بَيَّن ابنُ جرير (٦‏/‏٦٥٨) معنى الآية مستندًا إلى أقوال السلف، فقال: «أما قوله: ﴿نكفر عنكم سيئاتكم﴾ فإنه يعني به: نكفر عنكم أيها المؤمنون باجتنابكم كبائر ما ينهاكم عنه ربُّكم صغائرَ سيئاتكم، يعني: صغائر ذنوبكم»

علَّق ابنُ عطية (٣‏/‏٤٢٢) على قول عكرمة بقوله: «ومَن كان من العرب يعتقد أنّها تشفع وتقرب إلى الله زُلْفى ويرى شركتها بهذا الوجه فمخاطبته بالآية متمكن، وهكذا كان الأكثر، ومن كان منهم لا يُقِرُّ بإله غيرها فليس هو في هذه الآية»

علَّق ابن عطية (٤‏/‏١٩١) على قول ابن عمر، فقال: «فمذهب ابن عمر أن الفتنة: الشرك في هذه الآية»، ثم رجَّحه قائلًا: «وهو الظاهر»، ثم وجَّه هذا المعنى قائلًا: «ومن قال: المعنى: حتى لا يكون شرك. فالآية عنده يراد بها الخصوص فيمن لا تُقبَل منه جِزْيَة»

ذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٢١٠ بتصرف) أنّ القول بأن السورة مختلطة منها ما هو مكي ومنها ما هو مدني هو قول الجمهور، ورجَّحه مستندًا إلى ظاهر آيات السورة، فقال: «وهذا هو الأصح؛ لأن الآيات تقتضي ذلك». وبنحوه ابنُ القيم (٢‏/‏٢١٧)

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٤٠٥) أنّ الفصيلة -في هذه الآية-: قرابة الرجل الأدنون. مثال ذلك: بنو هاشم مع النبي ﷺ. وأنها أيضًا في كلام العرب: الزوجة. ثم قال: «ولكن ذكْر الصاحبة في هذه الآية لم يُبْق في معنى الفصيلة إلا الوجه الذي ذكرناه»

سورة الأنفال — الآية ٦٦

عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء بن أبي رباح- قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها النَّبِيّ حرض المؤمنين على القتال﴾ ثَقُلَت على المسلمين، فأعْظَموا أن يُقاتِلَ عشرون مائتين، ومائةٌ ألفًا، فخفَّف الله عنهم، فنسَخها بالآية الأخرى، فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ الآية. قال: فكانوا إذا كانوا على الشَّطْرِ من عدوِّهم لم يَنبَغِ لهم أن يَفِرُّوا منهم، وإذا كانوا دونَ ذلك لم يجبْ عليهم قتالُهم، وجازَ لهم أن يَتَحرَّزوا عنهم. ثم عاتَبهم في الأُسارى وأَخْذِ المغانم، ولم يكنْ أحدٌ قبلَه مِن الأنبياء عليهم السلام يأكُلُ مَغْنمًا من عدوٍّ، هو لله

ذكر ابنُ جرير (١‏/‏٦٢٣) أنّ الأمر بالاستعانة بالصبر والصلاة في الآية خوطب به أحبار بني إسرائيل، فقال: «فمعنى الآية: واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب بحبس أنفسكم على طاعة الله، وكفِّها عن معاصي الله، وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر، المقربة من مراضي الله، العظيمة إقامتها إلا على المتواضعين لله، المستكينين لطاعته، المتذللين من مخافته». ونقل ابنُ كثير (١‏/‏٣٩١) قول ابن جرير، ثم رجَّح العموم بقوله: «هكذا قال، والظاهر أنّ الآية وإن كانت خطابًا في سياق إنذار بني إسرائيل فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص، وإنما هي عامة لهم ولغيرهم»

ذَهَبَ ابن تيمية (١‏/‏٣١٤-٣١٥) إلى أن الآية نزلت فيمن تحرّى القبلة، ثم صلى لغيرها. وعلَّقَ على حديث ابن عمر قائلًا: «فإن قيل: ففي حديث ابن عمر أنّ هذه الآية نزلت في صلاة التطوع في السفر. قلنا: لا منافاة بين هذين؛ فإن الآية الجامعة العامة تنزل في أشياء كثيرة، إما أن يراد به جميع تلك المعاني بإنزال واحد، وإما أن يتعدد الإنزال إما بتعدد عرض النبي القرآن على جبريل أو غير ذلك، وفي كل مرة تنزل في شيء غير الأول لصلاح لفظها لذلك كله، على أن قول الصحابة: نزلت الآية في ذلك. قد لا يعنون به سبب النزول، وإنما يعنون به أنه أريد ذلك المعنى منها وقصد بها، وهذا كثير في كلامهم»

ذَهَبَ ابنُ جرير (٤‏/‏٧٠٣)، وابنُ عطية (٢‏/‏٧٢)، وابن كثير (٢‏/‏٤٦٧) إلى أنّ المراد بـ﴿الخبيث﴾ في الآية: الرديء غير الجيد، استنادًا إلى ما ورد عن السلف، واتِّفاق أهل التأويل. وانتَقَدُ ابنُ جرير، وابنُ عطية قولَ ابن زيد؛ لمخالفته لنسق الآية. قال ابنُ جرير: «وتأويل الآية هو التأويل الذي حكيناه عمن حكينا عنه من أصحاب رسول الله ﷺ، والتابعين، واتفاق أهل التأويل على صحة ذلك، دون الذي قاله ابن زيد». وقال ابنُ عطية: «وقول ابن زيد ليس بالقوي من جهة نسق الآية، لا من معناه في نفسه»

علَّقَ ابنُ عطية (٣‏/‏١١٥) على ما ذهب إليه جمهور أهل العلم مِن أنّ معنى الآية: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾: مُحْدِثِينَ، بقوله: «وليس في الآية على هذا تقديم ولا تأخير، بل يَتَرَتَّب في الآية حُكْمُ واجِدِ الماء إلى قوله: ﴿فاطَّهَّرُوا﴾، ودخلت الملامسة الصغرى في قوله: مُحْدِثِين. ثم ذكر بعد ذلك بقوله: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ إلى آخر الآية حُكْمَ عادِمِ الماء من النوعين جميعًا، وكانت الملامسة هي الجماع ولا بُدَّ؛ لِيَذْكُر الجنبُ العادِم للماء كما ذكر الواجِد، وهذا هو تأويل الشافعي وغيره، وعليه تجيء أقوال الصحابة؛ كسعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وأبي موسى وغيرهم»