محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ٧ ).
( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ) واضحات الدلالة ( هن / أم الكتاب ) أي أصله المعتمد عليه في الأحكام ( وأخر متشابهات ) وهي ما استأثر الله بعلمها لعدم اتضاح حقيقتها التي أخبر عنها، أو ما احتملت أوجها. وجعله كله محكما في قوله :( أحكمت آياته ) بمعنى أنه ليس فيه عيب، وأنه كلام حق فصيح الألفاظ، صحيح المعاني. ومتشابها في قوله ( كتابا متشابها ) بمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن، ويصدق بعضه بعضا ( فأما الذين في قلوبهم زيغ ) أي ميل عن استقامة إلى كفر وأهواء وابتداع ( فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ) أي طلب الإيقاع في الشبهات واللبس ( وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله ) وحده ( والراسخون في العلم ) أي الثابتون المتمكنون مبتدأ خبره ( يقولون آمنا به ) أي بالمتشابه على ما أراد الله تعالى ( كل ) من المحكم والمتشابه ( من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ) أي العقول الخالصة من الركون إلى الأهواء الزائغة. وهو تذييل سيق منه تعالى مدحا للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر.
تنبيه :
للعلماء في المحكم والمتشابه أقوال كثيرة، ومباحث واسعة. وأبدع ما رأيته في تحرير هذا المقام مقالة سابغة الذيل لشيخ الاسلام تقي الدين أحمد بن تيمية عليه الرحمة والرضوان. يقول في خلالها :
المحكم في القرآن، تارة يقابل بالمتشابه والجميع من آيات الله، وتارة يقابل بما نسخه الله، مما ألقاه الشيطان. ومن الناس من يجعله مقابلا لما نسخه الله مطلقا، حتى يقول هذه الآية محكمة ليست منسوخة، ويجعل المنسوخ ليس محكما، وان كان الله أنزله أولا اتباعا للظاهر من قوله :( فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته ). فهذه ثلاثة معان تقابل المحكم، ينبغي التفطن لها. وجماع ذلك أن الإحكام تارة يكون في التنزيل. فيكون في مقابلة ما يلقيه الشيطان. فالمحكم المنزل من عند الله أحكمه الله أي فصله من الاشتباه بغيره، وفصل منه ما ليس منه، فان الإحكام هو الفصل والتمييز والفرق والتحديد الذي به يتحقق الشيء ويحصل إتقانه، / ولهذا دخل فيه معنى المنع، كما دخل في الحد بالمنع جزء معناه، لا جميع معناه. وتارة يكون في إبقاء التنزيل عند من قابله بالنسخ الذي هو رفع ما شرع، وهو اصطلاحي. أو يقال ( وهو أشبه ) : السلف كانوا يسمون كل رفع نسخا، سواء كان رفع حكم، أو رفع دلالة ظاهرة، فكل ظاهر ترك ظاهره لمعارض راجح، كتخصيص العام، وتقييد المطلق، فهو منسوخ في اصطلاح السلف. وإلقاء الشيطان في أمنيته قد يكون في نفس لفظ المبلغ، وقد يكون في مسمع المبلغ، وقد يكون في فهمه، كما قال :( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ). ومعلوم أن من سمع، سمع النص الذي قد رفع حكمه، أو دلالة له، فانه يلقي الشيطان في تلك التلاوة إتباع ذلك المنسوخ، فيحكم الله بآياته بالناسخ الذي به رفع الحكم، وبان المراد. وعلى هذا التقدير، فيصح أن يقال : المتشابه المنسوخ. بهذا الاعتبار. والله أعلم.
