الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي

عن الكتاب
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال :﴿المحكمات﴾ ناسخه، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه، وما يؤمن به و﴿المتشابهات﴾ منسوخه، ومقدمه، ومؤخره، وأمثاله، وأقسامه، وما يؤمن به ولا يعمل به.
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال ﴿المحكمات﴾ الناسخ الذي يدان به ويعمل به. و﴿المتشابهات﴾ المنسوخات التي لا يدان بهن.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن عبد الله بن قيس : سمعت ابن عباس يقول في قوله ﴿منه آيات محكمات﴾ قال : الثلاث آيات من آخر سورة الأنعام محكمات ( قل تعالوا. . ) ( الأنعام الآيات : ١٥١ - ١٥٣ ) والآيتان بعدها.
واخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس في قوله ﴿آيات محكمات﴾ قال : من ههنا ( قل تعالوا. . . ) ( الأنعام الآيات : ١٥١ - ١٥٣ ) إلى آخر ثلاث آيات. ومن ههنا ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه. . . ) ( الإسراء الآيات : ٢٣ - ٢٥ ) إلى ثلاث آيات بعدها.
وأخرج ابن جرير من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة بن مسعود وناس من الصحابة ﴿المحكمات﴾ الناسخات التي يعمل بهن ﴿والمتشابهات﴾ المنسوخات.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال ﴿المحكمات﴾ الحلال والحرام.
وأخرج عبد بن حميد والفريابي عن مجاهد قال ﴿المحكمات﴾ ما فيه الحلال والحرام، وما سوى ذلك منه متشابه يصدق بعضه بعضا. مثل قوله ( وما يضل به إلا الفاسقين ) ( البقرة الآية : ٢٦ ) ومثل قوله ( كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ) ( الأنعام الآية : ١٢٥ ) ومثل قوله ( والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ) ( محمد الآية : ١٧ ).
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع قال ﴿المحكمات﴾ هي الآمرة الزاجرة.
وأخرج عبد بن حميد وابن الضريس وابن جرير وابن أبي حاتم عن إسحق بن سويد. أن يحيى بن يعمر، وأبا فاختة. تراجعا هذه الآية ﴿هن أم الكتاب﴾ فقال أبو فاختة : هن فواتح السور، منها يستخرج القرآن ( الم ذلك الكتاب ) منها استخرجت البقرة، و( الم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) منها استخرجت آل عمران، قال يحيى : هن اللاتي فيهن الفرائض، والأمر والنهي، والحلال والحدود، وعماد الدين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿هن أم الكتاب﴾ قال : أصل الكتاب، لأنهن مكتوبات في جميع الكتب.
وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير قال ﴿المحكمات﴾ حجة الرب، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعت عليه ﴿وأخر متشابهات﴾ في الصدق لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام، لا يصرفن إلى الباطل، ولا يحرفن عن الحق.
و أخرج ابن جرير عن مالك بن دينار قال : سألت الحسن عن قوله ﴿أم الكتاب﴾ قال : الحلال والحرام قلت له ف ( الحمد لله رب العالمين ) ( الفاتحة الآية : ١ ) قال : هذه أم القرآن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال : إنما قال ﴿هن أم الكتاب﴾ لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهن ﴿و أخر متشابهات﴾ يعني فيما بلغنا ﴿الم﴾ و( المص ) و( المر ) و( الر ).
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال ﴿المتشابهات﴾ آيات في القرآن يتشابهن على الناس إذا قرأوهن. ومن أجل ذلك يضل من ضل، فكل فرقة يقرؤون آية من القرآن يزعمون أنها لهم، فمنها يتبع الحرورية من المتشابه قول الله ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) ( المائدة الآية : ٤٤ ) ثم يقرؤون معها ( والذين كفروا بربهم يعدلون ) ( الأنعام الآية : ١ ) فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا : قد كفر فمن كفر عدله بربه، ومن عدل بربه فقد أشرك بربه. فهؤلاء الأئمة مشركون.
وأخرج البخاري في التاريخ وابن جرير من طريق ابن اسحق عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله بن رباب قال " مر أبو ياسر بن أخطب، فجاء رجل من يهود لرسول الله ﷺ وهو يتلو فاتحة سورة البقرة ( الم، ذلك الكتاب لا ريب فيه ).
فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود، فقال أتعلمون ؟ والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل عليه ( الم، ذلك الكتاب ) فقال : أنت سمعته قال : نعم. فمشى حتى وافى أولئك النفر إلى رسول الله ﷺ. فقالوا : الم تقل إنك تتلو فيما أنزل عليك ( الم، ذلك الكتاب ) ؟ فقال : بلى، فقالوا : لقد بعث بذلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه، وما أجل أمته غيرك. الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة.
ثم قال : يا محمد هل مع هذا غيره ؟ قال : نعم. ( المص ) قال : هذه أثقل وأطول الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه إحدى وثلاثون ومائة. هل مع هذا غيره ؟ قال : نعم. ( الر ) قال : هذه أثقل وأطول الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان. هذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة. هل مع هذا غيره ؟ قال : نعم. ( المر ) قال : هذه أثقل وأطول. هذه إحدى وسبعون ومائتان. ثم قال : لقد لبس علينا أمرك حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا.
ثم قال : قوموا عنه. ثم قال أبو ياسر لأخيه ومن معه : ما يدريكم لعله قد جمع هذا كله لمحمد. إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع سنين. فقالوا : لقد تشابه علينا أمره، فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ ".
وأخرج يونس بن بكير في المغازي عن ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وجابر بن رباب. أن أبا ياسر بن أخطب مر بالنبي ﷺ. وهو يقرأ ( فاتحة الكتاب، والم، ذلك الكتاب ) فذكر القصة. وأخرجه ابن المنذر في تفسيره من وجه آخر عن ابن جريج معضلا.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ يعني أهل الشك. فيحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم، ويلبسون فلبس الله عليهم ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ قال : تأويله يوم القيامة لا يعمله إلا الله.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود ﴿زيغ﴾ قال : شك.
وأخرج عن ابن جريج قال ﴿الذين في قلوبهم زيغ﴾ المنافقون.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ﴿فيتبعون ما تشابه منه﴾ قال : الباب الذي ضلوا منه وهلكوا فيه ﴿ابتغاء تأويله﴾ وفي قوله ﴿ابتغاء الفتنة﴾ قال : الشبهات.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والدارمي وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والبيهقي في الدلائل من طرق عن عائشة قالت " تلا رسول الله ﷺ. ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ إلى قوله ﴿أولو الألباب﴾ فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم. ولفظ البخاري : فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم. وفي لفظ لابن جرير : إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه سمى الله فاحذروهم. وفي لفظ لابن جرير : إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه والذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فلا تجالسوهم ".
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي أمامة عن النبي ﷺ. في قوله ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه﴾ قال : هم الخوارج. وفي قوله ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) ( آل عمران الآية : ١٠٦ ) قال : هم الخوارج.
وأخرج الطبراني عن أبي مالك الأشعري. أنه سمع رسول الله ﷺ. يقول :" لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال : أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾، وأن يزداد علمهم فيضيعوه ولا يبالوا به ".
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال " قال رسول الله ﷺ : مما أتخوف على أمتي. أن يكثر فيهم المال حتى يتنافسوا فيه فيقتتلوا عليه، وإن مما أتخوف على أمتي أن يفتح لهم القرآن حتى يقرأه المؤمن والكافر والمنافق فيحل حلاله المؤمن.
أما قوله تعالى :﴿ابتغاء تأويله﴾ الآية.
أخرج أبو يعلى عن حذيفة عن رسول الله ﷺ. قال :" إن في أمتي قوما يقرؤون القرآن ينثرونه نثر الدقل، يتأولونه على غير تأويله ".
وأخرج ابن سعد وابن الضريس في فضائله وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن رسول الله ﷺ. خرج على قوم يتراجعون في القرآن وهو مغضب فقال : بهذا صلت الأمم قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضرب الكتاب بعضه ببعض، قال : وإن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا، ولكن نزل أن يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه عليكم فآمنوا به ".
وأخرج أحمد من وجه آخر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " سمع رسول الله ﷺ. قوما يتدارأون فقال : إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه ".
وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه وأبو نصر السجزي في الإبانة عن ابن مسعود عن النبي ﷺ. قال " كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف. زاجر وآمر، وحلال وحرام، ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا بما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا ﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾ وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن مسعود. موقوفا ".
وأخرج الطبراني عن عمر بن أبي سلمة أن النبي ﷺ. قال لعبد الله بن مسعود " إن الكتب كانت تنزل من السماء، من باب واحد، وإن القرآن نزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف، حلال وحرام، ومحكم ومتشابه، وضرب أمثال، وآمر وزاجر، فأحل حلاله، وحرم حرامه، واعمل بمحكمه، وقف عند متشابهه، واعتبر أمثاله. فإن كلا من عند الله ﴿و ما يذكر إلا أولوا الألباب﴾ ".
وأخرج ابن النجار في تاريخ بغداد بسند واه عن علي أن النبي ﷺ. قال في خطبته :" أيها الناس قد بين الله لكم في محكم كتابه ما أحل لكم وما حرم عليكم. فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وآمنوا بمتشابهه، واعملوا بمحكمه، واعتبروا بأمثاله ".
وأخرج ابن الضريس وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود قال : أنزل القرآن على خمسة أوجه : حرام، وحلال، ومحكم، ومتشابه، وأمثال. فأحل الحلال، وحرم الحرام، وآمن بالمتشابه، واعمل بالمحكم، واعتبر بالأمثال.
و أخرج ابن أبي داود في المصاحف عن ابن مسعود قال : إن القرآن أنزل

تفسير هذه الآية من كتب أخرى