جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿هُوَ الّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مّحْكَمَاتٌ هُنّ أُمّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمّا الّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلّ مّنْ عِندِ رَبّنَا وَمَا يَذّكّرُ إِلاّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾
يعني بقوله جلّ ثناؤه :﴿هُوَ الّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ أن الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ﴿هُوَ الّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ يعني بالكتاب : القرآن. وقد أتينا على البيان فيما مضى عن السبب الذي من أجله سُمّي القرآن كتابا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وأما قوله :﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ فإنه يعني من الكتاب آيات، يعني بالآيات آيات القرآن. وأما المحكمات : فإنهنّ اللواتي قد أحكمن بالبيان والتفصيل، وأثبتت حججهن وأدلتهن على ما جعلن أدلة عليه من حلال وحرام، ووعد ووعيد، وثواب وعقاب، وأمر وزجر، وخبر ومثل، وعظة وعبر، وما أشبه ذلك. ثم وصف جل ثناؤه هؤلاء الاَيات المحكمات بأنهنّ هنّ أمّ الكتاب، يعني بذلك أنهنّ أصل الكتاب الذي فيه عماد الدين والفرائض والحدود، وسائر ما بالخلق إليه الحاجة من أمر دينهم، وما كلفوا من الفرائض في عاجلهم وآجلهم. وإنما سماهنّ أم الكتاب، لأنهنّ معظم الكتاب، وموضع مفزع أهله عند الحاجة إليه، وكذلك تفعل العرب، تسمي الجامع معظم الشيء أُمّا له، فتسمي راية القوم التي تجمعهم في العساكر أمهم، والمدبر معظم أمر القرية والبلدة أمها. وقد بينا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته. ووحد أمّ الكتاب، ولم يجمع فيقول : هنّ أمهات الكتاب، وقد قال هنّ لأنه أراد جميع الاَيات المحكمات أمّ الكتاب، لا أن كل آية منهنّ أمّ الكتاب، ولو كان معنى ذلك أن كل آية منهنّ أمّ الكتاب، لكان لا شكّ قد قيل : هنّ أمهات الكتاب. ونظير قول الله عزّ وجلّ :﴿هُنّ أُمّ الكِتَابِ﴾ على التأويل الذي قلنا في توحيد الأم وهي خبر ل«هُنّ » قوله تعالى ذكره :﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمّهُ آيَةً﴾ ولم يقل آيتين، لأن معناه : وجعلنا جميعهما آية، إذ كان المعنى واحدا فيما جُعلا فيه للخلق عبرة. ولو كان مراده الخبر عن كل واحد منهما على انفراده، بأنه جعل للخلق عبرة، لقيل : وجعلنا ابن مريم وأمه آيتين¹ لأنه قد كان في كل واحد منهما لهم عبرة. وذلك أن مريم ولدت من غير رجل، ونطق ابنها فتكلم في المهد صبيا، فكان في كل واحد منهما للناس آية.
وقد قال بعض نحويي البصرة : إنما قيل :﴿هُنّ أُمّ الكِتَابِ﴾ ولم يقل :«هنّ أمهات الكتاب » على وجه الحكاية، كما يقول الرجل : ما لي أنصار، فتقول : أنا أنصارك، أو ما لي نظير، فتقول : نحن نظيرك. قال : وهو شبيه «دعني من تمرتان »، وأنشد لرجل من فقعس :
| تَعَرّضَتْ لِي بِمَكانٍ حَلّ | تَعَرّضَ المُهْرَةِ في الطّوَلّ |
حَلّ أي يحلّ به، على الحكاية، لأنه كان منصوبا قبل ذلك، كما يقول : نودي : الصلاةَ الصلاةَ، يحكي قول القائل : الصلاةَ الصلاةَ ! وقال : قال بعضهم : إنما هي أن قتلاً لي، ولكنه جعله «عن » لأن أن في لغته تجعل موضعها «عن » والنصب على الأمر، كأنك قلت : ضربا لزيد. وهذا قول لا معنى له، لأن كل هذه الشواهد التي استشهد بها، لا شكّ أنهنّ حكايات حالتهن بما حكي عن قول غيره وألفاظه التي نطق بهنّ، وأن معلوما أن الله جلّ ثناؤه لم يحك عن أحد قوله : أمّ الكتاب، فيجوز أن يقال : أخرج ذلك مخرج الحكاية عمن قال ذلك كذلك.
وأما قوله ﴿وأُخرَ﴾ فإنها جمع أخرى.
ثم اختلف أهل العربية في العلة التي من أجلها لم يصرف «أُخر »، فقال بعضهم : لم يصرف أُخَر من أجل أنها نعت واحدتها أخرى، كما لم تصرف جُمع وكُتع، لأنهنّ نعوت.
وقال آخرون : إنما لم تصرف الأُخَر لزيادة الياء التي في واحدتها، وأن جمعها مبني على واحدها في ترك الصرف، قالوا : وإنما ترك صرف أخرى، كما ترك صرف حمراء وبيضاء في النكرة والمعرفة لزيادة المدة فيها والهمزة بالواو، ثم افترق جمع حمراء وأخرى، فبنى جمع أخرى على واحدته، فقيل : فُعَل أُخَر، فترك صرفها كما ترك صرف أخرى، وبنى جمع حمراء وبيضاء على خلاف واحدته، فصرف، فقيل حُمْر وبِيض. فلاختلاف حالتيهما في الجمع اختلف إعرابهما عندهم في الصرف، ولاتفاق حالتيهما في الواحدة اتفقت حالتهما فيها.
وأما قوله :﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾ فإن معناه : متشابهات في التلاوة، مختلفات في المعنى، كما قال جلّ ثناؤه :﴿وأتُوُا بِهِ مُتَشابِها﴾ يعني في المنظر : مختلفا في المطعم، وكما قال مخبرا عمن أخبر عنه من بني إسرائيل أنه قال :﴿إنّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ يعنون بذلك : تشابه علينا في الصفة، وإن اختلفت أنواعه.
فتأويل الكلام إذا : إن الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، هو الذي أنزل عليك يا محمد القرآن، منه آيات محكمات بالبيان، هنّ أصل الكتاب الذي عليه عمادك وعماد أمتك في الدين، وإليه مفزعك ومفزعهم فيما افترضت عليك وعليهم من شرائع الإسلام، وآيات أخر هنّ متشابهات في التلاوة، مختلفات في المعاني.
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله :﴿مِنْهُ آياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُمّ أمّ الكتابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهاتٌ﴾ وما المحكم من آي الكتاب، وما المتشابه منه ؟
فقال بعضهم : المحكمات من آي القرآن : المعمول بهنّ، وهن الناسخات، أو المثبتات الأحكام¹ والمتشابهات من آية : المتروك العمل بهن، المنسوخات. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا العوّام، عمن حدثه، عن ابن عباس في قوله :﴿مِنْهُ آياتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قال : هي الثلاث الاَيات التي ههنا :﴿قُلْ تَعَالَوْا أتْلُ ما حَرّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى ثَلاث آيات، والتي في بني إسرائيل :﴿وَقَضَى رَبّكَ ألاّ تَعْبُدُوا إلاّ إيّاهُ﴾ إلى آخر الاَيات.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : حدثنا معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله :﴿هُوَ الّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنّ أُمّ الكِتابِ﴾ المحكمات : ناسخه، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه، وما يؤمن به، ويعمل به. قال :﴿وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ والمتشابهات : منسوخه، ومقدّمه، ومؤخره، وأمثاله، وأقسامه، وما يؤمن به، ولا يعمل به.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله :﴿هُوَ الّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ إلىَ ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهاتٌ﴾ فالمحكمات التي هي أم الكتاب : الناسخ الذي يدان به ويعمل به¹ والمتشابهات : هن المنسوخات التي لا يدان بهن.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبيّ ﷺ :﴿هُوَ الّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنّ أُمّ الكِتابِ﴾ إلى قوله :﴿كُلّ مِنْ عِنْدِ رَبّنا﴾ أما الاَيات المحكمات : فهن الناسخات التي يعمل بهنّ¹ وأما المتشابهات : فهنّ المنسوخات.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿هُوَ الّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُمّ أُمّ الكِتابِ﴾ والمحكمات : الناسخ الذي يعمل به ما أحلّ الله فيه حلاله وحرم فيه حرامه¹ وأما المتشابهات : فالمنسوخ الذي لا يعمل به ويؤمن به.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿آياتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قال : المحكم : ما يعمل به.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع :﴿هُوَ الّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنّ أمّ الكتاب وأخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ قال : المحكمات : الناسخ الذي يعمل به، والمتشابهات : المنسوخ الذي لا يعمل به، ويؤمن به.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله :﴿آياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنّ أُمّ الكِتابِ﴾ قال : الناسخات، ﴿وأُخَرَ مُتَشابِهاتٌ﴾ قال : ما نسخ وترك يتلى.
حدثني ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم، قال : المحكم ما لم ينسخ، وما تشابه منه : ما نسخ.
حدثني يحيى بن أبي طالب، قال : أخبرنا يزيد، قال : أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله :﴿آياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنّ أُمّ الكِتابِ﴾ قال : الناسخ، ﴿وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ قال : المنسوخ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع :﴿هُوَ الّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنّ أمّ الكِتابِ وأخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ قال : المحكمات : الذي يعمل به.
حدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يحدث، قال : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :﴿مِنْهُ آياتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ يعني : الناسخ الذي يعمل به، ﴿وَأُخَرُ مُتَشابِهات﴾ يعني المنسوخ، يؤمن به ولا يعمل به.
حدثني أحمد بن حازم، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا سلمة، عن الضحاك :﴿مِنْهُ آياتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قال : ما لم ينسخ، ﴿وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ قال : ما قد نسخ.
وقال آخرون : المحكمات من آي الكتاب : ما أحكم الله فيه بيان حلاله وحرامه¹ والمتشابه منها : ما أشبه بعضه بعضا في المعاني وإن اختلفت ألفاظه. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿مِنْهُ آياتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ ما فيه من الحلال والحرام وما سوى ذلك، فهو متشابه يصدّق بعضه بعضا، وهو مثل قوله :﴿وَما يَضِلّ بِهِ إلاّ الفاسِقِينَ﴾، ومثل قوله :﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرّجْسَ عَلى الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾، ، ومثل قوله :﴿وَالّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وآتاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. مثله.
وقال آخرون : المحكمات من آي الكتاب : ما لم يحتمل من التأويل غير وجه واحد¹ والمتشابه منه : ما احتمل من التأويل أوجها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال : ثني محمد بن جعفر بن الزبير :﴿هُوَ الّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ فيهن حجة الربّ، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لها تصريف