الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي
عن الكتاب
﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾ متقنات مبينات مفصلات.
﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي أصله الذي يعمل عليه في الأحكام ويجمع الحلال والحرام ويفرَّغ لأهل الإسلام، وهنَّ آيات التوراة والإنجيل والقرآن، وفي كل كتاب يرضى به أهل كل دين، ولا يختلف فيه أهل كل بلد.
والعرب تسمي كلَّ شيء فاضل جامع يكون مرجعاً لقوم، كما قيل للَّوح المحفوظ : أم الكتاب، والفاتحة : أمُّ القرآن، ولمكَّه : أمَّ القرى وللدماغ : أمُّ الرأس، وللوالدة : أم، وللراية : أم، وللرجل الذي يقوم بأمر العيال : أم، وللبقرة والناقة أو الشاة التي يعيش بها أهل الدار : أم، وكان عيسى ( عليه السلام ) يقول :" للماء هذا أبي "، وللخبز :" هذه أُمَّي " ؛ لأنَّ قوام الأبدان بهما.
وإنَّما قال أُمَّ الكتاب ولم يقل أُمَّهات الكتب ؛ لأنَّ الآيات كلها في تكاملها واجتماعها كالآية الواحدة، وكلام اللّه واحدٌ.
وقيل : معناه كلمة واحدة فهُنَّ أُمَّ الكتاب كما قال :
﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] أي كل واحد منهما آية.
﴿وَأُخَرُ﴾ : جمع أخرى ولم يصرف ؛ لأنَّه معدول عن أواخر، مثل عُمر، وزفر وهو قاله الكسائي.
وقيل : ترك أخراه ؛ لانَّه نعت مثل جُمع، وكُسع لم يصرفا ؛ لأنَّهما نعتان.
وقيل : لأنَّه مبني على واحدة في ترك الصرف وواحدة اخرى غير مصروف.
﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾ : تشبه بعضها بعضا، واختلف العلماء في المحكم والمتشابه كليهما فقال قتادة والربيع والضحاك والسدي :" المحكم : الناسخ الذي يُعمل له ".
" والمتشابه : المنسوخ الذي يؤمن به ولا يعمل به، هي رواية عطيه عن ابن عباس ". روى علي ابن أبي طلحة عنه قال :" محكمات القرآن ناسخة، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه، وما يؤمر به ويعمل به ".
والمتشابه : منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله واقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به.
زهير بن معاوية عن أبي إسحاق قال : قال ابن عباس : قوله تعالى :﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾ قال : هي الثلاث الآيات في سورة الأنعام
﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى آخر الآيات الثلاث، نظيرها في سورة بني اسرائيل
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾
وقال مجاهد، وعكرمة :" المحكم : ما فيه من الحلال والحرام وما سوى ذلك متشابه ( يصدَّق ) بعضها بعضا ".
قد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير قال : المحكم : مالا يُحتمل من التأويل غير وجه واحد.
والمتشابه : ما أحتمل من التأويل أوجهاً.
وقال ابن زبير : من المحكم ما ذكر اللّه تعالى في كتابه من قصص الانبياء ( عليهم السلام )، وفصلت وتنتهِ لمحمد ﷺ وأمَّته، كما ذكر قصة نوح في أربع وعشرين آية منها، وقصة هود في عشر آيات، وقصّة صالح في ثمان آيات، وقصة إبراهيم في ثمان آيات، وقصة لوط في ثمان آيات، وقصة شعيب في عشر آيات، وقصة موسى في آيات كثيرة.
وذكر ( آيات ) حديث رسول اللّه ﷺ في أربع وعشرين آية.
والمتشابه : هو ما اختلف به الالفاظ من قصصهم عند التكرير، كما قال في موضع من قصة نوح :
﴿قُلْنَا احْمِلْ﴾ [هود: ٤٠] وقال وفي موضع آخر :
﴿فَاسْلُكْ﴾ [المؤمنون: ٢٧].
وقال في ذكر عصا موسى :
﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠]، وقال في موضع آخر :
﴿ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] ونحوها.
وإن بعضهم قال :" المحكم : ما عرف العلماء تأويله، وفهموا معناه ".
" والمتشابه : ما ليس لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر اللّه بعلمه " وذلك نحو الخبر عن وقت خروج الدجّال، ونزول عيسى، وطلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناء الدَّنيا، ومحوها.
وقال أبو فاختة :" المحكمات التي هنَّ أم الكتاب فواتح السور منها يستخرج القرآن
﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١-٢] منها استخرجت البقرة، و
﴿الم * اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١-٢] أستخرجت آل عمران.
وقال ابن كيسان :" المحكمات حجتها واضحة، ودلائلها لائحة، لا حاجة بمن سمعها الى طلب معانيها في المتشابه الذي شك علمه، بالنظر فيه يعرف العوَّام تفصيل الحق فيه من الباطل ".
وقال بعضهم :" المحكم ما أجمع على تأويله، والمتشابه ما ليس معناه واضح ".
وقال أبو عثمان : المحكم فاتحة الكتاب.
وقال الشعبي : رأيتُ في بعض التفاسير أنَّ المتشابه هو ( ما خفي لفظه والمحكم ما كان لفظه واضح وعلى هذا القرآن كلّه ) محكم من وجه على معنى ( بشدَّة ) [. . . . . ]، قال اللّه تعالى :
﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١].
والمتشابه من وجه فهو إنَّه يشبه بعضه بعضاً في الحسن ويصدق بعضه بعضاً.
وقال ابن عبَّاس في رواية شاذان : المتشابه حروف التهجَّي في أوائل السَّور، وذلك بأنَّ حكام اليهود هم حُيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف ونظراءهما أتوا النبي صلى اللّه عليه وسلَّم فقال له حيَّي : بلغنا أنَّه أُنزل عليك ( آلم ) أأُنزلت عليك ؟ قال : نعم، فإن كان ذلك حقَّاً فإنَّي أعلم من هلك بأُمَّتك وهو إحدى وسبعون سنة فهل أنزلت عليك غيرها ؟ قال : نعم والى
﴿المص﴾ [الأعراف: ١]، قال : هذه أكبر من تلك هي إحدى وستون ومائة سنة فربما غيرها ؟ قال : نعم
﴿الر﴾ [يونس: ١] قال : هذه أكثر من مائة وسبعون سنة ولقد خلطت علينا فلا ندري أبكثيره نأخذ أم بقليلة ؟ ونحن ممَّن لا يؤمن بهذا، فأنزل تعالى :﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ : أي ميل عن الحق، وقيل : شك.
﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْه﴾ : اختلفوا في معنى هذه الآية، فقال الربيع : هم وفد نجران خاصموا النبي صلى اللّه عليه وسلَّم وقالوا : ألست تعلم أنَّه كلمة اللّه وروح منه ؟ قال : بلى، قالوا : فحسبنا ذلك، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.
وقال الكلبي : هم اليهود [ أجهل ] هذه الأمَّة باستخراجه بحساب الجمل. وقال ابن جري : هم المنافقون. [ قال ] الحسن : هم الخوارج.
وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ قال : إن لم يكونوا آخرون فالسبابيَّة ولا أدري من هم.
وقال بعضهم : هم جميع المُحدثة.
وروي حمَّاد بن سلمة وأبو الوليد يزيد بن أبي ميثم وأبوه جميعاً عن عبد اللّه بن أبي مليكة الفتح عن عائشة : أنَّ رسول اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم قرأ هذه الآية :﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ فقال صلَّى اللّه عليه وسلَّم :" إذا رأيتم الَّذين يسألون عمَّا تشابه منه ويجادلون فيه الَّذين عنى اللّه عزَّ وجل فاحذروهم ولا تخالطوهم ".
﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ : طلب الشرك قالهُ الربيع، والسدي، وابن الزبير، ومجاهد : ابتغاء الشبهات واللبس ليضلّوا بها جهّالهم.
﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ : تفسيره وعلمهُ دليله قوله تعالى :
﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾ [الكهف: ٧٨].
وقيل : ابتغاء عاقبته، وطلب مدة أجل محمَّد، وامته من حساب الجمل، دليله قوله تعالى
﴿ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩] أي عاقبته، وأصلهُ من قول العرب : تأول الفتى إذا انتهى.
قال : الأعشى :
يقول : هذا السجيُ لها فانقرت لها وابتغتها، قال اللّه تعالى :﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ واختلف العلماء في نظم هذه الآية وحكمها.
فقال قوم : الواو في قوله ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ واو العطف، يعني أن تأويل المتشابه يعلمهُ اللّه ويعلمهُ الراسخون في العلم وهم مع علمهم يقولون :﴿آمَنَّا بِهِ﴾.
وهو قول مجاهد والربيع، ومحمد بن جعفر بن الزبير، واختيار القتيبي قالوا : معناها يعلمونه ويقولون آمنا به فيكون قوله : يقولون، حالاً والمعنى : الراسخون في العلم قائلين آمنَّا به.
قال ابن المفرغ الحميري :
أراد والبرق لامعاً في غمامه وتبكي شجوه أيضاً، ولو لم يكن البرق يشرك الريح في البكاء لم يكن لذكر البرق ولمعانهُ معنى.
ودليل هذا التأويل قولهُ :
﴿مَّآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧]. ثم قال :
﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] الآية.
ثم قال :
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] : أي والذين تبؤوا الدار، ثم قال :
﴿وَالَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] :. ثم أخبر عنهم أنَّهم
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ [الحشر: ١٠] الآية.
ولا شك في أنَّ قوله :
﴿وَالَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠]عطف على قوله :
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ [الحشر: ٩]، وانَّهم يشاركون للفقراء المهاجرين والأنصار في الفيء و
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ [الحشر: ١٠] من جملة
﴿وَالَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠]. فمعنى الآية
﴿وَالَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] وهم مع استحقاقهم الفيء
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ [الحشر: ١٠] أي قائلين على الحال. فكذلك هاهنا في
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا﴾ [الحشر: ١٠] أي ويقولون آمنا به.
ومما يؤيد هذا القول أنَّ اللّه تعالى لم ينزل كتابه إلاّ لينتفع له مبارك، ويدل عليه على المعنى الذي ارادهُ فقال :
﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُواْ آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال :
﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥].
والمبين الظاهر، وقال :
﴿بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ﴾ [الأعراف: ٥٢]. فوصف جميعهُ بالتفصيل والتبيين وقال :
﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
ولا يجوز أن تبَّين مالا يعلم، وإذا جاز أن يعرفهُ الرسول صلى اللّه عليه وسلَّم مع قوله لا يعلمهُ إلاّ اللّه، جاز أن يعرفهُ الربانيون من أصحابه.
وقال :
﴿اتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] ولا تؤمر باتَّباع مالا يُعلم ؛ ولأنَّه لولم يكن للراسخين في العلم هذا لم يكن لهم على المعلمين والجهال فضلُ ؛ لأنهم ايضاً يقولون آمنا به.
﴿كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ : ولأنَّا لم نر من المفسرين على هذه الغاية [ قوماً ] يوفقوا عن شيء من تفسير القرآن وقالوا : هذا متشابه لا يعلمهُ إلاّ اللّه، بل أعزوه كله وفسروه حتى حروف التهجي وغيرها.
وكان ابن عباس يقول : في هذه الآية : أنا من الراسخين في العلم.
وقرأ مجاهد هذه الآية وقال : أنا ممّن يعلم تأويله.
وروى سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال : ك
﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي أصله الذي يعمل عليه في الأحكام ويجمع الحلال والحرام ويفرَّغ لأهل الإسلام، وهنَّ آيات التوراة والإنجيل والقرآن، وفي كل كتاب يرضى به أهل كل دين، ولا يختلف فيه أهل كل بلد.
والعرب تسمي كلَّ شيء فاضل جامع يكون مرجعاً لقوم، كما قيل للَّوح المحفوظ : أم الكتاب، والفاتحة : أمُّ القرآن، ولمكَّه : أمَّ القرى وللدماغ : أمُّ الرأس، وللوالدة : أم، وللراية : أم، وللرجل الذي يقوم بأمر العيال : أم، وللبقرة والناقة أو الشاة التي يعيش بها أهل الدار : أم، وكان عيسى ( عليه السلام ) يقول :" للماء هذا أبي "، وللخبز :" هذه أُمَّي " ؛ لأنَّ قوام الأبدان بهما.
وإنَّما قال أُمَّ الكتاب ولم يقل أُمَّهات الكتب ؛ لأنَّ الآيات كلها في تكاملها واجتماعها كالآية الواحدة، وكلام اللّه واحدٌ.
وقيل : معناه كلمة واحدة فهُنَّ أُمَّ الكتاب كما قال :
﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] أي كل واحد منهما آية.
﴿وَأُخَرُ﴾ : جمع أخرى ولم يصرف ؛ لأنَّه معدول عن أواخر، مثل عُمر، وزفر وهو قاله الكسائي.
وقيل : ترك أخراه ؛ لانَّه نعت مثل جُمع، وكُسع لم يصرفا ؛ لأنَّهما نعتان.
وقيل : لأنَّه مبني على واحدة في ترك الصرف وواحدة اخرى غير مصروف.
﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾ : تشبه بعضها بعضا، واختلف العلماء في المحكم والمتشابه كليهما فقال قتادة والربيع والضحاك والسدي :" المحكم : الناسخ الذي يُعمل له ".
" والمتشابه : المنسوخ الذي يؤمن به ولا يعمل به، هي رواية عطيه عن ابن عباس ". روى علي ابن أبي طلحة عنه قال :" محكمات القرآن ناسخة، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه، وما يؤمر به ويعمل به ".
والمتشابه : منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله واقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به.
زهير بن معاوية عن أبي إسحاق قال : قال ابن عباس : قوله تعالى :﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾ قال : هي الثلاث الآيات في سورة الأنعام
﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى آخر الآيات الثلاث، نظيرها في سورة بني اسرائيل
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾
وقال مجاهد، وعكرمة :" المحكم : ما فيه من الحلال والحرام وما سوى ذلك متشابه ( يصدَّق ) بعضها بعضا ".
قد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير قال : المحكم : مالا يُحتمل من التأويل غير وجه واحد.
والمتشابه : ما أحتمل من التأويل أوجهاً.
وقال ابن زبير : من المحكم ما ذكر اللّه تعالى في كتابه من قصص الانبياء ( عليهم السلام )، وفصلت وتنتهِ لمحمد ﷺ وأمَّته، كما ذكر قصة نوح في أربع وعشرين آية منها، وقصة هود في عشر آيات، وقصّة صالح في ثمان آيات، وقصة إبراهيم في ثمان آيات، وقصة لوط في ثمان آيات، وقصة شعيب في عشر آيات، وقصة موسى في آيات كثيرة.
وذكر ( آيات ) حديث رسول اللّه ﷺ في أربع وعشرين آية.
والمتشابه : هو ما اختلف به الالفاظ من قصصهم عند التكرير، كما قال في موضع من قصة نوح :
﴿قُلْنَا احْمِلْ﴾ [هود: ٤٠] وقال وفي موضع آخر :
﴿فَاسْلُكْ﴾ [المؤمنون: ٢٧].
وقال في ذكر عصا موسى :
﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠]، وقال في موضع آخر :
﴿ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] ونحوها.
وإن بعضهم قال :" المحكم : ما عرف العلماء تأويله، وفهموا معناه ".
" والمتشابه : ما ليس لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر اللّه بعلمه " وذلك نحو الخبر عن وقت خروج الدجّال، ونزول عيسى، وطلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناء الدَّنيا، ومحوها.
وقال أبو فاختة :" المحكمات التي هنَّ أم الكتاب فواتح السور منها يستخرج القرآن
﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١-٢] منها استخرجت البقرة، و
﴿الم * اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١-٢] أستخرجت آل عمران.
وقال ابن كيسان :" المحكمات حجتها واضحة، ودلائلها لائحة، لا حاجة بمن سمعها الى طلب معانيها في المتشابه الذي شك علمه، بالنظر فيه يعرف العوَّام تفصيل الحق فيه من الباطل ".
وقال بعضهم :" المحكم ما أجمع على تأويله، والمتشابه ما ليس معناه واضح ".
وقال أبو عثمان : المحكم فاتحة الكتاب.
وقال الشعبي : رأيتُ في بعض التفاسير أنَّ المتشابه هو ( ما خفي لفظه والمحكم ما كان لفظه واضح وعلى هذا القرآن كلّه ) محكم من وجه على معنى ( بشدَّة ) [. . . . . ]، قال اللّه تعالى :
﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١].
والمتشابه من وجه فهو إنَّه يشبه بعضه بعضاً في الحسن ويصدق بعضه بعضاً.
وقال ابن عبَّاس في رواية شاذان : المتشابه حروف التهجَّي في أوائل السَّور، وذلك بأنَّ حكام اليهود هم حُيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف ونظراءهما أتوا النبي صلى اللّه عليه وسلَّم فقال له حيَّي : بلغنا أنَّه أُنزل عليك ( آلم ) أأُنزلت عليك ؟ قال : نعم، فإن كان ذلك حقَّاً فإنَّي أعلم من هلك بأُمَّتك وهو إحدى وسبعون سنة فهل أنزلت عليك غيرها ؟ قال : نعم والى
﴿المص﴾ [الأعراف: ١]، قال : هذه أكبر من تلك هي إحدى وستون ومائة سنة فربما غيرها ؟ قال : نعم
﴿الر﴾ [يونس: ١] قال : هذه أكثر من مائة وسبعون سنة ولقد خلطت علينا فلا ندري أبكثيره نأخذ أم بقليلة ؟ ونحن ممَّن لا يؤمن بهذا، فأنزل تعالى :﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ : أي ميل عن الحق، وقيل : شك.
﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْه﴾ : اختلفوا في معنى هذه الآية، فقال الربيع : هم وفد نجران خاصموا النبي صلى اللّه عليه وسلَّم وقالوا : ألست تعلم أنَّه كلمة اللّه وروح منه ؟ قال : بلى، قالوا : فحسبنا ذلك، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.
وقال الكلبي : هم اليهود [ أجهل ] هذه الأمَّة باستخراجه بحساب الجمل. وقال ابن جري : هم المنافقون. [ قال ] الحسن : هم الخوارج.
وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ قال : إن لم يكونوا آخرون فالسبابيَّة ولا أدري من هم.
وقال بعضهم : هم جميع المُحدثة.
وروي حمَّاد بن سلمة وأبو الوليد يزيد بن أبي ميثم وأبوه جميعاً عن عبد اللّه بن أبي مليكة الفتح عن عائشة : أنَّ رسول اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم قرأ هذه الآية :﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ فقال صلَّى اللّه عليه وسلَّم :" إذا رأيتم الَّذين يسألون عمَّا تشابه منه ويجادلون فيه الَّذين عنى اللّه عزَّ وجل فاحذروهم ولا تخالطوهم ".
﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ : طلب الشرك قالهُ الربيع، والسدي، وابن الزبير، ومجاهد : ابتغاء الشبهات واللبس ليضلّوا بها جهّالهم.
﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ : تفسيره وعلمهُ دليله قوله تعالى :
﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾ [الكهف: ٧٨].
وقيل : ابتغاء عاقبته، وطلب مدة أجل محمَّد، وامته من حساب الجمل، دليله قوله تعالى
﴿ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩] أي عاقبته، وأصلهُ من قول العرب : تأول الفتى إذا انتهى.
قال : الأعشى :
| على أنّها كانت تأوّل جها | تأوّل ربعي السقاب فأصحبا |
فقال قوم : الواو في قوله ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ واو العطف، يعني أن تأويل المتشابه يعلمهُ اللّه ويعلمهُ الراسخون في العلم وهم مع علمهم يقولون :﴿آمَنَّا بِهِ﴾.
وهو قول مجاهد والربيع، ومحمد بن جعفر بن الزبير، واختيار القتيبي قالوا : معناها يعلمونه ويقولون آمنا به فيكون قوله : يقولون، حالاً والمعنى : الراسخون في العلم قائلين آمنَّا به.
قال ابن المفرغ الحميري :
| أضربت حبك من امامه | من بعد أيام برامه |
| الريح تبكي شجوها | والبرق يلمعُ في الغمامة |
ودليل هذا التأويل قولهُ :
﴿مَّآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧]. ثم قال :
﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] الآية.
ثم قال :
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] : أي والذين تبؤوا الدار، ثم قال :
﴿وَالَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] :. ثم أخبر عنهم أنَّهم
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ [الحشر: ١٠] الآية.
ولا شك في أنَّ قوله :
﴿وَالَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠]عطف على قوله :
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ [الحشر: ٩]، وانَّهم يشاركون للفقراء المهاجرين والأنصار في الفيء و
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ [الحشر: ١٠] من جملة
﴿وَالَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠]. فمعنى الآية
﴿وَالَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] وهم مع استحقاقهم الفيء
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ [الحشر: ١٠] أي قائلين على الحال. فكذلك هاهنا في
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا﴾ [الحشر: ١٠] أي ويقولون آمنا به.
ومما يؤيد هذا القول أنَّ اللّه تعالى لم ينزل كتابه إلاّ لينتفع له مبارك، ويدل عليه على المعنى الذي ارادهُ فقال :
﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُواْ آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال :
﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥].
والمبين الظاهر، وقال :
﴿بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ﴾ [الأعراف: ٥٢]. فوصف جميعهُ بالتفصيل والتبيين وقال :
﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
ولا يجوز أن تبَّين مالا يعلم، وإذا جاز أن يعرفهُ الرسول صلى اللّه عليه وسلَّم مع قوله لا يعلمهُ إلاّ اللّه، جاز أن يعرفهُ الربانيون من أصحابه.
وقال :
﴿اتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] ولا تؤمر باتَّباع مالا يُعلم ؛ ولأنَّه لولم يكن للراسخين في العلم هذا لم يكن لهم على المعلمين والجهال فضلُ ؛ لأنهم ايضاً يقولون آمنا به.
﴿كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ : ولأنَّا لم نر من المفسرين على هذه الغاية [ قوماً ] يوفقوا عن شيء من تفسير القرآن وقالوا : هذا متشابه لا يعلمهُ إلاّ اللّه، بل أعزوه كله وفسروه حتى حروف التهجي وغيرها.
وكان ابن عباس يقول : في هذه الآية : أنا من الراسخين في العلم.
وقرأ مجاهد هذه الآية وقال : أنا ممّن يعلم تأويله.
وروى سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال : ك