كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني

عن الكتاب
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَآءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَآءِ الَّاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَتْ فِي أُمِّ كجَّةِ امْرَأةِ أوْسِ بْنِ ثَابتٍ وَبَنَاتِهَا مِنْهُ ؛ لَمَّا أمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بتَوْرِيثِهِنَّ مِنْ أوْسٍ، أقْبَلَ عُيَيْنَةُ بْنُ حُصَيْنٍ الْفَزَّاريُّ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إنَّكَ قَدْ وَرَّثْتَ النِّسَاءَ وَالْبَنَاتَ وَالصِّغَارَ ؛ وَلَمْ نَكُنْ نَحْنُ نوَرِّثُ إلاَّ مَنْ قَاتَلَ عَلَى ظُهُورِ الْخَيْلِ وَحَازَ الْغَنِيْمَةَ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ).
ويقالُ : إنَّها نزلَت بعدَ نزولِ قولهِ تعالى :﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾[النساء: ١١] إلى قولهِ﴿عَلِيماً حَكِيماً﴾[النساء: ١١] قَبْلَ نزولِ فَرْضِ الزَّوجاتِ، فجاؤوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ يَسْتَفْتُونَهُ في ميراثِ أُمِّ كجة امْرَأةِ الْمُتَوَفَّى، فأنزلَ اللهًُ هذه الآيةَ ووعدَهم أن يُفْتِيْهِمْ في ميراثِ الزوجاتِ ؛ فأتَاهُمْ في ذلكَ بقولهِ تعالى :﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾[النساء: ١٢] إلى آخرِ الآيةِ.
ومعنى الآية : يَسْتَفْتُونَكَ يا مُحَمَّدُ في أمرِ النِّسَاءِ وما يجبُ لَهنَّ من الميراثِ ؛ قُلِ اللهُ يُبَيِّنُ لكم ميراثَهُن، والذي يَقْرَأُ عليكُم في كتاب الله في أوَّلِ هذه السُّورةِ، يُفْتِيْكُمْ ويُبَيِّنُ لكم ما سَأَلْتُم } عنه في بناتِ أمِّ كجة اللاَّتِي لا تُعْطُوهُنَّ مَا فُرِضَ لَهُنَّ من الميراثِ وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾[النساء: ١١].
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ ؛ أي ترغبون عَنْ نِكَاحِهِنَّ لِدَمَامَتِهِنَّ فلا تعطوهُنَّ نصيبَهن من الميراثِ لِمَنْ يَرْغَبُ فيهنَّ غيرُكم ؛ وذلكَ أنَّ بَنِي أعْمَامِ تَلْكَ الْبَنَاتِ كَانُوا أوْلِيَاءَهُنَّ ؛ وَكَانُواْ لاَ يُعْطُونَهُنَ حَظَّهُنَ مِنَ الْمِيْرَاثِ، وَيَرْغَبُونَ أنْ يَتَزَوَّجُوهُنَّ، وَهذا قول ابنِ عبَّاس وابنِ جُيبر وقتادةَ ومجاهدٍ. وعن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا والحسنِ :(أنَّ مَعْنَاهُ : وَتَرْغَبُونَ فِي أنْ تَتَزَوَّجُونَهُنَّ لِجَمَالِهِنَّ وَلاَ تُعْطُوا لِهُمْ مَا أوْجَبَ اللهُ لَهُنَّ مِنَ الصَّداقِ). وفي كِلاَ القولين دليلٌ على جوازِ نِكَاحِ الأولياءِ لليتامَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ ؛ أي وفي (الْمُسْتَضْعَفِيْنَ مِنَ الْوِلْدَانِ) أي في مِيْرَاثِ اليتامَى. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ ؛ أي وَفِي (أنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بالْقِسْطِ) في أموالِهم وحقوقهِم بالعدلِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً﴾ ؛ أي مَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ في أمرِ اليَتَامَى والضِّعَافِ ؛ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً﴾ يَجْزِيْكُمْ على ذلكَ.
واختلفَ أهلُ النَّحوِ في موضعِ ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ فذهبَ أكثرُهم إلى أنهُ مَوْضِعُ رَفْعٍ ؛ تقديرهُ : وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب يُفْتِيْكُمْ. وقال بعضُهم : هو في موضعِ خَفْضٍ تقديرهُ : وَفي مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ، إلاَّ أن هذا الوجهَ أضعفُ من الأوَّل ؛ لأنه لا يصحُّ عطفُ الظاهرِ على المضمرِ بحرفِ الجرِّ من دونِ إعادة حرفِ الجرِّ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى