فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان

عن الكتاب
( لا إله إلا هو العزيز الحكيم، هو الذي انزل عليك الكتاب ) أي القرآن واللام للعهد وقدم الظرف وهو عليك لما يفيده من الاختصاص ( منه آيات محكمات ) أي بينات مفصلات أحكمت عبارتها من احتمال التأويل والاشتباه، كأنه تعالى أحكمها فمنع الخلق من التصرف فيها لظهورها ووضوح معناها.
( هن أم الكتاب ) أي أصله الذي يعول عليه في الأحكام ويعمل به في الحلال والحرام ويرد ما خالفه إليه، وهذه الجملة صفة لما قبلها، ولم يقل أمهات لأن الآيات كلها في تكاملها واجتماعها كالآية الواحدة او لأنه واقع موقع الجمع او لأنه بمعنى أصل الكتب والأصل يوحد.
( وأخر متشابهات ) لا تفهم معانيها يعني ان لفظه يشبه لفظ غيره، ومعناه يخالف معناه، كأوائل السور، وأخر جمع أخرى وإنما لم تنصرف لأنه عدل بها عن الآخر لأن أصلها ان يكون كذلك، وقال أبو عبيد لم تنصرف لأن واحدها لا ينصرف في معرفة ولا نكرة وأنكر ذلك المبرد.
وقد اختلف العلماء في تفسير المحكمات والمتشابهات على أقوال، فقيل أن الحكم ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره، والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل، ومن القائلين بهذا جابر بن عبد الله والشعبي وسفيان الثوري، قالوا وذلك نحو الحروف المقطعة في أوائل السور.
وقيل المحكم ما لا يحتمل إلا وجها واحدا، والمتشابه ما يحتمل وجوها، فإذا ردت إلى وجه واحد وأبطل الباقي صار المتشابه محكما.
وقيل إن المحكم ناسخه وحرامه وحلاله وفرائضه وما يؤمن به ويعمل عليه، والمتشابه منسوخة وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل عليه روي هذا عن ابن عباس.
وقيل المحكم الناسخ والمتشابه المنسوخ، روي هذا عن ابن مسعود وقتادة والربيع والضحاك.
وقيل المحكم الذي ليس فيه تصريف ولا تحريف عما وضع له، والمتشابه ما فيه تصريف وتحريف وتأويل، قاله مجاهد وابن إسحق، قال ابن عطية وهذا أحسن الأقوال.
وقيل المحكم ما كان قائما بنفسه لا يحتاج إلى ان يرجع فيه إلى غيره، والمتشابه ما يرجع فيه إلى غيره، قال النحاس وهذا أحسن ما قيل في المحكمات والمتشابهات.
قال القرطبي ما قاله النحاس يبين ما اختاره ابن عطية وهو الجاري على وضع اللسان وذلك ان المحكم إسم مفعول من أحكم والإحكام الإتقان، ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد إنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته، وإتقان تركيبها، ومتى اختل أحد الأمرين جاء التشابه والإشكال.
وقال ابن خوازمنداد : للمتشابه وجوه ما اختلف فيه العلماء أي الآيتين نسخت الأخرى كما في الحامل المتوفى عنها زوجها فإن من الصحابة من قال : إن آية وضع الحمل نسخت آية الأربعة الأشهر والعشر. ومنهم من قال بالعكس، وكاختلافهم في الوصية للوارث وكتعارض الآيتين أيهما أولى أن تقدم إذا لم يعرف النسخ ولم توجد شرائطه، وكتعارض الأخبار وتعارض الأقيسة، هذا معنى كلامه.
والأولى أن يقال إن المحكم هو الواضح المعنى الظاهر الدلالة إما باعتبار نفسه أو باعتبار غيره، والمتشابه ما لا يتضح معناه أو لا يظهر دلالته لا باعتبار نفسه ولا باعتبار غيره.
وإذا عرفت ان الاختلاف الذي قدمناه ليس كما ينبغي، وذلك لأن أهل كل قول عرفوا المحكم ببعض صفاته، وعرفوا المتشابه بما يقابلها.
وبيان ذلك ان أهل القول الأول جعلوا المحكم ما وجد إلى علمه سبيل. والمتشابه ما لا سبيل إلى علمه، ولا شك ان مفهوم المحكم والمتشابه أوسع دائرة مما ذكروه، فإن مجرد الخفاء أو عدم الظهور أو الاحتمال او التردد يوجب التشابه.
وأهل القول الثاني خصوا المحكم بما ليس فيه احتمال، والمتشابه بما فيه احتمال، ولا شك أن هذا بعض أوصاف المحكم والمتشابه لا كلها.
وهكذا أهل القول الثالث فإنهم خصوا كل واحد من القسمين بتلك الأوصاف المعينة دون غيرها.
وأهل القول الرابع خصوا كل واحد منهما ببعض الأوصاف التي ذكرها أهل القول الثالث، والأمر أوسع مما قالوه جميعا.
وأهل القول الخامس خصوا المحكم بوصف عدم التصريف والتحريف، وجعلوا المتشابه مقابله، وأهملوا ما هو أهم من ذلك مما لا سبيل إلى علمه من دون تصريف وتحريف كفواتح السور المقطعة.
وأهل القول السادس خصوا المحكم بما يقوم بنفسه، والمتشابه بما لا يقوم بها، وأن هذا هو بعض أوصافها.
وصاحب القول السابع وهو ابن خوازمنداد عمد إلى صورة الوفاق فجعلها محكما، وإلى صورة الخلاف والتعارض فجعلها متشابها فأهمل ما هو أخص أوصاف كل واحد منهما من كونه باعتبار نفسه مفهوم المعنى أو غير مفهوم.
وعن ابن عباس قال المحكمات ثلاث آيات من سورة الأنعام ( قل تعالوا ) والآيتان بعدها، وفي رواية عنه قال : من هنا ( قل تعالوا ) إلى ثلاث آيات، ومن هنا ( وقضى ربك الا تعبدوا إلا إياه ) إلى ثلاث آيات بعدها.
و أقول : رحم الله ابن عباس ما أقل جدوى هذا الكلام المنقول عنه، فإن تعيين ثلاث آيات أو عشر أو مائة من جميع آيات القرآن ووصفها بأنها محكمة ليس تحته من الفائدة شئ فالمحكمات هي أكثر القرآن على جميع الأقوال حتى على قوله المنقول عنه قريبا من ان المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وما يؤمن به، والمتشابه ما يقابله، فما معنى تعيين تلك الآيات من آخر سورة الأنعام.
وقيل المحكمات ما أطلع الله عباده على معناه، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه، فلا سبيل لأحد إلى معرفته نحو الخبر عن أشراط الساعة.
وقيل المحكم سائر القرآن، والمتشابه هي الحروف المقطعة في أوائل السور، وقيل إن المحكم ما لم يتكرر ألفاظه، والمتشابه ما تكررت ألفاظه، وقيل غير ذلك وللسلف أقوال كثيرة هي راجعة إلى ما قدمنا في أول هذا البحث.
( فأما الذين في قلوبهم زيغ ) أي ميل عن الحق كوفد نجران وغيرهم، والزيغ الميل ومنه زاغت الشمس وزاغت الأبصار. ويقال زاغ يزيغ زيغا إذا ترك القصد، ومنه قوله تعالى ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) وزاغ وزال ومال متقاربة لكن زاغ لا يقال إلا فيما كان من حق إلى باطل، وقال الراغب : الزيغ الميل عن الاستقامة إلى أحد الجانبين.
( فيتبعون ما تشابه منه ) أي يحيلون المحكم على المتشابه والمتشابه على المحكم، وهذه الآية تعم كل طائفة من الطوائف الخارجة عن الحق، وسبب النزول نصارى نجران فيتعلقون بالمتشابه من الكتاب فيشككون به على المؤمنين ويجعلونه دليلا على ماهم فيه من البدعة المائلة عن الحق كما تجده كل طائفة من طوائف البدعة، فإنهم يتلاعبون بكتاب الله تلاعبا شديدا ويوردون منه لتنفيق جهلهم ما ليس من الدلالة في شئ.
( ابتغاء الفتنة ) أي طلبا منهم لفتنة الناس في دينهم والتلبس عليهم وإفساد ذوات بينهم لا تحريا للحق ( وابتغاء تأويله ) أي تفسيره على الوجه الذي يريدونه ويوافق مذاهبهم الفاسدة.
قال الزجاج المعنى إنهم طلبوا تأويل بعثهم وإحيائهم فأعلم الله عز وجل أن تأويل ذلك ووقته لا يعلمه إلا الله، الدليل على ذلك قوله ( هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله ) أي يوم يرون ما يوعدون من البعث والنشور والعذاب ( يقول الذين نسوه ) أي تركوه ( قد جاءت رسل ربنا بالحق ) أي قد رأينا تأويل ما أنبأتنا به الرسل.
وفي الصحيحين وغيرهما عن عائشة قالت تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( هو الذي أنزل عليك الكتاب إلى قوله أولوا الألباب ) قالت قال " إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم " وفي لفظ " فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك سماهم الله فاحذروهم : هذا لفظ البخاري(١).
ولفظ ابن جرير وغيره فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه والذين يجادلون فيه، فهم الذين عنى الله فلا تجالسوهم وأخرج الطبراني وأحمد والبيهقي وغيرهم عن ابي أمامة عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : هم الخوارج(٢).
وقال ابن القيم في الإعلام اذا سئل أحد عن تفسير آية من كتاب الله أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فليس له أن يخرجها عن ظاهرها بوجه التأويلات الفاسدة لموافقة نحلته وهواه، ومن فعل ذلك استحق المنع من الإفتاء والحجر عليه وهذا الذي ذكرناه هو الذي صرح به أئمة الكلام قديما وحديثا.
وقال أبو المعالي الجويني في الرسالة النظامية ذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب تعالى، والذي نرتضيه رأيا وندين لله به إتباع سلف الأمة. وقد درج صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها وهم صفوة الإسلام والمثقلون بأعباء الشريعة وكانوا لا يزالون جهدا في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، ولو كان تأويل هذه الظواهر مسوغا أو محبوبا لأوشك ان يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك قاطعا بأنه الوجه المتبع، فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزه الباري عن صفحات المحدثين ولا يخوض في تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب تعالى.
وقال الغزالي : الايمان المستفاد من الكلام ضعيف والإيمان الراسخ إيمان العوام الحاصل في قلوبهم في الصبا بتواتر السماع وبعد البلوغ بقرائن يتعذر التعبير عنها، وقد اتفقت كلمة الأئمة الأربعة على ذم الكلام وأهله.
وقال بعض أهل العلم كيف لا يخشى الكذب على الله ورسوله ﷺ من يحمل كلامه على التأويلات المستنكرة والمجازات المستكرهة التي هي بالألغاز والأحاجي أولى منها بالبيان والهداية، وهل يأمن على نفسه ان يكون ممن قال الله فيهم ( ولكم الويل مما تصفون ) انتهى.
ولو علم المتاولون كلام الله ورسوله ﷺ بالتأويلات التي لم يردها ولم يدل عليها كلامه، أي باب شر فتحوا على الأمة بالتأويلات الفاسدة وأي بناء للاسلام هدموا بها وأي معاقل وحصون استباحوها، كان أحدهم أن يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه أن يتعاطى شيئا من ذلك، فكل صاحب باطل قد جعل ما تأوله المتأولون عذرا له فيما تأوله هو وقال ما الذي حرم على التأويل وأباحه لكم ؟
فتأولت الطائفة المنكرة للمعاد نصوص المعاد، وكان تأويلهم من جنس تأويل منكري الصفات بل أقوى منه لوجوه عديدة يعرفها من وازن بين التأويلين، وكذلك فعلت الرافضة في أحاديث فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة، وكذلك فعلت المعتزلة في تأويل أحاديث الرؤية والشفاعة، وكذلك القدرية في نصوص القدر، وكذلك الحرورية وغيرهم من الخوارج في النصوص التي تخالف مذاهبهم وكذلك القرامطة والباطنية والمتصوفة طردت الباب وحملت الوادي على القرى وتأولت الدين كله.
فأصل خراب الدين والدنيا إنما هو من التأويل الذي لم يرده الله ورسوله بكلامه ولا دل عليه انه مراده، وهل اختلف الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل، وهل وقعت في الأمة فتنة صغيرة أو كبيرة الا بالتأويل، فمن بابه دخل إليها، وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل، وليس هذا مختصا بدين الإسلام فقط بل سائر أديان الرسل لم تزل على الاستقامة والسداد حتى دخلها التأويل، فدخل عليها من الفساد مالا يعلمه إلا رب العباد.
وقد تواترت البشارات بصحة نبوة النبي محمد ﷺ في الكتب المتقدمة ولكن سلطوا
١ مسلم ٢٦٦٥ البخاري٩٨٥..
٢ ابن كثير١/٣٤٦..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى