جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشّحّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتّقُواْ فَإِنّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾. .
يعني بذلك جلّ ثناؤه :﴿وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها﴾ يقول : علمت من زوجها ﴿نُشُوزا﴾ يعني استعلاء بنفسه عنها إلى غيرها، أَثَرَة عليها، وارتفاعا بها عنها، إما لبغضة، وإما لكراهة منه بعض أشياء بها، إما دمامتها، وإما سنها وكِبَرها، أو غير ذلك من أمورها. ﴿أوْ إعْرَاضا﴾ يعني : انصرافا عنها بوجهه أو ببعض منافعه، التي كانت لها منه ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحا﴾ يقول فلا حرج عليهما، يعني : على المرأة الخائفة نشوز بعلها أو إعراضَه عنها، أن يصلحا بينهما صلحا، وهو أن تترك له يومها، أو تضع عنه بعض الواجب لها من حقّ عليه، تستعطفه بذلك، وتستديم المُقام في حباله، والتمسك بالعقد الذي بينها وبينه من النكاح، يقول :﴿والصّلْحُ خَيْرٌ﴾ يعني : والصلح بترك بعض الحقّ استدامة للحرمة، وتماسكا بعقد النكاح، خير من طلب الفرقة والطلاق.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا هنّاد بن السريّ، قال : حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عُرْعُرة : أن رجلاً أتى عليا رضي الله عنه يستفتيه في امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا، فقال : قد تكون المرأة عند الرجل، فتنبو عيناه عنها من دمامتها أو كبرها أو سوء خلقها أو فقرها، فتكره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئا حلّ له، وإن جعلت له من أيامها شيئا فلا حرج.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن خالد، عن عُرْعرة، قال : سئل عليّ رضي الله عنه :﴿وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاضا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحا﴾ قال : المرأة الكبيرة أو الدميمة أو لا يحبها زوجها فيصطلحان.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا أبو داود، قال : حدثنا شعبة وحماد بن سلمة وأبو الأحوص، كلهم عن سماك بن حرب، عن خالد بن عُرْعرة، عن عليّ رضي الله عنه بنحوه.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي عن إسرائيل، عن سماك، عن خالد بن عرعرة : أن رجلاً سأل عليّا رضي الله عنه عن قوله :﴿فَلاَ جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحا﴾ قال : تكون المرأة عند الرجل دميمة فتنبو عينه من دمامتها أو كبرها، فإن جعلت له من أيامها أو مالها شيئا فليس عليه جناح.
حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا : حدثنا جرير، عن أشعث، عن ابن سيرين، قال : جاء رجل إلى عمر، فسأله عن آية، فكره ذلك وضربه بالدرّة، فسأله آخر عن هذه الآية :﴿وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاضا﴾ فقال : عن مثل هذا فسلوا ! ثم قال : هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سِنّها، فيتزوّج المرأة الشابة يلتمس ولدها، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز.
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا عمران بن عيينة، قال : حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله :﴿وإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاضا﴾ قال : هي المرأة تكون عند الرجل حتى تكبر، فيريد أن يتزوّج عليها، فيتصالحا بينهما صلحا، عن أن لها يوما ولهذه يومان أو ثلاثة.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عمران، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس بنحوه، إلا أنه قال : حتى تلد أو تكبر، وقال أيضا : فلا جناح عليهما أن يصالحا على ليلة، والأخرى ليلتين.
حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا : حدثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، قال : هي المرأة تكون عند الرجل قد طالت صحبتها وكبرت، فيريد أن يستبدل بها فتكره أن تفارقه، فيتزوّج عليها، فيصالحا على أن يجعل لها أياما، وللأخرى الأيام والشهر.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عمرو بن أبي قيس، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس :﴿وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلها نُشُوزا أوْ إعْرَاضا﴾ قال : هي المرأة تكون عند الرجل، فيريد أن يفارقها، فتكره أن يفارقها، ويريد أن يتزوّج، فيقول : إني لا أستطيع أن أقسم لكِ بمثل ما أقسم لها، فتصالحه على أن يكون لها في الأيام يوم، فيتراضيان على ذلك، فيكونان على ما اصطلحا عليه.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة :﴿وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاضا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحا وَالصّلْحُ خَيْرٌ﴾ قالت هذا في المرأة تكون عند الرجل، فلعله لا يكون يستكثر منها، ولا يكون لها ولد ولها صحبة، فتقول : لا تطلقني وأنت في حلّ من شأني.
حدثني المثنى، قال : حدثنا حجاج بن المنهال، قال : حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة في قوله :﴿وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاضا﴾ قال : هذا الرجل يكون له امرأتان : إحداهما قد عجزت، أو هي دميمة لا يستكثر منها، فتقول : لا تطلقني وأنت في حلّ من شأني.
حدثني المثنى، قال : حدثنا حبان بن موسى، أخبرنا ابن المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، بنحوه، غير أنه قال : فتقول : أجعلك من شأني في حلّ، فنزلت هذه الاَية في ذلك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله :﴿وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْراضا﴾ فتلك المرأة تكون عند الرجل لا يرى منها كثير ما يحبّ، وله امرأة غيرها أحبّ إليه منها، فيؤثرها عليها، فأمره الله إذا كان ذلك أن يقول لها : يا هذه إن شئت أن تقيمي على ما ترين من الأثرة فأواسيك وأنفق عليك فأقيمي، وإن كرهت خليت سبيلك. فإن هي رضيت أن تقيم بعد أن يخيرها فلا جناح عليه، وهو قوله :﴿والصّلْحُ خَيْرٌ﴾ وهو التخيير.
حدثنا الربيع بن سليمان وبحر بن نصر، قالا : حدثنا ابن وهب، قال : ثني ابن أبي الزناد، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت : أنزل الله هذه الاَية في المرأة إذا دخلت في السنّ، فتجعل يومها لامرأة أخرى، قالت : ففي ذلك أنزلت :﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلْحِا بَيْنَهُما صُلْحا﴾.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال : سألته عن قول الله :﴿وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاضا﴾ قال : هي المرأة تكون مع زوجها، فيريد أن يتزوّج عليها فتصالحه من يومها على صلح. قال : فهما على ما اصطلحا عليه، فإن انتقضت به فعليه أن يعدل عليها أو يفارقها.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم أنه كان يقول ذلك.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا حجاج، عن مجاهد أنه كان يقول ذلك.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة في قوله :﴿وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاضا﴾. . . إلى آخر الاَية، قال : يصالحها على ما رضيت دون حقها، فله ذلك ما رضيت، فإذا أنكرت أو قالت : غرت، فلها أن يعدل عليها أو يرضيها أو يطلقها.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن محمد، قال : سألت عبيدة عن قول الله :﴿وإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاضا﴾ قال : هو الرجل تكون له امرأة قد خلا من سِنها، فتصالحه عن حقها على شيء، فهو له ما رضيت، فإذا كرهت، فلها أن يعدل عليها أو يرضيها من حقها، أو يطلقها.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن هشام، عن ابن سيرين، قال : سألت عبيدة عن قوله :﴿وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا﴾ فذكر نحو ذلك، إلا أنه قال : فإن سخطت فله أن يرضيها، أو يوفيها حقها كله، أو يطلقها.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، قال : قال إبراهيم : إذا شاءت كانت على حقها، وإن شاءت أبت، فردّت الصلح فذاك بيدها، فإن شاء طلقها، وإن شاء أمسكها على حقها.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم :﴿وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاضا فَلا جُناحَ عَلْيِهما﴾ قال : قال عليّ : تكون المرأة عند الرجل الزمان الكثير، فتخاف أن يطلقها، فتصالحه على صلح ما شاء وشاءت، يبيت عندها في كذا وكذا ليلة، وعند أخرى ما تراضيا عليه، وأن تكون نفقتها دون ما كانت¹ وما صالحته عليه من شيء فهو جائز.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يحيى بن عبد الملك، عن أبيه، عن الحكم :﴿وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاضا﴾ قال : هي المرأة تكون عند الرجل، فيريد أن يخلي سبيلها، فإذا خافت ذلك منه فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا، تدع من أيامها إذا تزوّج.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله :﴿وَإن امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاضا﴾. . . إلى قوله :﴿وَالصّلْحُ خَيْرٌ﴾ هو الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة، فينكح عليها المرأة الشابة، فيكره أن يفارق أم ولده، فيصالحها على عطية من ماله ونفسه، فيطيب له ذلك الصلح.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ منْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاضا﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿فإنّ اللّهَ كانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبيرا﴾ وهذا في الرجل تكون عنده المرأة قد خلا من سِنها وهان عليه بعض أمرها، فيقول : إن كنتِ راضية من نفسي ومالي بدون ما كنت ترضين به قبل اليوم، فإن اصطلحا من ذلك على أمر الله فقد أحلّ لهما ذلك، وإن أبت فإنه لا يصلح له أنْ يحبسها على الخَسْف.
حُدثت عن الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار : أن رافع بن خديج كان تحته امرأة قد خلا من سنّها، فتزوّج عليها شابة، فآثر الشابة عليها، فأبت امرأته الأولى أن تقيم على ذلك، فطلقها تطليقة، حتى إذا بقي من أجلها يسير، قال : إن شئت راجعتك وصبرت على الأثرة، وإن شئت تركتك حتى يخلو أجلك. قالت : بل راجعني وأصبر على الأثرة ! فراجعها. ثم آثر عليها فلم تصبر على الأثرة فطلقها أخرى، وآثر عليها الشابة. قال : فذلك الصلح الذي بلغنا أن الله أنزل فيه :﴿وَإنِ امْرأةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزا أوْ إعْرَاضا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلحا بَيْنَهُما صُلْحا﴾. قال الحسن : قال عبد الرزاق : قال معمر : وأخبرني أيوب عن ابن سيرين، عن عبيدة بمثل حديث الزهري، وزا