اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [ الآية ](١)، [ إلى قوله تعالى :﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً﴾(٢)
أي : يستَخْبِرُونك في النِّسَاء.
قال الواحدي - رحمه الله(٣) - : الاستِفْتَاء : طَلَب الفَتْوَى، يقال : اسْتَفْتَيْتُ الرَّجل في المَسْألة ؛ فأفْتَاني إفتاءاً وفُتْياً وفَتْوًى، [ وهما ](٤) اسمْان وُضِعَا موضع الإفْتَاء، ويُقَال : أفْتَيْت فُلاناً في رؤيا رآهَا إذا عَبَّرها، قال - تعالى - :﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٦]، ومعنى : أفتنا(٥) : إظْهار المُشْكِل، وأصْلُه : من الفَتَى : وهو الشَّابُّ(٦) القَوِي، فالمعنى : كأنَّه يَقْوى بِفتيانِهِ، والمُشْكِل إذا زَالَ إشْكَالُه بِبيَانِهِ مَا أشْكِل، يصيرُ قويّاً فَتِيًّا.
واعلم : أنَّ عَادَة اللَّه فِي ترتيب هذا الكِتَابِ الكَرِيمِ، أنْ يَذكُر الأحْكَام، ثَمَّ يذْكُرُ عَقِيبه(٧) آياتِ الوَعدِ والوَعِيدِ، والتَّرغِيب والتَّرهيب، ويخلط بها آياتٍ دَالةً على كِبْرِياء اللَّه - تعالى - وجلالِ قُدْرَتِه، ثم يَعُود إلى بَيَان الأحْكَام، وهذا أحْسَن أنواع التَّرْتِيب، وأقوى تَأثِيراً في القُلُوب ؛ لأن التَّكْلِيف بالأعْمَال الشَّاقَّةِ لا يقع مَوْقِعِ القُبُول، إلا إذا اقْتَرن(٨) بالوَعْد والوَعِيد، وذلك لا يُؤثِّر إلا عند القَطْع بِغَايَةِ كَمَال من صَدَر عنه الوَعْد والوَعِيد.
قوله [ تعالى ](٩) :﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ الآية اعلم : أن الاستِفْتَاء لا يقع عن ذَوات النِّساء، وإنَّما يقع عن حَالةٍ من أحْوَالِهِنّ، وصفة من صِفاتِهِن، وتلك الحَالَة غير مَذْكُورة في الآية، فكانت مُجْمَلة غير دَالَّة على الأمْر الذي(١٠) وقع عَنْه الاستِفْتَاءِ.

فصل في سبب نزول الآية


قال القُرْطُبِي(١١) : هذه الآية نَزَلَت بسبب قَوْم من الصَّحَابة، سألوا عن أمر النِّسَاء وأحْكَامِهِن في المِيرَاث(١٢) وغير ذَلِك، فأمَر اللَّه نبيَّه - عليه الصلاة والسلام - أن يَقُول لَهُم :﴿اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ أي : يبيِّن لكم حُكْم ما سَألْتُم عَنْه، وهذه الآيَة رُجوعٌ إلى ما افْتُتِحَتْ به السُّورة من أمْر النِّسَاءِ، وكانَ قد بَقِيتْ لهم أحْكَام لم يَعْرِفُوها، فسألوا ؛ فقيل لهُم :[ إن ](١٣) الله يُفْتيكُم فيهنَّ.
[ وروي عن مَالِكٍ قَالَ : كان رسُول الله ﷺ يسأل فلا يُجيبُ حتى ينزل عليه الوحي، وذلك في كِتَاب الله :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ ](١٤)
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ [طه: ١٠٥] و﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٤].
" وما يُتْلى " : فيه سَبْعَة أوْجه، وذلك أن مَوْضع " ما " يحتمل أن يكُون رفعاً، أو نصباً، أو جراً، فالرَّفعُ من ثَلاَثة أوْجُه :
أحدها : أن يكون مرفوعاً، عَطْفاً على الضَّمِير المستكِنِّ في " يُفتيكم " العائد على الله - تعالى -، وجاز ذلك للفَصْل بالمَفْعُول والجَارِّ والمَجْرُور، مع أن الفَصْلَ بأحدهما كافٍ.
والثَّانِي : أنه مَعْطُوفٌ على لَفْظِ الجلالة فَقَطَ ؛ ذكره أبو البقاء(١٥) وغيرُه، وفيه نَظَر ؛ لأنه : إمَّا أنْ يُجْعَلَ من عَطْف مفردٍ على مُفْردٍ، فكان يَجِبُ أن يُثَنَّى الخَبرُ، وإن توسَّط بين المُتَعَاطفين، فيقال :" يُفْتِيانِكُم "، إلاَّ أنَّ ذلك لا يجُوز، ومَنِ ادَّعى جَوازَه، يَحْتاج إلى سَمَاع من العَرَب، فيقال :" زيد قَائِمَان وعَمْرو "، ومثلُ هذا لا يجُوز، وإمَّا أن يُجْعَلَ من عَطْف الجُمَل، بمَعْنَى : أنَّ خبرَ الثَّاني محذوفٌ، أي : وما يُتْلَى عَلَيْكُم، يُفْتيكم، فيكون هذا هو الوَجْه الثَّالث - وقد ذكروه - فَيَلْزَم التَّكْرَار.
والثالث من أوْجُه الرَّفع : أنه رَفْع بالابْتِدَاء، وفي الخبَر احْتِمَالان :
أحدهما : أنه الجَارُّ بعده، وهو " فِي الكِتَابِ " والمرادُ ب " ما يتلى " القرآنُ، وب " الكتاب " : اللوحُ المحفوظ، وتكُونُ هذه الجُمْلَة معترضةً بين البدل والمُبْدَل منه، على ما سيأتي بَيَانُه، وفائدةُ الإخْبَار بذلك : تَعْظِيمُ المَتْلوِّ، ورفعُ شأنه ؛ كقوله :﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤].
والاحتمال الثاني : أن الخبر مَحْذُوفٌ، أي : والمتلوُّ عَلَيْكم في الكتاب يُفْتيكم، أو يبيِّن لَكُم أحْكَامَهُن.
وذلك المَتْلُوّ في الكِتَاب هو قوله :﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣] وحَاصِل الكلام : أنَّهم قد سألُوا عن أحْوَال كَثِيرةٍ من أحْوالِ النِّسَاء، فما كان مِنْهَا غير مُبَيَّن الحُكْم، ذَكر أن اللَّه يُفْتِيهم فيها، وما كان فِيهَا مُبَيَّن الحُكْم في الآيات المُتَقَدِّمَةِ، ذكر أن تِلْك الآيَات المَتْلُوة تُفْتيهم فيها، وجعل دَلاَلة الكِتَاب على الحُكْم إفتاء(١٦) من الكتاب ؛ كما يُقَال في المَجَازِ المَشْهُور : كِتَاب اللَّه يُبَيِّن لنا هَذَا الحُكْم، وكلام الزَّمخشري يحتمل جَمِيع الأوْجُه، فإنه قال :" ما يُتْلى " في مَحَلِّ الرفع، أي : اللَّهُ يُفْتيكُم، والمتلوُّ في الكِتَاب في مَعْنَى : اليتامى، يعني قوله :﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣]. وهو من قَوْلِك :" أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُه " انتهى، يعني : أنَّه من باب التَّجْريد ؛ إذ المقصودُ الإخْبَارُ بإعجَاب كَرَم زيدٍ، وإنما ذُكِر زَيْدٌ ؛ ليُفيدَ هذا المَعْنَى الخاصَّ لذلك المَقْصُود أنّ الذي يُفْتيهم هو المَتْلُوُّ في الكِتَابِ، وذُكِرت الجَلاَلةُ للمعنى المُشَار، وقد تقدَّم تَحْقِيق التَّجْرِيد في أوَّل البَقَرة، عند قوله :﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾
[البقرة: ٩].
والجَرُّ من وَجْهَيْن :
أحدهما : أن تكُون الواوُ للقَسَم، وأقسمَ اللَّهُ بالمَتْلُوِّ في شأن النِّساء ؛ تَعْظِيماً له، كأنه قيل : وأقْسِمُ بما يُتْلى عَلَيْكُم في الكِتاب ؛ ذكره الزمخشري.
والثاني : أنه عَطْفٌ على الضَّمِير المَجْرُور ب " في " أي : يُفْتيكُمْ فيهنَّ وفيما يُتْلَى، وهذا مَنْقُولٌ عن محمَّد بن أبي مُوسَى، قال :" أفتاهم الله فيما سألُوا عنه، وفيما لَمْ يَسْألوا "، إلا أنَّ هذا ضَعِيفٌ من حَيْث الصِّنَاعةُ ؛ لأنه عطفٌ على الضمير المَجْرُورِ من غير إعَادَة الجَارِّ ؛ وهو رأي الكُوفيِّين، وقد تقدَّم مذاهب النَّاسِ فيه عند قوله :﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧].
قال الزَّمَخْشَرِيُّ(١٧) :" ليس بِسَديدٍ أن يُعْطَفَ على المَجْرُورِ في " فيهنَّ " ؛ لاخْتِلاله من حيث اللَّفْظِ والمَعْنَى " وهذا سَبقَه إليه أبُو إسْحاق(١٨).
قال [ الزجاج ] : وهذا بَعِيدٌ بالنِّسْبَة إلى اللَّفْظِ وإلى المَعْنَى : أمَّا اللَّفْظُ ؛ فإنه يقتضي عَطْفُ المُظْهَر على المُضْمَرِ، وأما المَعْنَى : فلأنه ليس المُرادُ أنَّ اللَّهَ يُفْتيكم في شَأنِ ما يُتْلَى عليكم في الكِتَاب، وذلك غيرُ جَائزٍ ؛ كما لم يَجُزْ في قوله :﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] يعني : من غير إعادةِ الجَارِّ.
وقد أجَابَ أبو حيَّان(١٩) عما ردَّ به الزَّمَخَشريُّ والزجاج ؛ بأن التَّقْدِيرَ : يُفْتيكم في مَتْلُوِّهِنَّ، وفيما يُتْلَى عليكم في الكِتَاب في يتامى النِّسَاء، وحُذِف لدلالة قوله :﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾، وإضافةُ " مَتْلُو " إلى ضمير " هُنَّ " سائغةٌ، إذ الإضافة إليهنَّ، كقوله :
﴿مَكْرُ الْلَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣] لمَّا كان المَكْرُ يقع فيهما، صَحَّتْ إضافتُه إليْهِمَا، ومثله قول الآخر :[ الطويل ]
إذَا كَوْكَبُ الخَرْقَاءِ لاَحَ بِسُحْرَةٍسُهَيْلٌ أذَاعَتْ غَزْلَهَا في الغَرَائِبِ(٢٠)
[ قال شهاب الدين ] : وفي هذا الجواب نظرٌ.
والنَّصْبُ بإضمار فِعْل، أي : ويبيِّن لَكُم ما يُتْلى [ عليكم ] ؛ لأنَّ " يُفْتيكُم " بمعنى يبيِّن لكم، واختار أبو حيَّان وجْهَ الجرِّ على العَطْفِ على الضَّمير، مختاراً لمَذْهَبِ الكوفيِّين قال : لأنّ الأوْجُه كلَّها تؤدِّي إلى التَّأكيد، وأمَّا وَجْهُ العَطْفِ على الضمير [ المَجْرُور ]، فيجعلُه تأسِيساً، قال :" وإذا دار الأمْرُ بينهما ؛ فالتَّأسيس أوْلى "، وفي إفْرَادِ هذا الوَجْهِ بالتَّأسيس دُونَ بَقِيَّةِ الأوْجُه نظرٌ لا يَخْفى.
قوله :" فِي الكِتَابِ " يجوزُ فيه ثلاثةُ أوْجُهٍ :
أحدها : أنه مُتَعَلِّقٌ ب " يُتْلى ".
والثاني : أنه متعلِّقٌ بمحْذُوفٍ على أنه حَالٌ من الضَّمِير المُسْتَكِنِّ في " يُتْلى ".
والثالث : أنه خَبَر " مَا يُتْلى " عَلَى الوَجْه الصَّائِر إلى أنَّ " مَا يُتْلى " مبتدأ، فيتعلق بمَحْذُوف أيضاً، إلاَّ أنَّ مَحَلَّه على هذا الوجهِ رفعٌ، وعلى ما قَبْلَه نصبٌ.
قوله :﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ فيه خَمْسة أوْجه :
أحدُها : أنه بَدلٌ من " الكِتَاب " وهو بدلُ اشْتِمَالٍ، ولا بد مِنْ حَذْفِ مُضَافٍ، أي : في حُكْم يَتَامَى، ولا شك أن الكِتابَ مشتملٌ على ذِكْرِ أحكامِهِن.
والثاني : أن يتعلَّق ب " يُتْلَى ".
فإن قيل : كيف يجُوزُ تعلُّقُ حَرْفَيْ جرٍّ بلفظ وَاحِدٍ، ومعنى واحِدٍ ؟
فالجوابُ أنَّ مَعْنَاهما مُخْتَلفٌ، لأن الأولى للظَّرْفية على بابها، والثانية بمعنى البَاءِ، للسببية مَجَازاً، أو حقيقةً عِنْد مَنْ يقولُ بالاشتراك.
وقال أبو البقاء(٢١) : كما تَقُولُ :" جئتُك في يوم الجُمْعَة في أمْرِ زَيْدٍ ".
والثالث : أنه بَدَل من " فِيهِنَّ " بإعادة العَامِل، ويكون هذا بَدَل بَعْض من كُلٍّ.
قال الزَّمَخْشَرِيُّ :" فإنْ قُلْت : بِمَ تعلَّق قوله :﴿في يتامى النِّسَاء ؟﴾ قلت : في الوَجْه الأوَّل هو صِلَةُ " يُتْلى " أي : يُتْلى عَلَيْكُم في مَعنَاهُنَّ، ويجُوز أن يكُون " في يتامى " بَدَلاً من " فيهنَّ "، وأما في الوَجْهَيْن الأخِيرَيْن فبدلٌ لا غير " انتهى، يَعْنِي بالوجْه الأول : أن يكون " مَا يُتْلَى " مَرْفُوعَ المَحَلِّ.
قال أبو حيَّان(٢٢) :" أمَّا ما أجازه في وجه الرفع من كونه صلة " يتلى " فلا يجُوزُ إلاَّ أنْ يكونَ بَدَلاً مِنْ " فِي الكِتَابِ " أو تكون " في " للسَّبَبية، لئلا يتعلّق حَرْفا جر بلفظٍ واحد، ومعنى واح
١ سقط في أ..
٢ سقط في ب..
٣ ينظر: تفسير الرازي ١١/٥٠..
٤ سقط في ب..
٥ في ب: الإفتاء..
٦ في أ: الثبات..
٧ في أ: بعده..
٨ في أ: قرن..
٩ سقط في أ..
١٠ في ب: التي..
١١ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٥٨..
١٢ في ب: الممات..
١٣ سقط في ب..
١٤ سقط في ب..
١٥ ينظر: الإملاء ١/١٩٦..
١٦ في أ: فتيا..
١٧ ينظر: الكشاف ١/٥٧٠..
١٨ ينظر: معاني القرآن ٢/١٢٤..
١٩ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٧٦..
٢٠ ينظر البيت في المحتسب ٢/٢٢٨ واللسان (غرب) وابن يعيش ٣/٨، والمقرب ١/٢١٣ والدر المصون ٢/٤٣٢..
٢١ ينظر: الإملاء ١/١٩٦..
٢٢ ينظر: البحر المحيط ٣/٣٧٧..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى