جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿هُوَ الّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مّحْكَمَاتٌ هُنّ أُمّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمّا الّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلّ مّنْ عِندِ رَبّنَا وَمَا يَذّكّرُ إِلاّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾
يعني بقوله جلّ ثناؤه :﴿هُوَ الّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ أن الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ﴿هُوَ الّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ يعني بالكتاب : القرآن. وقد أتينا على البيان فيما مضى عن السبب الذي من أجله سُمّي القرآن كتابا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وأما قوله :﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ فإنه يعني من الكتاب آيات، يعني بالآيات آيات القرآن. وأما المحكمات : فإنهنّ اللواتي قد أحكمن بالبيان والتفصيل، وأثبتت حججهن وأدلتهن على ما جعلن أدلة عليه من حلال وحرام، ووعد ووعيد، وثواب وعقاب، وأمر وزجر، وخبر ومثل، وعظة وعبر، وما أشبه ذلك. ثم وصف جل ثناؤه هؤلاء الاَيات المحكمات بأنهنّ هنّ أمّ الكتاب، يعني بذلك أنهنّ أصل الكتاب الذي فيه عماد الدين والفرائض والحدود، وسائر ما بالخلق إليه الحاجة من أمر دينهم، وما كلفوا من الفرائض في عاجلهم وآجلهم. وإنما سماهنّ أم الكتاب، لأنهنّ معظم الكتاب، وموضع مفزع أهله عند الحاجة إليه، وكذلك تفعل العرب، تسمي الجامع معظم الشيء أُمّا له، فتسمي راية القوم التي تجمعهم في العساكر أمهم، والمدبر معظم أمر القرية والبلدة أمها. وقد بينا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته. ووحد أمّ الكتاب، ولم يجمع فيقول : هنّ أمهات الكتاب، وقد قال هنّ لأنه أراد جميع الاَيات المحكمات أمّ الكتاب، لا أن كل آية منهنّ أمّ الكتاب، ولو كان معنى ذلك أن كل آية منهنّ أمّ الكتاب، لكان لا شكّ قد قيل : هنّ أمهات الكتاب. ونظير قول الله عزّ وجلّ :﴿هُنّ أُمّ الكِتَابِ﴾ على التأويل الذي قلنا في توحيد الأم وهي خبر ل«هُنّ » قوله تعالى ذكره :﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمّهُ آيَةً﴾ ولم يقل آيتين، لأن معناه : وجعلنا جميعهما آية، إذ كان المعنى واحدا فيما جُعلا فيه للخلق عبرة. ولو كان مراده الخبر عن كل واحد منهما على انفراده، بأنه جعل للخلق عبرة، لقيل : وجعلنا ابن مريم وأمه آيتين¹ لأنه قد كان في كل واحد منهما لهم عبرة. وذلك أن مريم ولدت من غير رجل، ونطق ابنها فتكلم في المهد صبيا، فكان في كل واحد منهما للناس آية.
وقد قال بعض نحويي البصرة : إنما قيل :﴿هُنّ أُمّ الكِتَابِ﴾ ولم يقل :«هنّ أمهات الكتاب » على وجه الحكاية، كما يقول الرجل : ما لي أنصار، فتقول : أنا أنصارك، أو ما لي نظير، فتقول : نحن نظيرك. قال : وهو شبيه «دعني من تمرتان »، وأنشد لرجل من فقعس :
| تَعَرّضَتْ لِي بِمَكانٍ حَلّ | تَعَرّضَ المُهْرَةِ في الطّوَلّ |
حَلّ أي يحلّ به، على الحكاية، لأنه كان منصوبا قبل ذلك، كما يقول : نودي : الصلاةَ الصلاةَ، يحكي قول القائل : الصلاةَ الصلاةَ ! وقال : قال بعضهم : إنما هي أن قتلاً لي، ولكنه جعله «عن » لأن أن في لغته تجعل موضعها «عن » والنصب على الأمر، كأنك قلت : ضربا لزيد. وهذا قول لا معنى له، لأن كل هذه الشواهد التي استشهد بها، لا شكّ أنهنّ حكايات حالتهن بما حكي عن قول غيره وألفاظه التي نطق بهنّ، وأن معلوما أن الله جلّ ثناؤه لم يحك عن أحد قوله : أمّ الكتاب، فيجوز أن يقال : أخرج ذلك مخرج الحكاية عمن قال ذلك كذلك.
وأما قوله ﴿وأُخرَ﴾ فإنها جمع أخرى.
ثم اختلف أهل العربية في العلة التي من أجلها لم يصرف «أُخر »، فقال بعضهم : لم يصرف أُخَر من أجل أنها نعت واحدتها أخرى، كما لم تصرف جُمع وكُتع، لأنهنّ نعوت.
وقال آخرون : إنما لم تصرف الأُخَر لزيادة الياء التي في واحدتها، وأن جمعها مبني على واحدها في ترك الصرف، قالوا : وإنما ترك صرف أخرى، كما ترك صرف حمراء وبيضاء في النكرة والمعرفة لزيادة المدة فيها والهمزة بالواو، ثم افترق جمع حمراء وأخرى، فبنى جمع أخرى على واحدته، فقيل : فُعَل أُخَر، فترك صرفها كما ترك صرف أخرى، وبنى جمع حمراء وبيضاء على خلاف واحدته، فصرف، فقيل حُمْر وبِيض. فلاختلاف حالتيهما في الجمع اختلف إعرابهما عندهم في الصرف، ولاتفاق حالتيهما في الواحدة اتفقت حالتهما فيها.
وأما قوله :﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾ فإن معناه : متشابهات في التلاوة، مختلفات في المعنى، كما قال جلّ ثناؤه :﴿وأتُوُا بِهِ مُتَشابِها﴾ يعني في المنظر : مختلفا في المطعم، وكما قال مخبرا عمن أخبر عنه من بني إسرائيل أنه قال :﴿إنّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ يعنون بذلك : تشابه علينا في الصفة، وإن اختلفت أنواعه.
فتأويل الكلام إذا : إن الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، هو الذي أنزل عليك يا محمد القرآن، منه آيات محكمات بالبيان، هنّ أصل الكتاب الذي عليه عمادك وعماد أمتك في الدين، وإليه مفزعك ومفزعهم فيما افترضت عليك وعليهم من شرائع الإسلام، وآيات أخر هنّ متشابهات في التلاوة، مختلفات في المعاني.
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله :﴿مِنْهُ آياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُمّ أمّ الكتابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهاتٌ﴾ وما المحكم من آي الكتاب، وما المتشابه منه ؟
فقال بعضهم : المحكمات من آي القرآن : المعمول بهنّ، وهن الناسخات، أو المثبتات الأحكام¹ والمتشابهات من آية : المتروك العمل بهن، المنسوخات. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا العوّام، عمن حدثه، عن ابن عباس في قوله :﴿مِنْهُ آياتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قال : هي الثلاث الاَيات التي ههنا :﴿قُلْ تَعَالَوْا أتْلُ ما حَرّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى ثَلاث آيات، والتي في بني إسرائيل :﴿وَقَضَى رَبّكَ ألاّ تَعْبُدُوا إلاّ إيّاهُ﴾ إلى آخر الاَيات.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : حدثنا معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله :﴿هُوَ الّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنّ أُمّ الكِتابِ﴾ المحكمات : ناسخه، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه، وما يؤمن به، ويعمل به. قال :﴿وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ والمتشابهات : منسوخه، ومقدّمه، ومؤخره، وأمثاله، وأقسامه، وما يؤمن به، ولا يعمل به.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله :﴿هُوَ الّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ إلىَ ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهاتٌ﴾ فالمحكمات التي هي أم الكتاب : الناسخ الذي يدان به ويعمل به¹ والمتشابهات : هن المنسوخات التي لا يدان بهن.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبيّ ﷺ :﴿هُوَ الّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنّ أُمّ الكِتابِ﴾ إلى قوله :﴿كُلّ مِنْ عِنْدِ رَبّنا﴾ أما الاَيات المحكمات : فهن الناسخات التي يعمل بهنّ¹ وأما المتشابهات : فهنّ المنسوخات.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿هُوَ الّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُمّ أُمّ الكِتابِ﴾ والمحكمات : الناسخ الذي يعمل به ما أحلّ الله فيه حلاله وحرم فيه حرامه¹ وأما المتشابهات : فالمنسوخ الذي لا يعمل به ويؤمن به.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿آياتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قال : المحكم : ما يعمل به.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع :﴿هُوَ الّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنّ أمّ الكتاب وأخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ قال : المحكمات : الناسخ الذي يعمل به، والمتشابهات : المنسوخ الذي لا يعمل به، ويؤمن به.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله :﴿آياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنّ أُمّ الكِتابِ﴾ قال : الناسخات، ﴿وأُخَرَ مُتَشابِهاتٌ﴾ قال : ما نسخ وترك يتلى.
حدثني ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم، قال : المحكم ما لم ينسخ، وما تشابه منه : ما نسخ.
حدثني يحيى بن أبي طالب، قال : أخبرنا يزيد، قال : أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله :﴿آياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنّ أُمّ الكِتابِ﴾ قال : الناسخ، ﴿وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ قال : المنسوخ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع :﴿هُوَ الّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنّ أمّ الكِتابِ وأخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ قال : المحكمات : الذي يعمل به.
حدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يحدث، قال : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :﴿مِنْهُ آياتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ يعني : الناسخ الذي يعمل به، ﴿وَأُخَرُ مُتَشابِهات﴾ يعني المنسوخ، يؤمن به ولا يعمل به.
حدثني أحمد بن حازم، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا سلمة، عن الضحاك :﴿مِنْهُ آياتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قال : ما لم ينسخ، ﴿وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ قال : ما قد نسخ.
وقال آخرون : المحكمات من آي الكتاب : ما أحكم الله فيه بيان حلاله وحرامه¹ والمتشابه منها : ما أشبه بعضه بعضا في المعاني وإن اختلفت ألفاظه. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿مِنْهُ آياتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ ما فيه من الحلال والحرام وما سوى ذلك، فهو متشابه يصدّق بعضه بعضا، وهو مثل قوله :﴿وَما يَضِلّ بِهِ إلاّ الفاسِقِينَ﴾، ومثل قوله :﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرّجْسَ عَلى الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾، ، ومثل قوله :﴿وَالّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وآتاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. مثله.
وقال آخرون : المحكمات من آي الكتاب : ما لم يحتمل من التأويل غير وجه واحد¹ والمتشابه منه : ما احتمل من التأويل أوجها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال : ثني محمد بن جعفر بن الزبير :﴿هُوَ الّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ فيهن حجة الربّ، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لها تصريف
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
٦٥٧١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: ثم قال - يعني الرب عز وجل -: إنزاهًا لنفسه، وتوحيدًا لها مما جعلوا معه:"لا إله إلا هو العزيز الحكيم"، قال: العزيز في انتصاره ممن كفر به إذا شاء، (٢) والحكيم في عُذْره وحجته إلى عباده. (٣)
٦٥٧٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"لا إله إلا هو العزيز الحكيم"، يقول: عزيز في نقمته، حكيمٌ في أمره.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"هو الذي أنزل عليك الكتاب"، إن الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، هو الذي أنزل عليك الكتاب = يعني ب"الكتاب"، القرآن.
* * *
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: "في نصرته" وهو خطأ في المعنى، فإن"النصرة"، اسم من"النصر" وهو لا مكان له هنا. وأما "الانتصار" فهو: الانتقام. وانتصر منه: انتقم.
(٣) في ابن هشام: "في حجته وعذره إلى عباده"، وهي أجود لمكان"إلى" من الكلام. أعذر إليه إعذارًا وعذرًا: بلغ الغاية في إرشاده حتى لم يبق موضع للاعتذار.
* * *
وأما قوله:"منه آيات محكمات" فإنه يعني: من الكتاب آيات. يعني ب"الآيات" آيات القرآن.
وأما"المحكمات"، فإنهن اللواتي قد أحكمن بالبيان والتفصيل، وأثبتت حججهن وأدلتهن على ما جُعلن أدلة عليه من حلال وحرام، ووعد ووعيد، وثواب وعقاب، وأمر وزجر، وخبر ومثل، وعظة وعِبر، وما أشبه ذلك.
* * *
ثم وصف جل ثناؤه: هؤلاء"الآيات المحكمات"، بأنهن:"هُنّ أمّ الكتاب" (٢). يعني بذلك: أنهن أصل الكتاب الذي فيه عماد الدين والفرائض والحدود، وسائر ما بالخلق إليه الحاجة من أمر دينهم، وما كلفوا من الفرائض في عاجلهم وآجلهم.
* * *
وإنما سماهن"أمّ الكتاب"، لأنهن معظم الكتاب، وموضع مَفزَع أهله عند الحاجة إليه، وكذلك تفعل العرب، تسمي الجامعَ معظم الشيء"أمًّا" له. فتسمى راية القوم التي تجمعهم في العساكر:"أمّهم"، والمدبر معظم أمر القرية والبلدة:"أمها".
وقد بينا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته. (٣)
* * *
ووحَّد"أمّ الكتاب"، ولم يجمع فيقول: هن أمَّهات الكتاب، وقد قال:"هُنّ" = لأنه أراد جميع الآيات المحكمات"أم الكتاب"، لا أن كل آية منهن"أم الكتاب". ولو كان معنى ذلك أن كل آية منهن"أم الكتاب"،
(٢) في المخطوطة"بأنهن من الكتاب" وهو خطأ، والصواب ما في المطبوعة.
(٣) انظر ما سلف ١: ١٠٧، ١٠٨.
* * *
وقد قال بعض نحويي البصرة: إنما قيل:"هن أم الكتاب"، ولم يَقل:"هن أمهات الكتاب" على وجه الحكاية، كما يقول الرجل:"ما لي أنصار"، فتقول:"أنا أنصارك" = أو:"ما لي نظير"، فتقول:"نحن نظيرك". (٣) قال: وهو شبيهُ:"دعني من تَمرْتَان"، وأنشد لرجل من فقعس: (٤)
تَعَرَّضَتْ لِي بِمَكَانِ حَلِّ... تَعرُّض المُهْرَةِ فِي الطِّوَلِّ تَعَرُّضًا لَمْ تَألُ عَنْ قَتْلا لِي (٥)
(٢) في المطبوعة:
| "ولو كان مراده الخبر | " والصواب الجيد من المخطوطة. |
(٤) هو منظور بن مرثد بن فروة الفقعسي الأسدي. ويقال: "منظور بن فروة بن مرثد"، وهو نفسه"منظور بن حبة الفقعسي الأسدي"، و"حبة" أمه، ويعرف بها.
(٥) مجالس ثعلب: ٦٠٢ (أبيات كثيرة من هذا الرجز) وشرح شواهد الشافية: ٢٤٨ - ٢٥١، وسر صناعة الإعراب ١: ١٧٧- ١٧٩ / ثم ٢٣٥، واللسان (طول) (قتل)، وغيرها. ورواية البيت الأول في مجالس ثعلب"بمجاز حل"، والأخير"عن قتللى"، ولا شاهد في هذه الرواية. وقد ذكر في اللسان اختلاف روايته."والطول" (بكسر الطاء وفتح الواو واللام غير مشددة كما في الرجز) : هو الجبل الذي يطول للدابة فترعى فيه، وإنما شدد الراجز. لم تأل: لم تقصر. والضمير في هذا الشعر إلى صاحبته التي يقول فيها قبل هذه الأبيات:
| مَنْ لِيَ مِنْ هِجْرَانِ لَيْلَى؟ مَنْ لِي؟ | وَالحَبْلِ مِنْ وِصَالِهَا المُنْحَلِّ؟ |
وقال: قال بعضهم: إنما هي:"أنْ قتلا لي"، ولكنه جعله"عينًا"، (٢) لأن"أن" في لغته تجعل موضعها"عن"، والنصبُ على الأمر، كأنك قلت:"ضربًا لزيد".
* * *
قال أبو جعفر: وهذا قول لا معنى له. لأن كل هذه الشواهد التي استشهدَها، (٣) لا شك أنهن حكايات حاكيهنّ، (٤) بما حكى عن قول غيره وألفاظه التي نطق بهن = وأن معلومًا أن الله جل ثناؤه لم يحك عن أحد قوله:"أمّ الكتاب"، فيجوز أن يقال: أخرج ذلك مُخرَج الحكاية عمن قال ذلك كذلك. (٥)
* * *
وأما قوله:"وأخَرُ" فإنها جمع"أخْرَى". (٦)
* * *
وقوله"بمكان حل" ضبط بالقلم في اللسان وفي مجالس ثعلب بتنوين"مكان" و"مجاز"، وكسر الحاء من"حل". ولا أظنه صوابًا، فلم أجدهم يقولون: "مكان حل" بكسر الحاء، وإنما هو بفتحها بالإضافة، لا بالنعت: ": حل بالمكان حلولا وحلا". أي: نزل به.
وقوله: "على الحكاية" في سياق قوله: "وأنشد لرجل من فقعس... ".
(٢) في المطبوعة: "جعله عن"، ولا خير في هذا التغيير، والذي في المخطوطة عين الصواب.
(٣) في المطبوعة: "استشهد بها"، والذي في المخطوطة صواب عريق في العربية.
(٤) في المطبوعة: "حكايات حالهن"، وهو كلام لا مفهوم له. وفي المخطوطة"حالسهن" ولم يضع شرطة الكاف، فلذلك اشتبهت على الناسخ.
(٥) في المخطوطة: "أخرج ذلك محلر الحكاية"، وكأن الصواب المحض ما في المطبوعة، وهذا تحريف من عجلة الناسخ، أراد أن يكتب"مخرج"، فزاد القلم لامًا، ثم راجع راء، ثم أسقط الجيم.
(٦) انظر ما سلف ٣: ٤٥٩. وفي المطبوعة: "جمع آخر"، وفي المخطوطة، بغير مدة على الألف، ورجحت أن تكون"أخرى"، لما مضى من قوله في ذلك ولما سيأتي بعد قليل، ولأنه القياس.
فقال بعضهم: لم يصرف"أخر" من أجل أنها نعتٌ، واحدتها"أخرى"، كما لم تصرف"جُمَع" و"كُتَع"، لأنهن نعوتٌ.
* * *
وقال آخرون: إنما لم تصرف"الأخر"، لزيادة الياء التي في واحدتها، وأنّ جمعها مبنيّ على واحدها في ترك الصرف. قالوا: وإنما ترك صرف"أخرى"، كما ترك صرف"حمراء" و"بيضاء"، في النكرة والمعرفة، لزيادة المدة فيها والهمزة بالواو. (١) ثم افترق جمع"حمراء" و"أخرى"، فبنى جمع"أخرى" على واحدته فقيل:"فُعَلٌ" و"أخر"، (٢) فترك صرفها كما ترك صرف"أخرى" = وبنى جمع"حمراء" و"بيضاء" على خلاف واحدته فصرف، فقيل:"حمر" و"بيض"، فلاختلاف حالتهما في الجمع، اختلفَ إعرابهما عندهم في الصرف. ولاتفاق حالتيهما في الواحدة، اتفقت حالتاهما فيها.
* * *
وأما قوله:"متشابهات"، فإن معناه: متشابهات في التلاوة، مختلفات في المعنى، كما قال جل ثناؤه: (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) [سورة البقرة: ٢٥]، يعني في المنظر، مختلفًا في المطعم (٣) وكما قال مخبرًا عمن أخبر عنه من بني إسرائيل أنه قال: (إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا) [سورة البقرة: ٧٠]، يعنون بذلك: تشابه علينا في الصفة، وإن اختلفت أنواعه. (٤)
* * *
(٢) المرجح عندي أن قوله: "فعل" زيادة من الناسخ.
(٣) انظر ما سلف ١: ٣٨٥-٣٩٤.
(٤) انظر ما سلف ٢: ٢٠٩-٢١١.
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخَر متشابهات"، وما المحكم من آي الكتاب، وما المتشابه منه؟
فقال بعضهم:"المحكمات" من آي القرآن، المعمول بهن، وهنّ الناسخات أو المثبتاتُ الأحكامَ ="والمتشابهات" من آية، المتروك العملُ بهنّ، المنسوخاتُ.
ذكر من قال ذلك:
٦٥٧٣ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا العوّام، عمن حدثه، عن ابن عباس في قوله:"منه آيات محكمات"، قال: هي الثلاث الآيات من ههنا: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) [سورة الأنعام: ١٥١، ١٥٢]، إلى ثلاث آيات، (١) والتي في"بني إسرائيل": (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ) [سورة الإسراء: ٢٣ - ٣٩]، إلى آخر الآيات. (٢)
(٢) الأثر: ٦٥٧٣- هكذا إسناده في المخطوطة والمطبوعة، وأنا أخشى أن يكون سقط من إسناده"عن أبي إسحاق"، بعد"قال أخبرنا العوام". و"العوام" هو العوام بن حوشب، يروي أبي إسحاق السبيعي. أما قوله في الإسناد"عمن حدثه" فإن ذلك كذلك، لأن الذي روى عنه أبو إسحاق السبيعي، هو"عبد الله بن قيس"، مذكور بروايته هذا الأثر، وراويه عنه هو أبو إسحاق السبيعي، ولم يعرف من روى عنه غير أبي إسحاق. (تهذيب التهذيب ٥: ٣٦٥). والأثر نفسه رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٨٨ من طريق: "علي بن صالح بن حي، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن قيس، عن ابن عباس". ونصه: "آيات محكمات، هي التي في الأنعام: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم - إلى آخر الثلاث الآيات". وقال الحاكم: "صحيح"، ووافقه الذهبي. من أجل ذلك خشيت أن يكون سقط من إسناد الطبري"عن أبي إسحاق"، ولكني لم أثبته في نصه.
٦٥٧٥ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله:"هو الذي أنزل عليك الكتاب" إلى"وأخر متشابهات"، فالمحكمات التي هي أمّ الكتاب: الناسخ الذي يُدان به ويعمل به. والمتشابهات، هن المنسوخات التي لا يُدان بهنّ.
٦٥٧٦ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس = وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:"هو الذي أنزلَ عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب" إلى قوله:"كل من عندنا ربنا"، أما"الآيات المحكمات": فهن الناسخات التي يعمَل بهن = وأما"المتشابهات" فهن المنسوخات.
٦٥٧٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب"، و"المحكمات": الناسخ الذي يعمل به، ما أحلّ الله فيه حلاله وحرّم فيه حرامه = وأما"المتشابهات": فالمنسوخ الذي لا يُعمل به ويُؤمن به.
٦٥٧٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"آيات محكمات"، قال: المحكم ما يعمل به.
٦٥٧٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن
٦٥٨٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"آيات محكمات هن أم الكتاب"، قال: الناسخات ="وأخر متشابهات"، قال: ما نُسخ وتُرك يُتلى.
٦٥٨١ - حدثني ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم قال: المحكم، ما لم ينسخ = وما تشابه منه: ما نسخ.
٦٥٨٢ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"آيات محكمات هن أم الكتاب"، قال: الناسخ ="وأخر متشابهات"، قال: المنسوخ.
٦٥٨٣ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يحدث قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"منه آيات محكمات"، يعني الناسخ الذي يعمل به ="وأخر متشابهات"، يعنى المنسوح، يؤمن به ولا يعمل به.
٦٥٨٤- حدثني أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سلمة، عن الضحاك:"منه آيات محكمات"، قال: ما لم ينسخ ="وأخر متشابهات"، قال: ما قد نسخ.
* * *
وقال آخرون:"المحكمات" من آي الكتاب: ما أحكم الله فيه بيانَ حلاله وحرامه ="والمتشابه" منها: ما أشبه بعضُه بعضًا في المعاني، وإن اختلفت ألفاظه.
ذكر من قال ذلك:
٦٥٨٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
* * *
وقال آخرون:"المحكمات" من آي الكتاب: ما لم يحتمل من التأويل غير وجه واحد ="والمتشابه" منها: ما احتمل من التأويل أوجهًا.
ذكر من قال ذلك:
٦٥٨٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن جعفر بن الزبير:"هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات"، فيهن حجة الربّ، وعصمةُ العباد، ودفع الخصُوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعت عليه = (١) "وأخَرُ متشابهات"، في الصدق، (٢) لهن تصريف وتحريف وتأويل، (٣) ابتلى الله فيهن العبادَ، كما ابتلاهم في الحلال والحرام، لا يُصرفن إلى الباطل ولا يحرّفن عن الحق. (٤)
* * *
(٢) في المطبوعة: "وأخر متشابهة"، والصواب من المخطوطة وابن هشام. وليس في نص ابن هشام: "في الصدق"، ولكنها ثابتة في المخطوطة.
(٣) ليس في نص رواية ابن هشام"وتحريف".
(٤) الأثر ٦٥٨٧- هو بقية الآثار السالفة التي آخرها: ٦٥٧١، من روايته عن ابن إسحاق.
ذكر من قال ذلك:
٦٥٨٨ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد وقرأ: (ألر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [سورة هود: ١]، قال: وذكر حديثَ رسول الله ﷺ في أربع وعشرين آية منها: (٢) وحديثَ نوح في أربع وعشرين آية منها. ثم قال: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ) [سورة هود: ٤٩]، ثم ذكر (وَإِلَى عَادٍ)، فقرأ حتى بلغ (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) (٣) ثم مضى. ثم ذكر صالحًا وإبراهيم ولوطًا وشعيبًا وفرغ من ذلك. وهذا تبيين ذلك، تبيين"أحكمت آياته ثم فصلت" = (٤) قال: والمتشابهُ ذكر موسى في أمكنة
(٢) يعني من"سورة هود"، وهذا التعداد الآتي على الترتيب في المصحف.
(٣) كأنه يعني أنه قرأ حتى بلغ هذه الآية من سورة هود: ٨٩- ولكن هذه الآية في ذكر خبر شعيب عليه السلام، فلا أدري ما قوله بعد: "ثم مضى، ثم ذكر صالحًا وإبراهيم ولوطًا وشعيبًا". وظني أن نص عبارته:
| "ثم مضى. ذكر صالحًا وإبراهيم ولوطًا وشعيبًا | " بإسقاط"ثم" الثانية. وانظر التعليق التالي. |
| وهذا يقين ذلك يقين أحكمت | " وكأن الصواب ما أثبت. |
فمن أجل ذلك، رجحت التصحيح السالف في التعليق الماضي، ورجحت أن تكون"يقين" في الموضعين: "تبيين".
* * *
وقال آخرون: بل"المحكم" من آي القرآن: ما عرف العلماءُ تأويله، وفهموا معناه وتفسيره = و"المتشابه": ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل، مما استأثر الله بعلمه دون خلقه، وذلك نحو الخبر عن وقت مَخْرج عيسى ابن مريم، ووقت طُلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناءِ الدنيا، وما أشبه ذلك، فإن ذلك لا يعلمه أحدٌ. وقالوا: إنما سمى الله من آي الكتاب"المتشابه"، الحروف المقطّعة التي في أوائل بعض سور القرآن، من نحو"ألم" و"ألمص"، و"ألمر"، و"ألر"، وما أشبه ذلك، لأنهن متشابهات في الألفاظ، وموافقات حروف حساب الجمَّل. وكان قومٌ من اليهود على عهد رسول الله ﷺ طَمِعوا أن يدركوا من قِبَلها معرفة مدّة الإسلام وأهله، ويعلموا نهايةَ أُكْلِ
(٢) "منها" يعني من"سورة هود"، وكذلك سائر ما بعده.
* * *
قال أبو جعفر: وهذا قولٌ ذُكر عن جابر بن عبد الله بن رئاب: (٢) أن هذه الآية نزلت فيه، (٣) وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه وعن غيره ممن قال نحو مقالته، في تأويل ذلك في تفسير قوله: (الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ) (٤) [سورة البقرة: ٢]
* * *
قال أبو جعفر: وهذا القول الذي ذكرناه عن جابر بن عبد الله أشبه بتأويل الآية. وذلك أن جميع ما أنزل الله عز وجل من آي القرآن على رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنما أنزله عليه بيانًا له ولأمته وهدًى للعالمين، وغيرُ جائز أن يكون فيه ما لا حاجة بهم إليه، ولا أن يكون فيه ما بهم إليه الحاجةُ، ثم لا يكون لهم إلى علم تأويله سبيل. فإذْ كان ذلك كذلك، فكل ما فيه بخلقه إليه الحاجة، (٥) وإن كان في بعضه ما بهم عن بعض معانيه الغنى= [وإن اضطرته الحاجة إليه في معان كثيرة] (٦) = وذلكَ
(٢) في المطبوعة: "بن رباب" وهو خطأ، والصواب ما أثبت و"رئاب" بكسر الراء. وانظر ما سلف ١: ٢١٦ وما سيأتي في التعليق: ٤، وفيه المرجع.
(٣) قوله: "فيه"، أي: في هذا القول. لا في"جابر بن عبد الله".
(٤) انظر ما سلف ١: ٢٤٥-٢٢٤ في تفسير"ألم"، والأثر رقم: ٢٤٦ والتعليق عليه.
(٥) في المطبوعة: "لخلقه"، وفي المخطوطة: "محلقه" غير منقوطة، والحرف الأول كأنه ميم مطموسة، وصواب قراءته ما أثبت.
(٦) هذه الجملة التي بين القوسين، هكذا جاءت في المطبوعة، ومثلها في المخطوطة وإن كان قوله "اصطرته" غير منقوطة هكذا. وهي عبارة غير واضحة المعنى، وأنا أخشى أن يكون الناسخ قد أغفل أسطرًا من هذا الموضع، فاختلط الكلام علينا وعليه! وإسقاط هذه الجملة من سياق الكلام لا يضر. ولكني تركتها على حالها، ووضعتها بين قوسين، وحصرتها بين الخطوط، ليعرف مكانها، ومكان السقط الذي رجحت أنه سهو من الناسخ.
فإذْ كان المتشابه هو ما وصفنا، فكل ما عداه فمحكم. لأنه لن يخلو من أن يكون محكمًا بأنه بمعنى واحد لا تأويل له غير تأويل واحد، وقد استغنى بسماعه عن بيان يُبينه = (٤) أو يكون محكمًا، وإن كان ذا وُجوه وتأويلات وتصرف في
(٢) في المطبوعة: "بعد بالسنين... "، وفي المخطوطة: "بعد السنين... "، وظاهر أن الناسخ أسقط الدال الثانية من"بعدد".
(٣) في المطبوعة: "لا حاجة لهم" باللام، وأثبت صوابها من المخطوطة.
(٤) في المطبوعة والمخطوطة"مبينة"، ولكن ميم المخطوطة كأنها ليست"ميما"، وصواب قراءة النص هو ما أثبت.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَاب﴾
قال أبو جعفر: قد أتينا على البيان عن تأويل ذلك بالدلالة الشاهدة على صحة ما قلناه فيه. (١) ونحن ذاكرو اختلاف أهل التأويل فيه، وذلك أنهم اختلفوا في تأويله.
فقال بعضهم: معنى قوله:"هن أم الكتاب"، هنّ اللائي فيهن الفرائض والحدود والأحكام، نحو قولنا الذي قلنا فيه. (٢)
ذكر من قال ذلك:
٦٥٨٩- حدثنا عمران بن موسى القزاز قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال، حدثنا إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر أنه قال في هذه الآية:"محكمات هنّ أم الكتاب". قال يحيى: هن اللاتي فيهنّ الفرائضُ والحدودُ وعمادُ الدين = وضرب لذلك مثلا فقال:"أمّ القرى" مكة،"وأم خراسان"، مَرْو،"وأمّ المسافرين"، الذي يجعلون إليه أمرَهم، ويُعنى بهم في سفرهم، قال: فذاك أمهم. (٣)
٦٥٩٠ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"هن أم الكتاب"، قال: هن جماع الكتاب.
* * *
(٢) في المطبوعة: "نحو قلنا" وهو سهو صوابه من المخطوطة.
(٣) الأثر: ٦٥٨٩-"عمران بن موسى الفزار"، و"عبد الوارث بن سعيد" مضت ترجمتهما برقم ٢١٥٤. وانظر التعليق على الأثر رقم: ٦٥٩١، التالي.
ذكر من قال ذلك:
٦٥٩١ - حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال، حدثنا إسحاق بن سويد، عن أبي فاختة أنه قال في هذه الآية:"منه آيات محكمات هن أم الكتاب"، قال:"أم الكتاب" فواتح السور، منها يستخرج القرآن - (الم ذَلِكَ الْكِتَابُ)، منها استخرجت"البقرة"، و (الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ) منها استخرجت"آل عمران". (٢)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فأما الذين في قلوبهم ميل عن الحق وانحرافٌ عنه.
* * *
يقال منه:"زاغ فلان عن الحق، فهو يَزيغ عنه زَيْغًا وزيَغانًا وزيْغُوغَة وزُيوغًا"، و"أزاغه الله" - إذا أماله -"فهو يُزيغه"، ومنه قوله جل ثناؤه: (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا) لا تملها عن الحق = (بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) [سورة آل عمران: ٨].
* * *
(٢) الأثر: ٦٥٩١-"أبو فاختة" هو"سعيد بن علاقة الهاشمي"، مولى أم هانئ، ثقة مترجم في التهذيب. وانظر الأثر السالف رقم: ٦٥٨٩. فقد خرجهما السيوطي في الدر المنثور ٢: ٤، أثرًا واحدًا مختصرًا وقال: "عن إسحاق بن سويد أن يحيى بن يعمر وأبا فاختة تراجعا هذه الآية: هن أم الكتاب، فقال أبو فاختة... وقال يحيى بن يعمر... " وساق ما في هذين الأثرين مختصرًا.
ذكر من قال ذلك:
٦٥٩٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:"فأما الذين في قلوبهم زيغٌ"، أي: ميل عن الهدى. (١)
٦٥٩٣ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"في قلوبهم زيغ"، قال: شك.
٦٥٩٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
٦٥٩٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"فأما الذين في قلوبهم زيغ"، قال: من أهل الشك.
٦٥٩٦ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس = وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:"فأما الذين في قلوبهم زيغ"، أما الزيغ فالشك.
٦٥٩٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: قال:"زيغ" شك = قال ابن جريج:"الذين في قلوبهم زيغ"، المنافقون.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"فيتبعون ما تشابه"، ما تشابهت ألفاظه وتصرَّفت معانيه بوجوه التأويلات، ليحققوا = بادّعائهم الأباطيلَ من التأويلات في ذلك = ما هم عليه من الضلالة والزّيغ عن محجة الحقّ، تلبيسًا منهم بذلك على من ضعفت معرفته بوجوه تأويل ذلك وتصاريف معانيه، كما:-
٦٥٩٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"فيتبعون ما تشابه منه"، فيحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم، ويلبِّسون، فلبَّس الله عليهم.
٦٥٩٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:"فيتبعون ما تشابه منه"، أي: ما تحرّف منه وتصرف، (١) ليصدقوا به ما ابتدعوا وأحدثوا، ليكون لهم حجة على ما قالوا وشُبْهةً. (٢)
٦٦٠٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله:"فيبغون ما تشابه منه"، قال: الباب الذي ضلُّوا منه وهلكوا فيه ابتغاءَ تأويله.
* * *
وقال آخرون في ذلك بما:
(٢) الأثر: ٦٥٩٩- هو بقية الآثار السالفة التي آخرها رقم: ٦٥٩٢، بإسناده عن ابن إسحاق. ونص ما في سيرة ابن هشام ٢: ٢٢٦"لتكون لهم حجة، ولهم على ما قالوا شبهة".
وتركت ما في التفسير هنا على حاله، لأن روايته عن ابن إسحاق، غير رواية ابن هشام".
* * *
واختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية.
فقال بعضهم: عُني به الوفدُ من نصارى نجران الذين قَدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحاجُّوه بما حاجُّوه به، وخاصموه بأن قالوا: ألست تزعم أنّ عيسى روح الله وكلمته؟ وتأولوا في ذلك ما يقولون فيه من الكفر.
ذكر من قال ذلك:
٦٦٠٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: عَمدوا - يعني الوفد الذين قدموا على رسول الله ﷺ من نصارى نجران - فخاصموا النبيَّ صلى الله عليه وسلم، قالوا: ألست تزعم أنه كلمةُ الله ورُوحٌ منه؟ قال: بلى! قالوا: فحسبُنا! فأنزل الله عز وجل:"فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة"، ثم
(٢) في المطبوعة: "يعد به النار" بالدال المهملة، ولا معنى له. وفي المخطوطة"عد به" غير منقوطة، وصواب قراءتها"يعذبه"، وما بين القوسين زيادة يقتضيها سياق الكلام.
* * *
وقال آخرون: بل أنزلت هذه الآية في أبي ياسر بن أخطب، وأخيه حُييّ بن أخطب، والنفر الذين ناظروا رسول الله ﷺ في قَدْر مُدة أُكْلِه وأكْل أمته، (١) وأرادوا علم ذلك من قِبَل قوله:"ألم و"ألمص"، و"ألمر" و"ألر"، فقال الله جل ثناؤه فيهم:"فأما الذين في قلوبهم زيغ" - يعني هؤلاء اليهود الذين قُلوبهم مائلة عن الهدى والحق ="فيتبعون ما تَشابه منه" يعني: معاني هذه الحروف المقطّعة المحتملة التصريف في الوجوه المختلفة التأويلات ="ابتغاءَ الفتنة".
وقد ذكرنا الرواية بذلك فيما مضى قبل، في أول السورة التي تذكر فيها"البقرة". (٢)
* * *
وقال آخرون: بل عنى الله عز وجل بذلك كل مبتدع في دينه بدعة مخالفةً لما ابتعث به رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، بتأويل يتأوله من بعض آي القرآن المحتملة التأويلات، وإن كان الله قد أحكم بيانَ ذلك، إما في كتابه، وإما على لسان رسوله.
ذكر من قال ذلك:
٦٦٠٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"فأما الذين في قُلوبهم زَيغٌ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاءَ الفتنة"، وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية:"فأما الذين في قلوبهم زيغ" قال: إن لم يكونوا الحرُوريّة والسبائية، (٣) فلا أدري من هم! ولعمري لقد كان في أهل بدر
(٢) انظر الأثر السالف رقم: ٢٤٦.
(٣) "الحرورية"، هم الخوارج، اجتمعوا بحر وراء بظاهر الكوفة، فكان هناك أول اجتماعهم بها وتحكيمهم حين خالفوا عليًا، وأما "السبائية"، فهم منسوبون إلى ابن السوداء اليهودي"عبد الله بن سبأ" وهو الذي قال لعلي: "أنت أنت" يعني أن الأمام فيه الجزء الإلهي، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا فنفاه علي إلى المدائن. هذا وقد كتبت في المخطوطة"السبائية"، وفي المطبوعة"السبئية"، وآثرت ما في المخطوطة لأنها هكذا هي في أكثر الكتب.
٦٦٠٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله"، طلب القوم التأويل، فأخطأوا التأويل وأصابوا الفتنة، فاتبعوا ما تشابه منه، فهلكوا من ذلك. لعمري لقد كان في أصحاب بدر والحديبية الذي شهدوا بيعة الرضوان = وذكر نحو حديث عبد الرزاق، عن معمر، عنه.
٦٦٠٥ - حدثني محمد بن خالد بن خداش ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة قالت: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هو الذي أنزل عليك الكتاب" إلى قوله:"وما يذَّكر إلا أولوا الألباب"، فقال: فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين عنى الله، فاحذرُوهم. (٦)
(٢) ألاص الأمر: أداره وحاوله. وألاص فلانًا على هذا الأمر: أداره على الشيء الذي يريده.
(٣) في المطبوعة: "أفلحه" بالحاء المهملة، وهو في المخطوطة غير منقوطة، وصواب قراءته بالجيم. أفلج الله حجته: أظهرها، وجعل له الفلج، أي الفوز والغلبة.
(٤) في المخطوطة والمطبوعة: "وإن كتموا... "، والسياق يقتضي حذف الواو.
(٥) عنى باليهودية والنصرانية، ما ابتدعه اليهود والنصارى من القول في عزير، وأنه ابن الله، وغير ذلك من مذاهبهم - ومن القول في المسيح، وأنه ابن الله، وغير ذلك من مقالاتهم.
(٦) الحديث: ٦٦٠٥- هذا الحديث رواه الطبري هنا بأحد عشر إسنادًا، كلها من رواية ابن أبي مليكة، إلا واحدًا، وهو الحديث: ٦٦١١. واختلف الرواة عن ابن أبي مليكة، فبعضهم يرويه عنه عن عائشة مباشرة، وبعضهم يرويه عنه عن القاسم عن عائشة. وكل صحيح، كما سيأتي.
وابن أبي مليكة: هو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة، القرشي المكي. وهو تابعي كبير ثقة، سمع عائشة وغيرها من الصحابة. ترجمه البخاري في الصغير، ص: ١٣١، وابن سعد ٥: ٣٤٧-٣٤٨، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٩٩-١٠٠، والمصعب في نسب قريش، ص: ٢٩٣.
فقال الترمذي: ٤: ٨٠، بعد أن روى الحديث بالوجهين، كما سيأتي-: "هكذا روى غير واحد هذا الحديث عن ابن أبي مليكة عن عائشة، ولم يذكروا فيه: عن القاسم بن محمد. وإنما ذكره يزيد بن إبراهيم: عن القاسم بن محمد، في هذا الحديث. وابن أبي مليكة، هو"عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة. وقد سمع من عائشة أيضًا".
ولم ينفرد يزيد بن إبراهيم بذكر"القاسم" في الإسناد، كما زعم الترمذي. وسيجيء بيان ذلك، إن شاء الله.
وقال الحافظ في الفتح ٨: ١٥٧: "قد سمع ابن أبي مليكة من عائشة كثيرًا، وكثيرًا ما يدخل بينها وبينه واسطة. وقد اختلف عليه في هذا الحديث..".
والحديث - من هذا الوجه، من رواية ابن علية، عن أيوب -: رواه أحمد في المسند ٦: ٤٨ (حلبي)، عن ابن علية، بهذا الإسناد. وكذلك رواه ابن ماجه: ٤٧، عن محمد بن خالد بن خداش - شيخ الطبري هنا - عن ابن علية، به.
ومحمد بن خالد بن خداش، هذا: مترجم في التهذيب. وقال: "ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أغرب عن أبيه".
ولم يترجمه ابن أبي حاتم، ولم يذكره الخطيب في تاريخ بغداد، مع أنه سكنها، كما في التهذيب.
والحديث ذكره ابن كثير ٢: ٩٧، عن رواية المسند. ثم قال: "هكذا وقع هذا الحديث في مسند الإمام أحمد، من رواية ابن أبي مليكة، عن عائشة رضي الله عنها، ليس بينهما أحد". ثم أشار إلى رواية ابن ماجه، وإلى روايات أخر، تذكر فيما سيأتي.
ولكن وقع في ابن كثير"يعقوب" بدل"أيوب"! وهو خطأ ناسخ أو طابع. وثبت في المسند على الصواب"أيوب".
مطر: هو ابن طهمان - بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء - الوراق. وهو ثقة، تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه. مات سنة ١٢٥.
والحديث - من هذا الوجه - رواه ابن حبان في صحيحه، رقم: ٧٥ بتحقيقنا، من طريق عاصم بن النضر الأحول، عن المعتمر بن سليمان، بهذا الإسناد.
وقال ابن حبان عقب روايته: "سمع هذا الخبر أيوب عن مطر الوراق وابن أبي مليكة جميعًا".
وهذا خطأ، فاتنا أن ننبه إليه هناك، إذ فهمناه على المعنى الصحيح، لم نتنبه إلى اللفظ! فابن حبان يريد أن يقول: "سمع هذا الخبر أيوب ومطر الوراق، جميعًا عن ابن أبي مليكة".
فإما كان ما ثبت فيه سبق قلم من ابن حبان، وإما كان سهوًا من الناسخين. فما كان ابن حبان ليخفى عليه أن مطرًا الوراق لم يدرك عائشة، وهو قد ذكره في الثقات، ص: ٣٤٤-٣٤٥، وذكر أنه يروي عن أنس بن مالك، وأنه مات سنة ١٢٥، قيل: ١٢٩. ومع ذلك فلم يسلم له هذا، فقد روى ابن أبي حاتم في المراسيل، ص: ٧٨، عن أبي زرعة، قال: "مطر لم يسمع من أنس شيئًا. وهو مرسل".
ولكن يعكر على كلام ابن حبان- إذا قرئ على الوجه الصواب الذي ذكرنا-: أن رواية الطبري هنا صريحة في أن مطرًا سمعه من أيوب بالزيادة التي زادها في لفظ الحديث. ويكون المعتمر بن سليمان سمعه من أيوب مختصرًا، بلفظ"فاحذروهم"، وسمعه من مطر الوراق عن أيوب مطولا، باللفظ الآخر. وهذا هو الصواب إن شاء الله. ومطر وأيوب من طبقة واحدة.
٦٦٠٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي ﷺ نحوه. (٢)
٦٦٠٩ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنا الحارث، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية:"هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هُنّ أم الكتاب وأخر متشابهات" الآية كلها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، والذين يجادلون فيه، فهم الذين عنى الله، أولئك الذين قال الله، فلا تجالسوهم. (٣)
وأشار إليه ابن كثير ٢: ٩٧، من رواية ابن ماجه. ثم قال: "ورواه محمد بن يحيى العبدي، في مسنده، عن عبد الوهاب الثقفي، به".
(٢) الحديث: ٦٦٠٨- هو الحديث السابق. وهو من رواية معمر عن أيوب. وأشار إليه ابن كثير ٢: ٩٧، قال: "وكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب. وكذا رواه غير واحد عن أيوب".
ولم يذكر ابن كثير تخريجًا آخر لرواية معمر هذه. وتفسير عبد الرزاق، مخطوطة دار الكتب المصرية - فيه خرم من أواخر سورة البقرة، إلى أوائل سورة النساء.
(٣) الحديث: ٦٦٠٩- الحارث: هو ابن بنهان الجرمي البصري. وهو ضعيف جدًا. قال البخاري في الكبير ١ / ٢ / ٢٨٢: "منكر الحديث". وكذلك قال في الصغير، ص: ١٨٥. وفي التهذيب عن الترمذي في العلل الكبير، عن البخاري: "منكر الحديث، لا يبالي ما حدث. وضعفه جدًا". وروى ابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٩١-٩٢، عن أحمد بن حنبل، قال: "رجل صالح، ولم يكن يعرف بالحديث، ولا يحفظه، منكر الحديث".
وعلى الرغم من ضعف الحارث هذا، فإن أصل الحديث صحيح، بالأسانيد الأخر: السابقة واللاحقة.
٦٦١١ - حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: نزع رسول الله
أبو أسامة: هو حماد بن أسامة الكوفي الحافظ. مضت ترجمته: ٢٩٩٥.
يزيد بن إبراهيم التستري البصري الحافظ: ثقة ثبت. وثقه أحمد، ووكيع، وأبو حاتم، وغيرهم. وجعله ابن معين أثبت من جرير بن حازم.
وهذا الإسناد أحد الروايات في هذا الحديث، التي فيها زيادة"القاسم بن محمد"، بين ابن أبي مليكة وعائشة. وكل صحيح. فهو من المزيد في متصل الأسانيد: سمعه ابن أبي مليكة من عائشة، وسمعه من القاسم عن عائشة. فحدث به على الوجهين، تارة هكذا، وتارة هكذا.
والحديث - من هذا الوجه-: رواه أبو داود الطيالسي: ١٤٣٣، عن يزيد بن إبراهيم، بهذا الإسناد، نحوه، مختصرًا قليلا.
ورواه البخاري ٨: ١٥٧-١٥٩ (فتح). ومسلم ٢: ٣٠٣-٣٠٤. وأبو داود: ٤٥٩٨- ثلاثتهم عن القعنبي، عن يزيد بن إبراهيم، بهذا الإسناد.
ورواه الترمذي: ٤: ٨٠، عن عبد بن حميد، عن أبي الوليد الطيالسي، عن يزيد بن إبراهيم، به، نحوه. وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
ورواه ابن حبان في صحيحه، رقم: ٧٢ بتحقيقنا، من طريق عبد الله - وهو ابن المبارك الإمام شيخ الإسلام - عن يزيد بن إبراهيم، به.
ولم ينفرد يزيد بن إبراهيم بزيادة"القاسم" بين ابن أبي مليكة وعائشة، فسيأتي بإسناد آخر: ٦٦١٥، بزيادة القاسم، وسيأتي أيضًا عقب هذا: ٦٦١١ من رواية عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه.
٦٦١٢ - حدثنا علي قال، حدثنا الوليد، عن نافع بن عمر، عن [ابن أبي مليكة، حدثتني] عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتموهم فاحذروهم، ثم نزع:"فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه"، ولا يعملون بمحكمه. (٢)
عبد الرحمن: هو ابن القاسم بن محمد بن أبي بكر. مضت ترجمته في: ٢٨٣٦.
وهذا إسناد صحيح. وهو متابعة صحيحة قوية لرواية ابن أبي مليكة عن القاسم بن محمد.
وقد نقله ابن كثير ٢: ٩٨. ثم قال: "ورواه ابن مردويه، من طريق أخرى، عن القاسم، عن عائشة، به".
وانظر الحديث الآتي: ٦٦١٥.
وقوله: "نزع رسول الله" - يقال: انتزع بالآية والشعر: تمثل. ويقال للرجل إذا استنبط معنى آية من كتب الله: "قد انتزع معنى جيدًا" و"نزعه"، أي استخرجه. ولعلها عنت بقولها"نزع" هنا -: استشهد، أو قرأ مستشهدًا. وانظر الحديث التالي لهذا.
(٢) الحديث: ٦٦١٢- نافع بن عمر بن عبد الله بن جميل، الجمحي القرشي المكي: ثقة، قال أحمد بن حنبل: "ثبت ثبت صحيح الحديث". وهو مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ٢ / ٨٦، وابن سعد ٥: ٣٦٣. ونسب قريش للمصعب: ٤٠٠. وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٤٥٦، وتذكرة الحفاظ ١: ٢١٣.
ووقع في المخطوطة والمطبوعة هنا: "نافع عن عمر"! بدل"نافع بن عمر". وهو خطأ. تصويبه عن الفتح ٨: ١٥٧، حيث ذكر فيمن روى هذا الحديث"عن ابن أبي مليكة دون ذكر القاسم" -".... ونافع بن عمر، وابن جريج، وغيرهما". وكذلك صححناه عن ابن كثير، كما سنذكر.
ثم وقع في الأصلين خطأ آخر أشد من ذاك وأشنع! ففيهما: "عن نافع، عن عمر، عن عائشة"!! فحذف"ابن أبي مليكة" من الإسناد. ثم حذف تصريحه بالسماع من عائشة.
فصححنا الإسناد، وأثبتنا ما سقط منه خطأ من الناسخين، وهو ما زدناه بعد كلمة"عن"، بين علامتي الزيادة: [ابن أبي مليكة، حدثتني].
وهذه الزيادة أخذناها من ابن كثير ٢: ٩٨، حيث قال: "ورواه ابن جرير، من حديث روح بن القاسم، ونافع بن عمر الجمحي، كلاهما عن ابن أبي مليكة، عن عائشة. وقال نافع في روايته: عن ابن أبي مليكة، حدثتني عائشة. فذكره".
فهذا هو الصواب، الذي أفادنا ما سقط هنا من الإسناد من الناسخين. والحمد لله.
ثم إن الحديث سيأتي: ٦٦١٤، من هذا الوجه، على الصواب، من رواية خالد بن نزار، عن نافع - وهو ابن عمر الجمحي-"عن ابن أبي مليكة، عن عائشة".
٦٦١٤- حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا خالد بن نزار، عن نافع، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة في هذه الآية،"هو الذي أنزل عليك الكتاب"، الآية،"يتبعها"، يتلوها، ثم يقول: فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فاحذروهم، فهم الذين عنى الله. (٢)
شبيب بن سعيد التميمي الحبطي البصري: قال ابن المديني: "ثقة، كان يختلف إلى مصر في تجارة، وكتابه كتاب صحيح". وفي مصر سمع منه ابن وهب. مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ٢ / ٢٣٤، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٥٩.
و"الحبطي": بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة. نسبة إلى"الحبطات". بطن من تميم.
روح بن القاسم التميمي العنبري البصري: ثقة، وثقه أحمد، وابن معين، وغيرهما. وقال سفيان بن عيينة: "لم أر أحدًا طلب الحديث وهو مسن أحفظ من روح بن القاسم".
وهذا الإسناد أشار إليه ابن كثير ٢: ٩٨، كما نقلنا كلامه عند الإسناد الذي قبله.
(٢) الحديث: ٦٦١٤- خالد بن نزار بن المغيرة الأيلي: ثقة. مترجم في التهذيب فقط. وشيخه نافع: هو ابن عمر الجمحي.
وهذا الحديث تكرار للحديث: ٦٦١٢، من رواية نافع الجمحي، ومؤيد لما ذكرنا أنه سقط من ذاك الإسناد.
فهؤلاء: أيوب، ونافع بن عمر، وخالد بن نزار رووه عن ابن أبي مليكة، عن عائشة - مباشرة، دون واسطة"القاسم" بينهما، بل صرح نافع بن عمر بسماع ابن أبي مليكة إياه من عائشة، كما مضى في: ٦٦١٢.
وتابعهم على ذلك أبو عامر الخزاز:
فرواه الترمذي ٤: ٨٠، عن محمد بن بشار، عن أبي داود الطيالسي، عن أبي عامر الخزاز، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة - دون ذكر القاسم.
وأبو عامر الخزاز - بمعجمات - هو صالح بن رستم. مضت ترجمته: ٥٤٥٨.
وهذه المتابعة ذكرها ابن كثير ٢: ٩٨، والحافظ في الفتح ٨: ١٥٧. وإسنادها صحيح.
ورواه أيضًا سعيد بن منصور، عن حماد بن يحيى، عن ابن أبي مليكة. عن عائشة، نقله ابن كثير ٢: ٩٨. وهو إسناد صحيح.
وتابعهم أيضًا ابن جريج. ذكره الحافظ في الفتح ٨: ١٥٧، ولكن لم يذكر من خرجه. ولم أجده في مصدر آخر مما بين يدي من المصادر.
* * *
قال أبو جعفر: والذي يدل عليه ظاهر هذه الآية، أنها نزلت في الذين جادَلوا رسولَ الله ﷺ بمتشابه ما أنزل إليه من كتاب الله، إمّا
وهو يرد ادعاء الترمذي أن يزيد بن إبراهيم انفرد بهذه الزيادة، كما ذكرنا في ٦٦٠٥. فقد تابعه على ذلك حماد بن سلمة، في هذا الإسناد.
وكذلك رواه أبو داود الطيالسي في مسنده: ١٤٣٢، عن حماد بن سلمة، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة.
وقد جمع الروايتين: رواية يزيد ورواية حماد - أبو الوليد الطيالسي في روايته عنهما. فرواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي الوليد الطيالسي، عن يزيد بن إبراهيم التستري وحماد بن سلمة - معًا - عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة. نقله ابن كثير ٢: ٩٨، عن ابن أبي حاتم، وأشار إليه الحافظ في الفتح ٨: ١٥٧.
وقد مضت من قبل: ٦٦١١ رواية حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة. فدل هذا وذاك على أن حماد بن سلمة رواه عن شيخين عن القاسم: رواه عن عبد الرحمن بن القاسم، وعن ابن أبي مليكة - كلاهما عن القاسم.
وهناك متابعة أخرى عن القاسم، لا نعرف تفصيل إسنادها. إذ قال ابن كثير ٢: ٩٨"ورواه ابن مردويه، من طريق أخرى، عن القاسم، عن عائشة، به". فلم يذكر ما هي، ولا ما إسنادها، ولم يشر إليها الحافظ في الفتح.
ولحديث - في أصله - ذكره السيوطي ٢: ٥، وزاد نسبته إلى البيهقي في الدلائل.
وهو بأن تكون في الذين جادلوا رسول الله ﷺ بمتشابهه في مدّته ومدّة أُمّته، أشبُه، لأن قوله:"وما يعلَمُ تأويلَه إلا الله"، دالٌّ على أن ذلك إخبار عن المدة التي أرادوا علمها من قِبَل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله. فأما أمرُ عيسى وأسبابه، فقد أعلم الله ذلك نبيه محمدًا ﷺ وأمته، وبيّنه لهم. فمعلومٌ أنه لم يعن به إلا ما كان خفيًّا عن الآجال. (٢)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. (٣)
فقال بعضهم: معنى ذلك: ابتغاء الشرك.
ذكر من قال ذلك:
٦٦١٦ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال: حدثنا أسباط، عن السدي:"ابتغاء الفتنة"، قال: إرادة الشرك.
٦٦١٧- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: (ابتغاء الفتنة) يعني الشرك.
* * *
(٢) في المطبوعة: "... أنه لم يعن إلا ما كان خفيًا عن الآحاد"، ولا معنى لها. وفي المخطوطة: "أنه يعره إلا ما كان عليه خفيًا عن الآحاد"، فرجحت أن صواب قراءتها كما أثبتها، "الآجال" جمع أجل، وهو الذي أرادوا معرفته من مدة هذه الأمة. والناسخ هنا كثير السهو والتحريف من عجلته.
(٣) انظر تفسير"الابتغاء" فيما سلف ٣: ٥٠٨ / ثم ٤: ١٦٣. وتفسير"الفتنة" فيما سلف، ٢: ٤٤٣، ٤٤٤ / ثم ٣: ٥٦٥، ٥٦٦، ٥٧٠، ٥٧١ / ثم ٤: ٣٠١.
ذكر من قال ذلك:
٦٦١٨ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ابتغاء الفتنة"، قال: الشبهات، بها أهْلِكوا.
٦٦١٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ابتغاء الفتنة"، الشبهات، قال: هلكوا به.
٦٦٢٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد:"ابتغاء الفتنة"، قال: الشبهات. قال: والشبهات ما أهلكوا به.
٦٦٢١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:"ابتغاء الفتنة"، أي اللَّبْس. (١)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه:"إرادةُ الشبهات واللبس".
* * *
فمعنى الكلام إذًا: فأما الذين في قلوبهم هيلٌ عن الحق وحَيْفٌ عنه، فيتبعون من آي الكتاب ما تَشابهت ألفاظه، واحتمل صَرْف صارفه في وجوه التأويلات (٢) - باحتماله المعاني المختلفة - إرادةَ اللبس على نفسه وعلى غيره، احتجاجًا به على باطله الذي مالَ إليه قلبه، دون الحق الذي أبانه الله فأوضحه بالمحكمات من آي كتابه.
* * *
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: "واحتمل صرفه في وجوه التأويلات"، وقد قطعت بأن ذلك خطأ من الناسخ، لأن الضمائر السابقة كلها جموع، والتي تليها كلها أفراد، وهو لا يستقيم. فرجحت أن الناسخ قرأ"صرف صرفه" (بغير ألف في: صارفه) كما كانت تكتب قديمًا، فظنها خطأ، فحذف الأولى"صرف" وأبقى الأخرى"صرفه"، فاضطربت الضمائر.
٦٦٢٢ - حدثني يونس قال، أخبرنا سفيان، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس -وذُكر عنده الخوارجُ وما يُلْقَوْنَ عند القرآن، (٣) فقال: يؤمنون بمحكمه، ويهلكون عند متشابهه! وقرأ ابن عباس:"وما يعلم تأويله إلا الله"، الآية.
* * *
قال أبو جعفر: وإنما قلنا القول الذي ذكرنا أنه أولى التأويلين بقوله:"ابتغاء الفتنة"، لأن الذين نزلت فيهم هذه الآية كانوا أهلَ شرك، وإنما أرادوا بطلب تأويل ما طلبوا تأويله، اللبسَ على المسلمين، والاحتجاجَ به عليهم، ليصدّوهم
(٢) هكذا كتبت هنا"سبئيًا"، وقد أسلفنا أنها كتبت في المواضع الماضية"سبائيًا"، فتركت هذا الرسم كما هو، وهو صواب.
(٣) في المخطوطة والمطبوعة: "وما يلقون عند الفرار"، وهو كلام لا معنى له، وإنما أراد أنه ذكر عند ابن عباس ما عليه الخوارج من الخشوع والعبادة والإخبات عند سماع القرآن، وذلك من أمر الخوارج مشهور، وهم الذين جاء في صفتهم: "تحقرون صلاتهم إلى صلاتكم" في الحديث المشهور. ولذلك قطعت بأن قراءة ما في المخطوطة هو ما أثبت. ويؤيد ذلك جواب ابن عباس: "يؤمنون بمحكمه، ويهلكون عند متشابهه" متعجبًا من فعلهم في خشوعهم، وضلالهم في تأويلهم المبتدع الذي استحلوا به دماء المسلمين وأموالهم.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى"التأويل"، الذي عَنى الله جل ثناؤه بقوله:"وابتغاء تأويله".
فقال بعضهم: معنى ذلك: الأجل الذي أرادت اليهود أن تعرفه من انقضاء مُدّة أمر محمد ﷺ وأمر أمته، من قبل الحروف المقطعة من حساب الجُمَّل،"ألم"، و"ألمص"، و"ألر"، و"ألمر"، وما أشبه ذلك من الآجال.
ذكر من قال ذلك:
٦٦٢٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس أما قوله:"وما يعلم تأويله إلا الله"، يعني تأويله يوم القيامة ="إلا الله".
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك:"عواقبُ القرآن". وقالوا:"إنما أرادوا أن يعلموا متى يجيء ناسخ الأحكام التي كان الله جل ثناؤه شَرَعها لأهل الإسلام قبل مجيئه، فنسخَ ما قد كان شَرَعه قبل ذلك".
ذكر من قال ذلك:
٦٦٢٤ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وابتغاء تأويله"، أرادوا أن يعلموا تأويلَ القرآن - وهو عواقبه - قال
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك:"وابتغاء تأويل ما تَشابه من آي القرآن، يتأوّلونه - إذ كان ذا وجوه وتصاريفَ في التأويلات - على ما في قلوبهم من الزَّيغ، وما ركبوه من الضلالة".
ذكر من قال ذلك:
٦٦٢٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:"وابتغاء تأويله"، وذلك على ما ركبوا من الضلالة في قولهم = (١) "خلقنا"، و"قضينا".
* * *
قال أبو جعفر: والقول الذي قاله ابن عباس: من أنّ:"ابتغاء التأويل" الذي طلبه القوم من المتشابه، هو معرفة انقضاء المدة ووقت قيام الساعة = والذي ذكرنا عن السدي: من أنهم طلبوا وأرادوا معرفة وَقتٍ هو جَاءٍ قبل مجيئه = (٢) أولى بالصواب، وإن كان السدّي قد أغفل معنى ذلك من وجهٍ صَرَفه إلى حَصره على أن معناه: أن القوم طلبوا معرفة وقت مجيء الناسخ لما قد أحكِم قبل ذلك.
وإنما قلنا: إن طلب القوم معرفة الوقت الذي هو جاءٍ قبل مجيئه المحجوب علمه عنهم وعن غيرهم، بمتشابه آي القرآن - (٣) أولى بتأويل قوله:"وابتغاء تأويله"،
(٢) "جاء" اسم فاعل من الفعل"جاء يجيء فهو جاء". وسياق الجملة: "والقول الذي قاله ابن عباس... والذي ذكرنا عن السدي... أولى بالصواب".
(٣) قوله: "بمتشابه آي القرآن... " من صلة قولهم: "إن طلب القوم معرفة الوقت.." جار ومجرور، متعلق بقوله: "طلب".
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: وما يعلم وقتَ قيام الساعة، وانقضاء مدة أكل محمد وأمته، (١) وما هو كائن، إلا الله، دونَ منْ سواه من البشر الذين أمَّلوا إدراك علم ذلك من قبل الحساب والتنجيم والكهانة. وأما الراسخون في العلم فيقولون:"آمنا به، كل من عند ربنا" - لا يعلمون ذلك، ولكن فَضْل عِلمهم في ذلك على غيرهم، العلمُ بأن الله هو العالم بذلك دونَ منْ سواه من خلقه.
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، وهل"الراسخون" معطوف على اسم"الله"، بمعنى إيجاب العلم لهم بتأويل المتشابه، أمْ هم مستأنَفٌ ذكرهم، (٢) بمعنى الخبر عنهم أنهم يقولون: آمنا بالمتشابه وصدّقنا أنّ علم ذلك لا يعلمه إلا الله؟
فقال بعضهم: معنى ذلك: وما يعلم تأويل ذلك إلا الله وحده منفردًا بعلمه. وأما الراسخون في العلم، فإنهم ابتُدئ الخبر عنهم بأنهم يقولون: آمنا بالمتشابه والمحكم، وأنّ جَميع ذلك من عند الله.
ذكر من قال ذلك:
(٢) في المطبوعة: "أوهم مستأنف... "، وأثبت ما في المخطوطة.
٦٦٢٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: كان ابن عباس يقول: (وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون [في العلم] آمنا به) (٢)
٦٦٢٨ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني ابن أبي الزناد قال، قال هشام بن عروة: كان أبي يقول في هذه الآية،"وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم"، أنّ الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله، ولكنهم يقولون:"آمنا به كل من عند ربنا".
٦٦٢٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد الله، عن أبي نهيك الأسدي قوله:"وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم"، فيقول: إنكم تَصلون هذه الآية، وإنها مقطوعة:"وما يعلم تأويله إلا الله = والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا"، فانتهى علمهم إلى قولهم الذي قالوا.
(٢) في المطبوعة"يقول الراسخون" بحذف الواو. والصواب إثباتها، لأنه سيأتي في ص: ٢٠٤ س:
| ١٣ أن ابن عباس هكذا كان يقرأها. وأنا أرجح أن الصواب كان في الأصل"كان ابن عباس يقرأ""وما يعلم تأويله.."، ولكن الناسخ مضى على عجلته، فكتب مكان"يقرأ""يقول"، ثم أسقط الواو من"ويقول الراسخون | ". فلذلك أثبت الواو، وهي الصواب المحض إن شاء الله. ومن أجل ذلك زدت بين القوسين [في العلم]، لأن هذه قراءة في الآية، لا تفسير من ابن عباس، ولم يرو إسقاط [في العلم] من قراءة أحد من القرأة. |
٦٦٣١ - حدثني يونس قال، أخبرنا أشهب، عن مالك في قوله:"وما يعلم تأويله إلا اللهّ"، قال: ثم ابتدأ فقال:"والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا"، وليس يعلمون تأويله.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، وهم مع علمهم بذلك ورسوخهم في العلم يقولون:"آمنا به كلّ من عند ربنا".
ذكر من قال ذلك:
٦٦٣٢ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: أنا ممن يعلم تأويله.
٦٦٣٣ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"والراسخون في العلم" يعلمون تأويله، ويقولون:"آمنا به".
٦٦٣٤- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"والراسخون في العلم يعلمون تأويله، ويقولون:"آمنا به".
٦٦٣٥ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"والراسخون في العلم" يعلمون تأويله ويقولون:"آمنا به".
٦٦٣٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:"وما يعلم تأويله" الذي أراد، ما أراد، (١) "إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كلّ من عند ربنا"، فكيف يختلف، وهو قولٌ واحدٌ
* * *
قال أبو جعفر: فمن قال القول الأول في ذلك، وقال: إن الراسخين لا يعلمون تأويل ذلك، وإنما أخبر الله عنهم بإيمانهم وتصديقهم بأنه من عند الله، فإنه يرفع"الراسخين في العلم" بالابتداء في قول البصريون، ويجعل خبره:"يقولون آمنا به". وأما في قول بعض الكوفيين، فبالعائد من ذكرهم في"يقولون". وفي قول بعضهم: بجملة الخبر عنهم، وهي:"يقولون".
* * *
ومن قال القول الثاني، وزعم أنّ الراسخين يعلمون تأويله، عطف بـ"الراسخين" على اسم"الله"، فرفعهم بالعطف عليه.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب عندنا في ذلك أنهم مرفوعون بجملة خبرهم بعدهم وهو:"يقولون"، لما قد بينا قبل من أنهم لا يعلمون تأويل المتشابه الذي ذكره الله عز وجل في هذه الآية، وهو فيما بلغني مع ذلك في قراءة أبيّ: (وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) كما ذكرناه عن ابن عباس أنه كان يقرأه. (٤) وفي قراءة عبد الله: (إِنْ تَأْوِيلُهُ إِلا عِنْدَ اللَّهِ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ).
* * *
قال أبو جعفر: وأما معنى"التأويل" في كلام العرب، فإنه التفسير والمرجع والمصير. وقد أنشد بعضُ الرواة بيتَ الأعشى:
(٢) زاح الشيء يزيح زيحًا وزيوحًا، وانزاح هو أيضًا (كلاهما لازم) : ذهب وتباعد وزال.
(٣) الأثر ٦٦٣٦- هو بقية الآثار السالفة التي آخرها رقم: ٦٦٢٥ بإسناده عن ابن إسحاق، وهو في سيرة ابن هشام ٢: ٢٢٦.
(٤) انظر التعليق السالف على الأثر: ٦٦٢٧، ص: ٢٠٢ س: ٧، تعليق: ٢.
| عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ تَأَوُّلُ حُبِّهَا | تَأَوُّلَ رِبْعِيِّ السِّقَابِ فَأَصْحَبَا (١) |
ويعني بقوله:"تأوّلُ حُبها": تفسير حبها ومرجعه. (٢) وإنما يريد بذلك أنّ حبها كان صغيرًا في قلبه، فآلَ من الصّغر إلى العظم، فلم يزل ينبت حتى أصحَب، فصار قديمًا، كالسَّقب الصغير الذي لم يزل يَشبّ حتى أصحَبَ فصار كبيرًا مثل أمه. (٣)
أما الرواية الأخرى التي جاءت في اللسان (ربع)، (ولى) فهي:
| عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ نَوًى أَجْنَبِيَّةً | تَوَالِىَ رِبْعِيِّ السِّقَابِ فَأَصْحَبَا |
أما الرواية الأولى، فقد شرحها أبو جعفر فيما يلي، وأما روايته الثانية، وهي قوله: "توابع حبها"، فإني لم أدر ما معناها، وأخشى أن يكون صوابها: "نزائع حبها". والنزائع جمع نزيعة، يقال: ناقة نازع من نوق نوازع. وناقة نزيعة: وهي التي تحن إلى وطنها. نزع البعير إلى وطنه: حن واشتاق.
(٢) في المخطوطة: "وتفسير حبها... " بزيادة الواو، وهو خطأ. وهذا نص أبي عبيدة في مجاز القرآن ١: ٨٧، على خطأ فيه، إذ ظن الناشر أن قوله: "تفسيره"، بمعنى الشرح والبيان لهذه الكلمة فوضع بعد نقطتان هكذا: "تفسيره: ومرجعه" وعندئذ فلا معنى للواو في"ومرجعه"، والصواب ما أثبتناه.
(٣) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٨٧.
| عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ تَوَابعُ حُبِّهَا | تَوَالِىَ رِبْعِيِّ السِّقَابِ فَأَصْحَبَا (١) |
القول في تأويل قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾
قال أبو جعفر: يعني ب"الراسخين في العلم"، العلماء الذين قد أتقنوا علمهم ووَعَوْه فحفظوه حفظًا، لا يدخلهم في معرفتهم وعلمهم بما علموه شَكّ ولا لبس.
* * *
وأصل ذلك من:"رسوخ الشيء في الشيء"، وهو ثبوته وولوجه فيه. يقال منه:"رسخ الإيمان في قلب فلان، فهو يَرْسَخُ رَسْخًا ورُسُوخًا". (٢)
* * *
وقد روى في نعتهم خبرٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما:-
٦٦٣٧ - حدثنا موسى بن سهل الرملي قال، حدثنا محمد بن عبد الله قال، حدثنا فياض بن محمد الرقي قال، حدثنا عبد الله بن يزيد بن آدم، عن أبي الدرداء وأبي أمامة قالا سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَن الراسخ في العلم؟ قال:"من بَرَّت يمينهُ، وصَدقَ لسانه، واستقام به قلبه، وعفّ بطنه، فذلك الراسخُ في العلم. (٣)
* * *
(٢) قوله: "رسخًا"، هذا مصدر لم تذكره كتب اللغة.
(٣) الحديث: ٦٦٣٧- فياض بن محمد الرقى: ترجمه البخاري ٤ / ١ / ١٣٥، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ٨٧، فلم يذكرا فيه جرحًا.
عبد الله بن يزيد بن آدم: ترجمه ابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ١٩٧، قال: "روى عن أبي الدرداء، وأبي أمامة، وواثلة بن الأسقع: أن النبي ﷺ سئل: كيف تبعث الأنبياء؟ روى عنه فياض بن محمد الرقى... سألت أبي عنه؟ فقال: لا أعرفه. وهذا حديث باطل".
وترجمه الذهبي في الميزان، والحافظ في اللسان. وذكرا عن أحمد، قال: "أحاديثه موضوعة". وليس في ترجمته كلمة طيبة عنه. وكفى أن يرميه أحمد بالوضع.
* * *
وقد قال جماعة من أهل التأويل: إنما سمى الله عز وجل هؤلاء القوم"الراسخين
ولكن في هذا الإسناد"عبد الله بن يزيد الأودي". والراجح أن هذا خطأ من أحد الرواة، أو من الناسخين، وأن صوابه كالإسناد السابق"عبد الله بن يزيد بن آدم". وأما "عبد الله بن يزيد الأودي"، فهو غير هذا يقينًا. وقد مضى في: ٥٤٦١. وترجمته عند ابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٢٠٠: أنه"روى عن سالم بن عبد الله، عن حفصة، في الصلاة الوسطى، روى عنه أبو بشر جعفر بن أبي وحشية". والمباينة بينهما في الطبقة واضحة. ثم الأودي ثقة، والراوي هنا كذاب.
والحديث رواه أيضًا ابن أبي حاتم، عن محمد بن عوف الحمصي، عن نعيم بن حماد، عن فياض الرقى"حدثنا عبد الله بن يزيد"، بهذا الإسناد. ولم يذكر أنه"الأودي". ووقع في ابن كثير"عبيد الله"، بدل"عبد الله"، وهو خطأ.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٦: ٣٢٤"عن عبد الله بن يزيد بن آدم، قال: حدثني أبو الدرداء، وأبو أمامة، وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك... ". وقال: "رواه الطبراني، وعبد الله بن يزيد: ضعيف". فزاد في رواية الطبراني صحابيًا رابعًا، هو واثلة بن الأسقع.
وذكره السيوطي ٢: ٧، عن هؤلاء الصحابة الأربعة، ونسبه لابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني. وهو تساهل منه، فليس في رواية الطبري ولا ابن أبي حاتم"واثلة بن الأسقع"، بل هو في رواية الطبراني فقط.
ثم ذكر السيوطي نحو معناه من رواية ابن عساكر: "من طريق عبد الله بن يزيد الأودي، سمعت أنس بن مالك يقول... ".
فهذا يرجح أن زيادة"الأودي" - خطأ من أحد الرواة، لا من الناسخين.
ذكر من قال ذلك:
٦٦٣٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس قال:"والراسخون في العلم يقولون آمنا به، (١) قال:"الراسخون" الذين يقولون:"آمنا به كل من عند ربنا".
٦٦٤٠ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"والراسخون في العلم"، هم المؤمنون، فإنهم يقولون:"آمنَّا به"، بناسخه ومنسوخه ="كلٌّ من عند ربنا".
٦٦٤١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس قال، عبد الله بن سلام:"الراسخون في العلم) وعلمهم قولهم = قال ابن جريج:"والراسخون في العلم يقولون آمنا به"، وهم الذين يقولون = (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا) ويقولون: (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ) الآية.
* * *
وأما تأويل قوله:"يقولون آمنا به"، فإنه يعني أنّ الراسخين في العلم يقولون: صدقنا بما تشابه من آي الكتاب، وأنه حقّ وإن لم نَعلم تأويله، وقد:-
٦٦٤٢ - حدثني أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سلمة بن نبيط، عن الضحاك:"والراسخون في العلم يقولون آمنا به"، قال: المحكم والمتشابه.
* * *
| "الراسخون في العلم | "، بغير واو، وأثبت نص الآية. |
القول في تأويل قوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"كل من عند ربنا"، كلّ المحكم من الكتاب والمتشابه منه ="من عند ربنا"، وهو تنزيله ووحيه إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، كما:-
٦٦٤٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله:"كل من عند ربنا"، قال: يعني مَا نُسخ منه وما لم يُنسخ.
٦٦٤٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم"، قالوا:"كلّ من عند ربنا"، آمنوا بمتشابهه، وعملوا بمحكمه.
٦٦٤٥ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:"كل من عند ربنا"، يقولون: المحكم والمتشابه من عند ربنا.
٦٦٤٦ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا"، نؤمن بالمحكم وندين به، ونؤمن بالمتشابه ولا ندين به، وهو من عند الله كله. (١)
٦٦٤٧ - حدثنا يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"والراسخون في العلم" يعملون به، يقولون: نعمل بالمحكم ونؤمن به، ونؤمن بالمتشابه ولا نعمل به، وكل من عند ربنا.
* * *
* * *
وكان بعض نحويي الكوفيين يرى الإضمار فيها وهي صفةٌ أو اسم، سواءً. لأنه غير جائز أن يُحذف ما بعدها عنده إلا وهي كافية بنفسها عما كانت تضاف إليه من المضمر، وغير جائز أن تكون كافية منه في حال، ولا تكون كافية في أخرى. وقال: سبيل"الكل" و"البعض" في الدلالة على ما بعدهما بأنفسهما وكفايتهما منه بمعنى واحد في كل حال، صفةً كانت أو اسمًا. (٢)
* * *
قال أبو جعفر: وهذا القول الثاني أولى بالقياس، لأنها إذا كانت كافية بنفسها مما حذف منها في حالٍ لدلالتها عليها، فالحكم فيها أنها كلما وجدت دالة على ما بعدها فهي كافية منه.
* * *
(٢) انظر ما سلف عن"كل" ٣: ١٩٥ / ثم ٥: ٥٠٩.
القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وما يتذكر ويتّعظ وينزجر عن أن يقول في متشابه آي كتاب الله ما لا علم له به، إلا أولو العقول والنهى، (١) وقد:-
٦٦٤٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:"وما يذكر إلا أولوا الألباب"، يقول: وما يذكر في مثل هذا = يعني: في ردّ تأويل المتشابه إلى ما قد عرف من تأويل المحكم، حتى يَتّسقا على معنى واحد ="إلا أولو الألباب". (٢)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أنّ الراسخين في العلم يقولون: آمنا بما تشابه من آي كتاب الله، وأنه والمحكم من آيه من تنزيل ربنا ووحيه. ويقولون أيضًا:"ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا"، يعني أنهم يقولون = رغبةً منهم إلى ربهم في أن يصرف عنهم ما ابتلى به الذين زاغت قلوبهم من اتباع متشابه آي القرآن، ابتغاءَ الفتنة وابتغاءَ تأويله الذي لا يعلمه غيرُ الله =: يا ربنا، لا تجعلنا مثل هؤلاء الذين زاغت قلوبهم عن الحق فصدوا عن سبيلك ="لا تزغ قلوبنا"،
(٢) الأثر: ٦٦٤٨- هو بقية الآثار السالفة التي آخرها رقم: ٦٦٣٦ بإسناده عن ابن إسحاق.
٦٦٤٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:"ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا"، أي: لا تمل قلوبنا وإن ملنا بأحداثنا (١) ="وهب لنا من لدنك رحمة". (٢)
* * *
قال أبو جعفر: وفي مدح الله جل ثناؤه هؤلاء القوم بما مدحهم به = من رغبتهم إليه في أن لا يزيغ قلوبهم، وأن يعطيهم رحمةً منه معونة لهم للثبات على ما هُم عليه من حسن البصيرة بالحق الذي هم عليه مقيمون = ما أبان عن خطأ قول الجهَلة من القدَرية: (٣) أن إزاغة الله قلب من أزاغ قلبه من عباده عن طاعته وإمالته له عنها، جَوْرٌ. لأن ذلك لو كان كما قالوا، لكان الذين قالوا:"ربنا لا تزغ قلوبنا بعدَ إذ هدَيتنا"، بالذم أولى منهم بالمدح. لأن القول لو كان كما قالوا، لكان القوم إنما سألوا ربَّهم = بمسألتهم إياه أن لا يزيغ قلوبهم (٤) = أن لا يظلمهم ولا يجورَ عليهم. وذلك من السائل جهلٌ، لأن الله جل ثناؤه لا يظلم عبادَه ولا يجور عليهم. وقد أعلم عبادَه ذلك ونَفاه عن نفسه بقوله: (وَمَا رَبُّكَ
(٢) الأثر: ٦٦٤٩- هو بقية الآثار السالفة التي آخرها رقم: ٦٦٤٨.
(٣) القدرية: هم نفاة القدر والصفات، ويعني المعتزلة.
(٤) في المطبوعة: "مسألتهم" بحذف الباء، والصواب من المخطوطة.
٦٦٥٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة: أن رسول الله ﷺ قال:"يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك! ثم قرأ:"ربنا لا تُزغ قُلوبنا بعدَ إذ هديتنا"، إلى آخر الآية. (١)
٦٦٥١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أسماء، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه. (٢)
عبد الحميد بن بهرام: ثقة، مضت ترجمته في: ١٦٠٥. وشهر بن حوشب: ثقة أيضًا، كما قلنا في: ١٤٨٩.
وهذا الحديث مختصر. وسيأتي مطولا في: ٦٦٥٢، ونخرجه هناك، إن شاء الله. ويأتي بأطول من هذا ومختصرًا عن ذاك، في: ٦٦٥٨.
(٢) الحديث: ٦٦٥١ - وهذا إسناد صحيح أيضًا. ولكنه هنا من رواية شهر عن أسماء، وهي بنت يزيد بن السكن الأنصارية. والذي قبله من رواية شهر عن أم سلمة أم المؤمنين.
ولم أجده من حديث أسماء إلا في هذه الرواية عند الطبري، وإلا رواية ذكرها ابن كثير، عن ابن مردويه.
قال ابن كثير ٢: ١٠٢ بعد ذكر رواية أم سلمة الماضية: "ورواه ابن مردويه، من طريق محمد بن بكار، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، سمعتها تحدث:
| أن رسول الله ﷺ كان يكثر من دعائه | " - فذكر نحو الرواية التالية لهذا الحديث. |
ثم قال: "ورواه أيضًا عن المثنى، عن الحجاج بن منهال، عن عبد الحميد بن بهرام، به، مثله".
ومن البين الواضح أن قوله في رواية ابن مردويه"عن أم سلمة، عن أسماء بنت يزيد بن السكن" - خطأ لا شك فيه. والظاهر أنه خطأ من الناسخين، في زيادة حرف"عن". وأن صوابه"عن أم سلمة أسماء... ".
و"أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية": صحابية معروفة، وهي بنت عم معاذ بن جبل، وكنيتها"أم سلمة". وشهر بن حوشب معروف بالرواية عنها، بل قال ابن السكن: "هو أروى الناس عنها". وكان من مواليها.
ولم نسمع قط أن"أم سلمة أم المؤمنين" روت عن أسماء هذه، ولا روت عن غيرها من الصحابة.
وأما إشارة ابن كثير إلى روايتي الطبري من حديث"أسد بن موسى" و"الحجاج بن منهال" - عن عبد الحميد بن بهرام - وهما الروايتان الآتيتان: ٦٦٥٢، ٦٦٥٨ -: فهي مشكلة، إذ توهم أنها مثل رواية ابن مردويه: "عن أم سلمة أسماء بنت يزيد".
ولعل ابن كثير ذهب إلى هذا، ظنًا منه أن هذه الروايات التي في الطبري: ٦٦٥٠، ٦٦٥٢، ٦٦٥٨، التي فيها"عن أم سلمة" مراد بها"أم سلمة أسماء بنت يزيد".
فإن يكن هذا ظنه يكن أخطأ الظن. فإن"أم سلمة" في هذه الروايات الثلاث - هي أم المؤمنين يقينًا، كما سيأتي في تخريج الحديث التالي لهذا: ٦٦٥٢.
والحديث رواه أحمد مختصرًا - في مسند أم سلمة أم المؤمنين - ٦: ٢٩٤ (حلبي)، عن وكيع، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة: "أن النبي ﷺ كان يقول: يا مقلب القوب، ثبت قلبي على دينك". وهذا نحو الرواية الماضية: ٦٦٥٠، إلا أن أبا كريب زاد فيه قراءة الآية.
ورواه أحمد أيضًا - في مسندها - ٦: ٣٠١-٣٠٢، عن هاشم -وهو ابن القاسم أبو النضر- عن عبد الحميد بن بهرام، بهذا الإسناد، نحوه. إلا أنه قال في آخره: "وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتنا".
ثم رواه مختصرًا، بدون ذكر الآية، ولا قوله"فنسأل الله ربنا" -إلخ، ٦: ٣١٥ (حلبي)، عن معاذ بن معاذ، قال: "حدثنا أبو كعب صاحب الحرير، قال: حدثني شهر بن حوشب، قال: قلت لأم سلمة: يا أم المؤمنين، ما كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ إذا كان عندك؟..".
ثم قال عبد الله بن أحمد - عقبه -: سألت أبي عن أبي كعب؟ فقال: ثقة، واسمه عبد ربه بن عبيد".
وكذلك رواه الترمذي ٤: ٢٦٦، عن أبي موسى الأنصاري، عن معاذ بن معاذ، به. وقال: "هذا حديث حسن".
وأبو كعب صاحب الحرير، عبد ربه بن عبيد الأزدي الجر موزي: وثقه أيضًا يحيى بن سعيد، وابن معين وغيرهما. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٤١-٤٢.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ثلاث مرات، ٦: ٣٢٥، ٧: ٢١٠، ١٠: ١٧٦، عن رواية المسند، وأشار إلى أن الترمذي روى بعضه، وأعله في موضعين بشهر بن حوشب، "وهو ضعيف وقد وثق". وقال في الأخير: "إسناده حسن".
وذكره السيوطي ٢: ٨، وزاد نسبته لابن أبي شيبة، دون فصل بين الروايات.
ورواه إمام الأئمة ابن خزيمة، في كتاب التوحيد، ص: ٥٥، من رواية ابن وهب، عن إبراهيم بن نشيط الوعلاني، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، بنحوه. وهذا إسناده صحيح أيضًا.
ورواه أبو بكر الآجري، في كتاب الشريعة، ص: ٣١٦، من وجهين آخرين، عن أم سلمة.
ووقع في المطبوعة: "ما خلق الله من بشر، من بني آدم"، بالتقديم والتأخير. وأثبتنا ما في المخطوطة، وهو الموافق لسائر الروايات التي فيها هذه الكلمة.
والحديث رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٨٨-٢٨٩، من طريق الأعمش، بهذا الإسناد. وصححه على شرط مسلم. ولكن أول إسناده، من الحاكم إلى الأعمش - غير مذكور، لأن في أصول المستدرك خرمًا في هذا الموضع. وأثبت مكانه من تلخيص الذهبي.
وذكره السيوطي ٢: ٩: وزاد نسبته للطبراني في السنة.
وأشار إليه الترمذي ٣: ١٩٩، كما سنذكر في الحديث بعده.
وقوله: "يقول بهما" هو الصواب الثابت في المخطوطة. وفي المطبوعة"يقول به".
قوله: "وسق بين إصبعيه"، وسق الشيء: جمعه. يريد: ضم إصبعيه.
ثم رواه: ١٣٧٣١ (ج ٣ ص: ٢٥٧ حلبي)، عن عفان، عن عبد الواحد، عن سليمان بن مهران - وهو الأعمش- به.
ورواه الترمذي ٣: ١٩٩، عن هناد، عن أبي معاوية، به. ثم قال: "هذا حديث حسن صحيح وهكذا روى غير واحد عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس. وروى بعضهم عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وحديث أبي سفيان عن أنس-أصح".
يريد الترمذي تعليل الحديث الذي قبل هذا. وهي علة غير قائمة. وأبو سفيان طلحة بن نافع: تابعي ثقة، سمع من جابر ومن أنس، وأخرج له أصحاب الكتب الستة. وكثيرًا ما يسمع التابعي الحديث الواحد من صحابيين.
ورواه الحاكم ١: ٥٢٦، مختصرًا، من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، وصححه هو والذهبي.
ورواه ابن ماجه - مطولا - من وجه آخر، فرواه: ٣٨٣٤، من طريق ابن نمير، عن الأعمش، عن يزيد الرقاشي، عن أنس. وقال البوصيري في زوائده: "مدار الحديث على يزيد الرقاشي، وهو ضعيف".
وقد وهم الحافظ الدمياطي - كما ترى- في زعمه أي مداره على يزيد الرقاشي؛ وها هو ذا من رواية الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس، كمثل رواية الرقاشي. فلم ينفرد به.
وقد جمع البخاري الوجهين في الأدب المفرد، ص: ١٠٠. فرواه مختصرًا، من طريق أبي الأحوص: "عن الأعمش، عن أبي سفيان ويزيد، عن أنس".
وذكره السيوطي ٢: ٨، وزاد نسبته لابن أبي شيبة.
أيوب بن بشر: لم أجد راويًا بهذا الاسم، ولا ما يقاربه في الرسم، إلا رواة باسم"أيوب بن بشير" ليسوا من هذه الطبقة، ولا يكونون في هذا الإسناد. ومن الرواة عن ابن جابر: "أيوب بن سويد الرملي". ومن القريب جدًا أن يروي عنه بلديه"علي بن سهل الرملي". ولكن تصحيف"سويد" إلى"بشر" صعب.
ابن جابر: هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، الأزدي الشامي الداراني. وهو ثقة، أخرج له الجماعة. وقال ابن المديني: "يعد في الطبقة الثانية من فقهاء أهل الشأم بعد الصحابة".
بسر بن عبيد الله الحضرمي الشامي: تابعي ثقة. أخرج له الجماعة. وقال أبو مسهر: "هو أحفظ أصحاب أبي إدريس" يعني الخولاني.
و"بسر": بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة. وأبوه"عبيد الله": بالتصغير. ووقع في المطبوعة هنا"بشر". وهو تصحيف. وكذلك وقع في بعض مراجع الحديث التي سنذكر، ووقع في بعضها اسم أبيه"عبد الله". وهو خطأ أيضًا. فيصحح هذا وذاك حيث وقع.
أبو إدريس الخولاني: عائذ الله بن عبد الله. مضت ترجمته في: ٤٨٤٠.
النواس: بفتح النون وتشديد الواو، وهو صحابي معروف. والحديث رواه أحمد في المسند: ١٧٧٠٧ (ج ٤ ص: ١٨٢ حلبي)، عن الوليد بن مسلم، عن ابن جابر، بهذا الإسناد.
ورواه ابن ماجه: ١٩٩، من طريق صدقة بن خالد، عن ابن جابر، به. وقال البوصيري في زوائده: "إسناده صحيح".
ورواه إمام الأئمة ابن خزيمة، في كتاب التوحيد، ص: ٥٤، وأبو بكر الآجري، في كتاب الشريعة، ص: ٣١٧-٣١٨، كلاهما من طريق الوليد بن مسلم، عن ابن جابر.
ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٨٩، والبيهقي في الأسماء والصفات، ص: ٢٤٨- عن الحاكم، من طريق محمد بن شعيب بن شابور، عن ابن جابر. وصححه الحاكم والذهبي على شرط الشيخين.
وهذا الموضع في المستدرك، مخروم في أصله المطبوع عنه، فأثبته الناشر عن مختصر الذهبي. ولكن يستفاد إسناد هذا الطريق من رواية البيهقي عن الحاكم.
ورواه الحاكم أيضًا ٤: ٣٢١، عن أبي العباس الأصم، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم - شيخ الطبري في الإسناد الأول هنا، بهذا الإسناد.
ورواه أيضًا ١: ٥٢٥. عن الأصم، عن بحر بن نصر، عن بشر بن بكر، عن ابن جابر، به.
وقال الحاكم في الموضعين: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم"! ومن عجب أن يوافقه الذهبي على تصحيحه على شرط الشيخين من رواية ابن شابور. وابن شابور، وإن كان ثقة، فإنه لم يخرج له شيء في الصحيحين؛ ثم يوافقه على تصحيحه على شرط مسلم من رواية بشر بن بكر. وبشر بن بكر خرج له البخاري، ولم يخرج له مسلم شيئًا!!
والحديث ذكره السيوطي ٢: ٩، وزاد نسبته للنسائي. فهو يريد السنن الكبرى، لأنه لم يروه في السنن الصغرى.
محمد بن عبيدة: لا أدري من هو؟ ولا وجدت له ترجمة، إلا أن التهذيب ذكره شيخًا لعمر بن عبد الملك الطائي، وذكره باسم: "محمد بن عبيدة، المددي، اليماني". ولم أجد معنى لنسبة"المددي" هذه، بدالين. ومن المحتمل أن تكون محرفة عن"المدري" بالراء، نسبة إلى"مدر" بفتح الميم والدال وآخرها راء، وهي قرية باليمن، على عشرين ميلا من صنعاء، كما في معجم البلدان ٧: ٤١٦.
الجراح بن مليح البهراني - بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء - الحمصي: ثقة، وهو مشهور في أهل الشام. وهو غير"الجراح بن مليح بن عدي" والد"وكيع بن الجراح".
الزبيدي - بضم الزاي: هو محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي، أبو الهذيل الحمصي، قاضيها. وهو ثقة ثبت، قال ابن سعد ٧ / ٢ / ١٦٩: "كان أعلم أهل الشأم بالفتوى والحديث". وكان الأوزاعي"يفضل محمد بن الوليد على جميع من سمع من الزهري".
جويبر: هكذا وقع في الطبري. والراجح الظاهر أنه تحريف من الناسخين، ولا شأن لجويبر - وهو ابن سعيد الأزدي - في هذا الحديث. وجويبر: ضعيف جدًا، كما بينا في: ٢٨٤. وإنما الحديث معروف عن"جبير بن نفير"، كما سيأتي.
سمرة بن فاتك الأسدي: هكذا ثبت في الطبري"سمرة" بالميم، فتكون مضمومة مع فتح السين المهملة. وهو قول في اسمه.
والصحيح الراجح أن اسمه"سبرة"، بفتح السين المهملة وسكون الباء الموحدة.
وهناك صحابي آخر، اسمه: "سمرة بن فاتك الأسدي". غير هذا. وكذلك فرق البخاري بينهما في التاريخ الكبير: ٢ / ٢ / ١٨٨، في"سبرة" و: ١٧٨ في"سمرة". وذكر هذا الحديث في"سبرة" وكذلك فرق بينهما ابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٢٩٥، "سبرة" و: ١٥٥، "سمرة".
وقد قيل أيضًا في الصحابي الآخر، الذي اسمه"سمرة" -"سبرة". وهو اضطراب من الرواة أو تصحيف. والراجح الذي صححه الحافظ في الإصابة ٣: ٦٣-٦٤، ١٣١-١٣٢: أنهما اثنان، كما قلنا، وأن راوي هذا الحديث هو"سبرة".
ولم أستجز تغيير ما في نص الطبري إلى الصحيح الراجح: "سبرة" - لوجود القول الآخر. فلعله وقع له في روايته هكذا.
و"سبرة": بسكون الباء الموحدة، كما قلنا. ووقع في ضبطه في ترجمته في الإصابة خطأ شديد، إذ قال الحافظ: "بفتح أوله وكسر ثانيه"؛ ولم يقل أحد ذلك في ضبط اسم"سبرة" مطلقًا، بل هو نفسه ضبط اسم"سبرة"، في غير هذه الترجمة"بسكون الموحدة". وضبط اسم هذا الصحابي بالسكون أيضًا، في المشتبه للذهبي، ص: ٢٥٥. ولم يذكر اسم آخر بهذا الرسم بكسر الموحدة. وكذلك صنع الحافظ في تبصير المنتبه. فما وقع في الإصابة إنما هو سهو منه - رحمه الله - وسبق قلم.
و"الأسدي" - في هذه الترجمة: "بفتح الهمزة وسكون السين". وهو: الأزدي. هكذا يقال بالسين والزاي. صرح بذلك أبو القاسم في طبقات حمص". قاله الحافظ في الإصابة.
وهذا الحديث رواه البخاري في الكبير، في ترجمة"سبرة بن فاتك". قال: "حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا محمد بن حرب، عن الزبيدي، عمن حدثه، عن جبير بن نفير، عن سبرة بن فاتك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: الموازين بيد الله، يرفع قومًا ويضع قومًا، وقلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرب عز وجل، فإذا شاء أقامه، وإذا شاء أزاغه".
فهكذا ثبت براو مبهم بين الزبيدي وجبير بن نفير- عنه البخاري.
وقال الحافظ في الإصابة: "وقد وقع لي في غرائب شعبة، لابن مندة، من طريق جبير بن نفير. عن سبرة بن فاتك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الميزان بيد الرحمن، يرفع أقوامًا ويضع آخرين - الحديث. وأخرجه من طريق أخرى، فقال: سمرة".
فلم نعرف رواية ابن مندة: أفيها الرجل المبهم عن جبير بن نفير، أم عرف باسمه فيها؟ وأنا أظن أن لو كان فيها اسمه مبهمًا لبين الحافظ ذلك. ومن المحتمل أن يكون هذا المبهم - هو"عبد الرحمن بن جبير بن نفير" فإنه يروي عن أبيه، ويروي عنه الزبيدي.
ومما يرجح -عندي- أن هذا المبهم مذكور باسمه في بعض الروايات: أن الهيثمي ذكر هذا الحديث في مجمع الزوائد ٧: ٢١١"عن سمرة بن فاتك الأسدي"، ثم قال: "رواه الطبراني، ورجاله ثقات".
وذكره السيوطي ٢: ٨، ونسبه للبخاري في تاريخه، وابن جرير، والطبراني. ولم يزد.
في المطبوعة: "إن شاء... وإن شاء". وأثبت ما في المخطوطة. وهو الموافق لرواية الكبير للبخاري.
٦٦٥٨ - حدثنا الربيع بن سليمان قال، حدثنا أسد بن موسى قال، حدثنا عبد الحميد بن بهرام قال، حدثنا شهر بن حوشب قال: سمعت أم سلمة تحدث: أن رسول الله ﷺ كان يكثر في دعائه أن يقول: اللهم ثبت قلبي على دينك. قالت: قلت: يا رسول الله، وإن القلوب لتقلَّب؟ قال: نعم، ما من خلق الله من بني آدم بشرٌ إلا إنّ قلبه بين إصبعين من أصابع الله، إن شاءَ أقامه، وإن شاء أزاغه، فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدُنه رحمةً إنه هو الوهاب. (٢)
* * *
أبو عبد الرحمن الحبلي - بضم الحاء المهملة والباء الموحدة: هو عبد الله بن يزيد المعافري- بفتح الميم والعين المهملة - المصري. وهو تابعي ثقة. وهو أحد العشرة من التابعين الذين ابتعثهم عمر بن عبد العزيز ليفقهوا أهل إفريقية ويعلموهم أمر دينهم. انظر كتاب رياض النفوس لأبي بكر المالكي، ج ١ ص: ٦٤-٦٥، وطبقات علماء إفريقية لأبي العرب، ص: ٢١.
والحديث رواه أحمد في المسند: ٦٥٦٩، عن أبي عبد الرحمن، وهو المقرئ، عن حيوة بن شريح، بهذا الإسناد.
ورواه مسلم ٢: ٣٠١، عن زهير بن حرب وابن نمير - كلاهما عن أبي عبد الرحمن المقرئ.
ورواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة، ص: ٣١٦، بإسنادين، والبيهقي في الأسماء والصفات، ص: ٢٤٨ - كلاهما من طريق المقرئ.
وذكره السيوطي ٢: ٩، وزاد نسبته للنسائي.
(٢) الحديث: ٦٦٥٨- هو مختصر من الحديث: ٦٦٥٢. وقد وفينا تخريجه، وأشرنا إلى هذا هناك.
ووقع هنا في المخطوطة والمطبوعة: "من بني آدم بشر". ولعل الأجود أن يكون"من بشر"، كالروايات الأخر.
تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
وقد اختلفوا في المحكم والمتشابه، فروي عن السلف عبارات كثيرة، فقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس [ أنه قال ] (٣) المحكمات ناسخه، وحلاله وحرامه، وحدوده وفرائضه، وما يؤمر(٤) به ويعمل به.
وكذا روي عن عكرمة، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، ومُقاتل بن حَيّان، والربيع بن أنس، والسُّدِّي أنهم قالوا : المحكم الذي يعمل به.
وعن ابن عباس أيضًا أنه قال : المحكمات [ في ](٥) قوله تعالى :﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] والآيتان بعدها، وقوله تعالى :﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى ثلاث آيات بعدها. رواه ابن أبي حاتم، وحكاه عن سعيد بن جُبَيْر [ ثم ](٦) قال : حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن حرب، حدّثنا حماد بن زيد، عن إسحاق بن سُوَيْد أن يحيى بن يَعْمَر وأبا فاختة تراجعا في هذه الآية :﴿هُنَّ(٧) أُمُّ الْكِتَابِ﴾ فقال أبو فاختة : فواتح السور. وقال يحيى بن يَعْمَر : الفرائض، والأمر والنهي، والحلال والحرام(٨).
وقال ابن لَهِيعَة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير :﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يقول : أصل الكتاب، وإنما سماهن أم الكتاب ؛ لأنهن مكتوبات في جميع الكتب.
وقال مقاتل بن حيان : لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهنّ.
وقيل في المتشابهات : إنهن المنسوخة، والمقدم منه والمؤخر، والأمثال فيه والأقسام، وما يؤمن به ولا يعمل به. رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
وقيل : هي الحروف المقطعة في أوائل السور، قاله مقاتل بن حيان.
وعن مجاهد : المتشابهات يصدق بعضهن بعضًا. وهذا إنما هو في تفسير قوله :﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] هناك ذكروا : أن المتشابه هو الكلام الذي يكون في سياق واحد، والمثاني هو الكلام في شيئين متقابلين كصفة الجنة وصفة النار، وذكر حال الأبرار ثم حال(٩) الفجار، ونحو ذلك فأما هاهنا فالمتشابه هو الذي يقابل المحكم.
وأحسن ما قيل فيه الذي قدمناه، وهو الذي نص عليه محمد بن إسحاق بن يسار، رحمه الله، حيث قال :﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ فيهن حجة الرب، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن(١٠) عليه.
قال : والمتشابهات في الصدق، لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا(١١) يصرفن إلى الباطل، ولا يحرّفن عن الحق.
ولهذا قال تعالى :﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي : ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ أي : إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها، لاحتمال لفظه لما يصرفونه(١٢) فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه ؛ لأنه دامغ لهم وحجة عليهم، ولهذا قال :﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي : الإضلال لأتباعهم، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهذا حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى هو روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وتركوا الاحتجاج بقوله [ تعالى ](١٣) ﴿إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] وبقوله :﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله، وعبد، ورسول من رسل الله.
وقوله :﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي : تحريفه على ما يريدون(١٤) وقال مقاتل والسدي : يبتغون أن يعلموا ما يكون وما عواقب الأشياء من(١٥) القرآن.
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب عن عبد الله بن أبي مُلَيْكَة، عن عائشة قالت : قرأ رسول الله ﷺ :﴿هُوَ الَّذِي أَنزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [ فَأَمَّاالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ](١٦)﴾ إلى قوله :﴿أُولُو الألْبَابِ﴾ فقال :" فإذا رأيتم الذين يُجَادِلُون فيه فهم الذين عَنَى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ(١٧).
هكذا وقع هذا الحديث في مسند الإمام أحمد، رحمه الله، من رواية ابن أبي مُلَيْكَة، عن عائشة، ليس بينهما أحد.
وهكذا رواه ابن ماجة من طريق إسماعيل بن عُلَيَّة وعبد الوهاب الثقفي، كلاهما عن أيوب، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، عنها(١٨).
ورواه محمد بن يحيى العبدي في مسنده عن عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، به. وكذا رواه عبد الرزاق، عن مَعْمَر(١٩) عن أيوب. وكذا رواه غير واحد عن أيوب. وقد رواه ابن حبان في صحيحه، من حديث أيوب، به.
وتابع أيوب أبو عامر الخزاز(٢٠) وغيره عن ابن أبي مليكة، فرواه الترمذي عن بُنْدار، عن أبي داود الطيالسي، عن أبي عامر الخزاز، فذكره. وهكذا رواه سعيد بن منصور في سننه، عن حماد بن يحيى الأبَحّ، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة. ورواه ابن جرير، من حديث روح بن القاسم ونافع بن عمر الجُمَحِيّ، كلاهما عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، به. وقال نافع في روايته عن ابن أبي مليكة : حدثتني عائشةَ، فذكره(٢١).
وقد روى هذا الحديث البخاري، رحمه الله، عند تفسير هذه الآية، ومسلم في كتاب القدر من صحيحه، وأبو داود في السنة من سننه، ثلاثتهم، عن القَعْنَبِيِّ، عن يزيد بن إبراهيم التُّسْتَريّ، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت : تلا رسول الله ﷺ :﴿هُوَ الَّذِي أَنزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ [ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ] (٢٢)﴾ إلى قوله :﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ﴾ قالت : قال رسول الله ﷺ :" فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعُون ما تشابه منه فأولئك الذين سَمَّى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ " لفظ البخاري(٢٣).
وكذا رواه الترمذي أيضًا، عن بندار، عن أبي داود الطيالسي، عن يزيد بن إبراهيم التستري، به. وقال : حسن صحيح. وذكر أن يزيد بن إبراهيم التستري تفرد بذكر القاسم في هذا الإسناد، وقد رواه غير واحد عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، ولم يذكروا القاسم. كذا قال(٢٤).
ورواه ابن المنذر في تفسيره من طريقين عن النعمان بن محمد بن الفضل السَّدُوسِيّ - ولقبه عارم - حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، به(٢٥).
وقد رواه ابن أبي حاتم فقال : حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا يزيد بن إبراهيم التستري وحَمّاد بن سلمة، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت : سئل رسول الله ﷺ عن قول الله عز وجل :﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ فقال رسول الله ﷺ :" إذا رأيتم الذين يَتَّبِعُونَ ما تشابه منهُ فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فَاحْذَرُوهُمْ " (٢٦).
وقال ابن جرير : حدثنا علي بن سهل حدثنا الوليد(٢٧) بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت : نزع رسول الله ﷺ بهذه الآية :﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ فقال رسول الله ﷺ :" قد حَذَّرَكُمُ اللهُ، فإذا رأيْتُمُوهم فَاعْرفُوهُمْ ". ورواه ابن مَرْدُويه من طريق أخرى، عن القاسم، عن عائشة به(٢٨).
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد، عن أبي غالب قال : سمعت أبا أمامة يحدث، عن النبي ﷺ في قوله :﴿فَأَمَّاالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ قال :" هم الخوارج "، وفي قوله :﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾. [آل عمران: ١٠٦] قال :" هم الخوارج ".
وقد رواه ابن مردويه من غير وجه، عن أبي غالب، عن أبي أمامة مرفوعا، فذكره(٢٩).
وهذا الحديث أقل أقسامه أن يكون موقوفًا من كلام الصحابي، ومعناه صحيح ؛ فإن أوّل بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم رسول الله(٣٠) ﷺ غنائم حُنَيْن، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة، ففاجؤوه بهذه المقالة، فقال قائلهم - وهو ذو الخُوَيْصرة - بقر الله خاصرته - اعدل فإنك لم تعدل، فقال له رسول الله ﷺ :" لقد خِبْتُ وخَسرْتُ إنْ لَمْ أكن أَعدل، أيأمَنُني على أهل الأرض ولا تَأمَنُونِي ". فلما قفا الرجل استأذن عمر بن الخطاب - وفي رواية : خالد بن الوليد - [ ولا بُعد في الجمع ](٣١) - رسول الله في قتله، فقال :" دَعْهُ فإنه يخرج من ضِئْضِئ هذا - أي : من جنسه - قوم يَحْقِرُ أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يَمْرُقُونَ من الدين كما يَمْرُقُ السهم من الرّمِيَّة، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجْرًا(٣٢) لمن قتلهم.
ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب، وقتلهم(٣٣) بالنَّهْروان، ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل وآراء وأهواء ومقالات ونِحَلٌ كثيرة منتشرة، ثم نَبَعَت القَدَرَيّة، ثم المعتزلة، ثم الجَهْمِيَّة، وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق في قوله :" وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فِرْقَةً، كلها في النار إلا واحدة " قالوا :[ من ](٣٤) هم يا رسول الله ؟ قال :" من كان على ما أنا عليه وأصحابي " أخرجه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة(٣٥).
وقال الحافظ أبو يَعْلَى : حدثنا أبو موسى، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن عن جندب بن عبد الله أنه بلغه، عن حذيفة - أو سمعه منه - يحدث عن رسول الله ﷺ أنه ذكر :" إن في أمّتي قومًا يقرؤون القرآن يَنْثُرُونَهُ نَثْر الدَّقَل، يَتَأوَّلُوْنَهُ على غير تأويله ". [ لم ](٣٦) يخرجوه(٣٧).
[ وقوله ](٣٨) ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ اختلف القراء في الوقف هاهنا، فقيل : على الجلالة، كما تقدم عن ابن عباس أنه قال : التفسير على أربعة أنحاء : فتفسير لا يعذر أحد
٢ في أ، ر: "يحتمل"..
٣ زيادة من جـ، ر، أ، و..
٤ في جـ، ر: "يؤمن"..
٥ زيادة من جـ، ر..
٦ زيادة من أ، و..
٧ في ر: "هي"..
٨ تفسير ابن أبي حاتم (٢/٥٥)..
٩ في و: "وحال"..
١٠ في أ: "وصفن"..
١١ في جـ: "لا"..
١٢ في جـ: "تصرفونه"..
١٣ زيادة من جـ، ر..
١٤ في أ: "يريدونه"..
١٥ في جـ، ر، أ: "في"..
١٦ زيادة من جـ، ر، أ، و..
١٧ في أ: "فاحذرهم"..
١٨ المسند (٦/٤٨) وابن ماجة في السنن برقم (٤٧)..
١٩ في ر: "يعمر"..
٢٠ في هـ، جـ، ر، أ: "الخراز".
٢١ عبد الرزاق في تفسيره برقم (٣٧٦) وابن حبان في صحيحه (١/٤٧) "الإحسان" والترمذي في السنن برقم (٢٩٩٣) وسعيد بن منصور في السنن برقم (٤٩٢) وابن جرير في تفسيره (٦/١٩١)..
٢٢ زيادة من جـ، ر، أ، و..
٢٣ البخاري في صحيحه برقم (٤٥٤٧) ومسلم برقم (٢٦٦٥) وأبو داود في السنن برقم (٤٥٩٨)..
٢٤ سنن الترمذي برقم (٢٩٩٣، ٢٩٩٤)..
٢٥ تفسير ابن المنذر كما في الدر (٢/١٤٨) ورواه البيهقي في دلائل النبوة (٦/٥٤٦) من طريق حماد بن زيد، به..
٢٦ تفسير ابن أبي حاتم (٢/٦٤)، ومسند الطيالسي برقم (١٤٣٣)..
٢٧ في أ: "أبو الوليد"..
٢٨ تفسير الطبري (٦/١٩٢)، ورواه الآجري في الشريعة (ص ٣٣٢)..
٢٩ أحمد في المسند (٥/٢٦٢) ورواه الطبراني في الكبير (٨/٣٢٥) وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/٦٠) من طريق أبي غالب به..
٣٠ في و: "النبي"..
٣١ زيادة من جـ، ر..
٣٢ في ر: "أجر" وهو خطأ..
٣٣ في جـ، ر: "فقتلهم"..
٣٤ في جـ، ر: "ومن"..
٣٥ المستدرك (١/٢٨) من حديث عبد الله بن عمرو، والزيادة هي قوله: "كلها في النار إلا واحدة"، وقد ضعفها ابن الوزير ونسبه إلى ابن حزم، وللشيخ ناصر الألباني بحث أثبت فيه صحة هذه الزيادة فليراجع السلسلة الصحيحة برقم (٢٠٤)..
٣٦ في جـ: "ولم"..
٣٧ وذكره الحافظ ابن حجر في المطالب العالية (٣/٣٠٠) وعزاه لأبي يعلى، لكنه ذكره من حديث عائشة..
٣٨ زيادة من و..
تيسير الكريم الرحمن — السعدي
القرآن العظيم كله محكم كما قال تعالى ﴿كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾ فهو مشتمل على غاية الإتقان والإحكام والعدل والإحسان ﴿ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾ وكله متشابه في الحسن والبلاغة وتصديق بعضه لبعضه ومطابقته لفظا ومعنى، وأما الإحكام والتشابه المذكور في هذه الآية فإن القرآن كما ذكره الله ﴿منه آيات محكمات﴾ أي : واضحات الدلالة، ليس فيها شبهة ولا إشكال ﴿هن أم الكتاب﴾ أي : أصله الذي يرجع إليه كل متشابه، وهي معظمه وأكثره، ﴿و﴾ منه آيات ﴿أخر متشابهات﴾ أي : يلتبس معناها على كثير من الأذهان : لكون دلالتها مجملة، أو يتبادر إلى بعض الأفهام غير المراد منها، فالحاصل أن منها آيات بينة واضحة لكل أحد، وهي الأكثر التي يرجع إليها، ومنه آيات تشكل على بعض الناس، فالواجب في هذا أن يرد المتشابه إلى المحكم والخفي إلى الجلي، فبهذه الطريق يصدق بعضه بعضا ولا يحصل فيه مناقضة ولا معارضة، ولكن الناس انقسموا إلى فرقتين ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ أي : ميل عن الاستقامة بأن فسدت مقاصدهم، وصار قصدهم الغي والضلال وانحرفت قلوبهم عن طريق الهدى والرشاد ﴿فيتبعون ما تشابه منه﴾ أي : يتركون المحكم الواضح ويذهبون إلى المتشابه، ويعكسون الأمر فيحملون المحكم على المتشابه ﴿ابتغاء الفتنة﴾ لمن يدعونهم لقولهم، فإن المتشابه تحصل به الفتنة بسبب الاشتباه الواقع فيه، وإلا فالمحكم الصريح ليس محلا للفتنة، لوضوح الحق فيه لمن قصده اتباعه، وقوله ﴿وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله﴾ للمفسرين في الوقوف على ﴿الله﴾ من قوله ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ قولان، جمهورهم يقفون عندها، وبعضهم يعطف عليها ﴿والراسخون في العلم﴾ وذلك كله محتمل، فإن التأويل إن أريد به علم حقيقة الشيء وكنهه كان الصواب الوقوف على ﴿إلا الله﴾ لأن المتشابه الذي استأثر الله بعلم كنهه وحقيقته، نحو حقائق صفات الله وكيفيتها، وحقائق أوصاف ما يكون في اليوم الآخر ونحو ذلك، فهذه لا يعلمها إلا الله، ولا يجوز التعرض للوقوف عليها، لأنه تعرض لما لا يمكن معرفته، كما سئل الإمام مالك رحمه الله عن قوله ﴿الرحمن على العرش [ استوى ]﴾(١) فقال السائل : كيف استوى ؟ فقال مالك : الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فهكذا يقال في سائر الصفات لمن سأل عن كيفيتها أن يقال كما قال الإمام مالك، تلك الصفة معلومة، وكيفيتها مجهولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة، وقد أخبرنا الله بها ولم يخبرنا بكيفيتها، فيجب علينا الوقوف على ما حد لنا، فأهل الزيغ يتبعون هذه الأمور المشتبهات تعرضا لما لا يعني، وتكلفا لما لا سبيل لهم إلى علمه، لأنه لا يعلمها إلا الله، وأما الراسخون في العلم فيؤمنون بها ويكلون المعنى إلى الله فيسلمون ويسلمون، وإن أريد بالتأويل التفسير والكشف والإيضاح، كان الصواب عطف ﴿الراسخون﴾ على ﴿الله﴾ فيكون الله قد أخبر أن تفسير المتشابه ورده إلى المحكم وإزالة ما فيه من الشبهة لا يعلمها إلا هو تعالى والراسخون في العلم يعلمون أيضا، فيؤمنون بها ويردونها للمحكم ويقولون ﴿كل﴾ من المحكم والمتشابه ﴿من عند ربنا﴾ وما كان من عنده فليس فيه تعارض ولا تناقض بل هو متفق يصدق بعضه بعضا ويشهد بعضه لبعض(٢) وفيه تنبيه على الأصل الكبير، وهو أنهم إذا علموا أن جميعه من عند الله، وأشكل عليهم مجمل المتشابه، علموا يقينا أنه مردود إلى المحكم، وإن لم يفهموا وجه ذلك. ولما رغب تعالى في التسليم والإيمان بأحكامه وزجر عن اتباع المتشابه قال ﴿وما يذكر﴾ أي : يتعظ بمواعظ الله ويقبل نصحه وتعليمه إلا ﴿أولوا الألباب﴾ أي : أهل العقول الرزينة لب العالم وخلاصة بني آدم يصل التذكير إلى عقولهم، فيتذكرون ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرهم فيتركونه، وأما من عداهم فهم القشور الذي لا حاصل له ولا نتيجة تحته، لا ينفعهم الزجر والتذكير لخلوهم من العقول النافعة.
٢ - في هامش الأصل زيادة نصها: (وفيه تنبيه على الأصل الكبير وهو أنهم إذا علموا أن جميعه من عند الله، وأشكل عليهم مجمل المتشابه علموا يقينا أنه مردود إلى المحكم وإن لم يفهموا وجه ذلك). ولم يتبين لي محلها إلا أن الأقرب أنها هنا..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القرآن العظيم كله محكم كما قال تعالى ﴿كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾ فهو مشتمل على غاية الإتقان والإحكام والعدل والإحسان ﴿ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾ وكله متشابه في الحسن والبلاغة وتصديق بعضه لبعضه ومطابقته لفظا ومعنى، وأما الإحكام والتشابه المذكور في هذه الآية فإن القرآن كما ذكره الله ﴿منه آيات محكمات﴾ أي: واضحات الدلالة، ليس فيها شبهة ولا إشكال ﴿هن أم الكتاب﴾ أي: أصله الذي يرجع إليه كل متشابه، وهي معظمه وأكثره، ﴿و﴾ منه آيات ﴿أخر متشابهات﴾ أي: يلتبس معناها على كثير من الأذهان: لكون دلالتها مجملة، أو يتبادر إلى بعض الأفهام غير المراد منها، فالحاصل أن منها آيات بينة واضحة لكل أحد، وهي الأكثر التي يرجع إليها، ومنه آيات تشكل على بعض الناس، فالواجب في هذا أن يرد المتشابه إلى المحكم والخفي إلى الجلي، فبهذه الطريق يصدق بعضه بعضا ولا يحصل فيه مناقضة ولا معارضة، ولكن الناس انقسموا إلى فرقتين ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ أي: ميل عن الاستقامة بأن فسدت مقاصدهم، وصار قصدهم الغي والضلال وانحرفت قلوبهم عن طريق الهدى والرشاد ﴿فيتبعون ما تشابه منه﴾ أي: يتركون المحكم الواضح ويذهبون إلى المتشابه، ويعكسون الأمر فيحملون المحكم على المتشابه ﴿ابتغاء الفتنة﴾ لمن يدعونهم لقولهم، فإن المتشابه تحصل به الفتنة بسبب الاشتباه الواقع فيه، وإلا فالمحكم الصريح ليس محلا للفتنة، لوضوح الحق فيه لمن قصده اتباعه، وقوله ﴿وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله﴾ للمفسرين في الوقوف على ﴿الله﴾ من قوله ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ قولان، جمهورهم يقفون عندها، وبعضهم يعطف عليها ﴿والراسخون في العلم﴾ وذلك كله محتمل، فإن التأويل إن أريد به علم حقيقة الشيء وكنهه كان الصواب الوقوف على ﴿إلا الله﴾ لأن المتشابه الذي استأثر الله بعلم كنهه وحقيقته، نحو حقائق صفات الله وكيفيتها، وحقائق أوصاف ما يكون في اليوم الآخر ونحو ذلك، فهذه لا يعلمها إلا الله، ولا يجوز التعرض للوقوف عليها، لأنه تعرض لما لا يمكن معرفته، كما سئل الإمام مالك رحمه الله عن قوله ﴿الرحمن على العرش [استوى]﴾ (١) فقال السائل: كيف استوى؟ فقال مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فهكذا يقال في سائر الصفات لمن سأل عن كيفيتها أن يقال كما قال الإمام مالك، تلك الصفة معلومة، وكيفيتها مجهولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة، وقد أخبرنا الله بها ولم يخبرنا بكيفيتها، فيجب علينا الوقوف على ما حد لنا، فأهل الزيغ يتبعون هذه الأمور المشتبهات تعرضا لما لا يعني، وتكلفا لما لا سبيل لهم إلى علمه، لأنه لا يعلمها إلا الله، وأما الراسخون في العلم فيؤمنون بها ويكلون المعنى إلى الله فيسلمون ويسلمون، وإن أريد بالتأويل التفسير والكشف والإيضاح، كان الصواب عطف ﴿الراسخون﴾ على ﴿الله﴾ فيكون الله قد أخبر أن تفسير المتشابه ورده إلى المحكم وإزالة ما فيه من الشبهة لا يعلمها إلا هو تعالى والراسخون في العلم يعلمون أيضا، فيؤمنون بها ويردونها للمحكم ويقولون ﴿كل﴾ من المحكم والمتشابه ﴿من عند ربنا﴾ وما كان من عنده فليس فيه تعارض ولا تناقض بل هو متفق يصدق بعضه بعضا ويشهد بعضه لبعض (٢) وفيه تنبيه على الأصل الكبير، وهو أنهم إذا علموا أن جميعه من عند الله، وأشكل عليهم مجمل المتشابه، علموا يقينا أنه مردود إلى المحكم، وإن لم يفهموا وجه ذلك. ولما رغب تعالى في التسليم والإيمان بأحكامه وزجر عن اتباع المتشابه قال ﴿وما يذكر﴾ أي: يتعظ بمواعظ الله ويقبل نصحه وتعليمه إلا ﴿أولوا الألباب﴾ أي: أهل العقول الرزينة لب العالم وخلاصة بني آدم يصل التذكير إلى عقولهم، فيتذكرون ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرهم فيتركونه، وأما من عداهم فهم القشور الذي لا حاصل له ولا نتيجة تحته، لا ينفعهم الزجر والتذكير لخلوهم من العقول النافعة.
-[١٢٣]-
ثم أخبر تعالى عن الراسخين في العلم أنهم يدعون ويقولون ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا﴾ أي: لا تملها عن الحق جهلا وعنادا منا، بل اجعلنا مستقيمين هادين مهتدين، فثبتنا على هدايتك وعافنا مما (٣) ابتليت به الزائغين ﴿وهب لنا من لدنك رحمة﴾ أي: عظيمة توفقنا بها للخيرات وتعصمنا بها من المنكرات ﴿إنك أنت الوهاب﴾ أي: واسع العطايا والهبات، كثير الإحسان الذي عم جودك جميع البريات.
﴿ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إنك لا تخلف الميعاد﴾ فمجازيهم بأعمالهم حسنها وسيئها، وقد أثنى الله تعالى على الراسخين في العلم بسبع صفات هي عنوان سعادة العبد: إحداها: العلم الذي هو الطريق الموصل إلى الله، المبين لأحكامه وشرائعه، الثانية: الرسوخ في العلم وهذا قدر زائد على مجرد العلم، فإن الراسخ في العلم يقتضي أن يكون عالما محققا، وعارفا مدققا، قد علمه الله ظاهر العلم وباطنه، فرسخ قدمه في أسرار الشريعة علما وحالا وعملا الثالثة: أنه وصفهم بالإيمان بجميع كتابه ورد لمتشابهه إلى محكمه، بقوله ﴿يقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾ الرابعة: أنهم سألوا الله العفو والعافية مما ابتلي به الزائغون المنحرفون، الخامسة: اعترافهم بمنة الله عليهم بالهداية وذلك قوله ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا﴾ السادسة: أنهم مع هذا سألوه رحمته المتضمنة حصول كل خير واندفاع كل شر، وتوسلوا إليه باسمه الوهاب، السابعة: أنه أخبر عن إيمانهم وإيقانهم بيوم القيامة وخوفهم منه، وهذا هو الموجب للعمل الرادع عن الزلل، ثم قال تعالى:
(٢) في هامش الأصل زيادة نصها: (وفيه تنبيه على الأصل الكبير وهو أنهم إذا علموا أن جميعه من عند الله، وأشكل عليهم مجمل المتشابه علموا يقينا أنه مردود إلى المحكم وإن لم يفهموا وجه ذلك). ولم يتبين لي محلها إلا أن الأقرب أنها هنا.
(٣) في الأصل: ممن، ولعل الصواب ما أثبت.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٩ كتابًا)
غريب الكلمات ومعانيها
معاني الكلمات الغريبة في الآية
- مُّحْكَمَاتٌ
- وَاضِحَاتُ الدَّلَالَةِ.
- أُمُّ الْكِتَابِ
- أَصْلُ الكِتَابِ الَّذِي يُرْجَعُ إِلَيْهِ عِنْدَ الاِشْتِبَاهِ.
- مُتَشَابِهَاتٌ
- خَفِيَّاتٌ، لَا يَتَعَيَّنُ المُرَادُ مِنْهَا إِلَّا بِرَدِّهَا إِلَى المُحْكَمَاتِ.
- زَيْغٌ
- مَرَضٌ، وانْحِرَافٌ.
- ابْتِغَاءَ
- طَلَبَ تَفْسِيرِه عَلَى مَذَاهِبِهِمِ المُنْحَرِفَةِ.
- تَاوِيلِهِ
- تَفْسِيرِهِ أَوْ مَعْرِفَةِ حَقِيقَتِهِ.
- الألْبَابِ
- العُقُولِ السَّلِيمَةِ.
إعراب الآية ٧ من سورة آل عمران
من كتاب: إعراب القرآن
القيّوم فيعول الأصل فيه قيووم ثم وقع الإدغام، والقيّام الفيعال الأصل فيه القيوام ثم أدغم وقيّم فيعل عند البصريين الأصل فيه قيوم ثم أدغم، وزعم الفراء «٤» أنّه فعيل. قال ابن كيسان: لو كان كما قال لما أعلّ كما لم يعلّ سويق وما أشبهه. اسم الله عزّ وجلّ مرفوع بالابتداء، والخبر نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ والْحَيُّ الْقَيُّومُ نعت، وإن شئت كان الخبر لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ثم جيء بخبر بعد خبر. مُصَدِّقاً نصب على الحال، وعند الكوفيين على القطع قال أبو جعفر: وقد ذكرنا اشتقاق التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ في الكتاب الذي قبل هذا.
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٤ الى ٦]
مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)مِنْ قَبْلُ غاية وقد ذكرناه «٥» وهُدىً في موضع نصب على الحال ولم يتبيّن فيه الإعراب لأنه مقصور. إِنَّ الَّذِينَ اسم إنّ والصلة كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ والخبر لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ. وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ابتداء وخبر، وكذا هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ وروى العباس بن الفضل «٦» عن أبي عمرو هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ.
[سورة آل عمران (٣) : آية ٧]
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧)هذه الآية كلها مشكلة. وقد ذكرناها، وسنزيدها شرحا إن شاء الله. قال أبو جعفر: أحسن ما قيل في المحكمات والمتشابهات أنّ المحكمات ما كان قائما بنفسه لا يحتاج أن يرجع فيه إلى غيره نحو وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص: ٤]
(٢) خارجة بن مصعب أبو الحجاج الضبعي: أخذ القراءة عن نافع وأبي عمرو، وله شذوذ كثير عنهما لم يتابع عليه، وروى أيضا عن حمزة حروفا. (ت ١٦٨ هـ). ترجمته في غاية النهاية ١/ ٢٦٨.
(٣) انظر مختصر ابن خالويه (١٩)، والمحتسب ١/ ١٥١، وهي قراءة علقمة بن قيس.
(٤) انظر الإنصاف مسألة ١١٥.
(٥) انظر إعراب الآية (٢٥) سورة البقرة.
(٦) العباس بن الفضل بن عمرو بن عبيد الأنصاري، قاضي الموصل، حاذق من أكابر أصحاب أبي عمرو (ت ١٨٦ هـ) ترجمته في غاية النهاية ١/ ٣٥٣.
٥٣] يرجع فيه إلى قوله وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ [طه: ٨٢] وإلى قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ٤٨] فأما ترك صرف «أخر» فلأنها معدولة عن الألف واللام. وقد ذكرناه «١». فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ «الذين» في موضع رفع بالابتداء والخبر فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ويقال زاغ يزيغ زيغا إذا ترك القصد، ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ مفعول من أجله أي ابتغاء الاختبار الذي فيه غلوّ وإفساد ذات البين ومنه فلان مفتون بفلانة أي قد غلا في حبّها. وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ عطف على الله جلّ وعزّ. هذا أحسن ما قيل فيه لأن الله جلّ وعزّ مدحهم بالرسوخ في العلم فكيف يمدحهم وهم جهّال. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا أكثر من هذا الاحتجاج فأما القراءة المرويّة عن ابن عباس وما يعلم تأويله إلّا الله ويقول الراسخون في العلم «٢» فمخالفة لمصحفنا وإن صحّت فليس فيها حجة لمن قال الراسخون في العلم ويقول الراسخون في العلم آمنا بالله فأظهر ضمير الراسخين ليبيّن المعنى كما أنشد سيبويه: [الخفيف] ٧٠-
| لا أرى الموت يسبق الموت شيء | نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا «٣» |
ويقال: الراصخون بالصاد لغة لأنّ بعدها خاء. يَقُولُونَ في موضع نصب على الحال من الراسخين كما قال: [مجزوء الكامل] ٧١-
| الرّيح تبكي شجوه | والبرق يلمع في الغمامه «٤» |
(٢) انظر معاني الفراء ١/ ١٩١.
(٣) الشاهد لعدي بن زيد في ديوانه ٦٥، والأشباه والنظائر ٨/ ٣٠، وخزانة الأدب ١/ ٣٧٨، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٣٦، ١١٨، ولسوادة بن عدي في شرح أبيات سيبويه ١/ ١٢٥، وشرح شواهد المغني ٢/ ١٧٦، والكتاب ١/ ١٠٦، ولسوادة أو لعدي في لسان العرب (نغص)، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ١/ ١٥٣، وخزانة الأدب ٦/ ٩٠ و ١١/ ٣٦٦، والخصائص ٣/ ٥٣، ومغني اللبيب ٢/ ٥٠٠.
(٤) الشاهد ليزيد بن مفرغ الحميري في ديوانه ص ٢٠٨.
| «الريح تبكي شجوها | والبرق يضحك في الغمامه» |
الموضوعات القرآنية للآية ٧ من سورة آل عمران
٢٠ موضوعًا تتناولها هذه الآية
- الآية [الجملة من القرآن]
- أم الكتاب
- أم الكتاب
- أولو الألباب [الثناء عليهم بوصفهم أهل التذكر والتدبّر]
- إيمانهم بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم
- انفعالاته
- تنزيله من عند الله بالحق على الرسول [صلى الله عليه وسلم]
- حبهم للّه تعالى و إلتزامهم لأوامره
- الراسخون في العلم يستوهبون ربهم
- الزَّيغ
- زيغ القلوب من خلائق المنافقين
- العلماء العاملون
- العلم
- العلم طريق إلى الإيمان
- الكتاب
- لا يعلم التأويل الحق للقرآن إلا الله
- الله [منزل الكتاب]
- من الذي ينتفع بالتذكير
- متشابه القرآن بين مرضى القلوب وبين الراسخين في العلم
- ما استأثر الله بعلمه
أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور
١٦٠ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور
آثار متعلقة بالآية
٢٢ قولًاعن محمد بن سيرين، قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: أن لا يجالِس صَبِيغًا، وأن يُحرَم عطاءَه ورزقَه١
عن معاذ بن جبل، قال: القرآنُ منارٌ كمنارِ الطريق، ولا يخفى على أحد، فما عرفتم منه فلا تسألوا عنه أحدًا، وما شككتم فيه فكِلوه إلى عالمه١
عن أُبَيِّ بن كعب -من طريق عبد الرحمن بن أبزى- قال: كتابُ الله ما استبان منه فاعمل به، وما اشتبه عليك فآمِن به، وكِلْه إلى عالمه١
عن عبد الله بن مسعود، قال: إنّ للقرآن منارًا كمنار الطريق، فما عرفتم فتمسكوا به، وما اشتبه عليكم فذَرُوه١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: كلَّ القرآن أعْلَمُ تأويله إلا أربعًا: ﴿غسلين﴾ [الحاقة:٣٦]، ﴿وحنانًا﴾ [مريم:١٣]، والأواه، ﴿والرقيم﴾ [الكهف:٩]١
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «الجِدالُ في القرآن كُفْرٌ»١
عن ابن عمرو: أنّ رسول الله ﷺ خَرَجَ على أصحابه وهم يَتَنازَعُون في القرآن، هذا يَنزِعُ١ بآية، وهذا يَنزِعُ بآية؛ فكأنّما فُقِئَ في وجْهِه حَبُّ الرُّمّان، فقال: «ألِهَذا خُلِقْتُم؟! أو لِهَذا أُمِرْتُم؟! أن تضربوا كتابَ الله بعضَه ببعض؟! انظروا ما أُمِرْتُم به فاتَّبِعُوه، وما نُهِيتُم عنه فانتهوا»٢
عن عبد الله بن عمرو، قال: خرج رسول الله ﷺ ومِن وراء حُجْرَتِه قومٌ يتجادلون في القرآن؛ فخَرَجَ مُحْمَرَّةً وجْنَتاه، كأنّما تَقْطُرانِ دمًا، فقال: «يا قوم، لا تُجادِلوا بالقرآن؛ فإنّما ضَلَّ مَن كان قبلكم بجدالهم. إنّ القرآن لم ينزل لِيُكَذِّبَ بعضُه بعضًا، ولكن نزل لِيُصَدِّق بعضُه بعضًا، فما كان مِن مُحْكَمِه فاعملوا به، وما كان مِن متشابهه فآمِنوا به»١
عن عمر بن الخطاب، قال: إنّه سيأتيكم ناسٌ يُجادِلُونكم بشُبُهاتِ القُرآن، فخُذُوهم بالسُّنَنِ؛ فإنّ أصحاب السُّنَنِ أعلمُ بكتاب الله١
عن عمر بن الخطاب -من طريق السّائِب بن يزيد- أنّ رجلًا قال لعمر: إنِّي مررتُ برجلٍ يسألُ عن تفسير مُشْكِل القرآن. فقال عمر: اللَّهُمَّ، أمْكِنِّي مِنهُ. فدخل الرجلُ يومًا على عمر، فسأله، فقام عمرُ، فحَسَر عن ذِراعَيْه، وجعل يَجْلِدُه، ثم قال: ألْبِسُوه تُبّانًا١، واحمِلوه على قَتَبٍ٢، وابلُغُوا به حَيَّهُ، ثم لْيَقُم خطيبٌ فلْيَقُلْ: إنّ صَبِيغًا طَلَبَ العِلْمَ فأخطأه. فلم يزل وضيعًا في قومه بعد أن كان سيِّدًا فيهم٣
عن عمر بن الخطاب -من طريق سليمان بن يسار-: أنّ رجلًا يُقال له: صَبِيغ؛ قَدِم المدينة، فجعل يسأل عن مُتَشابِهِ القُرْآن، فأرسل إليه عمرُ وقد أعَدَّ له عَراجِينَ النَّخْلِ، فقال: مَن أنت؟ فقال: أنا عبدُ الله صَبِيغٌ. فقال: وأنا عبدُ الله عُمرُ. فأخذ عمرُ عُرْجُونًا مِن تِلْك العَراجِين، فضربه حتى دَمّى رأسَه، فقال: يا أمير المؤمنين، حسبُك؛ قد ذهب الذي كنتُ أجِدُ في رأسي١
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده [من وجه آخر]: سَمِع رسولُ الله ﷺ قومًا يَتَدارَأُون١، فقال: «إنّما هَلَك مَن كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنّما نزل كتابُ الله يُصَدِّق بعضُه بعضًا؛ فلا تُكَذِّبوا بعضَه ببعض، فما علِمْتُم منه فقولوا، وما جهِلْتُم فكِلُوه إلى عالِمِه»٢
عن عمر بن أبي سلمة، أنّ النبي ﷺ قال لعبد الله بن مسعود: «إنَّ الكُتُبَ كانت تنزل مِن السماء مِن باب واحد، وإنّ القرآن نزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف: حلالٍ، وحرامٍ، ومُحْكَمٍ، ومُتشابِهٍ، وضرب أمثالٍ، وآمِرٍ، وزاجِرٍ؛ فأحِلَّ حلالَه، وحَرِّم حرامَه، واعْمَل بمُحْكَمِه، وقِف عند متشابهه، واعْتَبِر أمثالَه، فإنّ كُلًّا مِن عند الله، ﴿وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾»١
عن عبد الله بن مسعود -من طريق القاسم بن عبد الرحمن- قال: أُنزِل القرآن على خمسة أوجه: حرام، وحلال، ومحكم، ومتشابه، وأمثال؛ فأحِلّ الحلال، وحَرِّم الحرام، وآمِن بالمتشابه، واعْمَل بالمحكم، واعْتَبِر بالأمثال١
عن عبد الله بن عباس، قال: إنّ القرآن ذو شُجُونٍ وفُنُونٍ، وظُهورٍ وبطون، لا تنقضي عجائبُه، ولا تُبْلَغ غايَتُه، فمَن أوْغَلَ فيه برِفْقٍ نَجا، ومَن أوْغَل فيه بعُنفٍ غَوى، أخبارٌ وأمثال، وحرام وحلال، وناسخ ومنسوخ، ومُحْكَم ومتشابه، وظَهْرٌ وبَطْن، فظهره التلاوة، وبطنه التأويل، فجالِسوا به العلماء، وجانِبوا به السفهاء، وإيّاكم وزَلَّةَ العالِم١
عن عبد الله بن عباس -من طريق طاووس- وذُكِر عنده الخوارج، وما يلقون عند الفرار، فقال: يُؤْمِنون بمُحْكَمِه، ويهلكون عند متشابهه. وقرأ ابن عباس: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ الآية١
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي الزِّناد- قال: التفسيرُ على أربعة أوْجُهٍ: وجهٍ تعرفه العرب مِن كلامها، وتفسيرٍ لا يُعْذَر أحدٌ بجهالته، وتفسيرٍ يعلمه العلماء، وتفسيرٍ لا يعلمه إلا الله١
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- قال: تفسير القرآن على أربعة وجوه: تفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يُعْذَر الناس بجهالته مِن حلال أو حرام، وتفسيرٌ تعرفه العربُ بلغتها، وتفسير لا يعلم تأويلَه إلا الله، مَنِ ادَّعى علمَه فهو كاذب١
عن أبي مالك الأَشْعَرِيِّ، أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا أخاف على أُمَّتِي إلا ثلاثَ خِلال: أن يَكْثُر لهم المالُ فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يُفْتَح لهم الكتابُ فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾، وأن يزداد علمُهم فيُضَيِّعُوه ولا يُبالُوا به»١
عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: «نزل القرآنُ على سبعة أحرف، المِراءُ في القرآن كُفْرٌ؛ ما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهِلْتُم منه فَرُدُّوه إلى عالِمِه»١
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «أعْرِبوا القرآنَ، واتَّبِعوا غرائبَه، وغرائبُه: فرائضُه وحدودُه؛ فإنّ القرآن نزل على خمسة أوجه: حلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال. فاعملوا بالحلال، واجتنبوا الحرام، واتَّبِعوا المحكم، وآمِنوا بالمتشابه، واعْتَبِروا بالأمثال»١
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه: أنّ رسول الله ﷺ خرج على قوم يتراجعون في القرآن وهو مُغضَب، فقال: «بهذا ضَلَّتِ الأممُ قبلَكم باختلافهم على أنبيائهم، وضَرْبِ الكتابِ بعضِه ببعض. قال: وإنّ القرآن لَمْ ينزل لِيُكَذِّبَ بعضُه بعضًا، ولكن نزل أن يُصَدِّق بعضُه بعضًا؛ فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه عليكم فآمِنوا به»١
تفسير الآية
٣٥ قولًاعن محمد بن جعفر بن الزبير -من طريق ابن إسحاق- قال: ﴿وما يعلم تأويله﴾ الذي أراد ما أراد ﴿إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾، فكيف يخْتَلِفُ وهو قولٌ واحد مِن رَبٍّ واحد؟! ثُمَّ رَدُّوا تأويلَ المتشابه على ما عرفوا مِن تأويل المُحْكَمَةِ التي لا تأويل لأحدٍ فيها إلا تأويل واحد، فاتَّسق بقولهم الكتابُ، وصَدَّق بعضُه بعضًا، فنَفَذَتْ به الحُجَّة، وظهر به العُذْر، وزاح به الباطل، ودَمَغ به الكفر١
عن محمد بن إسحاق -من طريق ابن إدريس- قوله: ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾، قال: لم تكن معرفتهم إيّاه أن يفقهوه على الشَّكِّ، ولكنهم خَلَصَت١ الأعمالُ منهم، ونفذ عِلْمُهم أن عرفوا الله بعدله؛ لم يكن لِيَخْتَلِف شيءٌ مِمّا جاء منه، فرَدُّوا المتشابه على المُحْكَم، فقالوا: ﴿كل من عند ربنا﴾٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾، يعني: قليله وكثيره مِن عند ربنا١
عن مالك بن أنس -من طريق أشْهَب- في قوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾، قال: ثُمَّ ابتدأ فقال: ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾، وليس يعلمون تأويلَه١٢
عن عبد الله بن مسعود، موقوفًا١
عن عليٍّ، أنّ النبي ﷺ قال في خُطْبَتِه: «أيُّها الناسُ، قد بَيَّن اللهُ لكم في مُحْكَم كتابه ما أحَلَّ لكم، وما حَرَّم عليكم؛ فأَحِلُّوا حلالَه، وحَرِّموا حرامه، وآمِنوا بمُتَشابِهه، واعْمَلُوا بمُحْكَمِه، واعْتَبِرُوا بأمْثالِه»١
عن عائشة -من طريق ابن أبي مُلَيْكَة- أنّه قرأ عليها هؤلاء الآيات، فقالَتْ: كان رسوخُهم في العلم أنْ آمَنُوا بمُحْكَمه ومتشابهه، ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ ولم يعلموا تأويلَه١
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي-: ﴿يقولون آمنا به﴾؛ نؤمن بالمُحْكَم ونَدِين به، ونُؤْمِنُ بالمتشابه ولا ندين به، وهو مِن عند الله كُلِّه١
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- قال: أنا مِمَّن يعلم تأويلَه١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- ﴿يقولون آمنا به﴾: يعني: ما نُسِخ، وما لم يُنسَخ١
وعن عائشة، نحو ذلك١
عن أبي الشَّعْثاء جابر بن زيد، وأبي نَهِيكٍ، قالا: إنّكم تَصِلُون هذه الآيةَ، وهي مقطوعةٌ: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾، فانتهى علمُهم إلى قولهم الذي قالوا١
عن عروة بن الزبير -من طريق هشام بن عُرْوَة- قال: ﴿الراسخون في العلم﴾ لا يعلمون تأويله، ولكنَّهم يقولون: ﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾١
عن عمر بن عبد العزيز -من طريق عمرو بن عثمان- قال: انتهى عِلْمُ الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا: ﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾١٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- قال: ﴿والراسخون في العلم﴾ يعلمون تأويله، و﴿يقولون آمنا به﴾١
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق أبي مُصْلِح- ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم﴾، يقول: الرّاسِخُون يعلمون تأويلَه، لو لم يعلموا تأويلَه لم يعلموا ناسِخَه مِن منسوخه، ولم يعلموا حلالَه مِن حرامه، ولا محكمَه مِن متشابهه١
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيْبِر- في قوله: ﴿والراسخون في العلم﴾: يعملون به، يقولون: نعمل بالمُحْكَم ونؤمن به، ونُؤْمِن بالمتشابه ولا نعمل به، وكُلٌّ مِن عندِ ربنا١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق شَيْبان- ﴿يقولون آمنا به﴾، قال: آمنوا بمتشابهه، وعملوا بمُحْكَمِه، فأحلُّوا حلالَه، وحرَّموا حرامَه١
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط- ﴿والراسخون في العلم﴾ قال: هم المؤمنون؛ فإنّهم ﴿يقولون آمنا به﴾ بناسخه ومنسوخه، ﴿كل من عند ربنا﴾١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: ﴿والراسخون في العلم﴾ يعلمون تأويله، و﴿يقولون آمنا به﴾١٢
عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ، قال: «كان الكتابُ الأوَّلُ ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآنُ من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجِر، وآمِر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال؛ فأحِلُّوا حلالَه، وحرِّموا حرامَه، وافعلوا ما أُمِرْتُم به، وانتهوا عَمّا نُهِيتُم عنه، واعْتَبِرُوا بأمثالِه، واعْمَلُوا بمُحْكَمِه، وآمنوا بمُتَشابِهه، وقولوا: ﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾»١
عن أبي أُمامة، عن النبي ﷺ، في قوله: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه﴾ قال: «هم الخوارج». وفي قوله: ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾ [آل عمران:١٠٦] قال: «هم الخوارج»١٢
عن عبد الله بن مسعود وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السُّدِّي، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيِّ، عن أبي مالك وأبي صالح- في قوله: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾، أما الزَّيْغُ: فالشكُّ١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾: يعني: أهل الشَّك، فيحملون المُحْكَم على المتشابه، والمتشابه على المُحْكَم، ويُلَبِّسُون؛ فلَبَّسَ اللهُ عليهم١
عن عبد الله بن عباس –من طريق عطاء بن أبي رباح- ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾، قال: هم أصحاب الخصومات والمِراء في دِين الله١
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قول الله: ﴿في قلوبهم زيغ﴾، قال: شَكٌّ١
عن قتادة بن دِعامة، في قوله: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ الآية، قال: طلبَ القومُ التأويلَ، فأخطأوا التأويل، وأصابوا الفتنة، واتَّبعوا ما تشابه منه؛ فهلكوا بين ذلك١
عن مَعْمَر، قال: كان قتادةُ إذا قرأ هذه الآية: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ قال: إن لم يكونوا الحَرُورِيَّةَ١ والسَّبائِيَّة٢ فلا أدري مَن هم؟! ولَعَمْرِي، لَقد كان في أهل بدر والحديبية الذين شهدوا مع رسول الله ﷺ بيعةَ الرضوان من المهاجرين والأنصار خَبَرٌ لِمَنِ اسْتَخْبَر، وعِبْرَةٌ لِمَنِ اسْتَعْبَر، لِمَن كان يعقل أو يُبْصر. إنّ الخوارج خرجوا وأصحابُ رسول الله ﷺ يومئذ كثير بالمدينة والشام والعراق، وأزواجُه يومئذٍ أحياء، واللهِ، إنْ خرج منهم ذكرٌ ولا أنثى حَرُورِيًّا قط، ولا رضُوا الذي هم عليه، ولا مالَؤُوهم فيه، بل كانوا يُحَدِّثون بعَيْبِ رسول الله ﷺ إيّاهم، ونعتِه الذي نعتهم به، وكانوا يُبْغِضونهم بقلوبهم، ويعادونهم بألسنتهم، وتَشْتَدُّ -واللهِ- عليهم أيديهم إذا لَقوهم. ولعَمْرِي، لو كان أمرُ الخوارج هُدًى لاجتمع، ولكنَّه كان ضلالًا فتَفَرَّق، وكذلك الأمرُ إذا كان مِن عند غير الله وجدت فيه اختلافًا كثيرًا، فقد ألاصُوا٣ هذا الأمرَ مُنذُ زمان طويل، فهل أفلحوا فيه يومًا أو أنجحوا؟ يا سبحان الله! كيف لا يعتبر آخِرُ هؤلاء القوم بأوَّلِهم؟! لو كانوا على هُدًى قد أظهره الله وأَفْلَجَه ونصره، ولكنهم كانوا على باطلٍ أكذبه الله وأَدْحَضَه، فهم كما رأيتَهم؛ كُلَّما خرج لهم قَرْنٌ أدْحَضَ اللهُ حُجَّتهم، وأَكْذَب أُحْدُوثَتَهُم، وأَهْرَقَ دِماءَهم، وإن كتموا كان قَرْحًا في قلوبهم، وغمًّا عليهم، وإن أظهروه أهْراقَ اللهُ دِماءَهم، ذاكم -واللهِ- دينُ سُوءٍ؛ فاجْتَنِبُوه. واللهِ، إنّ اليهودية لَبِدْعَة، وإنّ النصرانية لَبِدْعَة، وإنّ الحَرُورِيَّة لَبِدْعَة، وإنّ السَّبائِيَّة لَبِدْعَة، ما نزل بِهِنَّ كتابٌ، ولا سَنَّهُنَّ نبيٌّ٤
عن إسماعيل السُّدِّيّ، في قول الله ﴿في قلوبهم زيغ﴾، قال: شَكٌّ١
عن محمد بن جعفر بن الزبير -من طريق ابن إسحاق- ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾، أي: مَيْلٌ عن الهدى١
عن محمد بن السائب الكلبي: هم اليهود، طَلَبوا عِلْمَ أجلِ هذه الأمّة واستخراجها بحساب الجُمَّل١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾، يعني: مَيْل عن الهدى، وهو الشَّكُّ، فهُم اليهودُ١
عن مقاتل بن حَيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف- في قوله: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾، يعني: حُيَيّ بن أخْطَب، وأصحابه مِن اليهود١
عن عبد الملك بن جُرَيْج، قال: ﴿الذين في قلوبهم زيغ﴾ المنافقون١
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾: أي: مَيْل عن الهدى١
تفسير
٩٥ قولًاعن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- ﴿كل من عند ربّنا﴾: يعني: ما نُسِخ منه، وما لم يُنسَخ١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ والراسخون في العلم قالوا: ﴿كل من عند ربنا﴾ آمنوا بمتشابهه، وعملوا بمُحْكَمه١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿كل من عند ربنا﴾: يقولون: المُحْكَم والمُتشابه مِن عند ربِّنا١
عن محمد بن جعفر بن الزُّبَيْر -من طريق ابن إسحاق- قال: ثم رَدُّوا تأويلَ المتشابه على ما عرفوا مِن تأويل المُحْكَمَةِ التي لا تأويلَ لأحدٍ فيها إلا تأويلٌ واحد؛ فاتَّسَقَ بقولهم الكتابُ، وصَدَّقَ بعضُه بعضًا، فنَفَذَتْ به الحُجَّةُ، وظهر به العُذْرُ، وزاح به الباطل، ودُمِغَ به الكُفْرُ١
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة-، مثله١
عن محمد بن جعفر بن الزُّبَيْر -من طريق ابن إسحاق- ﴿وما يذّكر إلا أولو الألباب﴾، يقول: وما يذَّكَّرُ في مثل هذا -يعني: في رَدِّ تأويل المتشابه إلى ما قد عُرِفَ مِن تأويل المُحْكَمِ حتى يَتَّسِقا على معنًى واحد- إلا أولو الألبابِ١٢
عن مقاتل بن حيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾: إلا كُلُّ ذِي لُبٍّ١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾، فما يَسْمَعُ إلا أولو الألباب، يعني: مَن كان له لُبٌّ وعَقْلٌ، يعني: ابن سلام وأصحابه، فيعلمون أنّ كُلَّ شيء مِن هذا وغيره مِن عند الله١
عن أنس بن مالك: سُئِل رسول الله ﷺ: مَنِ الراسخون في العلم؟ قال: «مَن صدَق حديثُه، وبَرَّ في يمينه، وعفَّ بطنُه وفرجُه، فذلك الراسخون في العلم»١
عن أنس بن مالك، وأبي أُمامَة، وواثِلة بن الأَسْقَع، وأبي الدرداء: أنّ رسول الله ﷺ سُئِل عن ﴿والراسخون في العلم﴾. فقال: «مَن بَرَّت يمينُه، وصَدَق لسانُه، واسْتَقام قلبُه، ومَن عَفَّ بطنُه وفَرْجُه؛ فذلك مِن الراسخين في العلم»١
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- قال: ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾، قال: الراسخون الذين يقولون: آمنا به كُلٌّ مِن عند ربِّنا١
عن ابن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- قال عبد الله بن سلام: ﴿والراسخون في العلم﴾ وعِلْمُهم: قولُهم، قال ابن جُرَيْج: ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾، وهم الذين يقولون: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا﴾، ويقولون: ﴿ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه﴾ الآية١
عن مسروق بن الأَجْدَع -من طريق إبراهيم- قال: لَقِيتُ زيدًا، فوَجَدتُه مِن الراسخين في العلم١
قال مُقاتِل بن سليمان: ثُمَّ استأنف، فقال: ﴿والراسخون في العلم﴾، يعني: المُتَدارِسُون عِلْمَ التوراة؛ فهم عبدُ الله بنُ سلام وأصحابُه مِن مؤمني أهلِ التوراة١
عن مُقاتِل بن حَيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿والراسخون في العلم﴾: يعني: عبد الله بن سلام وأصحابه مِن مؤمني أهل الكتاب مِن أهل التوراة١
عن نافع بن يزيد -من طريق ابن وهْب- قال: يُقال: ﴿والراسخون في العلم﴾: المتواضعون [المُتَذَلِّلون] لله في مرضاته، فلا يتعاطون مَن فوقهم، ولا يحقرون مَن دونهم١
عن مقاتل بن حَيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿ابتغاء تأويله﴾، قال: ابتغاء ما يكون، وكم يكون١
عن محمد بن إسحاق –من طريق إبراهيم بن سعد- ﴿وابتغاء تأويله﴾، قال: ذلك ما رَكِبوا مِن الضَّلال في قولهم: خلقنا، وقضينا. يقول: ﴿وما يعلم تأويله﴾ الذي به أراد وما أرادوا ﴿إلا الله﴾١
عن محمد بن إسحاق -من طريق ابن إدريس- قوله: ﴿ابتغاء تأويله﴾، قال: ما تَأَوَّلوا وزَيَّنُوا مِن الضلالة؛ لِيَجِيء لهم الَّذي في أيديهم مِن البدعة، ليكون لهم به حُجَّةً على مَن خالفهم للتَّصْرِيف والتَّحْرِيف الذي ابْتُلُوا به؛ كمَيْلِ الأهواء، وزَيْغِ القلوب، والتَّنكِيبِ عن الحق الذي أحْدَثوا مِن البِدْعة١
عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «أُنزِل القرآنُ على سبعة أحرف: حلالٍ وحرامٍ لا يُعْذَر أحدٌ بالجهالة به، وتفسيرٌ تُفَسِّرُه العرب، وتفسيرٌ تُفَسِّره العلماء، ومُتشابِهٍ لا يعلمه إلا الله، ومَنِ ادَّعى علمَه سوى الله فهو كاذِبٌ»١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾، قال: تأويله يوم القيامة لا يعلمه إلا الله١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جريج- ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾، قال: جزاءَه وثوابَه يوم القيامة١
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾، قال: تأويل القرآن١
عن هشام بن عروة بن الزبير قال: كان أبي يقول في هذه الآية ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم﴾: إنّ الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله، ولكنّهم يقولون: ﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾١
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق ابن أبي نَجِيح- ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾، قال: العِبارَة١
عن الضَّحاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيْبِر- ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾، قال لنا: ثوابه١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-: قال الله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾، وتأويله: عواقبه؛ متى يأتي الناسخُ منه فينسخ المنسوخ١
قال مقاتل بن سليمان: يقول الله عز وجل: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾، كم يملكون مِن السنين، يعني: أُمَّة محمد ﷺ، يملكون إلى يوم القيامة، إلا أيّامًا يبتليهم الله عز وجل بالدَّجّال١
عن مقاتل بن حَيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف- يقول الله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾، قال: كم يملكون إلا الله١
