جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّسَآءِ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ وَمَا يُتْلَىَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النّسَآءِ الّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنّ مَا كُتِبَ لَهُنّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَىَ بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ﴾ ويسألك يا محمد أصحابك أن تفتيهم في أمر النساء، والواجب لهنّ وعليهنّ. فاكتفى بذكر النساء من ذكر شأنهنّ، لدلالة ما ظهر من الكلام على المراد منه. ﴿قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ﴾ قل لهم يا محمد : الله يفتيكم فيهنّ، يعني في النساء. ﴿وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ فِي يَتامَى النّساءِ الّلاتِي لا تُؤْتُونَهُنّ ما كُتِبَ لَهُنّ﴾.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله :﴿وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ﴾ فقال بعضهم : يعني بقوله :﴿وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ قل الله يفتيكم فيهنّ، وفيما يتلى عليكم، قالوا : والذي يتلى عليهم هو آيات الفرائض، التي في أوّل هذه السورة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام بن سلم، عن عمرو بن أبي قيس، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ، قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ﴾ قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون المولود حتى يكبر، ولا يورثون المرأة¹ فلما كان الإسلام قال :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ، قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ﴾ في أوّل السورة في الفرائض اللاتي لا تؤتونهنّ ما كتب الله لهن.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة :﴿وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ في يَتامَى النّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنّ ما كُتِبَ لَهُنّ وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنّ﴾ قالت : هذا في اليتيمة تكون عند الرجل لعلهم أن تكون شريكته، في ماله، وهو أولى بها من غيره، فيرغب عنها أن ينكحها ويعضلها لمالها ولا ينكحها غيره كراهية أن يشركه أحد في مالها.
حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا : حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال : كانوا لا يورّثون في الجاهلية النساء والصبيّ حتى يحتلم، فأنزل الله :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ، قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ فِي يَتامَى النّساءِ﴾ في أوّل سورة النساء من الفرائض.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن أشعث، عن جعفر، عن شعبة، قال : كانوا في الجاهلية لا يورثون اليتيمة ولا ينكحونها ويعضلونها، فأنزل الله :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ، قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ﴾. . . إلى آخر الآية.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : أخبرني الحجاج، عن ابن جريج، قال : أخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع سعيد بن جبير يقول في قوله :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ، قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ في يَتامَى النّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنّ ما كُتِبَ لَهُنّ وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنّ﴾. . . الاَية، قال : كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ، لا يرث الرجل الصغير، ولا المرأة¹ فلما نزلت آية المواريث في سورة النساء، شقّ ذلك على الناس، وقالوا : يرث الصغير الذي لا يعمل في المال ولا يقوم فيه، والمرأة هي كذلك فيرثان كما يرث الرجل الذي يعمل في المال ! فرجوا أن يأتي في ذلك حدث من السماء، فانتظروا فلما رأوا أنه لا يأتي حدث، قالوا : لئن تمّ هذا إنه لواجب ما منه بدّ، ثم قالوا : سلوا ! فسألوا النبيّ ﷺ، فأنزل الله :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ، قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ﴾ في أوّل السورة :﴿في يَتامَى النّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنّ ما كُتِبَ لَهُنّ وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنّ﴾. قال سعيد بن جبير : وكان الولي إذا كانت المرأة ذات جمال ومال رغب فيها ونكحها واستأثر بها، وإذا لم تكن ذات جمال ومال أنكحها ولم يَنْكِحْها.
حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ، قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ في يَتامَى النّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنّ ما كُتِبَ لَهُنّ وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنّ﴾ قال : كانوا إذا كانت الجارية يتيمة دميمة لم يعطوها ميراثها وحبسوها عن التزويج حتى تموت، فيرثوها، فأنزل الله هذا.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم في قوله :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ، قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ﴾ قال : كان الرجل منهم تكون له اليتيمة بها الدمامة والأمر الذي يرغب عنها فيه ولها مال، قال : فلا يتزوّجها ولا يزوّجها حتى تموت فيرثها، قال : فنهاهم الله عن ذلك.
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السديّ، عن أبي مالك :﴿وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ في يَتامَى النّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنّ ما كُتِبَ لَهُنّ وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنّ﴾ قال : كانت المرأة إذا كانت عند وليّ يرغب عنها حبسها أن لم يتزوّجها ولم يدع أحدا يتزوّجها.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿في يَتامَى النّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنّ ما كُتِبَ لَهُنّ﴾ قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان شيئا، كانوا يقولون : لا يغزون ولا يغنمون خيرا، ففرض الله لهنّ الميراث حقا واجبا، ليتنافس أو لينفس الرجل في مال يتيمته إن لم تكن حسنة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.
حدثني محمد بن سعد، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ، قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ﴾ يعني الفرائض التي افترض في أمر النساء اللاتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهن، ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنّ﴾ قال : كانت اليتيمة تكون في حجر الرجل، فيرغب أن ينكحها، أو يجامعها ولا يعطيها مالها، رجاء أن تموت فيرثها، وإن مات لها حميم لم تعط من الميراث شيئا، وكان ذلك في الجاهلية، فبين الله لهم ذلك.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ، قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ﴾ حتى بلغ :﴿وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنّ﴾ فكان الرجل تكون في حجره اليتيمة بها دمامة ولها مال، فكان يرغب عنها أن يتزوّجها ويحبسها لمالها، فأنزل الله فيه ما تسمعون.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ، قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ﴾ قال : كانت اليتيمة تكون في حجر الرجل فيها دمامة، فيرغب عنها أن ينكحها، ولا يُنكحها رغبة في مالها.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قوله :﴿وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ في يَتامَى النّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنّ ما كُتِبَ لَهُنّ وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنّ﴾. . . إلى قوله :﴿بالقِسْطِ﴾ قال : كان جابر بن عبد الله الأنصاريّ ثم السلميّ له ابنة عمّ عمياء، وكانت دميمة، وكانت قد ورثت عن أبيها مالاً، فكان جابر يرغب عن نكاحها ولا ينكحها رهبة أن يذهب الزوج بمالها، فسأل النبيّ ﷺ عن ذلك. وكان ناس في حجورهم جوار أيضا مثل ذلك، فجعل جابر يسأل النبيّ ﷺ، أترث الجارية إذا كانت قبيحة عمياء ؟ فجعل النبيّ ﷺ يقول «نعم »، فأنزل الله فيهنّ هذا.
وقال آخرون : معنى ذلك : ويستفتونك في النساء، قل الله يفتيكم فيهنّ، وفيما يتلى عليكم في الكتاب في آخر سورة النساء، وذلك قوله :﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَة﴾. . . إلى آخر السورة. ذكر من قال ذلك :
حدثني الحارث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا سلام بن سليم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون الولدان حتى يحتلموا، فأنزل الله :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ﴾ إلى قوله :﴿فَأنّ اللّهَ كانَ بِهِ عَلِيما﴾ قال : ونزلت هذه الاَية :﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾. . . الاَية كلها.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : ويستفتونك في النساء، قل الله يفتيكم فيهنّ وفيما يتلى عليكم في الكتاب، يعني في أوّل هذه السورة، وذلك قوله :﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا فِي اليَتامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ﴾. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال : أخبرني عروة بن الزبير أنه سأل عائشة زوج النبيّ ﷺ، عن قول الله :﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا فِي اليْتَامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ﴾ قالت : يا ابن أختي هيْ اليتيمة تكون في حجر وليها، تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوّجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا لهنّ ويبلغوا بهنّ أعلى سنتهنّ من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنّ. قال عروة : قالت عائشة : ثم إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الاَية فيهنّ، فأنزل الله :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّساءِ، قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ وَما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ في يَتامَى النّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنّ ما كُتِبَ لَهُنّ وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنّ﴾ قالت : والذي ذكر الله أنه يتلى في الكتابِ الاَية الأولى التي قال فيها :﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا فِي اليْتَامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ﴾.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني الليث، قال : ثني يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، مثله.
فعلى هذه الأقوال الثلاثة التي ذكرناها «ما » التي في قوله