تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى ( هو الذي أنزل عليكم الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ) اختلفوا في المحكمات و المتشابهات، قال ابن عباس : المحكمات هي(١) الآيات الثلاث التي في آخر سورة الأنعام، وذلك قوله :( قل تعالوا ) (٢) إلى آخر الآيات الثلاث، وأما المتشابهات : حروف التهجي في أوائل السور. وقال عكرمة ومجاهد : المحكمات : الحلال والحرام(٣)، وما سواه كله من المتشابهات ؛ لأنه يشبه بعضها بعضاً في الحق، والتصديق، يصدق بعضه بعضها.
وقال الضحاك : المحكمات : الناسخات، و المتشابهات : المنسوخات.
وقال جابر بن عبد الله الأنصاري : المحكمات ما أوقف الله تعالى الخلق على معناها، والمتشابهات ما لا يعقل معناها، ولا يعلمها إلا الله. وفيه قولان آخران : أحدهما : أن المحكمات ما لا يشتبه معناها، و المتشابهات ما يشتبه ويلتبس معناها.
والقول الثاني : أن المحكمات ما يستقل بنفسه في المعنى، [ والمتشابهات ] (٤) ما لا يستقل بنفسه في المعنى إلا بنوع استدلال، أو رُدَّ إلى غيره ؛ وإنما سميت محكمات من الإحكام ؛ ( كأنه ) (٥) أحكمها ؛ فمنع الخلق من التصرف فيها ؛ لظهورها ( ووضوح ) (٦) معناها.
( هن أم الكتاب ) أي : أصل الكتاب، فإن قال قائل : لِمَ لم يقل : هن أمهات الكتاب ؟ قيل : قال الفراء : تقديره : هن الشيء الذي هو أصل الكتاب. وقال غيره : معناه : كل واحدة منهن أصل الكتاب، كما يقال : القوم أسد علىّ، أي : كل واحد منهم أسد عليّ، ومعناه : هن أصل الكتاب ؛ لأن الخلق يفزعون إليه، كما تفزع الفروع إلى الأصول، فإن قال قائل : كيف فرق ها هنا بين المحكمات والمتشابهات، وسمى كل القرآن متشابها في قوله تعالى ( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها ) (٧). وسمى الكل محكماً حيث قال :( الر. كتاب أحكمت آياته ) (٨) ؟ قلنا : لما ذكر هنالك ( كتابا متشابه ) على معنى : أنه يشبه بعضه بعضا في الحق والصدق، وإنما ذكر في الموضع الآخر ( أحكمت آياته ) (٩) على معنى : أن الكل حق وجدٌّ، ليس فيه عبث ولا هزل، ثم ذكر تفصيلا آخر بعده، فجعل البعض محكماً و البعض متشابهاً.
( فأما الذين في قلوبهم زيغ ) قال مجاهد : الزيغ : اللبس. وقيل : هو الشرك، وقيل : هو الشبهات التي تتعلق بالقلب ( فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) يعني : أن الذين في قلوبهم زيغ يغلون في طلب التأويل للمتشابه ؛ فيقعون على التأويل المظلم ؛ فذلك ابتغاء الفتنة ؛ لأن من غلا في الدين، وطلب تأويل ما لا يعلمه إلا الله، يقع في الفتنة، ويكون مفتوناً، وخير الدين : النمط الأوسط الذي ليس فيه غلو ولا تقصير.
ثم اختلفوا في الذين يتبعون ما تشابه من هم ؟ قيل : هم اليهود الذين قالوا : مدة أمة محمد على حروف التهجي في أوائل السور، فهم الذين اتبعوا ما تشابه من حروف التهجي، وقيل : هم النصارى من وفد نجران، حيث قالوا لرسول الله ﷺ : ما تقول في عيسى ؟ فقال : عبد الله ورسوله، قالوا : فهل تقول : أنه كلمة الله وروح منه ؟ فقال : نعم، قالوا : حسبنا الله(١٠). واتبعوا ما تشابه من قوله : كلمة الله وروح منه. وقيل : هم الغالون في طلب التأويل واتباع المتشابه، وروت عائشة «أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية، ثم قال : إذا رأيتم الذين يجادلون في الآيات فاحذروهم فهم هم »(١١).
قوله تعالى :( وما يعلم تأويله إلا الله ) استأثر الله تعالى بعلم التأويل، وقطع أفهام العباد عنه، والفرق بين التأويل والتفسير : أن التفسير : هو ذكر المعنى الواضح، كما تقول في قوله :( لا ريب فيه ) (١٢) أي : لا شك فيه، وأما التأويل : هو ما يؤول المعنى إليه، ويستقر عليه. ثم الكلام في الوقف، فاعلم : أن أبي بن كعب وعائشة وابن عباس - في رواية طاوس عنه - ( رأو ) (١٣) الوقف على قول ( إلا الله )، وهو قول الحسن، وأكثر التابعين، وبه قال الكسائي، والفراء، و الأخفش، وأبو عبيد، وأبو حاتم، قالوا : إن الواو في قوله :( والراسخون ) واو الابتداء ؛ و الدليل على صحته قراءة ابن عباس «ويقول الراسخون في العلم آمنا به » وروى ابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس - في رواية أخرى - : الواو للنسق، ولا وقف ( على قوله ) ( إلا الله ) ( وأن الراسخون ) (١٤) في العلم يعلمون التأويل، قال ابن عباس : وأنا ممن يعلم تأويله، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال :«اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل »(١٥)، قالوا : والصحيح رواية طاوس، عن ابن عباس، كما ذكرنا، وعليه إجماع القراء ؛ ولأن على قضية قول مجاهد لا يستقيم.
قوله :( والراسخون في العلم يقولون ) قال النحاة : وإنما يستقيم أن تقول : وما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم قائلين ( أمنا به ) ( و ) (١٦) لأنه قال :( و الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) ؛ ولو علموا التأويل لم يكن لقولهم هذا معنى، وقد روى عن ابن عباس أنه قال :«أنزل القرآن على أربعة أوجه : الحلال والحرام، وعربية تعرفها العرب، ومما يعلم العباد تأويله، وما لا يعلم تأويله إلا الله » وهذا يشهد لما قلنا ؛ فدل أن الوقف على قوله :( إلا الله ). والواو : واو الابتداء في قول ( والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) قالوا : ومن رسوخهم في العلم يقولون ذلك ( وما يذكر إلا أولوا الألباب ).
١ - في "ك": من..
٢ - الأنعام: ١٥١..
٣ - في "ك" الحلالات والحرامات..
٤ - من "ك"..
٥ - في "ك" : لأنه..
٦ - في "ك" : وظهور..
٧ - الزمر: ٢٣..
٨ - هود: ١، ٢..
٩ - هود: ٢..
١٠ - رواه ابن جرير الطبري (٣/١١٨)، وابن أبي حاتم في تفسير (أل عمران ١/٦٦ رقم ١٠٦) كلاهما عن الربيع مرسلاً. وعزاه السيوطي في الدر لهما عن الربيع (٢/٧)..
١١ - متفق عليه من حديث عائشة. رواه البخاري (٨/٥٧ رقم ٤٥٤٧)، ومسلم (١٦/٣٣١-٣٣٢ رقم ٢٦٦٥)..
١٢ - البقرة: ٢..
١٣ - ليست في "ك"..
١٤ - في "ك": وإن الراسخين..
١٥ - متفق عليه. رواه البخاري في الصحيح (١/٢٠٤ رقم ٧٥، وأطرافه ١٤٣، ٣٧٥٦، ٧٢٧)، ومسلم (١٦/٥٥ رقم ٢٤٧٧)..
١٦ - ليست في "ك"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى