أفادت الآثارُ اختلافَ المفسرين في تعيين الأشهر الحرم في هذه الآية على قولين: الأول: هي ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب. والثاني: أنها الأربعة التي قال الله فيها: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾، وهي: عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع أول، وعشر من ربيع الآخر. ورجَّح ابنُ كثير (٧/١٤٨) مستندًا إلى السياق، وإلى لغة العرب القولَ الثاني، فقال: «والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابنُ عباس في رواية العوفي عنه، وبه قال مجاهد، وعمرو بن شعيب، ومحمد بن إسحاق، وقتادة، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أنّ المراد بها أشهر التسيير الأربعة المنصوص عليها في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾، ثم قال: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾، أي: إذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرَّمنا عليكم فيها قتالهم، وأجَّلناهم فيها، فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم؛ لأن عود العهد على مذكور أولى من مُقَدَّر؛ ثم إنّ الأشهر الأربعة المحرمة سيأتي بيان حكمها في آيةٍ أخرى بعدُ في هذه السورة الكريمة». وانتقد ابنُ تيمية (٨/٥١٤ منهاج السنة النبوية) القولَ الأول قائلًا: «وهذه الحرم المذكورة في قوله: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية ليس المراد الحرم المذكورة في قوله: ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة:٣٦]، ومن قال ذلك فقد غلط غلطًا معروفًا عند أهل العلم»
عن محمد بن إسحاق، قال: إنّ أبا بكر لَمّا حدَّث نفسَه بأن يغزو الروم فلم يُطْلِع عليه أحدًا، إذ جاءه شُرَحْبيل بن حَسَنَة، فجلس إليه، فقال: يا خليفةَ رسول الله، أتُحَدِّثُ نفسَك أنّك تبعثُ إلى الشام جُندًا؟ فقال: نعم، قد حدَّثْتُ نفسي بذلك، وما أطْلَعْتُ عليه أحدًا، وما سألتني عنه إلا لشيء. قال: أجل، إنِّي رأيت -يا خليفة رسول الله- فيما يرى النائمُ كأنّك تمشي في الناس فوق خَرْشَفَةٍ مِن الجبل، ثم أقبلتَ تمشي حتى صعدت قُنَّةً من القِنان العالية، فأَشْرَفْتَ على الناس ومعك أصحابك، ثم إنّك هبطت مِن تلك القِنان إلى أرض سهلة دَمِثَةٍ فيها الزَّرع والقرى والحصون، فقلتَ للمسلمين: شُنُّوا الغارةَ على أعداء الله، وأنا ضامِنٌ لكم بالفتح والغنيمة. فشدَّ المسلمون، وأنا فيهم معي راية، فتوجهت بها إلى أهل قرية، فسألوني الأمان، فأمَّنتُهم، ثم جئتُ فأجدُك قد انتهيتَ إلى حصن عظيم، ففَتَحَ اللهُ لك، وأَلْقَوْا إليك السلم، ووضع اللهُ لك مجلسًا، فجلست عليه، ثم قيل لك: يفتح الله عليك وتُنصَر، فاشكر ربك، واعمل بطاعته. ثم قرأ: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ [النصر:١-٣]، ثم انتبهتُ. فقال له أبو بكر: نامت عيناك، خيرًا رأيتَ، وخيرًا يكون إن شاء الله. ثم قال: بَشَّرْتَ بالفتح، ونَعَيْتَ إلَيَّ نفسي. ثم دَمَعَتْ عينا أبي بكر، ثم قال: أمّا الخَرْشَفَة التي رأيتَنا نمشي عليها حتى صعدنا إلى القُنَّةِ العالية فأَشْرَفْنا على الناس؛ فإنّا نُكابِدُ مِن أمر هذا الجند والعدو مَشَقَّةً ويُكابِدونه، ثم نعلو بعدُ ويعلو أمرُنا، وأمّا نزولنا مِن القُنَّةِ العالية إلى الأرض السهلة الدَّمِثَة والزرع والعيون والقرى والحصون؛ فإنّا ننزل إلى أمر أسهل مِمّا كنا فيه مِن الخصب والمعاش، وأمّا قولي للمسلمين: شُنُّوا على أعداء الله الغارة فإنِّي ضامن لكم الفتح والغنيمة؛ فإنّ ذلك دُنُوُّ المسلمين إلى بلاد المشركين، وترغيبِي إيّاهم على الجهاد والأجر والغنيمة التي تقسم لهم وقبولهم، وأمّا الراية التي كانت معك فتوجهتَ بها إلى قرية من قراهم ودخلتها واستأمنوا فأمَّنتَهم؛ فإنّك تكون أحدَ أمراء المسلمين، ويفتح الله على يديك، وأمّا الحصن الذي فتح الله لي؛ فهو ذلك الوجه الذي يفتح الله لي، وأمّا العرش الذي رأيتني عليه جالسًا؛ فإنّ الله يرفعني ويضع المشركين، وقال الله -تبارك وتعالى- ليوسف: ﴿ورفع أبويه على العرش﴾، وأمّا الذي أمرني بطاعة الله وقرأ عَلَيَّ السورة؛ فإنّه نَعى إلَيَّ نفسي، وذلك أنّ النبي ﷺ نعى اللهُ إليه نفسَه حين نزلت هذه السورة، وعلم أنّ نفسَه قد نُعِيَت إليه. ثم سالتا عيناه، فقال: لَآمُرَنَّ بالمعروف، ولَأَنْهَيَنَّ عن المنكر، ولأجهدن فيمَن نزل أمر الله، ولَأُجَهِّزَنَّ الجنود إلى العادلين بالله في مشارق الأرض ومغاربها، حتى يقولوا: الله أحدٌ أحدٌ لا شريك له. أو يُؤَدُّوا الجزيةَ عن يدٍ وهم صاغرون، هذا أمرُ الله وسنةُ رسول الله ﷺ، فإذا تَوَفّاني الله عز وجل لا يجدني اللهُ عاجِزًا ولا وانِيًا ولا في ثواب المجاهدين زاهِدًا. فعند ذلك أمر الأمراء، وبعث إلى الشام البُعُوث
رجَّح ابنُ القيم (١/٣٤٥-٣٤٦) أنّ المراد: أنّ ما كان يخفيه المشركون فبدا لهم يوم القيامة هو حقيقة ما انطووا عليه من علمهم أنهم على باطل، وأن الرسل على حق. وانتَقَد (١/٣٤٤) مستندًا إلى السياق، والدلالات العقلية، ولغة العرب القولَ بأنّ الذي بدا لهم هو العذاب، وبأنهم كانوا يخفون الشرك في بعض المواطن يوم القيامة فلما وقفوا على النار بدا لهم جزاء ما أخفوه، وهو موافق لقول مقاتل، فقال: «وظنوا أنّ الذي بدا لهم العذاب، فلما لم يروا ذلك ملتئمًا مع قوله: ﴿ما كانوا يخفون من قبل﴾ قدَّروا مضافًا محذوفًا، وهو خبر ما كانوا يخفون من قبل، فدخل عليهم أمرٌ آخر لا جواب لهم عنه، وهو أنّ القوم لم يكونوا يخفون شركهم وكفرهم، بل كانوا يظهرونه ويدعون إليه، ويحاربون عليه، ولَمّا علموا أنّ هذا وارد عليهم، قالوا: إنّ القوم في بعض موارد القيامة ومواطنها أخفوا شركهم وجحدوه، وقالوا: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾. فلما وقفوا على النار بدا لهم جزاء ذلك الذي أخفوه». وذكر ابنُ عطية (٣/٣٤٣) نقلًا عن الزهراوي أنّ هناك من قال بأن الآية في المنافقين؛ لأنهم كانوا يخفون الكفر فبان لهم وباله يوم القيامة. وانتقده مستندًا للسياق بقوله: «وتقلق العبارة على هذا التأويل؛ لأنه قال: ﴿وقفوا﴾ يريد جماعة كفار، ثم قال: ﴿بدا لهم﴾ يريد: المنافقين من هؤلاء الكفار، والكلام لا يعطي هذا إلا على تحامل». ووجَّهه ابنُ كثير (٦/٢٣) بقوله: «ويحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المنافقين: الذين كانوا يظهرون للناس الإيمان ويبطنون الكفر، ويكون هذا إخبارًا عما يكون يوم القيامة من كلام طائفة من الكفار، ولا ينافي هذا كون هذه السورة