تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿هو الذي انزل عليك الكتاب﴾ آية حدثنا أبو زرعة، ثنا بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قول الله :﴿هو الذي انزل عليك الكتاب﴾ يعني : القرآن.
حدثنا أبي، ثنا الحسن بن الربيع، ثنا ابن إدريس، عن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير وغيره من أهل العلم ﴿هو الذي انزل عليك الكتاب﴾ بصفة ما وصف من نفسه وعدله وانفراده بالخلق دون سواء منهم، عصمة للعباد ودمغ للخصوم والباطل، وحجة الرب.
قوله تعالى :﴿منه آيات محكمات﴾ حدثنا أبي، ثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله :﴿هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب﴾ فالمحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه، وما يؤمن به ويعمل به.
وروى عن عكرمة ومجاهد قتادة والضحاك ومقاتل بن حيان والربيع بن انس والسدي قالوا : المحكم الذي يعمل به.
حدثنا أبي، ثنا أبو غسان، ثنا قيس يعني : ابن الربيع، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن فلان قال : سمعت ابن عباس يقول في قول الله :﴿منه آيات محكمات﴾ قال : الثلاث آيات من آخر سورة الأنعام محكمات، قل تعالوا : اتل ما حرم ربكم عليكم والآيات بعدها.
حدثنا أبي، ثنا ابن نفيل، ثنا هشيم، أنا العوام بن حوشب عن من حدثه عن ابن عباس انه قال : في قوله :﴿منه آيات محكمات هن أم الكتاب﴾ قال : من هاهنا ﴿قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم﴾ إلى ثلاث آيات ومن هاهنا ﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه﴾ إلى ثالث آيات بعدها - وروى عن سعيد بن جبير نحو ذلك.
حدثنا أبي، ثنا عمر بن رافع أبو حجر : ثنا سليمان بن عامر عن الربيع في قوله :﴿آيات محكمات﴾ قال : هي الآمرة والزاجرة.
حدثنا محمد بن يحيي، ثنا أبو غسان، ثنا سلمة قال : قال : ابن إسحاق ﴿منه آيات محكمات﴾ فهن حجة الرب وعصمة العباد، ودمغ الخصوم والباطل ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه.
قوله تعالى :﴿هن أم الكتاب﴾ حدثنا أبي، ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن إسحاق بن سويد أن يحيى بن يعمر وأبا فاختة تراجعا هذه الآية ﴿هن أم الكتاب﴾ فقال أبو فاخته : فواتح السور، وقال يحيى الفرائض والأمر والنهى والحلال.
الوجه الثاني : حدثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله بن بكير، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قوله :﴿هن أم الكتاب﴾ يقول : أصل الكتاب، وإنما سماهن أم الكتاب لأنهم مكتوبات في جميع الكتب. الوجه الثالث : قرأت على محمد بن الفضل بن موسى، ثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، ثنا محمد بن مزاحم، عن بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان : في ﴿هن أم الكتاب﴾ وإنما قال :﴿هن أم الكتاب﴾ لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهن.
قوله تعالى :﴿وأخر متشابهات﴾ حدثنا أبي، ثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿وأخر متشابهات﴾ فالمتشابهات : منسوخة ومقدمة، ومؤخرة، وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به.
وما يؤمن به ولا يعمل - وروى عن مجاهد انه قال : بعضه يصدق بعضا. وقال الضحاك والربيع بن انس.
وقتادة : هو المنسوخ الذي يؤمن به ولا يعمل به.
الوجه الثاني : حدثنا محمد بن عبد الرحمن الهروي، ثنا أبو داود، ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وأخر متشابهات﴾ قال : بعضه يصدق بعضا.
والوجه الثالث : قرأت على محمد بن الفضل ثنا محمد بن علي، أنبأ محمد بن مزاحم عن بكير بن معروف، عن مقاتل : قوله :﴿وأخر متشابهات﴾ يعني فيما بلغنا : الم وألمص وألمر وألر، فهؤلاء الأربع المتشابهات.
والوجه الرابع : حدثنا أبي، ثنا الحسن بن الربيع، ثنا ابن إدريس، ثنا محمد بن إسحاق ﴿وأخر متشابهات﴾ لم يفصل فيهن القول كفصله في المحكمات، تتشابه في عقول الرجال ويتخالجها التأويل، فابتلى الله فيها العباد كابتلائهم في الحلال والحرام. حدثنا محمد بن يحيى، أنبأ أبو غسان، ثنا سلمة قال : قال محمد بن إسحاق ﴿متشابهات﴾ في الصدق لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام، ألا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق.
قوله :﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ حدثنا ابو بدر عباد بن الوليد الغبري فيما كتب إلي، ثنا محمد بن عباد الهنائي، حدثني حميد الخياط قال : سألت أبا غالب عن هذه الآية :﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ قال : حدثني أبو غالب عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ، أنهم الخوارج.
اخبرنا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي قراءة، اخبرني أبي، حدثني عبد الله بن شوذب قال : كنت في مسجد دمشق إذ قدمت رؤوس من رؤوس الأزارقة مما كان بعث به المهلب فنصبت عند درج مسجد دمشق، واجتمع الناس ينظرون إليها فدنون منها، فجاء أبو أمامة، فدخل المسجد فصلى ثم دنا من الرؤوس فقال : كلاب جهنم، ثلاثا، شر قتلى قتلوا تحت ظل السماء، ثلاثا، ثم نظر إلى القوم فإذا هو بي، فقال : أما تقرأ هذه الآية التي في آل عمران ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه﴾ قيل له : أرأيت ما تقول في هؤلاء القوم أشيء قلته برأيك ؟ أم شيء سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال : إني إذا لجريء، لقد سمعته من رسول الله ﷺ غير مرة ولا اثنتين ولا ثلاث حتى ذكر سبعا.
والوجه الثاني : حدثنا أبي ثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ يعني أهل الشك - وروى عن مجاهد والسدي قالا : شك.
والوجه الثالث : قرأت على محمد بن الفضل، ثنا محمد بن علي، ثنا محمد بن مزاحم عن بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان في قوله :﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ يعني : حيى بن اخطب، وأصحابه من اليهود.
والوجه الرابع : حدثنا محمد بن يحيى، أنبأ أبو غسان، أنا سلمة قال : قال محمد بن إسحاق ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ أي : ميل عن الهدى.
قوله تعالى :﴿فيتبعون ما تشابه منه﴾ حدثنا أبي، ثنا ابو الوليد الطيالسي، ثنا يزيد بن إبراهيم التستري وحماد بن سلمة، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد عن قول الله :﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه﴾ فقال رسول الله ﷺ : إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم.
حدثنا أبي ثنا أبو صالح : حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله :﴿فيتبعون ما تشابه منه﴾ قال : فيحملون المحكم على المتشابه. والمتشابه على المحكم ويلبسون، فلبس الله عليهم.
حدثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حماد، ثنا أسباط، عن السدي :﴿فيتبعون ما تشابه منه﴾ قال : فإنهم يتبعون المنسوخ والناسخ ويقولون : ما بال هذه الآية عمل بها كذا وكذا، ثم جاءت هذه الآية وتركت هذه الأولى وعمل بهذه الآخرة، فهلا كان العمل بهذه الآية قبل أن تجيء الأولى التي قد نسخت ؟، وما باله بعد العذاب من عمل عملا يعذبه بالنار ؟، وفي مكان آخر من عمله فإنه لم يوجب له النار، فأراد ما في القرآن مما وعد الله، وما فيه من الناسخ والمنسوخ إرادة الفتنة.
حدثنا أبي، ثنا احمد بن عبد الرحمن، ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله :﴿فيتبعون ما تشابه منه﴾ وذلك أنهم يعني : النصارى قالوا لرسول الله ﷺ : ألست تزعم أن عيسى كلمة الله وروح منه ؟ قال : بلى. قالوا : فحسبنا. فأنزل الله ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة﴾. قوله تعالى :﴿ما تشابه منه﴾ حدثنا محمد بن يحيى، أنبأ أبو غسان، ثنا سلمة قال : قال محمد بن إسحاق : قوله :﴿فيتبعون ما تشابه منه﴾ أي : ما تحرف منه وتصرف.
