غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿آلم الله﴾ مقطوعة الألف والميم ساكنة : يزيد والمفضل والأعشى والبرجمي الباقون موصولاً بفتح الميم. ﴿التوراة﴾ ممالة حيث كان : أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف والنجاري عن ورش، والخزاز عن هبيرة، وابن ذكوان غير ابن مجاهد ﴿كدأب﴾ حيث كان بغير همزة : أبو عمرو وغيره شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش والخزاز عن هبيرة وحمزة عن الوقف.
الوقوف :﴿آلم﴾ ج كوفي مختلف فإن غير الأعشى والبرجمي ويزيد والمفضل يصلون. ﴿إلا هو﴾ ج ﴿القيوم﴾ ط ﴿والإنجيل﴾ ط ﴿الفرقان﴾ ط ﴿شديد﴾ ط ﴿انتقام﴾ ه، ﴿في السماء﴾ ط ﴿كيف يشاء﴾ ط ﴿الحكيم﴾ ه، ﴿متشابهات﴾ ط لاستئناف تفصيل ﴿وابتغاء تأويله﴾ ج لأن الواو تصلح استئنافاً والحال أليق ﴿إلا الله﴾ م عند أهل السنة لأنه لو وصل فهم أن الراسخين يعلمون تأويل المتشابه كما يعلم الله، ومن لم يحترز عن هذا وجعل المتشابه غير صفة الله ذاتاً وفعلاً من الأحكام التي يدخلها القياس والتأويل وجعل المحكمات الأصول النصوص المجمع عليها فعطف قوله ﴿والراسخون﴾ على اسم الله وجعل ﴿يقولون﴾ حالاً لهم ساغ له أن لا يقف على ﴿إلا الله﴾. ﴿آمنا به﴾ ( لا ) لأن قوله ﴿كل من عند ربنا﴾ من مقولهم فإن التسليم من تمام الإيمان. ﴿من عند ربنا﴾ ج لاحتمال أن ما بعده مقولهم ﴿الألباب﴾ ه، ﴿رحمة﴾ ج للابتداء بأن ولاحتمال لام التعليل أو فاء التعقيب للتسبيب ﴿الوهاب﴾ ه، ﴿فيه﴾ ط ﴿الميعاد﴾ ه، ﴿شيئاً﴾ ط ﴿النار﴾ ( لا ) لتعلق كاف التشبيه ﴿فرعون﴾ ( لا ) للعطف، ﴿من قبلهم﴾ ط، ﴿بآياتنا﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿بذنوبهم﴾ ط ﴿العقاب﴾ ه.
ولنذكر ههنا مسائل : الأولى : القرآن دل على أنه بكليته محكم وذلك قوله :
﴿الر كتاب أحكمت آياته﴾[هود: ١]﴿الر تلك آيات الكتاب الحكيم﴾[يوسف: ١] والمراد كون كله كلاماً ملحقاً فصيح الألفاظ صحيح المعاني، وأنه بحيث لا يتمكن أحد من الإتيان بمثله لوثاقة مبانيه وبلاغة معانيه. ودل على أنه بتمامه متشابه ﴿كتاباً متشابهاً مثاني﴾[الزمر: ٢٣] والمراد أنه يشبه بعضه بعضاً في الحسن والإعجاز والبراءة من التناقص والتناقض. ثم إن هذه الآية ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ دلت على أن بعض القرآن محكم وبعضه متشابه. فيعني ههنا بالمحكم ما هو المشترك بين النص والظاهر، وبالمتشابه القدر المشترك بين المجمل والمؤول كما تقرر في المقدمة التاسعة من مقدّمات هذا الكتاب. والإحكام في اللغة المنع وكذا سائر تراكيبه. فالحاكم يمنع الظالم من الظلم، وحكمة اللجام تمنع الفرس من الاضطراب، وفي حديث النخعي " حكم اليتيم كما تحكم ولدك " أي امنعه من الفساد. وسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع عما لا ينبغي وأما التشابه فهو كون الشيئين بحيث يعجز الذهن عن التمييز بينهما. ثم يقال لكل ما لا يهتدي الإنسان إليه متشابه إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، ونظيره المشكل لأنه أشكل أي دخل في شكل غيره، ثم إن كل أحد من أصحاب المذاهب يدعي أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة، ولقول خصمه متشابهة. فالمعتزلي يقول :﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾[الكهف: ٢٩] محكم ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾[التكوير: ٢٩] متشابه. والسني يقلب الأمر في ذلك. وكذا المعتزلي يقول :﴿لا تدركه الأبصار﴾[الأنعام: ١٠٣] محكم وقوله ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾
[القيامة: ٢٢، ٢٣] متشابه. والسني بالعكس. فلا بد من قانون يرجع إليه فنقول : صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بد فيه من دليل منفصل. وهو إما لفظي أو عقلي. والدليل اللفظي لا يكون قاطعاً ألبتة لتوقفه على نقل اللغات، وعلى وجوه التصريف والإعراب، وعلى عدم الاشتراك وعدم المجاز وعدم التخصيص وعدم الإضمار وعدم المعارض النقلي والعقلي، وكل ذلك مظنون، والموقوف على المظنون أولى أن يكون مظنوناً فلا يجوز التعويل عليه في المسائل الأصولية، فإذن لا سبيل إلى صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح إلا بالدلالة القطعية العقلية، على أن معناه الراجح محال عقلاً فإذا قامت هذه الدلالة وعرف المكلف أنه ليس مراد الله تعالى من هذه اللفظ ما أشعر به الظاهر، فعند هذا لا يحتاج إلى أن يعرف أن ذلك المرجوح الذي هو المراد ماذا، لأن السبيل إلى ذلك إنما يكون بترجيح مجاز على مجاز، وترجيح تأويل على تأويل، وذلك الترجيح لا يمكن إلا بالدلائل اللفظية وهي ظنية كما بينا ولا سيما المستعملة في ترجيح مرجوح على مرجوح آخر، فإذن الخوض في تعيين التأويل غير جائز والله أعلم.
المسألة الثانية في حكاية أقوال الناس في المحكم والمتشابه. عن ابن عباس أن المحكمات هي الآيات الثلاث في سورة الأنعام ﴿قل تعالوا﴾[ آية : ١٥١ ] إلى آخرها، وعلى هذا فالمحكم عنده ما لا يتغير باختلاف الشرائع، لأن هذه الآية كذلك. والمتشابهات هي التي اشتبهت على اليهود كأوائل السور، أوّلوها على حساب الجمل ليستخرجوا بقاء هذه الأمة فاختلط الأمر عليهم واشتبه. وعنه أن المحكم هو الناسخ والمتشابه هو المنسوخ. وقال الأصم : المحكم هو الذي يكون دلائله واضحة لائحة كإنشاء الخلق في قوله :﴿فخلقنا النطفة علقة﴾[المؤمنون: ١٤] والمتشابه ما يحتاج في معرفته إلى التدبر والتأمل كآيات البعث، فإن التأمل يجعلها محكمة، فإن من قدر على الإنشاء قدر على الإعادة. فإن عنى الأصم بوضوح الدلائل رجحانها، وبالخفاء خلاف ذلك، فهذا هو الذي ذكرنا من أن المحكم عبارة عن النص والظاهر، والمتشابه المجمل والمؤول. وإن عنى بالواضح ما تعلم صحته بضرورة العقل، وبالخفي ما تعرف صحته بدليل العقل، فكل القرآن متشابه. فإن إنشاء الخلق أيضاً يفتقر إلى دليل عقلي، فإن الدهري ينسب ذلك إلى الطبيعة، والمنجم إلى تأثير الكواكب. ولعل الأصم يسمي ما هو الأبعد عن الغلط لقلة مقدماته وضبطها محكماً، والذي هو غير ذلك متشابهاً. وقيل : كل ما أمكن تحصيل العلم به سواء كان ذلك بدليل جلي أو دليل خفي فهو المحكم، وكل ما لا سبيل إلى معرفته كالعلم بوقت القيامة وبمقادير الثواب والعقاب في حق كل مكلف فذاك متشابه.
المسألة الثالثة في أنه لم جعل بعض القرآن محكماً وبعضه متشابهاً. من الملحدة من طعن فيه وقال : كيف يليق بالحكيم أن يجعل كتابه المرجوع إليه في دينه، الموضوع إلى يوم القيامة بحيث يتمسك به كل صاحب مذهب، فمثبت الرؤية يتمسك بقوله ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾[القيامة: ٢٢، ٢٣] ونافيها يتشبث بقوله ﴿لا تدركه الأبصار﴾[الأنعام: ١٠٣] ومثبت الجهة ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾[النحل: ٥٠]﴿الرحمن على العرش استوى﴾
[طه: ٥] والنافي ﴿ليس كمثله شيء﴾[الشورى: ١١] فكل منهم يسمي الآيات الموافقة لمذهبه محكمة والمخالفة متشابهة، وربما آل الأمر في ترجيح بعضها على بعض إلى وجوه ضعيفة وتراجيح خفية، وهذا لا يليق بالحكمة مع أنه لو جعل كله ظاهراً جلياً خالصاً عن المتشابه نفياً كان أقرب إلى حصول الغرض.
والجواب أنه متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب. وأيضاً لو كان كله محكماً كان مطابقاً لمذهب واحد فقط فكان ينفر أرباب سائر المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه والانتفاع به، وإذا كان مشتملاً على القسمين فحينئذٍ يطمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يؤيد مقالته فيجتهد في فهم معانيه، وبعد الفحص والاستكشاف، صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات، ويتخلص المبطل عن باطلة ويصل إلى الحق. وأيضاً إذا كان فيه محكم ومتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بالدلائل العقلية، فيتخلص من ظلمة التقليد إلى ضياء البينة والاستدلال والطمأنينة، وافتقر أيضاً إلى تحصيل علوم أخر كالصرف والنحو والمعاني والبيان وأصول الفقه وأصول الكلام إلى غير ذلك، ولما في المشابهة من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه. وههنا سبب أقوى وهو أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام، وطباع العامة تنبو في الأغلب عن إدراك الحقائق، فمن سمع منهم في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه ظن أن هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما توهموه وتخيلوه مخلوطاً بما يدل على الحق الصريح. فالأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر من باب المتشابهات، والثاني وهو الذي يكشف لهم آخر الحال من قبيل المحكمات.
قوله ﴿هن أم الكتاب﴾ الأم في اللغة الأصل الذي يتكون منه الشيء. فلما كانت المحكمات مفهومة بذواتها، والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات، فلا جرم صارت المحكمات أصولاً للمتشابهات. وإنما لم يقل أمهات الكتاب ليطابق المبتدأ لأن مجموع المحكمات في تقدير شيء واحد هو الأصل لمجموع المتشابهات، وهذا كقوله ﴿وجعلنا ابن مريم وأمه آية﴾[المؤمنون: ٥٠] على معنى أن مجموعها آية واحدة. ﴿وأخر﴾ أي ومنه آيات آخر ﴿متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ أي ميل عن الحق ﴿فيتبعون ما تشابه منه﴾ لا يتمسكون إلا بالمتشابه. قال الربيع : هم وفد نجران حاجوا رسول الله ﷺ في المسيح فقالوا : أليس هو كلمة الله وروحاً منه ؟ قال ﷺ : بلى. قالوا : حسبنا. وقال الكلبي : هم اليهود طلبوا علم مدة بقاء هذه الأمة من الحروف المقطعة في أوائل السور. وقال قتادة والزجاج : هم منكرو البعث لأنه قال في آخره ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ وما ذاك إلا وقت القيامة فإنه تعالى أخفاها عن الخلائق حتى الملائكة والأنبياء. والتحقيق أنه عام لكل مبطل متشبث بأهداب المتشابهات، لأن اللفظ عام وخصوص السبب لا يمنع عن عموم اللفظ. ويدخل فيه كل ما فيه لبس واشتباه.
ومن جملته ما وعد الله به الرسول من النصرة والكفار من النقمة فكانوا يقولون ائتنا بعذاب الله، ومتى الساعة، ولو ما تأتينا بالملائكة، فموهوا الأمر على الضعفة. قال أهل السنة : ويدخل في هذا الباب استدلال المشبهة بقوله
﴿الرحمن على العرش استوى﴾[طه: ٥] فإنه لما ثبت بصريح العقل امتناع كون الإله في مكان وإلا لزم انقسامه، وكل منقسم مركب، وكل مركب ممكن. فمن تمسك به كان متمسكاً بالمتشابهات. ومن جملة ذلك استدلال المعتزلة بالظواهر الدالة على تفويض الفعل بالكلية إلى العبد فإنه لما ثبت بالبرهان العقلي أن صدور الفعل يتوقف على حصول الداعي وأنه من الله تعالى وإلا تسلسل، فيكون حصول الفعل مع تلك الداعية وعدمه عند عدمها واجباً فيبطل التفويض ويثبت أن الكل بقضاء الله وقدره. وإذا لاحت الدلائل العقلية يجوز للعاقل أن يسمي الآيات الدالة على القضاء والقدر بالمتشابه ؟ بناء على ما اشتهر بين الجمهور من أن كل آية توافق مذهبهم فهي المحكمة، وكل آية تخالفهم فهي المتشابهة. والإنصاف أن الآيات ثلاثة أقسام : أحدها ما يتأكد ظواهرها بالدلائل العقلية فذاك هو المحكم حقاً. وثانيها التي قامت الدلائل القاطعة على امتناع ظواهرها فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد الله غير ظاهره. وثالثها الذي لا يوجد مثل هذه الدلائل على طرفي ثبوته وانتفائه فهو المتشابه بمعنى أن الأمر اشتبه فيه ولم يتميز أحد الجانبين عن الآخر. لكن ههنا عقدة أخرى وهي أن الدليل العقلي مختلف فيه أيضاً بحسب ما رتبه كل فريق وتخيله صادقاً في ظنه مادة وصورة. فكل فريق يدعي بمقتضى فكره أن الدليل العقلي قد قام على ما يوافق مذهبه وتأكد به الظاهر الذي تعلق به، فلا خلاص من البين إلا بتأييد سماوي ونور إلهي
﴿ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور﴾[النور: ٤٠] ثم إنه تعالى بين أن للزائغين غرضين : أحدهما ﴿ابتغاء الفتنة﴾ وهي في اللغة الاستهتار بالشيء والغلو فيه. يقال : فلان مفتون بطلب الدنيا، والرجل مفتون بابنه وبشعره. فكان التمسك بذلك المتشابه يقرر البدعة والباطل في قلبه فيصير مفتوناً به عاشقاً لا ينقطع عنه تخيله ألبتة. وقيل : الفتنة في الدين هو الضلال عنه أي طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم. وعن الأصم : إنهم متى أوقعوا تلك المتشابهات في البين صار بعضهم مخالفاً للبعض في الدين، وذلك يفضي إلى التقاتل والهرج والمرج فذاك هو الفتنة. الغرض الثاني ﴿ابتغاء تأويله﴾ أي طلب المعنى الذي يرجع إليه اللفظ بحسب ما يشتهونه من غير أن يكون قد وجد له في كتاب الله بيان. قال القاضي أبو بكر : هؤلاء الزائغون قد ابتغوا المتشابه من وجهين أحدهما أن يحملوه على غير الحق وهو المراد من قوله ﴿ابتغاء الفتنة﴾ والثاني أن يحكموا بحكم في الموضع الذي لا دليل فيه وهو قوله ﴿وابتغاء تأويله﴾ ثم قال عز من قائل ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ والعلماء اختلفوا في هذا الموضع.
منهم من يقف ههنا، فعلى هذا لا يعلم المتشابه إلا الل
الوقوف :﴿آلم﴾ ج كوفي مختلف فإن غير الأعشى والبرجمي ويزيد والمفضل يصلون. ﴿إلا هو﴾ ج ﴿القيوم﴾ ط ﴿والإنجيل﴾ ط ﴿الفرقان﴾ ط ﴿شديد﴾ ط ﴿انتقام﴾ ه، ﴿في السماء﴾ ط ﴿كيف يشاء﴾ ط ﴿الحكيم﴾ ه، ﴿متشابهات﴾ ط لاستئناف تفصيل ﴿وابتغاء تأويله﴾ ج لأن الواو تصلح استئنافاً والحال أليق ﴿إلا الله﴾ م عند أهل السنة لأنه لو وصل فهم أن الراسخين يعلمون تأويل المتشابه كما يعلم الله، ومن لم يحترز عن هذا وجعل المتشابه غير صفة الله ذاتاً وفعلاً من الأحكام التي يدخلها القياس والتأويل وجعل المحكمات الأصول النصوص المجمع عليها فعطف قوله ﴿والراسخون﴾ على اسم الله وجعل ﴿يقولون﴾ حالاً لهم ساغ له أن لا يقف على ﴿إلا الله﴾. ﴿آمنا به﴾ ( لا ) لأن قوله ﴿كل من عند ربنا﴾ من مقولهم فإن التسليم من تمام الإيمان. ﴿من عند ربنا﴾ ج لاحتمال أن ما بعده مقولهم ﴿الألباب﴾ ه، ﴿رحمة﴾ ج للابتداء بأن ولاحتمال لام التعليل أو فاء التعقيب للتسبيب ﴿الوهاب﴾ ه، ﴿فيه﴾ ط ﴿الميعاد﴾ ه، ﴿شيئاً﴾ ط ﴿النار﴾ ( لا ) لتعلق كاف التشبيه ﴿فرعون﴾ ( لا ) للعطف، ﴿من قبلهم﴾ ط، ﴿بآياتنا﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿بذنوبهم﴾ ط ﴿العقاب﴾ ه.
ولنذكر ههنا مسائل : الأولى : القرآن دل على أنه بكليته محكم وذلك قوله :
﴿الر كتاب أحكمت آياته﴾[هود: ١]﴿الر تلك آيات الكتاب الحكيم﴾[يوسف: ١] والمراد كون كله كلاماً ملحقاً فصيح الألفاظ صحيح المعاني، وأنه بحيث لا يتمكن أحد من الإتيان بمثله لوثاقة مبانيه وبلاغة معانيه. ودل على أنه بتمامه متشابه ﴿كتاباً متشابهاً مثاني﴾[الزمر: ٢٣] والمراد أنه يشبه بعضه بعضاً في الحسن والإعجاز والبراءة من التناقص والتناقض. ثم إن هذه الآية ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ دلت على أن بعض القرآن محكم وبعضه متشابه. فيعني ههنا بالمحكم ما هو المشترك بين النص والظاهر، وبالمتشابه القدر المشترك بين المجمل والمؤول كما تقرر في المقدمة التاسعة من مقدّمات هذا الكتاب. والإحكام في اللغة المنع وكذا سائر تراكيبه. فالحاكم يمنع الظالم من الظلم، وحكمة اللجام تمنع الفرس من الاضطراب، وفي حديث النخعي " حكم اليتيم كما تحكم ولدك " أي امنعه من الفساد. وسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع عما لا ينبغي وأما التشابه فهو كون الشيئين بحيث يعجز الذهن عن التمييز بينهما. ثم يقال لكل ما لا يهتدي الإنسان إليه متشابه إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، ونظيره المشكل لأنه أشكل أي دخل في شكل غيره، ثم إن كل أحد من أصحاب المذاهب يدعي أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة، ولقول خصمه متشابهة. فالمعتزلي يقول :﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾[الكهف: ٢٩] محكم ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾[التكوير: ٢٩] متشابه. والسني يقلب الأمر في ذلك. وكذا المعتزلي يقول :﴿لا تدركه الأبصار﴾[الأنعام: ١٠٣] محكم وقوله ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾
[القيامة: ٢٢، ٢٣] متشابه. والسني بالعكس. فلا بد من قانون يرجع إليه فنقول : صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بد فيه من دليل منفصل. وهو إما لفظي أو عقلي. والدليل اللفظي لا يكون قاطعاً ألبتة لتوقفه على نقل اللغات، وعلى وجوه التصريف والإعراب، وعلى عدم الاشتراك وعدم المجاز وعدم التخصيص وعدم الإضمار وعدم المعارض النقلي والعقلي، وكل ذلك مظنون، والموقوف على المظنون أولى أن يكون مظنوناً فلا يجوز التعويل عليه في المسائل الأصولية، فإذن لا سبيل إلى صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح إلا بالدلالة القطعية العقلية، على أن معناه الراجح محال عقلاً فإذا قامت هذه الدلالة وعرف المكلف أنه ليس مراد الله تعالى من هذه اللفظ ما أشعر به الظاهر، فعند هذا لا يحتاج إلى أن يعرف أن ذلك المرجوح الذي هو المراد ماذا، لأن السبيل إلى ذلك إنما يكون بترجيح مجاز على مجاز، وترجيح تأويل على تأويل، وذلك الترجيح لا يمكن إلا بالدلائل اللفظية وهي ظنية كما بينا ولا سيما المستعملة في ترجيح مرجوح على مرجوح آخر، فإذن الخوض في تعيين التأويل غير جائز والله أعلم.
المسألة الثانية في حكاية أقوال الناس في المحكم والمتشابه. عن ابن عباس أن المحكمات هي الآيات الثلاث في سورة الأنعام ﴿قل تعالوا﴾[ آية : ١٥١ ] إلى آخرها، وعلى هذا فالمحكم عنده ما لا يتغير باختلاف الشرائع، لأن هذه الآية كذلك. والمتشابهات هي التي اشتبهت على اليهود كأوائل السور، أوّلوها على حساب الجمل ليستخرجوا بقاء هذه الأمة فاختلط الأمر عليهم واشتبه. وعنه أن المحكم هو الناسخ والمتشابه هو المنسوخ. وقال الأصم : المحكم هو الذي يكون دلائله واضحة لائحة كإنشاء الخلق في قوله :﴿فخلقنا النطفة علقة﴾[المؤمنون: ١٤] والمتشابه ما يحتاج في معرفته إلى التدبر والتأمل كآيات البعث، فإن التأمل يجعلها محكمة، فإن من قدر على الإنشاء قدر على الإعادة. فإن عنى الأصم بوضوح الدلائل رجحانها، وبالخفاء خلاف ذلك، فهذا هو الذي ذكرنا من أن المحكم عبارة عن النص والظاهر، والمتشابه المجمل والمؤول. وإن عنى بالواضح ما تعلم صحته بضرورة العقل، وبالخفي ما تعرف صحته بدليل العقل، فكل القرآن متشابه. فإن إنشاء الخلق أيضاً يفتقر إلى دليل عقلي، فإن الدهري ينسب ذلك إلى الطبيعة، والمنجم إلى تأثير الكواكب. ولعل الأصم يسمي ما هو الأبعد عن الغلط لقلة مقدماته وضبطها محكماً، والذي هو غير ذلك متشابهاً. وقيل : كل ما أمكن تحصيل العلم به سواء كان ذلك بدليل جلي أو دليل خفي فهو المحكم، وكل ما لا سبيل إلى معرفته كالعلم بوقت القيامة وبمقادير الثواب والعقاب في حق كل مكلف فذاك متشابه.
المسألة الثالثة في أنه لم جعل بعض القرآن محكماً وبعضه متشابهاً. من الملحدة من طعن فيه وقال : كيف يليق بالحكيم أن يجعل كتابه المرجوع إليه في دينه، الموضوع إلى يوم القيامة بحيث يتمسك به كل صاحب مذهب، فمثبت الرؤية يتمسك بقوله ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾[القيامة: ٢٢، ٢٣] ونافيها يتشبث بقوله ﴿لا تدركه الأبصار﴾[الأنعام: ١٠٣] ومثبت الجهة ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾[النحل: ٥٠]﴿الرحمن على العرش استوى﴾
[طه: ٥] والنافي ﴿ليس كمثله شيء﴾[الشورى: ١١] فكل منهم يسمي الآيات الموافقة لمذهبه محكمة والمخالفة متشابهة، وربما آل الأمر في ترجيح بعضها على بعض إلى وجوه ضعيفة وتراجيح خفية، وهذا لا يليق بالحكمة مع أنه لو جعل كله ظاهراً جلياً خالصاً عن المتشابه نفياً كان أقرب إلى حصول الغرض.
والجواب أنه متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب. وأيضاً لو كان كله محكماً كان مطابقاً لمذهب واحد فقط فكان ينفر أرباب سائر المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه والانتفاع به، وإذا كان مشتملاً على القسمين فحينئذٍ يطمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يؤيد مقالته فيجتهد في فهم معانيه، وبعد الفحص والاستكشاف، صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات، ويتخلص المبطل عن باطلة ويصل إلى الحق. وأيضاً إذا كان فيه محكم ومتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بالدلائل العقلية، فيتخلص من ظلمة التقليد إلى ضياء البينة والاستدلال والطمأنينة، وافتقر أيضاً إلى تحصيل علوم أخر كالصرف والنحو والمعاني والبيان وأصول الفقه وأصول الكلام إلى غير ذلك، ولما في المشابهة من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه. وههنا سبب أقوى وهو أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام، وطباع العامة تنبو في الأغلب عن إدراك الحقائق، فمن سمع منهم في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه ظن أن هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما توهموه وتخيلوه مخلوطاً بما يدل على الحق الصريح. فالأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر من باب المتشابهات، والثاني وهو الذي يكشف لهم آخر الحال من قبيل المحكمات.
قوله ﴿هن أم الكتاب﴾ الأم في اللغة الأصل الذي يتكون منه الشيء. فلما كانت المحكمات مفهومة بذواتها، والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات، فلا جرم صارت المحكمات أصولاً للمتشابهات. وإنما لم يقل أمهات الكتاب ليطابق المبتدأ لأن مجموع المحكمات في تقدير شيء واحد هو الأصل لمجموع المتشابهات، وهذا كقوله ﴿وجعلنا ابن مريم وأمه آية﴾[المؤمنون: ٥٠] على معنى أن مجموعها آية واحدة. ﴿وأخر﴾ أي ومنه آيات آخر ﴿متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ أي ميل عن الحق ﴿فيتبعون ما تشابه منه﴾ لا يتمسكون إلا بالمتشابه. قال الربيع : هم وفد نجران حاجوا رسول الله ﷺ في المسيح فقالوا : أليس هو كلمة الله وروحاً منه ؟ قال ﷺ : بلى. قالوا : حسبنا. وقال الكلبي : هم اليهود طلبوا علم مدة بقاء هذه الأمة من الحروف المقطعة في أوائل السور. وقال قتادة والزجاج : هم منكرو البعث لأنه قال في آخره ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ وما ذاك إلا وقت القيامة فإنه تعالى أخفاها عن الخلائق حتى الملائكة والأنبياء. والتحقيق أنه عام لكل مبطل متشبث بأهداب المتشابهات، لأن اللفظ عام وخصوص السبب لا يمنع عن عموم اللفظ. ويدخل فيه كل ما فيه لبس واشتباه.
ومن جملته ما وعد الله به الرسول من النصرة والكفار من النقمة فكانوا يقولون ائتنا بعذاب الله، ومتى الساعة، ولو ما تأتينا بالملائكة، فموهوا الأمر على الضعفة. قال أهل السنة : ويدخل في هذا الباب استدلال المشبهة بقوله
﴿الرحمن على العرش استوى﴾[طه: ٥] فإنه لما ثبت بصريح العقل امتناع كون الإله في مكان وإلا لزم انقسامه، وكل منقسم مركب، وكل مركب ممكن. فمن تمسك به كان متمسكاً بالمتشابهات. ومن جملة ذلك استدلال المعتزلة بالظواهر الدالة على تفويض الفعل بالكلية إلى العبد فإنه لما ثبت بالبرهان العقلي أن صدور الفعل يتوقف على حصول الداعي وأنه من الله تعالى وإلا تسلسل، فيكون حصول الفعل مع تلك الداعية وعدمه عند عدمها واجباً فيبطل التفويض ويثبت أن الكل بقضاء الله وقدره. وإذا لاحت الدلائل العقلية يجوز للعاقل أن يسمي الآيات الدالة على القضاء والقدر بالمتشابه ؟ بناء على ما اشتهر بين الجمهور من أن كل آية توافق مذهبهم فهي المحكمة، وكل آية تخالفهم فهي المتشابهة. والإنصاف أن الآيات ثلاثة أقسام : أحدها ما يتأكد ظواهرها بالدلائل العقلية فذاك هو المحكم حقاً. وثانيها التي قامت الدلائل القاطعة على امتناع ظواهرها فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد الله غير ظاهره. وثالثها الذي لا يوجد مثل هذه الدلائل على طرفي ثبوته وانتفائه فهو المتشابه بمعنى أن الأمر اشتبه فيه ولم يتميز أحد الجانبين عن الآخر. لكن ههنا عقدة أخرى وهي أن الدليل العقلي مختلف فيه أيضاً بحسب ما رتبه كل فريق وتخيله صادقاً في ظنه مادة وصورة. فكل فريق يدعي بمقتضى فكره أن الدليل العقلي قد قام على ما يوافق مذهبه وتأكد به الظاهر الذي تعلق به، فلا خلاص من البين إلا بتأييد سماوي ونور إلهي
﴿ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور﴾[النور: ٤٠] ثم إنه تعالى بين أن للزائغين غرضين : أحدهما ﴿ابتغاء الفتنة﴾ وهي في اللغة الاستهتار بالشيء والغلو فيه. يقال : فلان مفتون بطلب الدنيا، والرجل مفتون بابنه وبشعره. فكان التمسك بذلك المتشابه يقرر البدعة والباطل في قلبه فيصير مفتوناً به عاشقاً لا ينقطع عنه تخيله ألبتة. وقيل : الفتنة في الدين هو الضلال عنه أي طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم. وعن الأصم : إنهم متى أوقعوا تلك المتشابهات في البين صار بعضهم مخالفاً للبعض في الدين، وذلك يفضي إلى التقاتل والهرج والمرج فذاك هو الفتنة. الغرض الثاني ﴿ابتغاء تأويله﴾ أي طلب المعنى الذي يرجع إليه اللفظ بحسب ما يشتهونه من غير أن يكون قد وجد له في كتاب الله بيان. قال القاضي أبو بكر : هؤلاء الزائغون قد ابتغوا المتشابه من وجهين أحدهما أن يحملوه على غير الحق وهو المراد من قوله ﴿ابتغاء الفتنة﴾ والثاني أن يحكموا بحكم في الموضع الذي لا دليل فيه وهو قوله ﴿وابتغاء تأويله﴾ ثم قال عز من قائل ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ والعلماء اختلفوا في هذا الموضع.
منهم من يقف ههنا، فعلى هذا لا يعلم المتشابه إلا الل