عن محمد بن إسحاق -من طريق ابن إدريس- قوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾، أي: ما يعلم ما حرَّفوا وتأويلَه إلا الله الذي يعلم سرائرَ العباد وأعمالَهم١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق أصْبَغ- ﴿وما يعلم تأويله﴾، قال: تحقيقه١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله -جلَّ وعَزَّ-: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتّبعون ما تشابه منه﴾، وقوله: ﴿وتقطّعوا أمرهم بينهم﴾ [الأنبياء:٩٣]، وقوله عز وجل: ﴿إذا سمعتم آيات الله يكفر بها﴾ [النساء:١٤٠]، وقوله: ﴿ولا تتبعوا السبل﴾ [الأنعام:١٥٣]، وقوله: ﴿أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾ [الشورى:١٣]، ونحو هذا في القرآن، قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة في القرآن، وأخبرهم: إنّما هلك مَن كان قبلكم بالمِراء والخصومات في دين الله١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جُرَيْج- في قوله: ﴿فيتبعون ما تشابه منه﴾، قال: الباب الذي ضلّوا منه، وهلكوا فيه ابتغاءَ تأويله١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿فيتّبعون ما تشابه منه﴾، قال: يتّبعون المنسوخ والناسخ، فيقولون: ما بالُ هذه الآية عُمِل بها كذا وكذا مكان هذه الآية، فتُرِكت الأولى وعُمِل بهذه الأخرى؟ هلّا كان العملُ بهذه الآية قبل أن تجيء الأولى التي نُسخت! وما بالُه يَعِدُ العذابَ مَن عمِل عمَلًا يُعَذِّبُه بالنار، وفي مكان آخر مَن عمِله فإنّه لم يُوجِب له النار؟١
عن محمد بن جعفر بن الزبير -من طريق ابن إسحاق- ﴿فيتّبعون ما تشابه منه﴾: أي: ما تَحَرَّفَ منه وتَصَرَّف، ليُصَدِّقُوا به ما ابْتَدَعُوا وأَحْدَثُوا، لِيَكُونَ لَهُم حُجَّةً على ما قالوا وشُبْهَةً١
عن محمد بن إسحاق -من طريق زياد-، مثله١٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جُرَيْج- في قوله: ﴿ابتغاء الفتنة﴾، قال: الشُّبُهات، بها أُهْلِكوا١
عن الحسن البصري -من طريق سفيان بن حسين- في قوله: ﴿ابتغاء الفتنة﴾، قال: الضلالة١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿ابتغاء الفتنة﴾، قال: إرادة الشِّرْك١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿ابتغاء الفتنة﴾، يعني: الشِّرْك١
عن مقاتل بن حيان، نحو ذلك١
عن محمد بن جعفر بن الزبير -من طريق ابن إسحاق- في قوله: ﴿ابتغاء الفتنة﴾، أي: اللَّبْس١
عن محمد بن إسحاق -من طريق زياد-، مثله١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة﴾، يعني: ابتغاء الكفر١
عن الحسن البصري -من طريق عبّاد بن منصور- في قوله: ﴿وابتغاء تأويله﴾، قال: تأويله القضاء به يوم القيامة١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾، قال: طلب القومُ التأويلَ فأخطَؤُوا التأويلَ، وأصابوا الفتنةَ، فاتَّبعوا ما تشابه منه؛ فهلكوا مِن ذلك١
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط- ﴿وابتغاء تأويله﴾، قال: أرادوا أن يعلموا تأويلَ القرآن، وهو عَواقِبُه١
عن محمد بن جعفر بن الزبير -من طريق ابن إسحاق- ﴿وابتغاء تأويله﴾، قال: وذلك على ما ركِبوا مِن الضلالة في قولهم: خلقنا، وقضينا١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وابتغاء تأويله﴾، يعني: مُنتَهى ما يكون، وكم يكون، يريد بذلك الملك١
عن عائشة -من طريق عبد الله بن أبي مُلَيْكة- قالت: قرأ رسول الله ﷺ: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿وما يذكر إلا أولو الألباب﴾، فقال: «فإذا رأيتُم الذين يُجادلون فيه فهُم الذين عنى اللهُ؛ فاحذروهم»١
عن حذيفة، عن رسول الله ﷺ، قال: «إنّ في أُمَّتي قومًا يقرؤون القرآن، ينثُرُونَه نَثْر الدَّقَل١، يتأَوَّلونه على غير تأويله»٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- ﴿فيتّبعون ما تشابه منه﴾، قال: فيحمِلُون المُحْكمَ على المتشابه، والمتشابِهَ على المُحْكَم، ويُلَبِّسُون؛ فلبَّس الله عليهم١
قال مقاتل بن سليمان: يقول: ﴿هن أمّ الكتاب﴾، يعني: أصلَ الكتاب؛ لأنّهُنَّ في اللوح المحفوظ مكتوبات، وهُنَّ مُحَرّمات على الأُمَم كُلِّها في كتابهم، وإنّما تَسَمَّيْنَ أُمَّ الكتاب لأَنَّهُنَّ مكتوباتٌ في جميع الكتب التي أنزلها الله -تبارك وتعالى- على جميع الأنبياء، وليس مِن أهل دِين إلا وهو يُوصى بِهِنَّ١
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قال: إنّما قال: ﴿هن أم الكتاب﴾ لأنّه ليس مِن أهل دينٍ إلا يَرْضى بِهِنَّ١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿هن أم الكتاب﴾، قال: هُنَّ جِماعُ الكِتاب١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق عليٍّ- قال: ﴿متشابهات﴾: منسوخه، ومُقَدَّمه، ومُؤَخَّره، وأمثاله، وأقسامه، وما يُؤْمَن به ولا يُعْمَل به١
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قال: ﴿متشابهات﴾: المنسوخات التي لا يُدان بِهِنَّ١
عن عبد الله بن عباس -من طريق باذام-: المتشابه: حروفُ التَّهَجِّي في أوائل السُّوَر١
عن عبد الله بن مسعود وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السُّدِّيِّ، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- في قوله: ﴿متشابهات﴾: فَهُنَّ المنسوخات١
عن سعيد بن جبير، قال: المتشابهاتُ: آياتٌ في القرآن يَتَشابَهْنَ على الناس إذا قَرَأُوهُنَّ، ومِن أجل ذلك يَضِلُّ مَن ضَلَّ، فكُلُّ فِرْقَةٍ يقرؤون آيةً من القرآن يزعمون أنها لهم، فمنها يتبع الحروريَّةُ مِن المتشابه قولَ الله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ [المائدة:٤٤]، ثُمَّ يقرؤون معها: ﴿والذين كفروا بربهم يعدلون﴾ [الأنعام:١]، فإذا رأوا الإمامَ يحكم بغير الحقِّ قالوا: قد كفر، فمَن كفر فقد عدل بربه، ومَن عدل بِرَبِّه فقد أشرك برَبِّه، فهؤلاء الأئِمَّةُ مُشْرِكون١
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق ابن جُرَيْج- ﴿وأخر متشابهات﴾، قال: يُصَدِّقُ بعضه بعضًا١
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيْبِر- ﴿وأخر متشابهات﴾، قال: ما نُسِخ وتُرِك يُتْلى١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد-: ﴿وأخر متشابهات﴾، أمّا المتشابهات: فالمنسوخُ الذي لا يُعْمَل به، ويُؤْمَنُ به١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: والمتشابهاتُ: المنسوخُ الذي لا يُعْمَلُ به، ويُؤْمَنُ به١
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ قال عز وجل: ﴿وأخر متشابهات﴾: ﴿الم﴾، ﴿المص﴾، ﴿المر﴾، ﴿الر﴾، شُبّه على اليهود كَم تَمْلِكُ هذه الأُمَّةُ مِن السنين، والمتشابهات هؤلاء الكلمات الأربع١
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قال: ﴿وأخر متشابهات﴾، يعني فيما بَلَغَنا: ﴿الم﴾، و﴿المص﴾، و﴿المر﴾، و﴿الر﴾١
عن محمد بن إسحاق -من طريق ابن إدريس- ﴿وأخر متشابهات﴾، قال: لَمْ يُفَصَّل فيهِنَّ القولُ كفَصْلِه في المحكمات، تَتَشابَهُ في عقول الرجال، ويَتَخالَجُها التَّأْوِيلُ، فابتلى اللهُ فيها العبادَ كابتلائهم في الحلال والحرام١
عن محمد بن إسحاق -من طريق زياد- ﴿وأخر متشابهات﴾، قال: في الصِّدق، لَهُنَّ تحريفٌ، وتصريفٌ، وتأويلٌ، ابتلى الله فيهِنَّ العبادَ كما ابتلاهم في الحلال والحرام، أن يُصْرفن إلى الباطل، ولا يُحَرَّفْنَ عن الحقِّ١
عن عكرمة مولى ابن عباس، ومجاهد بن جبر، وقتادة بن دِعامة، والضحاك بن مُزاحِم، ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس، وإسماعيل السُّدِّيّ، قالوا: المُحْكَم: الذي يُعْمَل به١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿آيات محكمات﴾، قال: المُحْكَم: ما يُعمَل به١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب﴾: والمُحْكَمات: الناسخُ الذي يُعْمَل به؛ ما أحَلَّ الله فيه حلالَه، وحرَّم فيه حرامَه، وأما المتشابهات: فالمنسوخُ الذي لا يُعْمَل به، ويُؤْمَنُ به١
عن الربيع بن أنس -من طريق سليمان بن عامر- قال: المُحْكَمات: هي الآمِرَةُ، الزّاجِرَةُ١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾، قال: المُحْكَمات: الناسِخُ الذي يُعْمَلُ به١
عن محمد بن جعفر بن الزبير -من طريق ابن إسحاق- قال: المُحْكَمات حُجَّةُ الرَّبِّ، وعِصْمَةُ العبادِ، ودفعُ الخصومِ والباطلِ، ليس لها تصريفٌ ولا تحريفٌ عَمّا وُضِعَتْ عليه، ﴿وأخر متشابهات﴾ في الصِّدق، لَهُنَّ تصريفٌ وتحريفٌ وتأويلٌ، ابتلى اللهُ فيهِنَّ العبادَ كما ابتلاهم في الحلال والحرام، لا يُصْرَفْنَ إلى الباطل، ولا يُحَرَّفْنَ عن الحقِّ١٢
قال محمد بن إسحاق -من طريق سلمة-: ﴿منه آيات محكمات﴾، فهُنَّ حُجَّةُ الرَّبِّ، وعِصْمَةُ العباد، ودَمْغُ الخصومِ والباطلِ، ليس لَهُنَّ تصريفٌ ولا تحريفٌ عما وُضِعْنَ عليه١
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ قال سبحانه: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات﴾، يُعْمَل بِهِنَّ، وهُنَّ الآيات التي في الأنعام [١٥١-١٥٣] قوله سبحانه: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا﴾ إلى ثلاث آيات آخرهن: ﴿لعلكم تتقون﴾١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- وقرأ: ﴿الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾ [هود:١]، قال: وذَكَرَ حديثَ رسول الله ﷺ في أربع وعشرين آية منها، وحديثَ نوح في أربع وعشرين آية منها، ثُمَّ قال: ﴿تلك من أنباء الغيب﴾ [هود:٤٩]، ثم ذَكَر: ﴿وإلى عاد﴾ [هود:٥٠] فقرأ حتى بلغ: ﴿استغفروا ربكم﴾ [هود:٥٢]، ثُمَّ مَضى، ثُمَّ ذَكَر صالحًا وإبراهيم ولوطًا وشعيبًا، وفرغ من ذلك، وهذا يقينٌ، ذلك يقينٌ أُحْكِمَت آياته ثُمَّ فُصِّلَتْ. قال: والمتشابهُ ذِكْرُ موسى في أمْكِنَةٍ كثيرة، وهو متشابه، وهو كُلُّه معنًى واحد ومتشابه: ﴿فاسلك فيها﴾ [المؤمنون:٢٧]، ﴿احمل فيها﴾ [هود:٤٠]. ﴿اسلك يدك﴾ [القصص:٣٢]، ﴿وأدخل يدك﴾ [النمل:١٢]. ﴿حية تسعى﴾ [طه:٢٠]، ﴿ثعبان مبين﴾ [الأعراف:١٠٧، والشعراء:٣٢]. قال: ثم ذكر هودًا في عشر آيات منها، وصالحًا في ثماني آيات منها، وإبراهيم في ثماني آيات أخرى، ولوطًا في ثماني آيات منها، وشعيبًا في ثلاث عشرة آية، وموسى في أربع آيات، كل هذا يقضي بين الأنبياء وبين قومهم في هذه السورة، فانتهى ذلك إلى مائة آية من سورة هود، ثم قال: ﴿ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد﴾ [هود:١٠٠]. وقال في المتشابه من القرآن: مَن يُرِدِ الله به البلاءَ والضلالةَ يقولُ: ما شَأْنُ هذا لا يكون هكذا؟! وما شأَنْ هذا لا يكون هكذا؟!١
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- ﴿هنّ أم الكتاب﴾، قال: أصلُ الكتاب؛ لأنّهُنَّ مكتوبات في جميع الكتب١
عن مجاهد بن جَبْر، في قوله: ﴿هن أم الكتاب﴾، يعني: ما فيه من الحلال والحرام، وما سوى ذلك منه مُتشابِهٌ١٢
عن الحسن البصري -من طريق مالك بن دينار- في قوله: ﴿أم الكتاب﴾، قال: الحلال، والحرام. قلتُ له: فـ﴿الحمد لله رب العالمين﴾؟ قال: هذه أمُّ القرآن١
عن يحيى بن يَعْمُر، وأبي فاخِتَة -من طريق إسحاق بن سويد- أنّهما تَراجَعا هذه الآية: ﴿هن أم الكتاب﴾، فقال أبو فاخِتَة: هُنَّ فواتحُ السُّوَرِ منها يُسْتَخْرَجُ القرآن؛ ﴿الم ذلك الكتاب﴾ منها اسْتُخْرِجَتِ البقرةُ، و﴿الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ منها اسْتُخْرِجَت آلُ عمران. قال يحيى: هُنَّ اللاتي فيهِنَّ الفرائض، والأمر، والنهي، والحلالُ، والحدودُ، وعِمادُ الدِّين. وضرب لذلك مثلًا، فقال: أمُّ القرى: مكة. وأمُّ خراسان: مَرْو. وأمُّ المسافرين: الذين يجعلون إليه أمرهم، ويُعْنى بهم في سفرهم. قال: فذاك أُمُّهُم١٢
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قول الله: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب﴾، يعني: القرآن١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق عبد الله بن قيس- أنّه قال: في قوله: ﴿منه آيات محكمات﴾، قال: الثلاث آيات من آخر سورة الأنعام محكمات؛ ﴿قل تعالوا﴾ والآيتان بعدها [الأنعام:١٥١-١٥٣]١
عن عبد الله بن عباس -من طريق العَوّام، عمَّن حَدَّثه- في قوله: ﴿آيات محكمات﴾، قال: مِن ههنا: ﴿قل تعالوا﴾ إلى آخر ثلاث آيات [الأنعام:١٥١-١٥٣]، ومِن ههنا: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ إلى ثلاث آيات بعدها [الإسراء:٢٣-٢٥]١٢
عن سعيد بن جبير، نحو ذلك١
عن عبد الله بن عباس، قال: ﴿محكمات﴾: الحلالُ، والحرام١
عن عبد الله بن مسعود وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السُّدِّيِّ، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- في قوله: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿كل من عند ربنا﴾: أمّا الآيات المحكمات فهُنَّ الناسخات التي يُعْمَل بهن، وأما المُتشابهات فهنَّ المنسوخات١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق عليٍّ- قال: ﴿محكمات﴾: ناسخه، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه، وما يُؤمَن به، ويُعمَل به١
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قال: ﴿محكمات﴾: الناسخ الذي يُدان به، ويُعمَل به١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عليِّ بن أبي طلحة- قوله: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب﴾: المحكمات: ناسخه، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه، وما يُؤمَن به، ويُعْمَل به١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- قال: المحكماتُ: ما فيه الحلالُ والحرامُ، وما سوى ذلك منه مُتشابِهٌ يُصَدِّقُ بعضُه بعضًا. مثل قوله: ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾ [البقرة:٢٦]، ومثل قوله: ﴿كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون﴾ [الأنعام:١٢٥]، ومثل قوله: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم﴾ [محمد:١٧]١٢
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق سلمة بن نُبَيْط- قال: المُحْكَم: ما لم يُنسَخ١
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيْبِر- في قوله: ﴿آيات محكمات هن أم الكتاب﴾، قال: النّاسِخات١
عن عكرمة مولى ابن عباس، مثله١
عن عبد الله بن مسعود، قال: إنّ القرآن أُنزِل على نبيِّكم ﷺ من سبعة أبواب، على سبعة أحرف، وإنّ الكتاب قبلكم كان ينزل من باب واحد، على حرف واحد١
قراءات
قولانِنزول الآية
٦ أقوالعن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: عمدوا -يعني: الوفد الذين قدموا على رسول الله ﷺ مِن نصارى نجران- فخاصموا النبيَّ ﷺ، قالوا: ألستَ تزعم أنّه كلمةُ الله، وروحٌ منه؟ قال: «بلى». قالوا: فحسبنا. فأنزل الله عز وجل: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة﴾. ثم إنّ الله -جلَّ ثناؤُه- أنزل: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم﴾ [آل عمران:٥٩]١
عن الحسن البصري، أنّه قال: نزلت في الخوارج١
عن عبد الله بن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رئاب -من طريق ابن إسحاق، عن الكلبي، عن أبي صالح- قال: مَرَّ أبو ياسر بن أخْطَب، فجاء رجلٌ من يهود لرسول الله ﷺ، وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: ﴿الم ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾. فأتى أخاه حُيَيَّ بن أخْطَبَ في رِجالٍ من اليهود، فقال: أتعلمون، واللهِ، لقد سمعتُ محمدًا يتلو فيما أنزل عليه: ﴿الم ذلك الكتاب﴾. فقال: أنت سمعتَه؟ قال: نعم. فمشى حتى وافى أولئك النفر إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: ألم تقل: إنّك تتلو فيما أُنزل عليك: ﴿الم ذلك الكتاب﴾؟ فقال: «بلى». فقالوا: لقد بُعث بذلك أنبياء، ما نعلمُه بُيِّن لنبيٍّ منهم ما مُدَّةُ مُلْكِه وما أجَلُ١ أُمَّتِهِ غيرَك! الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة. ثم قال: يا محمد، هل مع هذا غيره؟ قال: «نعم، ﴿المص﴾». قال: هذه أثقلُ وأطولُ، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه إحدى وثلاثون ومائة، هل مع هذا غيره؟ قال: «نعم، ﴿الر﴾». قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، هذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة، هل مع هذا غيره؟ قال: «نعم، ﴿المر﴾». قال: هذه أثقل وأطول، هذه إحدى وسبعون ومائتان. ثُمَّ قال: لقد لُبِّس علينا أمرُك حتى ما ندري أقليلًا أُعطيتَ أم كثيرًا؟! ثم قال: قوموا عنه. ثم قال أبو ياسر لأخيه ومَن معه: ما يدريكم، لعلَّه قد جُمِع هذا كله لمحمد؟! إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع سنين. فقالوا: لقد تشابه علينا أمرُه. فيزعمون: أنّ هذه الآيات نزلت فيهم: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾٢
عن عبد الله بن عباس، وجابر بن رئاب -من طريق سعيد بن جبير-: أنّ أبا ياسر بن أخْطَب مَرَّ بالنبي ﷺ وهو يقرأ فاتحة الكتاب، و﴿الم ذلك الكتاب﴾. فذكر القصّة١
وعن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق محمد بن ثور- نحوه١
عن الربيع: أنّ النصارى قالوا لرسول الله ﷺ: ألستَ تزعم أنّ عيسى كلمة الله وروح منه؟ قال: «بلى». قالوا: فحسبُنا. فأنزل الله: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة﴾١
وقفات تدبرية في الآية ٧ من سورة آل عمران
٣١ وقفةً في هذه الآية
-
"فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ" الذي يفرحون بالمتشابهات للإثارة والحضور الإعلامي في قلوبهم زيغ ولا بد
— عبدالله بلقاسم
-
(والراسخون في العلم) حرف الجر (في) يجعل (العلم) هو : المادة الصلبة التي كلما انغمس فيها اﻹنسان أمن السقوط
— عقيل الشمري
-
" والراسخون في العلم يقولون ربنا لاتزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا" كلما زاد علم الإنسان خاف على نفسه الزيغ بعد الهداية، ربنا لا تزغ قلوبنا
— نوال العيد
-
تتبع المتشابه وترك المحكم سبيل ذوي الزيغ لتمرير فسادهم وتبريره(فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله).
— سعود الشريم
-
من يحرص على تتبّع مواطن الشبهات والخلافات وبثّها بين العامة فهو صاحب هوى ؛ ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغٌ فيتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة﴾.
— فرائد قرآنية
-
سُئل مالك بن أنس عن ﴿الراسخون في العلم﴾ فقال: هو العالِم العامِل بما علّم المُتّبع له؛ وقيل:هو التقي، المُتواضع، الزاهد، المُجاهد لهوى نفسه.
— فرائد قرآنية
-
صاحب الهوى هو من يبحث في الأدلّة عما يناسب هواه ورأيه وإن أساء فهم الدليل وجانب الحق؛ ﴿فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾.
— فرائد قرآنية
-
قال عمر بن الخطاب: ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانُه، ولا من فاسقٍ بيِّنٍ فسقُه، ولكني أخاف عليها رجلًا قد قرأ القرآن بلسانه، ثم تأوله على غير تأويله!
— الطبري
-
وكل شيء في القرآن تظن فيه التناقض -فيما يبدو لك- فتدبره حتى يتبين لك؛ لقوله تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) ، فإن لم يتبين لك، فعليك بطريق الراسخين في العلم الذين يقولون: (آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ) (آل عمران:7)، واعلم أن القصور في علمك، أو في فهمك.
— محمد بن صالح ابن عثيمين
-
﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ﴾.. الرسوخ في العلم هو الانقياد المطلق للوحي والتسليم له.
— عبدالله بلقاسم
-
مجالس في تدبر القرآن سورة آل عمران ، آية 7
— خالد السبت
-
وقفة مع آية إن كان الراسخون فى العلم يستغيثون ربهم أن لا يزيغ قلوبهم ففيم سكون قلوبنا عن هذا الخوف؟! (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا........رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا)
— بدون مصدر
و١٩ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.
فتاوى متعلقة بالآية ٧ من سورة آل عمران
٤ فتاوى تتعلق بهذه الآية
- يقول السائل: م.م. من اليمن محافظة حجة : ما هو تفسير قول الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْـزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَ...
- هناك من ينادي بحق كل إنسان في تأويل آيات القرآن تبعًا لمدى فهمه لها ولظروفها ومواقفها، على أساس أن النص مقدس، ولكن الفقه أو فهم النص ليس مقدسًا. ومثال على ذلك النص: آيات الكرسي والعرش ويد الله، وإن كان هذا الزعم باطلاً فمن له حق التأويل، وما مدى قداس...
- ما صور الوقف في الأية الكريمة؟
- ما علامات ليلة القدر؟ هناك علامات يستدل بها على ليلة القدر، منها ما يثبت، ومنها ما لا يثبت، منها أنها ليلة قارة، ومنها أنها ليلة مضيئة، ليلة بلجة، وذُكِر فيها أشياء يستدل بها عليها، البحر لا يهيج، والكلاب لا تنبح، وأمور كثيرة ذكرها أهل العلم منها ما...
ترجمات معاني الآية ٧ من سورة آل عمران
ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً
(7) It is He who has sent down to you, [O Muḥammad], the Book; in it are verses [that are] precise - they are the foundation of the Book - and others unspecific.[116] As for those in whose hearts is deviation [from truth], they will follow that of it which is unspecific, seeking discord and seeking an interpretation [suitable to them]. And no one knows its [true] interpretation except Allāh. But those firm in knowledge say, "We believe in it. All [of it] is from our Lord." And no one will be reminded except those of understanding.
[116]- Those which are stated in such a way that they are open to more than one interpretation or whose meaning is known only to Allāh, such as the opening letters of certain sūrahs.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال
- الإنجليزية
- الفرنسية
- الإسبانية
- البرتغالية
- الألمانية
- الإيطالية
- التركية
- الإندونيسية
- الفلبينية
- الفارسية
- الأردية
- البنغالية
- الكردية
- البشتوية
- البوسنية
- الألبانية
- الأوكرانية
- الصينية
- الأويغورية
- اليابانية
- الكورية
- الفيتنامية
- الكازاخية
- الأوزبكية
- الأذرية
- الطاجيكية
- الهندية
- المليبارية
- الغوجراتية
- الماراتية
- التلجوية
- التاميلية
- السنهالية
- الأسامية
- الخميرية
- النيبالية
- التايلاندية
- الصومالية
- الهوساوية
- الأمهرية
- اليورباوية
- الأورومية
- الفنلندية
- ماراناو
- فلمكني (هولندية)
- النرويجية
- البولندية
- الرومانية
- الروسية
- تتاري
- السواحلية
- لغة الملايو
- تشيكي
- المالديفية
- السويدية
- العبرية
- الجورجية
- الصربية
- اللوغندية
- الإنكو بامبارا