وتارة يكون الإحكام في التأويل والمعنى، وهو تمييز الحقيقة المقصودة من غيرها، حتى لا تشتبه بغيرها. وفي مقابلة المحكمات الآيات المتشابهات التي تشبه هذا. فتكون محتملة للمعنيين، ولم يقل في المتشابه ( لا يعلم تفسيره ومعناه إلا الله )، وانما قال :( وما يعلم تأويله إلا الله ) وهذا هو فصل الخطاب بين المتنازعين في هذا الموضع. فان الله أخبر أنه لا يعلم تأويله إلا هو. والوقف هنا. على ما دل عليه أدلة كثيرة، وعليه أصحاب رسول الله ﷺ، وجمهور التابعين، وجماهير الأمة. ولكن لم ينف علمهم بمعناه وتفسيره، بل قال :( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ). وهذا يعم الآيات / المحكمات والآيات المتشابهات. وما لا يعقل له معنى لا يتدبر، وقال :( أفلا يتدبرون القرآن )، ولم يستثن شيئا منه نهى عن تدبره. والله ورسوله إنما ذم من اتبع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فأما من تدبر المحكم والمتشابه كما أمره الله وطلب فهمه ومعرفة معناه، فلم يذمه الله، بل أمر بذلك ومدح عليه. يبين ذلك أن التأويل، قد روي أن من اليهود الذين كانوا بالمدينة على عهد رسول الله ﷺ كحيي بن أخطب وغيره من طلب من حروف الهجاء التي في أوائل السور تأويل بقاء هذه الأمة، كما سلك ذلك طائفة من المتأخرين موافقة للصابئة المنجمين، وزعموا أنه ستمائة وثلاثة وتسعون عاما. لأن ذلك هو عدد ما للحروف في حساب الجمل، بعد إسقاط المكرر. وهذا من نوع تأويل الحوادث التي أخبر بها القرآن في اليوم الآخر. وروي أن من النصارى الذين وفدوا على النبي ﷺ في وفد نجران من تأول ( أنا ونحن ) على أن الآلهة ثلاثة لأن هذا ضمير جمع. وهذا تأويل في الإيمان بالله. فأولئك تأولوا في اليوم الآخر. وهؤلاء تأولوا في الله. ومعلوم أن ( أنا نحن ) من التشابه. فانه يراد بها الواحد الذي معه غيره من جنسه، ويراد بها الواحد الذي معه أعوانه وان لم يكونوا من جنسه، ويراد الواحد المعظم نفسه، الذي يقوم مقام من معه غيره لتنوع أسمائه التي كل اسم منها يقوم مقام مسمى. فصار هذا متشابها لأن اللفظ واحد، والمعنى متنوع، والأسماء المشتركة في اللفظ هي من المتشابه، وبعض المتواطئ أيضا من المتشابه. ويسميها أهل التفسير ( الوجوه والنظائر ) وصنفوا كتب الوجوه والنظائر. فالوجوه في الأسماء المشتركة، والنظائر في الأسماء المتواطئة. وقد ظن بعض أصحابنا المصنفين في ذلك أن الوجوه والنظائر جميعا في الأسماء المشتركة، فهي نظائر باعتبار اللفظ، ووجوه باعتبار المعنى، وليس الأمر على ما قاله، / بل كلامهم صريح فيما قلناه لمن تأمله. والذين في قلوبهم زيغ يدعون المحكم الذي لا اشتباه فيه مثل :( وإلهكم اله واحد ). ( إنني أنا الله لا اله إلا أنا فاعبدني ). ( ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من اله ). ( ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ). ( ولم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد ). ويتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة ليفتنوا به الناس إذا وضعوه على غير مواضعه، وحرفوا الكلم عن مواضعه. وابتغاء تأويله وهو الحقيقة التي أخبر عنها. وذلك أن الكلام نوعان : إنشاء فيه الأمر، وإخبار. فتأويل الأمر هو نفس الفعل المأمور به، كما قال من قال من السلف : ان السنة هي تأويل الأمر. قالت عائشة رضي الله عنها :" كان رسول اله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده :( سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي ). يتأول القرآن "، تعني قوله :( فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا )، وأما الاخبار فتأويله عين الأمر المخبر به إذا وقع. / ليس تأويله فهم معناه، وقد جاء اسم التأويل في القرآن في غير موضع. وهذا معناه. قال الله تعالى :( ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون * هل ينظرون الا تأويله، يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ) فقد أخبر أنه فصل الكتاب، وتفصيل بيانه وتمييزه بحيث لا يشتبه، ثم قال :( هل ينظرون )، أي ينتظرون، ( الا تأويله، يوم يأتي تأويله ). إلى آخر الآية. وانما ذلك مجيء ما أخبر به القرآن بوقوعه من القيامة وأشراطها. كالدابة ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ومجيء ربك والملك صفا صفا، وما في الآخرة من الصحف والموازين والجنة والنار وأنواع النعيم والعذاب وغير ذلك. فحينئذ يقولون :( قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل ). وهذا القدر الذي أخبر به القرآن من هذه الأمور لا يعلم وقته وقدره وصفته الا الله. فان الله يقول :( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ). ويقول :" أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ". وقال ابن عباس :" ليس في الدنيا مما في الجنة الا الأسماء "، فان الله قد أخبر أن في الجنة خمرا ولبنا وماء وحريرا وذهبا وفضة وغير ذلك، ونحن نعلم قطعا أن تلك الحقيقة ليست مماثلة لهذه، بل بينهما تباين عظيم مع / التشابه. كما في قوله :( وأوتوا به متشابها ) على أحد القولين أي يشبه ما في الدنيا، وليس مثله. فأشبه اسم تلك الحقائق أسماء هذه الحقائق، كما أشبهت الحقائق الحقائق من بعض الوجوه، فنحن نعلمها إذا خوطبنا بتلك الأسماء من جهة القدر المشترك بينهما، ولكن لتلك الحقائق خاصية لا ندركها في الدنيا، ولا سبيل إلى إدراكنا لها لعدم إدراك عينها أو نظيرها من كل وجه، وتلك الحقائق على ما هي عليه هي تأويل ما أخبر الله به، وهذا فيه رد على اليهود والنصارى والصابئين من المتفلسفة وغيرهم. فإنهم ينكرون أن يكون في الجنة أكل وشرب ولباس ونكاح، ويمنعون وجود ما أخبر به القرآن. ومن دخل في الاسلام ونافق المؤمنين تأول ذلك على أن هذه أمثال مضروبة لتفهيم النعيم الروحاني، ان كان من المتفلسفة الصابئة المنكرة لحشر الأجساد. وان كان من منافقة الملتين المقرين بحشر الأجساد، تأول ذلك على تفهيم النعيم الذي في الجنة من الروحاني والسماع الطيب والروائح العطرة. كل ضال يحرف الكلم عن مواضعه إذا ما اعتقد ثبوته. وكان في هذا أيضا متبعا للمتشابه، إذ الأسماء تشبه الأسماء، والمسميات تشبه المسميات ولكن تخالفها أكثر مما تشابهها. فهؤلاء يتبعون هذا المتشابه ابتغاء الفتنة بما يوردونه من الشبهات على امتناع أن يكون في الجنة هذه الحقائق، وابتغاء تأويله ليردوه إلى المعهود الذي يعلمونه في الدنيا، قال الله تعالى :( وما يعلم تأويله إلا الله )، فان تلك الحقائق قال الله فيها :( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين )، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. وقوله :( وما يعلم تأويله ). إما أن يكون الضمير عائدا على الكتاب أو على المتشابه. فان / كان عائدا على الكتاب لقوله :( منه ). ومنه :( فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله )، فهذا يصح. فان جميع آيات الكتاب محكمة والمتشابهة التي فيها إخبار عن الغيب الذي أمرنا أن نؤمن به، لا يعلم حقيقة ذلك الغيب ومتى يقع إلا الله. وقد يستدل لهذا أن الله جعل التأويل للكتاب كله مع إخباره أنه مفصل بقوله :( ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون * هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله ). فجعل التأويل الجائي الكتاب المفصل، وقد بينا أن ذلك التأويل لا يعلمه وقتا وقدرا ونوعا وحقيقة إلا الله. وإنما نعلم نحن بعض صفاته بمبلغ علمنا لعدم نظيره عندنا. وكذلك قوله :( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ). و إذا كان التأويل الكتاب كله والمراد به ذلك، ارتفعت الشبهة، وصار هذا بمنزلة قوله :( يسألونك عن الساعة أيان مرساها، قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو، ثقلت في السماوات والأرض ) –الى قوله - :( إنما علمها عند الله ). وكذلك قول

تفسير هذه الآية من كتب أخرى