قوله تعالى :﴿ابتغاء الفتنة﴾ حدثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حماد، ثنا أسباط عن السدي : قوله :﴿ابتغاء الفتنة﴾ : إرادة الفتنة.
قوله تعالى :﴿الفتنة﴾ حدثنا حجاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح. عن مجاهد قوله. ابتغاء الفتنة الشبهات مما اهلكوا به.
الوجه الثاني : حدثنا ابو زرعة ثنا عمرو بن حماد، ثنا أسباط عن السدي قوله :﴿ابتغاء الفتنة﴾ وهو الشرك - وروى عن الربيع بن انس ومقاتل بن حيان نحو ذلك. الوجه الثالث : حدثنا محمد بن يحيى، أنبأ أبو غسان ثنا سلمة قال : قال محمد بن إسحاق : قوله :﴿ابتغاء الفتنة﴾ أي : اللبس.
قوله تعالى :﴿وابتغاء تأويله﴾ حدثنا أبو زرعة ثنا عمرو بن طلحة القناد، ثنا أسباط عن السدي ﴿وابتغاء تأويله﴾ قال : وأرادوا أن يعلموا تأويل القرآن وهو عواقبه.
والوجه الثاني : قرأت على محمد بن الفضل، ثنا محمد بن علي، أنبأ محمد بن مزاحم عن بكير بن معروف، عن مقاتل : قوله :﴿ابتغاء تأويله﴾ قال وابتغاء ما يكون وكم يكون.
والوجه الثالث : حدثنا الحسن بن احمد، ثنا موسى بن محكم، ثنا أبو بكر الحنفي، ثنا عباد بن منصور قال : سألت الحسن عن قوله :﴿وابتغاء تأويله﴾ فقال : تأويله : الفضاء به يوم القيامة.
والوجه الرابع : حدثنا أبي، ثنا الحسن بن الربيع، ثنا ابن إدريس، ثنا محمد بن إسحاق قوله :﴿ابتغاء تأويله﴾ ما تأولوا وزينوا من الضلالة ليجيء لهم الذين في أيديهم من البدعة، ليكون لهم به حجة على من خالفهم للتصريف والتحريف الذي ابتلوا به، كميل الأهواء وزيغ القلوب، والتنكيب عن الحق الذي أحدثوا من البدعة. قوله تعالى :﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ حدثنا أبي، ثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، وعن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس : في قوله :﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ قال : تأويله يوم القيامة لا يعلمه إلا الله.
الوجه الثاني : ذكر عن إبراهيم بن طهمان، عن مسلم عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ قال : تأويل القرآن.
الوجه الثالث : ذكر عن مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ العبارة. قال أبو محمد : يعني عبارة الرؤيا.
الوجه الرابع : حدثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حماد، ثنا أسباط، عن السدي قال الله :﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ وتأويله : عواقبه متى يجيء الناسخ فينسخ المنسوخ.
والوجه الخامس : قرأت على محمد بن الفضل، ثنا محمد بن علي، أنبأ محمد بن مزاحم، عن بكير بن معروف عن مقاتل ابن حيان يقول الله :﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ كم يملكون إلا الله.
والوجه السادس : حدثنا أبي، ثنا الحسن بن الربيع، ثنا ابن إدريس، ثنا محمد بن إسحاق قوله :﴿وما يعلم تأويله﴾ أي : ما يعلم ما حرفوا وتأويله إلا الله الذي يعلم سرائر العباد وأعمالهم.
الوجه السابع : حدثنا أبي ثنا علي بن هاشم بن مرزوق، ثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن جويبر، عن الضحاك ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ قال : لنا ثوابه.
الوجه الثامن : اخبرني أبو يزيد القراطيسي فيما كتب إلي، ثنا اصبغ قال : سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول قول الله :﴿وما يعلم تأويله﴾ قال تحقيقه.
قوله تعالى :{ والراسخون في ا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى