اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿إن أنكر الأصوات لصوت الحمير﴾ على أقوال: الأول: أقبح. الثاني: أشر. وقد جمع ابنُ جرير (١٨/٥٦٥) بينهما مستندًا إلى اللغة، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: إن أقبح أو أشر الأصوات. وذلك نظير قولهم إذا رأوا وجهًا قبيحًا أو منظرًا شنيعًا: ما أنكر وجه فلان، وما أنكر منظره»
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم﴾ على أقوال: الأول: أن معناه: ولو نشاء لأقعدناهم في منازلهم؛ فلا يستطيعون أن يمضوا أمامهم، ولا أن يرجعوا وراءهم. الثاني: أن معناه: ولو نشاء لأهلكناهم في منازلهم. الثالث: أن معناه: ولو نشاء لجعلناهم حجارة. وقد اختار ابنُ جرير (١٩/٤٧٧) القول الأول مستندًا لأقوال السلف
ذكر ابنُ عطية (٤/٥٨٢) في قوله: ﴿ولا تكن مع الكافرين﴾ احتمالين، فقال: «وقوله: ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ يحتمل أن يكون نهيًا محضًا مع علمه أنّه كافر، ويحتمل أن يكون خفي عليه كفرَه فناداه ألا يبقى -وهو مؤمن- مع الكفرة فيهلك بهلاكهم». ثم رجح الأول بقوله: «والأول أبين». وذكر ابنُ عطية (٤/٥٨٧) في تفسير قوله: ﴿ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين﴾ أنّ «هذه الآية تقتضي أن نوحًا عليه السلام ظن أنّ ابنه مؤمن». ثم علَّق بقوله: «وذلك أشد الاحتمالين». وظاهر ذلك التعارض مع ما هنا
قال عبيد بن عمير: قرأ عبد الله بن عباس هذه الآية، فقال: هل هاهنا أحد من بني بكر؟ فقال رجل: نعم. قال: ما الحرج فيكم؟ قال: الوادي الكثير الشَّجَر، المتمسك، الذي لا طريق فيه. قال ابن عباس: كذلك قلب الكافر
ذكر ابنُ عطية (١/٢٨٨) أن المهدوي وغيره قالوا بأن هذه الآية كانت مدة حياة النبي ﷺ وارتفعت بموته. ثم علَّق بقوله: «والصحيح أن هذه النازلة من موت مَن تمنى الموت إنما كانت أيامًا كثيرة عند نزول الآية، وهي بمنزلة دعائه النصارى من أهل نجران إلى المباهلة»
علَّقَ ابنُ كثير (٣/٣١) على أثر الفجيع العامري هذا قائلًا: «تَفَرَّد به أبو داود، وكأنّهم كانوا يصطبحون ويغتبقون شيئًا لا يكفيهم، فأحَلَّ لهم الميتة لتمام كفايتهم، وقد يحتج به من يرى جواز الأكل منها حتى يبلغ حَدَّ الشبع، ولا يتقيد ذلك بسَدِّ الرَّمَق»
انتقد ابنُ كثير (٨/٤٧٤) هذا الحديث مستندًا إلى أحوال النزول بقوله: «وهذا الحديث مشكل لو صحَّ إسناده؛ لأن الآية مكية، وفَدَك إنما فتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة، فكيف يلتئم هذا مع هذا؟! فهو إذًا حديث منكر، والأشبه أنه من وضع الرافضة»
اختلف السلف فيمن عنى الله بقوله: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾، وفي السبب الذي من أجله فُزِّع عن قلوبهم؛ على أقوال: الأول: أن الذي فُزِّع عن قلوبهم الملائكة، قالوا: وإنما يفزع عن قلوبهم مِن غشية تصيبهم عند سماعهم الله بالوحي. الثاني: أن الموصوفين بذلك الملائكة، إنما يفزع عن قلوبهم فزعهم مِن قضاء الله الذي يقضيه حذرًا أن يكون ذلك قيام الساعة. الثالث: أن ذلك من فعل ملائكة السموات إذا مرت بها المعقبات؛ فزعًا أن يكون حدث أمر الساعة. الرابع: أن الموصوفين بذلك المشركون، قالوا: وإنما يفزع الشيطان عن قلوبهم، قال: وإنما يقولون: ماذا قال ربكم؟ عند نزول المنية بهم. وقد رجّح ابنُ جرير (١٩/٢٨١) مستندًا إلى السنة القول الأول، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب وأشبهها بظاهر التنزيل القولُ الذي ذكره الشعبي عن ابن مسعود؛ لصحة الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ بتأييده». وبنحوه ابنُ تيمية (٥/٢٨٨-٢٩٧)، وابنُ كثير (١١/٢٨٣-٢٨٥)، وكذا ابنُ عطية (٧/١٨٣) مستندًا إلى السياق حيث قال: «وبهذا المعنى من ذكر الملائكة في صدر الآيات تتسق هذه الآية على الأولى». وذكر ابنُ عطية في الآية قولًا خامسًا أنها في جميع العالم، ثم انتقده وقولَ مَن جعلها في المشركين بقوله: «ومن لم يشعر أن الملائكة مشار إليهم من أول قوله: ﴿الذين زعمتم﴾ لم تتصل له هذه الآية بما قبلها، فلذلك اضطرب المفسرون في تفسيرها». ثم قال منتقدًا هذين التأويلين: «وهذان بعيدان»
قال يحيى بن سلّام: والمقرأة على هذا التفسير: ‹آزَرُ› بالرفع، وكذلك كان الحسن يقرؤها بالرفع: ‹آزَرُ› يقوله إبراهيم لأبيه، ... كان بعضهم يقرؤها بالنصب، ويقول: اسم أبيه: آزر
قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿وإن كادوا ليستفزونك من الأرض﴾ يعني: أرض المدينة ﴿ليخرجوك منها﴾ هي في هذا التفسير قوله: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك﴾ [الأنفال:٣٠]