٌ مما يدل عليه ظاهر التنزيل. وذلك أنه زعم أن الذي عنى الله بقوله:"وما يتلى عليكم في الكتاب"، هو:"وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا". وإذا وجِّه الكلام إلى المعنى الذي تأوّله، صار الكلام مبتدأ من قوله:"في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن"، ترجمةً بذلك عن قوله:"فيهن"، (٥) ويصير معنى الكلام: قل الله يفتيكم فيهن، في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن= ولا دلالة
| "فما لم تنكح فلا صداق لها قبل أحد، وإذا لم يكن ذلك لها لم يكن لقول قائل | "، فتركت ما في المطبوعة على حاله. |
(٣) في المطبوعة والمخطوطة: "المحولة بينها"، والصواب ما أثبت، يعني: التي قد حيل بينهما وبين ما كتب الله لها.
(٤) يعني الأثر السالف رقم: ١٠٥٥٦.
(٥) "الترجمة"، البدل والبيان والتفسير.
* * *
وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: ويستفتونك في النساء، قل الله يفتيكم فيهن وفيما يتلى عليكم في كتاب الله الذي أنزله على نبيه في أمر يتامى النساء اللاتي لا تعطونهن ما كتب لهن= يعني: ما فرض الله لهن من الميراث عمن ورثنه، (١) كما:-
١٠٥٥٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"لا تؤتونهن ما كتب لهن"، قال: لا تورِّثونهن.
١٠٥٥٨- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم قوله:"لا تؤتونهن ما كتب لهن"، قال: من الميراث. قال: كانوا لا يورِّثون النساء="وترغبون أن تنكحوهن".
* * *
واختلف أهل التأويل في معنى قوله:"وترغبون أن تنكحوهن".
فقال بعضهم: معنى ذلك: وترغبون عن نكاحهن. وقد مضى ذكر جماعة ممن قال ذلك، وسنذكر قول آخرين لم نذكرهم.
١٠٥٥٩- حدثنا حميد بن مسعدة السَّامي قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا عبيد الله بن عون، عن الحسن:"وترغبون أن تنكحوهن"، قال: ترغبون عنهن. (٢)
(٢) الأثر: ١٠٥٥٩ -"حميد بن مسعدة السامي"، نسبه إلى"سامة بن لؤي" بالسين، مضى برقم: ١٩٦، ٥٨٤٢. وكان في المطبوعة بالشين"الشامي" وهو خطأ. وهذه النسبة ليست في المخطوطة.
و"عبد الله بن عون بن أرطبان" مضى برقم: ٤٠٠٣، ٧٧٧٦، وكان في المطبوعة: "عبيد الله"، والصواب من المخطوطة.
١٠٥٦١- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عروة قال: قالت عائشة في قول الله:"وترغبون أن تنكحوهن"، رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنُهوا أن ينكحوا من رَغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهنّ. (١)
١٠٥٦٢- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله= يعني ابن صالح= قال، حدثني الليث قال، حدثني يونس، عن ابن شهاب قال، قال عروة، قالت عائشة، فذكر مثله. (٢)
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: وترغبون في نكاحهن. وقد مضى ذكر جماعة ممن قال ذلك قبل، ونحن ذاكرو قول من لم نذكر منهم.
١٠٥٦٣- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا ابن عون، عن محمد، عن عبيدة:"وترغبون أن تنكحوهن"، قال: وترغبون فيهن.
(٢) الأثر: ١٠٥٦٢ - هو الأثر السالف: ٨٤٥٩، ثم نظيره رقم: ١٠٥٥٥.
١٠٥٦٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله:"في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن"، فكان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبَه، فإذا فعل بها ذلك لم يقدر أحد أن يتزوّجها أبدًا. فإن كانت جميلة وهَوِيها، تزوّجها وأكل مالها. وإن كانت دميمة منعها الرجل أبدًا حتى تموت، فإذا ماتت ورثها. فحرَّم الله ذلك ونهى عنه. (١)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين بتأويل الآية، قول من قال: معنى ذلك،"وترغبون عن أن تنكحوهن". لأن حبسهم أموالهن عنهن مع عضّلهم إياهن، إنما كان ليرثوا أموالهن، دون زوج إن تزوجن. ولو كان الذين حبسوا عنهن أموالهن، إنما حبسوها عنهن رغبة في نكاحهن، لم يكن للحبس عنهن وجهٌ معروف، لأنهم كانوا أولياءهن، ولم يكن يمنعهم من نكاحهن مانع، فيكون به حاجة إلى حبس مالها عنها، ليتّخذ حبسها عنها سببًا إلى إنكاحها نفسها منه.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن= وفيما يتلى عليكم في الكتاب= وفي المستضعفين من الولدان= وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط.
وقد ذكرنا الرواية بذلك عمن قاله من الصحابة والتابعين فيما مضى، والذين
١٠٥٦٦- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"والمستضعفين من الولدان"، كانوا لا يورّثون جارية ولا غلامًا صغيرًا، فأمرهم الله أن يقوموا لليتامى بالقسط. و"القسط": أن يعطى كل ذي حق منهم حقه، ذكرًا كان أو أنثى، الصغير منهم بمنزلة الكبير.
١٠٥٦٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن"، قال: لا تورّثوهن مالا="وأن تقوموا لليتامى بالقسط"، قال: فدخل النساء والصغير والكبير في المواريث، ونسخت المواريث ذلك الأول.
١٠٥٦٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وأن تقوموا لليتامى بالقسط"، أمروا لليتامى بالقسط، بالعدل.
١٠٥٦٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
١٠٥٧٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك:"والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط"، قال: كانوا لا يورثون إلا الأكبر فالأكبر.
١٠٥٧١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"والمستضعفين من الولدان"، فكانوا في الجاهلية
١٠٥٧٢- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال:"والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط"، وذلك أنهم كانوا لا يورثون الصغير والضعيف شيئًا، فأمر الله أن يعطَى نصيبه من الميراث.
١٠٥٧٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم: أن عمر بن الخطاب كان إذا جاءه وليُّ اليتيمة، فإن كانت حسنة غنية قال له عمر: زوِّجها غيرك، والتمس لها من هو خير منك. وإذا كانت بها دمامة ولا مال لها، قال: تزوجها فأنت أحق بها!
١٠٥٧٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا يونس بن عبيد، عن الحسين بن الفرج قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: يا أمير المؤمنين، ما أمري وما أمرُ يتيمتي؟ قال: في أيّ بالكما؟ (١) قال: ثم قال علي: أمتزوّجها أنت غنيةً جميلةً؟ قال: نعم، والإله! قال: فتزوّجها دميمة لا مال لها! ثم قال علي: خِرْ لها (٢) فإن كان غيرك خيرًا لها فألحقها بالخير. (٣)
(٢) في المطبوعة: "ثم قال علي: تزوجها إن كنت خيرًا لها"، لم يفهم ما في المخطوطة فغيره وبدله، وبئس ما فعل! وقوله: "خر لها" من قولهم: "خار له"، أي اختار له خير الأمرين، ومنه قولهم: "خار الله لك"، أي: أعطاك ما هو خير لك.
(٣) الأثر: ١٠٥٧٤ -"يونس بن عبيد بن دينار العبدي"، مضى برقم: ٢٦١٦، ٤٩٣١، ٨٠٤٧.
أما "الحسين بن الفرج" فلم أجد في طبقته من الرواة من يقال له: "الحسين بن الفرج"، وكان في المطبوعة مكانه"الحسن"، يعني الحسن البصري. وأظنه تصرفًا من ناسخ أو ناشر. ونعم، يروي يونس بن عبيد عن الحسن البصري، ولكن أرجح ذلك عندي أن في اسمه تصحيفًا، وأخشى أن يكون هو:
"الحصين بن أبي الحر"، وهو"الحصين بن مالك بن الخشخاش العنبري"، روى عنه يونس بن عبيد. مترجم في التهذيب. ونرجو أن يأتي في التفسير ما يدل على الصواب من ذلك.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ومهما يكن منكم، (١) أيها المؤمنون، من عدل في أموال اليتامى، التي أمركم الله أن تقوموا فيهم بالقسط، والانتهاء إلى أمر الله في ذلك وفي غيره وإلى طاعته=" فإن الله كان به عليمًا"، لم يزل عالمًا بما هو كائن منكم، وهو محصٍ ذلك كله عليكم، حافظ له، حتى يجازيكم به جزاءكم يوم القيامة. (٢)
* * *
(٢) انظر تفسير"كان" و"عليم" فيما سلف في فهارس اللغة.