مكية، والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة ومَن حولها من الأعراب، فقد ذكر الله وقوع النفاق في سورة مكية، وهي العنكبوت، فقال: ﴿وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين (١١)﴾؛ وعلى هذا فيكون إخبارًا عن حال المنافقين في الدار الآخرة، حين يعاينون العذاب يظهر لهم حينئذ غب ما كانوا يبطنون من الكفر والشقاق والنفاق». وذكر ابنُ عطية (٣/٣٤٣-٣٤٤) أنّ الزهراوي قال: وقيل: إنّ الكفار كانوا إذا وعظهم النبي ﷺ خافوا، وأخفوا ذلك الخوف؛ لئلا يشعر به أتباعهم، فظهر لهم ذلك يوم القيامة. ثم قال: «ويصِحُّ أن يكون مقصد الآية الإخبار عن هول ما لقوه والتعظيم لما شقوا به، فعبر عن ذلك بأنهم ظهرت لهم مستوراتهم في الدنيا من معاص وغير ذلك، فكيف الظن -على هذا- بما كانوا يعلنون من كفر ونحوه، وينظر إلى هذا التأويل قوله تعالى في تعظيم شأن يوم القيامة: ﴿يوم تبلى السرائر﴾ [الطارق:٩]، ويصح أن يقدر الشيء الذي كانوا يخفونه في الدنيا نبوة محمد ﷺ وأقواله، وذلك أنّهم كانوا يخفون ذلك في الدنيا بأن يحقروه عند مَن يرد عليهم ويصفوه بغير صفته ويتلقوا الناس على الطرق، فيقولون لهم: هو ساحر، هو يفرق بين الأقارب. يريدون بذلك إخفاء أمره وإبطاله، فمعنى هذه الآية -على هذا-: بل بدا لهم يوم القيامة أمرك وصدقك وتحذيرك وإخبارك بعقاب مَن كفر الذي كانوا يخفونه في الدنيا، ويكون الإخفاء على ما وصفناه». ثم نقل عن الزجاج أنّه قال: المعنى: ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة يخفون من البعث. وعلَّق عليه بقوله: «فالضميران على هذا ليسا لشيء واحد». ثم ذكر أن المهدويَّ حكى عن الحسن نحو هذا
علَّق ابنُ جرير (٧/٥٣٩) على قول محمد بن أبي موسى بقوله: «فعلى هذا القول: الذي يتلى علينا في الكتاب: الذي قال الله -جل ثناؤه-: ﴿قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم﴾، ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا﴾ الآية. والذي سأل القوم فأجيبوا عنه: في يتامى النساء اللاتي كانوا لا يؤتونهن ما كتب الله لهن من الميراث عمَّن ورثته عنه». وانتقده مستندًا للإجماع، والسياق، فقال: «فأما الذي ذكر عن محمد بن أبي موسى فإنّه -مع خروجه من قول أهل التأويل- بعيدٌ مما يدل عليه ظاهر التنزيل؛ وذلك أنه... إذا وُجِّه الكلام إلى المعنى الذي تأوَّله صار الكلام مبتدأ من قوله: ﴿في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن﴾، ترجمةً بذلك عن قوله: ﴿فيهن﴾، ويصير معنى الكلام: قل الله يفتيكم فيهن في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن. ولا دلالة في الآية على ما قاله، ولا أثر عمن يُعلم بقوله صحةُ ذلك، وإذ كان ذلك كذلك كان وصل معاني الكلام بعضه ببعض أولى، ما وُجِد إليه سبيل». وانتَقَدَه ابنُ عطية (٣/٣٢) مستندًا للغة، فقال: «ويُضْعِف هذا التأويلَ ما فيه من العطف على الضمير المخفوض بغير إعادة حرف الخفض». ثم قال: «ويحتمل أن تكون ﴿وما﴾ في موضع رفع عطفًا على اسم الله عز وجل، أي: ويفتيكم ما يتلى عليكم في الكتاب، يعني: القرآن، والإشارة بهذا إلى ما تقدم من الآيات في أمر النساء، وهو قوله تعالى في صدر السورة: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء:٣]». وهو قول عائشة المتقدم في أول تفسير الآية
رجّح ابنُ عطية (٣/٥٥٣) أنّ الإثم في الآيةِ لفظ عامٌّ لجميع الأقوال والأفعال التي يتعلق بمرتكبها إثم، قال: «﴿والإثْمَ﴾: لفظه عامٌّ لجميع الأفعال والأقوال التي يتعلق بمرتكبها إثم». ثم أشار إلى ما جاء في قول الحسن من أنّ الإثم الخمر، وانتَقَدَه (٣/٥٥٣-٥٥٤) مستندًا إلى زمن النزول، واللغة، ودلالة العقل قائلًا: ""وقال بعضُ الناس: هي الخمر. واحتجَّ على ذلك بقول الشاعر:شربت الإثم حتى طار عقليوهذا قول مردودٌ؛ لأنّ هذه السورة مكية، ولم تعن الشريعة لتحريم الخمر إلا بالمدينة بعد أُحُد؛ لأن جماعة من الصحابة اصطحبوها يوم أحد، وماتوا شهداء وهي في أجوافهم، وأيضًا فبيت الشعر يُقال: إنّه مصنوع مُخْتَلق. وإن صحَّ فهو على حذف مضاف، وكان ظاهر القرآن على هذا القول أنّ تحريم الخمر من قوله تعالى: ﴿«يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢١٩]، وهو في هذه الآية قد حرم، فيأتي من هذا أنّ الخمر إثم، والإثم مُحَرَّم؛ فالخمر محرمة. ولكن لا يصح هذا؛ لأن قوله: ﴿فِيهِما إثْمٌ﴾ لفظ محتمل أن يراد به: أنه يلحق الخمر من فساد العقل والافتراء وقتل النفس وغير ذلك آثام، فكأنه قال: في الخمر هذه الآثام، أي: هي بسببها ومعها، وهذه الأشياء محرمة لا محالة، وخرجت الخمر من التحريم على هذا، ولم يترتب القياس الذي ذهب إليه قائل ما ذكرناه، ويعضد هذا أنّا وجدنا الصحابة يشربون الخمر بعد نزول قوله: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ﴾، وفي بعض الأحاديث: فتَرَكها قومٌ للإثم الذي فيها، وشربها قوم للمنافع. وإنّما حُرِّمت الخمر بظواهر القرآن، ونصوص الأحاديث، وإجماع الأمة»
اختلف في المعنيّ بهذه الآية على أقوال: الأول: إنّما ذلك لعائشة خاصة. الثاني: أزواج النبيّ ﷺ خاصة. الثالث: نزلت هذه الآية في أزواج النبي ﷺ، فكان ذلك كذلك حتى نزلت الآية التي في أول السورة فأوجب الجلد، وقَبِل التوبة. الرابع: نزلت في شأن عائشة، وهي عامة. ووجَّه ابنُ كثير (١٠/١٩٩) القول الأول بأنّ مراد قائليه: أنّ سبب النزول كان في عائشة دون غيرها، وإن كان الحكم يعمها وغيرها. ورجَّح ابنُ جرير (١٧/٢٣٠) مستندًا إلى دلالة العموم القولَ الرابع الذي قاله ابن عباس من طريق ابن حَوْشَب، وميمون، وابن زيد، فقال: «لأنّ الله عَمَّ بقوله: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات﴾ كلَّ محصنة غافلة مؤمنة رماها رامٍ بالفاحشة، مِن غير أن يَخُصَّ بذلك بعضًا دون بعض، فكلُّ رامٍ محصنةً بالصِّفة التي ذكر الله -جلَّ ثناؤه- في هذه الآية فملعونٌ في الدنيا والآخرة، وله عذاب عظيم، إلّا أن يتوب مِن ذنبه ذلك قبل وفاته». وكذا رجَّحه ابنُ كثير (١٠/٢٠٠) مستندًا إلى السنة، فقال: «وهو الصحيح، ويعضد العموم ما رواه ابن أبي حاتم...» وساق حديث: «اجتنبوا السبع الموبقات» الوارد في الآثار المتعلقة بالآية. وذكر ابنُ عطية (٦/٣٦٤-٣٦٥) أنّ اللعنة في هذه الآية: الإبعاد، وضرب الحدّ، واستيحاش المؤمنين منهم، وهجرهم لهم، وزوالهم عن رتبة العدالة. ثم علَّق قائلًا: «وعلى مَن قال: إنّ هذه الآية خاصة لعائشة. تترتب هذه الشدائد في جانب عبد الله بن أُبَيٍّ وأشباهه». وعلَّق ابنُ تيمية (٤/٥٠٢-٥٠٣) على القول بالعموم بقوله: «هذا قول كثير من الناس، ووجه ظاهر الخطاب؛ فإنه عام، فيجب إجراؤه على عمومه، إذ لا مُوجِب لخصوصه، وليس هو مختصًّا بنفس السبب بالاتفاق؛ لأنّ حكم غير عائشة من أزواج النبي ﷺ داخل في العموم، وليس هو من السبب، ولأنه لفظ جمع، والسبب في واحدة؛ ولأنّ قصر عمومات القرآن على أسباب نزولها باطل، فإن عامة الآيات نزلت بأسباب اقتضت ذلك، وقد علم أن شيئًا منها لم يقصر على سببه. والفرقُ بين الآيتين أنّه في أول السورة ذكر العقوبات المشروعة على أيدي المكلفين من الجلد ورد الشهادة والتفسيق، وهنا ذكر العقوبة الواقعة من الله سبحانه، وهي اللعنة في الدارين والعذاب العظيم. وقد رُوي عن النبي ﷺ من غير وجه وعن أصحابه أن قذف المحصنات من الكبائر، وفي لفظ في الصحيح: «قذف المحصنات الغافلات المؤمنات». وكان بعضهم يتأول على ذلك قوله: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات﴾». وذكر (٤/٤٩٧-٥٠٢) أنّ القول بخصوص الآية في عائشة وأزواج النبي يُؤَيِّده ما يلي: أولًا: أنّ ذلك إيذاء للنبي، ومعلوم أن إيذاءه نفاق، والمنافق يجب قتله إذ لم تقبل توبته، والله فرَّق بين إيذاء النبي وإيذاء غيره من المؤمنين فقال: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا * والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾ [الأحزاب:٥٧-٥٨]. ثانيًا: أنّ لعْنة الله في الدنيا والآخرة لا تُسْتَوْجَب بمجرد القذف؛ فتكون اللام في قوله: ﴿المحصنات الغافلات المؤمنات﴾ لتعريف المعهود، والمعهود هنا أزواج النبي ﷺ؛ لأنّ الكلام في قصة الإفك ووقوع مَن وقع في أم المؤمنين عائشة، أو يقصر اللفظ العام على سببه للدليل الذي يُوجِب ذلك. ثالثًا: أنّ الله سبحانه رَتَّب هذا الوعيد على قَذْف محصنات غافلات مؤمنات، وقال في أول السورة: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ الآية. فرَتَّب الحدَّ وردّ الشهادة والفسق على مجرد قذف المحصنات، فلا بُدَّ أن يكون المحصنات الغافلات المؤمنات لهن مزية على مجرد المحصنات؛ وذلك لأنّ أزواج النبي ﷺ مشهود لهن بالإيمان؛ ولأنهن أمهات المؤمنين أزواج النبي في الدنيا والآخرة، وعوام المسلمات إنما يُعلَم منهنَّ في الغالب ظاهر الإيمان. رابعًا: أنّ الله سبحانه قال في قصة عائشة: ﴿والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم﴾، فتخصيصه متولي كبره دون غيره دليلٌ على اختصاصه بالعذاب العظيم، وقال: ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم﴾ فعُلِم أنّ العذاب العظيم لا يَمَسُّ كُلَّ مَن قذف، وإنّما يَمَسُّ مُتَوَلِّي كبرَه فقط، وقال هنا: ﴿ولهم عذاب عظيم﴾، فعُلِم أنّ الذي رمى أمهات المؤمنين يعيب بذلك رسوله ﷺ وتولى كبر الإفك، وهذه صفة المنافق ابن أبي. وأورد إشكالًا على هذا القول حاصلُه: أنّه كان مِن أهل الإفك حمنة وحسان ومسطح، ولم يُرموا بنفاق، ولم يقتل النبي أحدًا بذلك السب، بل قد اختُلِف في جلدهم. وأجاب عليه: بأنّ هؤلاء لم يقصدوا إيذاء النبي، ولم يظهر منهم دليل على الرغبة في ذلك، بخلاف ابن سلول الذي قصد إيذاءه، ولم يكن معلومًا وقت الحادثة أنّ أزواج النبي في الدنيا أزواجه في الآخرة، فكان وقوع ذلك مِن أزواجه ممكنًا عَقْلًا، ولإمكان أن يُطَلِّق النبيُّ المرأة المقذوفة، فأمّا بعد العلم بأن زوجاته أمهات المؤمنين هُنَّ زوجاته أيضًا في الآخرة صار قذفُهُنَّ أذًى بكل حال لعدم جواز وقوع الفاحشة منهن؛ لامتناع أن يقيم النبيُّ مع بَغِيٍّ
اختُلِف في المراد بقوله: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا... ﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: أنّ الآية في اليهود والنصارى، آمنت اليهود بموسى والتوراة ثم كفروا، وآمنت النصارى بعيسى والإنجيل ثم كفروا، ثم ازدادوا كفرًا بمحمد ﷺ. والثاني: أنّها في المنافقين؛ فإنّ منهم مَن كان يؤمن ثم يكفر، ثم يؤمن ثم يكفر، يَتَرَدَّد في ذلك، فنزلت هذه الآية فيمن ازداد كفرًا بأن تَمَّ على نفاقه حتى مات. والثالث: أنّها في أهل الكتابين: التوراة والإنجيل، أتوا ذنوبًا في كفرهم فتابوا، فلم تقبل منهم التوبة فيها مع إقامتهم على كفرهم. ورَجَّح ابنُ جرير (٧/٥٩٨-٥٩٩) القول الأول الذي قاله قتادة، ومقاتل، وأبي العالية، مستندًا إلى السياق، فقال: «لأنّ الآية قبلها في قصص أهل الكتابين، أعني: قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله﴾، ولا دلالة تدل على أنّ قوله: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا﴾ منقطعٌ معناه مِن معنى ما قبله، فإلحاقُه بما قبله أولى، حتى تأتي دلالةٌ دالَّةٌ على انقطاعه منه». وانتقد ابنُ عطية (٣/٤٥-٤٦) ما رَجَّحه ابنُ جرير مستندًا لمخالفته ظاهر الآية، والسياق، والدلالات العقلية، ورَجَّح القول الثاني الذي قاله مجاهد وابن زيد، فقال: «وقول قتادة... قول ضعيف، تدفعه ألفاظ الآية، وذلك أنّ الآية إنما هي في طائفةٍ يَتَّصِفُ كلُّ واحد منها بهذه الصفة مِن التردد بين الكفر والإيمان، ثم يزداد كفرًا بالموافاة، واليهود والنصارى لم يترتب في واحد منهم إلا إيمان واحد وكفر واحد، وإنما يتخيل فيهم الإيمان والكفر مع تلفيق الطوائف التي لم تتلاحق في زمان واحد، وليس هذا مقصد الآية، وإنما توجد هذه الصفة في شخص مِن المنافقين؛ لأنّ الرجل الواحد منهم يؤمن ثم يكفر، ثم يوافي على الكفر، وتأمل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾، فإنّها عبارة تقتضي أنّ هؤلاء محتومٌ عليهم من أول أمرهم، ولذلك ترددوا، وليست هذه العبارة مثل أن يقول: لا يغفر الله لهم. بل هي أشدُّ، وهي مشيرةٌ إلى استدراج مَن هذه حاله وإهلاكِه، وهي عبارة تقتضي لسامعها أن ينتبه ويراجع قبل نفوذ الحتم عليه وأن يكون من هؤلاء، وكلُّ مَن كفر كفرًا واحدًا ووافى عليه فقد قال الله تعالى: إنه لا يغفر له. ولم يقل: لم يكن الله ليغفر له. فتأمَّل الفرق بين العبارتين؛ فإنّه مِن دقيق غرائب الفصاحة التي في كتاب الله تعالى، كأن قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ﴾ حُكْمٌ قد تقرَّر عليهم في الدنيا وهم أحياء». ثم ذكر أنّ الآيات بعدها في المنافقين؛ فيترجَّح أن هذه فيهم كذلك. وعلَّق (٣/٤٥) على قول الحسن بن أبي الحسن: أنّ الآية في الطائفة من أهل الكتاب التي قالت: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران:٧٢] بأنّه: «جيِّدٌ مُحْتَمل»
اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهُمْ وأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ على أقوال: الأول: لو أنا جئناهم بآية كما سألوا ما آمنوا، كما لم يؤمنوا بما قبلها أول مرة؛ لأنّ الله حال بينهم وبين ذلك. وهو قول ابن عباس من طريق العوفي، ومجاهد، وابن زيد. الثاني: ونُقَلِّب أفئدتهم وأبصارهم لو رُدُّوا من الآخرة إلى الدنيا، فلا يؤمنون كما فعلنا بهم ذلك فلم يؤمنوا في الدنيا. قالوا: وذلك نظير قوله: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨]. وهو قول ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة. الثالث: جاءهم محمد ﷺ بالبينات فلم يُؤمنوا به، فقلَّبْنا أبصارهم وأفئدتهم ولو جاءتهم كلُّ آية مثلَ ذلك لم يُؤْمنوا إلا أن يشاء الله. وهو قول عكرمة. ووجَّه ابنُ عطية (٣/٤٤١) القول الأول بقوله: «ومعنى الآية: أنّ هؤلاء الذين أقسموا أنهم يؤمنون إن جاءت آية نحن نقلب أفئدتهم وأبصارهم أن لو جاءت فلا يؤمنون بها كما لو يؤمنوا أول مرة بما دُعوا إليه من عبادة الله، فأخبر الله تعالى على هذا التأويل بصورة فِعْلِه بهم». وعلَّق ابنُ القيم (١/٣٦٣) على القول الثالث بقوله: «وهذا معنًى حسن، فإنّ كاف التشبيه تتضمن نوعًا من التعليل، كقوله: ﴿وأَحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧]، وقوله: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آياتِنا ويُزَكِّيكُمْ ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُم﴾ [البقرة:١٥١-١٥٢]، والذي حسَّن اجتماعَ التعليلِ والتشبيهِ الإعلامُ بأنّ الجزاء من جنس العمل في الخير والشر». ورجَّح ابنُ جرير (٩/٤٩١) مستندًا إلى لغة العرب أنّ المعنى: ونُقَلِّبُ أفئدتهم فنُزيغُها عن الإيمان، وأبصارهم عن رؤية الحق ومعرفة موضع الحُجَّة، وإن جاءتهم الآية التي سألوها فلا يؤمنوا بالله ورسوله وما جاء به من عند الله، كما لم يؤمنوا بتقليبنا إيّاها قبل مجيئها مَرَّةً قبل ذلك. وذلك هو القول الأوّل، ثم قال: «إنّ الله -جلَّ ثناؤه- أخبر عن هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم: لئن جاءتهم آيةٌ ليؤمنُنَّ بها، أنه يُقَلِّب أفئدتهم وأبصارهم ويُصَرِّفُها كيف شاء، وأنّ ذلك بيده، يُقِيمُه إذا شاء، ويُزِيغُه إذا أراد، وأن قوله: ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ دليلٌ على محذوفٍ من الكلام، وأنّ قوله: ﴿كَما﴾ تشبيهُ ما بعدَه بشيءٍ قبْلَه. وإذا كان ذلك تأويله كانت الهاء من قوله: ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾ كنايةَ ذِكْرِ التَّقْلِيب». وزاد ابنُ عطية نقلًا عن فرقة أنّ المعنى: «ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في النار وفي لهيبها في الآخرة لِما لم يؤمنوا في الدنيا، ثُمَّ استأنف على هذا: ﴿ونَذَرُهُمْ﴾ في الدنيا ﴿فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾»
عن عبد الله بن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رئاب -من طريق ابن إسحاق، عن الكلبي، عن أبي صالح- قال: مَرَّ أبو ياسر بن أخْطَب، فجاء رجلٌ من يهود لرسول الله ﷺ، وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: ﴿الم ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾. فأتى أخاه حُيَيَّ بن أخْطَبَ في رِجالٍ من اليهود، فقال: أتعلمون، واللهِ، لقد سمعتُ محمدًا يتلو فيما أنزل عليه: ﴿الم ذلك الكتاب﴾. فقال: أنت سمعتَه؟ قال: نعم. فمشى حتى وافى أولئك النفر إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: ألم تقل: إنّك تتلو فيما أُنزل عليك: ﴿الم ذلك الكتاب﴾؟ فقال: «بلى». فقالوا: لقد بُعث بذلك أنبياء، ما نعلمُه بُيِّن لنبيٍّ منهم ما مُدَّةُ مُلْكِه وما أجَلُ أُمَّتِهِ غيرَك! الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة. ثم قال: يا محمد، هل مع هذا غيره؟ قال: «نعم، ﴿المص﴾». قال: هذه أثقلُ وأطولُ، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه إحدى وثلاثون ومائة، هل مع هذا غيره؟ قال: «نعم، ﴿الر﴾». قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، هذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة، هل مع هذا غيره؟ قال: «نعم، ﴿المر﴾». قال: هذه أثقل وأطول، هذه إحدى وسبعون ومائتان. ثُمَّ قال: لقد لُبِّس علينا أمرُك حتى ما ندري أقليلًا أُعطيتَ أم كثيرًا؟! ثم قال: قوموا عنه. ثم قال أبو ياسر لأخيه ومَن معه: ما يدريكم، لعلَّه قد جُمِع هذا كله لمحمد؟! إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع سنين. فقالوا: لقد تشابه علينا أمرُه. فيزعمون: أنّ هذه الآيات نزلت فيهم: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾
عن زيد بن أرْقَم -من طريق أبي سعيد- قال: غَزَونا مع رسول الله ﷺ، وكان معنا ناس من الأعراب، فكُنّا نَبْتَدِر الماء، وكان الأعراب يَسبقونا إليه، فَيَسبِق الأعرابيُّ أصحابَه، فيَملأ الحوض، ويَجعل حوله حجارة، ويَجعل النِّطْعَ عليه حتى يجيء أصحابه، فأتى رجلٌ مِن الأنصار أعرابيًّا، فأَرخى زِمام ناقته لتَشرب، فأبى أن يَدَعه، فانتَزع حجرًا، ففاض الماء، فرفَع الأعرابيُّ خشبةً، فضَرب بها رأس الأنصاريّ، فشَجّه، فأتى عبد الله بن أُبيّ رأس المنافقين، فأَخبَره، وكان من أصحابه، فغَضِب، وقال: لا تُنفِقوا على مَن عند رسول الله حتى يَنفَضُّوا من حوله. يعني: الأعراب، وكانوا يَحضُرون رسول الله ﷺ عند الطعام، فقال عبدُ الله لأصحابه: إذا انفَضُّوا من عند محمد فائتُوا محمدًا بالطعام فليأكل هو ومَن عنده. ثم قال لأصحابه: إذا رَجعتم إلى المدينة فليُخرِج الأَعزُّ منها الأَذلَّ. قال زيد: وأنا رِدْف عمّي، فسمعتُ عبد الله، وكُنّا أخواله، فأَخبَرتْ عمّي، فانطلَق، فأَخبَر رسول الله ﷺ، فأَرسَل إليه رسول الله، فحَلف وجَحد، فصَدَّقه رسول الله ﷺ وكذَّبني، فجاء عمّي إليّ، فقال: ما أردتَ إلا أن مقَتَك رسول الله ﷺ، وكذَّبك، وكذَّبك المسلمون. فوقع عليّ مِن الهمّ ما لم يقع على أحد قطّ، فبينما أنا أسِير وقد خَفَقْتُ برأسي من الهمّ إذ آتاني رسول الله ﷺ، فعَرَك أُذُني، وضَحك في وجهي، فما كان يَسُرُّني أنّ لي بها الخُلْد أو الدنيا، ثمّ إنّ أبا بكر لَحِقني، فقال: ما قال لك رسول الله ﷺ؟ قلتُ: ما قال لي شيئًا، إلا أنّه عَرَك أُذُني، وضَحك في وجهي. فقال: أبْشِر. ثمّ لَحِقني عمر، فقلتُ له مثل قولي لأبي بكر، فلمّا أصبَحنا قرأ رسول الله ﷺ سورة المنافقين: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ﴾ حتى بلغ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنها الأَذَلَّ﴾